ترجمة: فطيم العتيبي
على المنظمات التي تسعى إلى إحراز تقدم ملموس في الاستدامة أن تضع مبررًا تجاريًّا لممارسة الضغط السياسي من أجل المناخ.
ريتشارد روبرتس
في السنوات الأخيرة، تعهّدت آلافُ الشركات حول العالم بتحقيق صافي انبعاثاتٍ صفريٍّ لمواجهة التحدّي الملحّ المتمثّل في تغيّر المناخ. وتستثمر كثيرٌ من هذه الشركات في الابتكار على مستوى المنتجات ونماذج الأعمال، أو في برامج إشراك المورّدين لخفض الانبعاثات. ومع ذلك، فإن إحدى أقوى الأدوات المتاحة للشركات غالبًا ما تُهمَل من قِبل القادة الذين يأخذون الاستدامة على محمل الجد: الضغط السياسي (اللوبي).
لن تُحلّ التحديات الاجتماعية والبيئية الهائلة التي نواجهها بدون سياسات عامة فعالة، وللشركات دور لا غنى عنه في تحقيق ذلك. وكما أشار ألبرتو أليمانو، مؤسس منظمة The Good Lobby:
“عدم التوافق بين ما تقوله الشركات وما تضغط من أجله سياسيًّا قد يكون العامل الرئيس الذي يمنع إحراز تقدم في القضايا المجتمعية الكبرى”
إن تسخير القوة السياسية لآلاف الشركات التي التزمت بخفض انبعاثاتها من الغازات الدفيئة للضغط من أجل سياسات مناخية أقوى يمكن أن يكون له تأثير تحولي.
تحديات الاستثمار في الضغط السياسي لصالح المناخ
قد يوافق الرئيس التنفيذي أو المدير المالي من حيث المبدأ على أن شركتهم ينبغي أن تمارس الضغط السياسي لدعم العمل المناخي، لكن تخصيص موارد جادة لهذا الجهد يمثل التحدي الحقيقي. على سبيل المثال، في عام 2022 وحده، أنفقت صناعة النفط والغاز نحو 124 مليون دولار على الضغط السياسي لدى الحكومة الفيدرالية الأمريكية، مما أدى إلى حصولها على تنازلات في قانون خفض التضخم لعام 2022.
في المقابل، لا تستثمر الشركات في القطاعات الأخرى التي قد تستفيد بشكل كبير من الانتقال الناجح إلى صافي انبعاثات صفري ما يقارب هذا المبلغ في الضغط لصالح السياسات المناخية.
حدد معهد الموارد العالمية (WRI) سبعة عوائق رئيسية تعيق قيادة الشركات في مجال السياسات المناخية، بعضها داخلي (مثل الهيكل التنظيمي أو القدرات التقنية)، والبعض الآخر خارجي (مثل تأثير الجمعيات التجارية أو خطر رد الفعل السياسي).
خلال ورشة عمل حديثة مع قادة شركات تستثمر بالفعل في بعض أشكال المناصرة لقضايا الاستدامة، طلب فريق فولانز (Volans)، الذي أعمل ضمنه، من المشاركين ترتيب هذه العوائق بناءً على تجاربهم.
العائق الذي حصل على الترتيب الأول لدى معظم الشركات كان:“الأولويات التنافسية”
إليك تفسير معهد الموارد العالمية (WRI) لهذه المشكلة:
تغير المناخ ليس من بين الأولويات الرئيسية للمناصرة لدى معظم الشركات. فالكثيرمن الشركات تعد السياسات المناخية “خارج نطاق اهتمامها”إذا لم تكن من كبار المُصدرين للانبعاثات، أو المستخدمين المكثفين للطاقة، أو منتجي الطاقة النظيفة. وبدلًا من ذلك، تُركز جهودها في المناصرة على قضايا أخرى، مثل السياسات الضريبية أو التجارية، التي تُعد أكثر أهمية بالنسبة لها.
يؤدي الشعور بامتلاك نفوذ سياسي محدود إلى تفاقم هذا الاتجاه، حيث تفضل الشركات استثمار مواردها في المجالات التي ترى أنها تؤثر مباشرةً في أعمالها.
تشير الظروف الراهنة إلى ضرورة تعزيز المبرّر التجاري للاستثمار في المناصرة والضغط السياسي بشأن المناخ وقضايا الاستدامة الأخرى، بحيث لا يظلّ محصورًا في البعد الأخلاقي وحده، بل يركّز كذلك على القيمة والمخاطر. ويختلف هذا المبرّر من شركةٍ إلى أخرى، غير أنه – استنادًا إلى تجارب كثيرٍ من الشركات الرائدة في هذا المجال – حدّد فريق «فولانز» (Volans) ثلاثةَ دوافع رئيسية تدفع الشركات إلى تبنّي هذا النهج:
1. توسيع سوق منتجاتها وخدماتها.
