ترجمة: جود الدهيشي
لا يُجدي لتعاطف القادة أثرًا فعليًا عندما تفتقر المنظمة نفسها ــ بما في ذلك عملياتها وقراراتها وأنظمتها ــ إلى روح الاهتمام، وفيما يلي أربعُ استراتيجياتٍ لمعالجة هذه الإشكالية.
ميليسا سويفت
إن الأمر صعب هناك، أليس كذلك؟
عالم الأعمال هو عالم “القوي يأكل الضعيف”؛ لذا، أنت “تسبح مع أسماك القرش”؛ كمثل رواية أمير الذباب، فتشجّع يا عزيزي!
الأمر المضحك في الطريقة التي نتحدث بها عن وحشيّة الحياة في المنظمات هو أن التعابير المجازية بنفسها خاطئة، فالكلاب لا تتقصّى كلابًا أخرى من أجل أكلها، وهجمات أسماك القرش “الأشخاص الخطيرين” غير المستفزّة نادرة للغاية؛ فحينما عُرضت رواية أمير الذباب في الحياة الواقعية عندما تقطعت السبل بمجموعة من تلاميذ المدارس في الجزيرة، تعاونوا فعلًا وساعد بعضهم بعضًا. حتى إنهم نجحوا في تضميد ساق أحد الصبية المكسورة. حينما نكفّ عن الطعن في سمعة الكلاب وأسماك القرش وتلامسذ المدارس، تُظهر لنا الدراسات المعنية بالطبيعة البشرية أننا، في جوهرنا، كائنات شديدة اللطف. وفي الصدد نفسه، بيّنت إحدى الدراسات واسعة النطاق أن في المواقف التي يتم فيها اختبار الكرم، فإن الدوافع الأولى للناس كانت غير أنانية؛ فعندما يتخذ الناس قراراتهم بسرعة، يكونون أكثر ميلًا إلى تقاسم كَمّيَّة كبيرة من المال، وعليه، فإن الرغبة في القيام بالشيء الصحيح متأصّلة فينا منذ الطفولة؛ فالأطفال يفضلون الدمى التي تبدو وكأنها تساعد الدمى الأخرى على الدمى التي تبدو وكأنها تتصرف بقسوة، بموازاة ذلك.
لذا، ما الذي يحدث في المنظمات بعدئذٍ؟ كيف نجمع بين أشخاص جوهريًّا مُناسبين في تجمعات مما يبدو فيه أن التعاطف شحيحٌ للغاية؟ برهنت البيانات الأخيرة أن 41% فقط من الموظفين يشعرون بأن هناك من يهتم بهم في العمل، بينما دراسات أخرى بيّنت أن ما يصل إلى 92% من الناس يسعون إلى منظمات متعاطفة عند البحث عن وظيفة. وهنا يبرُز التساؤل: هل تُدرك حجم الفجوة العميقة؟ فكثير منا يتطلع إلى الشعور بالاهتمام داخل بيئة العمل، لكنه لا يشعر بأن هذا الاهتمام متحقق فعليًا. وفي ظل الشُّ في العديد من الكفاءات الأساسية، يظل السؤال مطروحًا: كيف يمكننا معالجة هذه الفجوة وخلق شركات ذات النوع المتعاطف الذي يرغب الناس فعلًا العمل فيها؟
بناء مُنظمةٌ تعاطُفيّة
لقد استثمرت المنظمات فعلًا قدرًا كبيرًا من الوقت، والمال، والجهد في تعليم المديرين التنفيذيين بأن يكونوا أكثر تعاطفًا. ولم نُهدر هللة أو دقيقة من ذلك. واستنادًا إلى ما سبق، تُظهِر الدراسات وجود ارتباط إيجابي قوي بين تقارير مباشرة تُمثِّل تعاطف مديريهم والتقييمات التي يتلقاها المدير من رئيسه؛ بمعنى أن القادة المتعاطفين يصنعون قادةً أفضل. فتشكيل قادةٍ متعاطفين أمرٌ ضروريّ، ولكن ليس كافيًا. وهناك مقولة رائعة في عالم تنمية القيادات: “سمكةٌ نظيفة، لكن بركةٌ قذرة”. والفكرة هي: قد تبذل جهودًا رائعة لتحسين سلوك القادة في مدى معين (كتنظيف السمك)، ولكن في النهاية، تتم إعادتهم إلى بيئة مليئة بالإشارات الخاطئة (وهي البركة القذرة) مما يعلقُ القائد في الوحل مرة أخرى. لذا، يكافح قائدك العاطفي الرائع للعمل في بيئة يبدو فيها أن كل نظام، وعملية، وقرار ينعدِمُ فيه الاهتمام. لذا، فلننظر بدلًا من ذلك إلى النظام البيئي للمنظمة بالكامل. ما هي الأذرُع الجاهزة لتنظيف البركة فعليًّا؟ وكيف تجعل التعاطف حالة مستقرّة للمنظمة؟ لذلك، ابدأ بهذه الاستراتيجيات الأربع.
1. وظّف شخصيات الموظفين للتحقق من صحة قراراتهم
التعاطف في جوهره مفهوم غير معقَّد؛ إذ يتمثل القدرة على فهم كيف يمكن لكلماتك أو أفعالك أن تؤثر على مشاعر شخص آخر. ويمكن أن يؤدي اختبار القرارات المحورية في ضوء شخصيات الموظفين المدروسة بعناية إلى محاكاة طريقة التفكير هذه على مستوى ككُل. ولعل قرارات العودة إلى العمل الحضوري خلال السنوات القليلة الماضية تمثل مثالًا واضحًا على ذلك; إذ إن المنظمات التي أمعنت بوعي إلى تنوع شخصيات الموظفين المتأثرين بهذه القرارات استطاعت استباق سيلٍ متوقع من الأسئلة والاعتراضات والعمل على تقديم إجابات مناسبة. فقد سعى القادة إلى مراعاة احتياجات للموظفين في المدن التي يواجهون فيها صعوبة في التنقلات، وللآباء العاملين الذين يحتاجون إلى المرونة في بداية ونهاية اليوم، وللمديرين الذين يتساءلون عن أفضل طريقة لجدولة وقتهم للتفاعل مع فرقهم، وما إلى ذلك. وربما لم يفضِّل الموظفون كل إجابة (“لا، لن ندفع مقابل وقوف السيارات”)، ولكن حقيقة أن المنظمة فكرت في سيناريوهات متنوعة كانت لتبرهن فهمًا أساسيًّا لاختلاف الناس؛ وهو حجر الأساس لإظهار التعاطف.
تستطيع المنظمات أيضًا تحقيق بعض الإنجازات السريعة على صعيد التعاطف بممارسة هذا النوع من اختبار الشخصية. ففي المثال أعلاه، إن مطالبة الموظفين بعدم جدولة الاجتماعات المكتبيّة بالقرب من بداية ونهاية اليوم سوف يساعد المسافرين لمسافات طويلة، والآباء العاملين، والمديرين على حد سواء؛ أي إنه بمثابة تكملةٍ تعاطفية لقرار العودة إلى المنصب الأساسي، وليس إبطال هذا القرار.