2. تحويل أدائها في الاستدامة إلى ميزة تنافسية.
3. التخفيف من المخاطر البيئية والاجتماعية التي قد تؤثر في أعمالها.
يعتمد مدى قابلية أي من هذه المقترحات القيمة للتطبيق على أي شركة معينة على طبيعة المنتجات والخدمات التي تقدمها، وجودة أدائها البيئي والاجتماعي مقارنةً بالمنافسين، ومستوى تعرضها للمخاطر التي لا يمكن تجنبها من خلال التنويع. تميل الشركات التي بدأت الاستثمار بجدية في الدعوة إلى الاستدامة إلى الانتماء إلى واحدة على الأقل من الفئات الثلاث التالية: مقدمو الحلول، وقادة الصناعة، والشركات المُعرضة للمخاطر البيئية .
1. مقدمو الحلول
هذه الشركات لديها مصلحة مادية مباشرة وواضحة في تسريع الانتقال إلى اقتصاد مستدام، مثل مطوري الطاقة المتجددة وشركات التكنولوجيا النظيفة. يمكن لمقدمي الحلول استخدام المناصرة لتوسيع السوق لمنتجاتهم وخدماتهم.
على سبيل المثال، تقوم شركة Vestas، أكبر مصنع لتوربينات الرياح في العالم، وشركة Ørsted، أكبر مطور لمزارع الرياح البحرية، بالضغط من أجل سياسات تسرّع انتقال الطاقة في الأسواق الرئيسية. وقد أعربت كلتا الشركتين عن دعمها القوي لأجندة
” Fit for 55” الخاصة بالاتحاد الأوروبي، وشاركتا في وضع التفاصيل المتعلقة بالسياسات الرئيسية، مثل توجيه الطاقة المتجددة للاتحاد الأوروبي. كما تمارسان الضغط على الحكومات لتسريع عملية الموافقة على مزارع الرياح الجديدة، وهي مثال رئيس على كيف يمكن لمقدمي الحلول دعم الإصلاحات التي تخدم مصالحهم الخاصة والمصلحة العامة في الوقت ذاته.
2. قادة الصناعة
هذه الشركات تتفوق على المتطلبات التنظيمية ومعظم منافسيها من خلال الحد من تأثيراتها السلبية وتعزيز تأثيراتها الإيجابية في البيئة. ويمكنها الاستفادة من المناصرة لتعزيز أدائها في الاستدامة كمصدر قوي للميزة التنافسية.
على سبيل المثال، دعمت شركات السلع الاستهلاكية مثل Unilever وNestlé وFerrero تشريع الاتحاد الأوروبي الخاص بسلاسل التوريد الخالية من إزالة الغابات، والذي دخل حيز التنفيذ في يونيو 2023. وقد استثمرت هذه الشركات لسنوات طويلة في تقليل اعتمادها على المنتجات المرتبطة بإزالة الغابات. وبالتالي، فهي تدرك أن القواعد المصممة لتحقيق تكافؤ الفرص ستعود بالنفع عليها وعلى البيئة، إذ ستتكبد تكاليف امتثال أقل مقارنة بالمنافسين الذين لم يتخذوا خطوات جادة لمعالجة إزالة الغابات وتحسين شفافية سلاسل التوريد.
وينطبق الأمر ذاته على صناعة السيارات. فعلى سبيل المثال، كانت Volvo Cars من أوائل الشركات التي اتجهت بقوة نحو إنتاج السيارات الكهربائية، متجاوزة كثيرًا من شركات السيارات الأخرى. وقد عززت هذا التحول الاستراتيجي من خلال دعم السياسات الحكومية التي تحدد مواعيد نهائية لحظر بيع السيارات الجديدة التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي، كما عارضت الاستثناءات التي تسمح باستخدام الوقود الاصطناعي (e-fuels). وكلما زادت فاعلية جهودها في الضغط السياسي في هذه المجالات، زادت فرص نجاحها في أن تصبح رائدة في تصنيع السيارات الكهربائية.
3. الشركات المعرضة للمخاطر البيئية
أخيرًا، تواجه هذه الشركات أو المؤسسات المالية مخاطر كبيرة بسبب تدهور النظم الاجتماعية والبيئية، ما يعرضها لتكاليف مرتفعة. ويمكنها استخدام المناصرة كأداة للتخفيف من المخاطر النظامية التي لا يمكن معالجتها بشكل كافٍ من خلال التنويع أو الانسحاب، مثل تهديدات المناخ لإمدادات الغذاء العالمية وتزايد هشاشة المدن الساحلية حول العالم.
على سبيل المثال، تعد Aviva Investors، وهي شركة إدارة استثمارات مقرها المملكة المتحدة تدير أصولًا تزيد قيمتها على 250 مليار دولار، رائدة في مفهوم الحوكمة الكلية، والذي تعرفه بأنه “التواصل مع الجهات التنظيمية والحكومات والكيانات الأخرى لتغيير قواعد اللعبة لصالح الشركات التي تقدم حلولًا لمشكلات الاستدامة أو تدعم الانتقال إلى مستقبل مستدام وتدرك Aviva Investors أن التأثير المحتمل للتغير المناخي الجامح في المحافظ الاستثمارية لا يمكن التخفيف منه من خلال التنويع وحده؛ ولذلك ترى أنه من واجبها تقليل هذا الخطر النظامي على أصولها بوسائل أخرى.
كذلك تُعَدّ شركاتُ الأغذية والمشروبات العالمية، مثل Nestlé وDanone، من الجهات التي تتحمّل مخاطرَ متبقية؛ إذ تعتمد سلاسلُ توريدها اعتمادًا كبيرًا على الظروف المناخية الفيزيائية. وقد يُسهم تنويعُ المورّدين في الحدّ من هذا الخطر إلى حدٍّ ما، غير أنّه لا يظلّ كافيًا. ولهذا السبب، تدافع هذه الشركات عن سياساتٍ تدعم التحوّل نحو ممارساتٍ زراعيةٍ أكثر استدامةً ومرونة.
وقد تنتمي بعض الشركات إلى أكثر من فئة من الفئات المذكورة. على سبيل المثال، لا تقتصر مناصرة Volvo Cars للسيارات الكهربائية على تعزيز ميزتها التنافسية فحسب، بل تهدف أيضًا إلى توسيع السوق لمنتجاتها. الفكرة ليست في تصنيف الشركات ضمن فئة واحدة فقط، بل في التأكيد أن أي استثمار في المناصرة يجب أن يتماشى مع واحدة على الأقل من القيم الثلاث المذكورة، بحيث يتجاوز مجرد الاستعراض الأخلاقي.
ورغم الأمثلة السابقة، لا تزال الشركات التي تستثمر في مناصرة الاستدامة استثناءً وليست القاعدة، وحتى الشركات الرائدة في هذا المجال لم تطور بعد أساليب متقدمة لتقييم العائد على استثماراتها في المناصرة. ولتمكين الشركات من تعزيز جهودها في هذا المجال، من الضروري أن تبني مبررًا تجاريًّا قويًّا لهذا الاستثمار. ويمكن أن يكون إطار العمل للمشاركة السياسية المسؤولة، الذي طوره تحالف We Mean Business، نقطة انطلاق مفيدة.
من المبرر التجاري إلى الاستراتيجية
إن امتلاك مبرر تجاري واضح للاستثمار في المناصرة البيئية هو الخطوة الأولى فقط نحو تطوير استراتيجية فعالة، بمجرد تحديد هذا المبرر، يمكن للشركات وضع أهداف واضحة ضمن أطر زمنية محددة. بعد ذلك، يمكنها اختيار القضايا ذات الأولوية، والأساليب المناسبة، والشراكات المحتملة، بالإضافة إلى تحديد معايير قياس النجاح وتقييم الأداء.
نموذج “مسار السياسة”لصياغة القوانين والتشريعات
يعد “مسار السياسية” الذي طوره مركز الأبحاث البيئية E3G واعتمدته كثير من الشركات والمنظمات غير الحكومية، نموذجًا مفيدًا لفهم كيفية تحول القضايا البيئية إلى سياسات فعلية، يمر هذا المسار بأربع مراحل رئيسية:
1. ظهور القضية في الوعي العام.
2. بداية النقاش العام في كيفية التعامل معها.
3. تقديم مقترحات سياسية ملموسة.
4. التفاوض على نص تشريعي محدد والموافقة عليه.
كيف تؤثر الشركات في عملية صنع القرار؟
في المراحل الأولية من مسار السياسة، يركز الناشطون والمناصرون على توعية الجمهور بالقضية من خلال وسائل الإعلام والإعلانات والأبحاث. ومع تقدم القضية نحو مراحل وضع السياسات واتخاذ القرارات، تصبح استراتيجيات التأثير أكثر تعقيدًا، وتشمل:
• التواصل المباشر مع صناع القرار.
• تحفيز الجمعيات التجارية والجهات الفاعلة الأخرى على دعم القضايا البيئية.
• المشاركة في الاستشارات واللجان الاستشارية لصياغة السياسات.
من الاستراتيجية إلى التنفيذ
لضمان تنفيذ ناجح لاستراتيجية المناصرة البيئية، هناك عاملان أساسيان:
1. بناء قدرات داخلية قوية.