2. تعيين القادة لتولي أجزاء رئيسية من تجربة الموظف
الواقع أن العديد من الإجراءات الأقل تعاطفًا التي تتخذها المنظمات هي نتاج ثانوي لقرارات وهمية؛ قرارات لم يتخذها أحدٌ بوعي (مؤخرًا) ولا يملكها أحد بوعي، أو قرارات يعتقد العديد من الأشخاص أنهم يملكونها في الوقت نفسه. فعلى سبيل المثال، كثيرًا ما ينوّه الموظفون بزيادة العبء عليهم عن الحد المطلوب (وهو أحد الدوافع الرئيسيّة للإرهاق) كمثال على الافتقار إلى التعاطف التنظيمي. وبموازاة ذلك، يشيرون أيضًا إلى أن المنظمة التي تهتم لن تُثقل كاهل الموظفين بعمليات متعددة ومواعيد نهائية حاسمة في الوقت نفسه، وسوف يفهم القادة أن العبء لا يمكن تحمله دفعةً واحدة. وتفترض وجهة النظر هذه وجود “شخص متفهم” رئيسي؛ أي شخصية حقيقية مثل أرنب عيد الفصح. وواقعيًّا، من المرجح أن تكون العمليات المعرقلةُ للموظفين مملوكة لمجموعة من القادة، وقد تكون بعضها “عمليات زومبي”؛ أي تعمل منذ فترة طويلة دون إحداثيات مُدخلة. والأمر الحاسم هنا هو أنه لا أحد يملك مهمة إدارة العبء برمّته. فعندما يلتزم القادة بالمسؤولية تجاه أجزاء رئيسية من تجربة الموظف، يُظهر التعاطف في المواقف التي اختفى فيها. قد ترغب المنظمات أيضًا في التفكير في إعطاء أدوار قيادية تركز على تجربة الموظف بشكلٍ أكبر، حتى من خلال مواءَمتها للعمليات بدلًا من الموارد البشرية، وهو التحول الذي تقوم به بعض المنظمات ذات التفكير المستقبلي. وإن النظر إلى تجربة الموظف كمجموع قرارات تشغيلية يمنح المنظمات منصةً للتعاطف؛ فأنت تستغلّ مجموعة من القادة بصورةٍ ملموسة لامتلاك كيفية تراكم كل هذه القرارات في الحياة اليومية للموظف. وواقعيًّا، من المرجح أن تكون العمليات المعرقلة للموظفين مملوكة لمجموعة من القادة.
3. معالجة عمليات الزومبي القاسية.
تبدو بعض ما يُعرف “عمليات الزومبي” وكأنها تفتقر إلى أي قدر من التعاطف مع الموظفين الأساسيين; إذ تعود جذورها غالبًا إلى أساليب قديمة تبنّاها قادة سابقون اتسمت ممارستهم بسلوكيات مزعجة، واستمرت هذه الأساليب مع مرور الوقت دون مراجعة. ومع تحوّلها إلى إجراءات جامدة أو محايدة، أصبحت تُطبَّق اليوم بطريقة تفتقر إلى الحس الإنساني. ففي العديد من المؤسسات، قد تكون عمليات استقطاب المواهب وإدارة الأداء معرّضة تمامًا لهذه الظاهرة، وخلال هذين النشاطين المتتابعين، يتوقع الموظفون أو الموظفون المرتقبون التعاطف لكنهم لا يعيشونه في كثير من الأحيان. ويلجأ القادة الذين يفتقرون إلى التعاطف الطبيعي إلى اختصار الطرق عندما يواجهون ما يبدو وكأنه عمليات بشرية تستغرق وقتًا طويلًا. ومع مرور الوقت، وخاصة إذا كان القائد غير الماهر يتمتّع بنفوذٍ كبير، قد يصبح اختصار الطرق مجرد “كيف نفعل الأشياء”، وعليه، يتم إجراء المقابلات مع المرشحين بنَتْرٍ وفوضوية؛ ويتم إبلاغهم بقرارات الترقية دون سياق. إضافةً إلى ذلك، كثيرًا ما تُدار المحادثات بالغة الأهمية بطريقة غير فعّالة، ليس عن قصد، بل نتيجة ممارسات تنظيمية تقليدية تدفع الأفراد إلى تخصيص الحد الأدنى من الوقت والجهد لمثل هذه النقاشات الحساسة. لذا، تُصبح عمليات استقطاب المواهب وإدارة الأداء عرضة لما يُعرف بـ” عمليات الزومبي”، الأمر الذي يجعل وضع إرشادات واضحة وملموسة للتفاصيل الجوهرية ضرورةً ملحّة لإعادة توجيه هذه العمليات بعيدًا عن أخطاء الماضي، والانتقال بها نحو نهج عملي أكثر إنسانية في بيئة العمل. ولا سيَّما، تدوين السلوكيات الصغيرة -مثل مقدار الوقت الذي تقضيه في تبادل الآراء غير الرسمية ذهابًا وإيابًا في بداية المقابلة، أو الكلمات التي ينبغي استخدامها (أو عدم استخدامها) عند شرح سبب رفض الترقية- قد يؤدي في نهاية الأمر أن يرفع من مستوى التعاطف لدى مجموعات كبيرة من الأشخاص بشكلٍ مدهش.