2. تطوير شراكات خارجية مؤثرة.
داخليًّا، نادرًا ما تكون مناصرة الاستدامة محصورة ضمن قسم واحد فقط. فهي تتطلب تعاونًا وثيقًا بين الفرق المسؤولة عن الاستدامة، والعلاقات الحكومية، والعلاقات العامة، والاستراتيجية، والمالية. وبينما ينبغي أن تكون مسؤولية وضع الاستراتيجية بيد مجموعة صغيرة نسبيًّا، يمكن للشركات أيضًا العمل على تهيئة الظروف التي تمكّن الموظفين على جميع المستويات من المشاركة في تعزيز رسائل المناصرة.
على سبيل المثال، تقوم مجموعة Natura &Co المتخصصة في مستحضرات التجميل بتثقيف موظفيها حول أهمية حماية الأمازون وكيفية مناقشة هذا الموضوع مع الأصدقاء والزملاء، كما توجههم نحو فرص لإيصال أصواتهم من خلال التوقيع على العرائض والانضمام إلى الحركات البيئية.
أما بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات، فمن الضروري أن يكون لديها داعمون في مختلف المناطق يمكنهم ترجمة أهداف المناصرة العالمية إلى حملات ومبادرات محلية تتناسب مع السياقات الإقليمية.
أما من الناحية الخارجية، فإن تحقيق نجاحات في المناصرة نادرًا ما يكون نتيجة لجهود منفردة. فإحداث تغيير حقيقي في السياسات يتطلب تحالفًا، غالبًا ما يشمل كلًّا من قطاع الأعمال والمجتمع المدني.
يُعد تحالف We Mean Business مثالًا نموذجيًّا في مجال الاستدامة؛ فقد أدى دورًا حاسمًا في المساهمة في إقرار اتفاقية باريس للمناخ عام 2015. وبالمثل، يسعى تحالف الأعمال من أجل معاهدة عالمية للحد من التلوث البلاستيكي، الذي يضم منظمات غير حكومية وشركات تعمل عبر سلسلة القيمة للبلاستيك، إلى تحقيق تأثير مماثل في المفاوضات الجارية بشأن معاهدة الأمم المتحدة للقضاء على التلوث البلاستيكي.
وقد أكد مسؤولون عن المناصرة في بعض الشركات الكبرى أهمية بناء شراكات مع أطراف غير متوقعة. فإذا كان التحالف يُنظر إليه على أنه يمثل مصالح ضيقة أو يضم فقط“الأطراف المعتادة،” فمن المرجح أن تُتَجاهَل رسالته. وغالبًا ما تكون التحالفات التي تتسم بعدم الارتياح في البداية هي الأكثر فاعلية؛ إذ إن العلاقات التي تتطلب جهدًا لبناء الثقة تكون الأكثر إنتاجية في جهود المناصرة الجماعية.
يُعد وقف إزالة الغابات المرتبطة بفول الصويا في الأمازون مثالًا واضحًا على ذلك. ففي أبريل 2006، استهدفت منظمة Greenpeace شركة McDonald’s لزيادة الوعي حول دور إنتاج فول الصويا في إزالة الغابات في الأمازون. وبدلًا من اتخاذ موقف دفاعي، وافقت ماكدونالدز على التعاون مع المنظمة للضغط من أجل حل يشمل القطاع بأكمله، بالتنسيق مع الحكومة البرازيلية. ونتج عن ذلك التوصل إلى وقف إزالة الغابات في غضون أربعة أشهر فقط، وهو الاتفاق الذي لا يزال ساريًا حتى اليوم.
باختصار، يُسهم الضغطُ من أجل سياساتٍ داعمة في إنشاء حلقةٍ إيجابيةٍ متواصلة للشركات التي تأخذ أثرها البيئي على محمل الجد. فكلّما ازدادت طموحاتُ السياسات الحكومية المتصلة بالمناخ وفاعليتُها، تعزّزت قيمةُ الاستثمارات القائمة والمخطَّط لها، الرامية إلى تقليص الآثار السلبية والابتكار في تطوير منتجاتٍ وخدماتٍ تلائم مستقبلًا منخفضَ الكربون. وكلّما كان الإطارُ السياسي أكثر ملاءمة، ازدادت قدرةُ الشركات على تحقيق أهدافها المناخية، وتمكّنت من وضع أهدافٍ أشدّ طموحًا.
تصف منظمة صندوق الدفاع عن البيئة (EDF) النفوذ السياسي بأنه “أقوى أداة تمتلكها الشركات لمكافحة تغير المناخ”. ولا يمكننا تحمل تبعات عدم استخدامها لهذه الأداة، بل يجب أن تستخدمها بفاعلية.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