٤. إعادة ضبط المعايير لتمكين اتخاذ قرارات فورية بشكلٍ أفضل
بداهةً، ليس من الممكن تدوين كل سلوك، ولا يمكن التحكّم بكل لحظة من تجربة الموظف المثالية، وسيكون من المرهق جدًّا مطابقة كل قرار مع كل شخصية محتملة. ففي كثيرٍ من الحالات، تعتمد المنظمات على الأفراد الذين يتخذون قرارات تعاطفية فورية في مجموعة من المواقف، لذا، كيف يمكن للمنظمات أن تحدث تأثيرًا في هذه اللحظات عندما لا يراقبها أحد؟
لذا الإجابة بسيطة، وتعود إلى أفكارنا الخاطئة عن الكلاب، وأسماك القرش، وتلاميذ المدارس، مما يقع على عاتقنا جميعًا أن نعيد ضبط بعض القواعد حول ما إذا كان من المقبول التصرف بتعاطف، وكسر الأسطورة القائلة بأن العمل لا بد أن يكون شجارًا بأيدٍ عارية. ويعتمد الكثير على ما إذا كان القادة قادرين على فهم مسألة طويلة الأجل حول عدم التصرف بتعاطف؛ فالتكلفة الحقيقية هي تشكيل منظمة لا تبدو مهتمة، حيث لا يرغب معظم الناس في العمل.
قد يتساءل المتهكّمون: “في عصر الذكاء الاصطناعي، هل لا يزال التعاطف في العمل مهمًّا؟” غير أنَّ الواقع يشير إلى أنه كلما ازدادت أهمية التكنولوجيا، تسارعنا نحو عالم تصبح فيه السلوكيات الإنسانية، وعلى رأسها التعاطف، العامل الحاسم. وفي هذا السياق، توصلت دراسة أجرتها شركة كابجيميني، بالتزامن مع وصول الذكاء الاصطناعي إلى نقطة تحوّل، إلى أن حاجة المنظمات إلى منظومة متكاملة من الذكاء العاطفي قد ترتفع بما يصل إلى ستة أضعاف مع أتمتة المهام الروتينية، الزمر الذي يُبقي الوظائف الأعلى تحدّيًا من الناحية العاطفية حكرًا على العامل البشري. واليوم، مع انطلاق رحلة الذكاء الاصطناعي بشكلٍ حقيقي، فإن بناء منظمة متعاطفة يمكن أن تبدأ في إطلاق العنان لمجموعة كاملة من السلوكيات الذكية عاطفيًّا. فإن التعاطف هو الخطوةُ الأولى لهذا الطريق الطويل من أجل خلق بيئة بشريّة مناسبة في العمل، وإنه الإيماءة التي تقول: “أنا أرى إنسانيتك، إنني أراك، أنت مهم”. فما هي المنظمة التي لا تريد إرسال هذه الرسالة إلى الأشخاص الذين يعملون فيها؟
نبذة عن المؤلفة
تتولى ميليسا سويفت قيادة ممارسات القوى العاملة والتنظيم في شركة كابجيميني إنفنت في أمريكا الشمالية، وهي مؤلفة كتاب “أعمل هنا الآن: فكر كإنسان وابنِ مكان عمل قويًّا” (ويلي، 2023م).
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




