تروي كل أمة سرديتها الخاصة عن الانتماء؛ فمنها من يرويها عبر الدساتير، ومنها من يصوغها باللغة، بينما تستمد أمم أخرى قصتها من تاريخ الأسلاف. وقد ظلت إسبانيا الحديثة طويلًا تروي قصتها مستعينة بهذه الأركان الثلاثة مجتمعة.
عشية مباراة نصف نهائي كأس العالم 2026 بين إسبانيا وفرنسا، نشر رئيس الوزراء الإسباني الأسبق ماريانو راخوي ما بدا، للوهلة الأولى، تعليقًا كرويًا عاديًا، أشار فيه إلى أن فرنسا تمتلك أحد أقوى منتخبات البطولة. لكنه أتبع ملاحظته بجملة انتشرت في الآفاق خلال ثوانٍ، إذ كتب أن فرنسا تمتلك فريقًا ممتازًا، «لكن من دون لاعبين فرنسيين».
جاءت ردود الفعل فورية وحاسمة. فقد أكد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن فرنسا لا لون لبشرتها، بينما ذكّرت السفارة الفرنسية في مدريد بأن كل لاعب في المنتخب فرنسي عن جدارة؛ فمعظم اللاعبين وُلدوا في فرنسا، والبقية مواطنون فرنسيون بحكم القانون. كما أدان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز تصريح راخوي ووصفه بالعنصري، مختتمًا تدوينته على وسائل التواصل الاجتماعي بقوله: «ليفُز الفريق الأفضل، ولتُهزم العنصرية».
تعاملت الصحف الأوروبية مع الجدل باعتباره فصلًا جديدًا من حكاية العنصرية في كرة القدم. وفي غضون ساعات، تحوّل تعليق رياضي إلى أزمة دبلوماسية. ولم تنبع أهمية الضجة من غرابة أن يطلق سياسي تعليقًا استفزازيًا بشأن كرة القدم، بل من أن كلمات راخوي بدت طعنًا في حقيقة تعدها الديمقراطيات الحديثة من البديهيات: أن المواطنة وحدها كافية لتحديد من ينتمي إلى الوطن.
لم يكن راخوي يشكك في جوازات سفر اللاعبين. كان يعلم أن كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي وأوريليان تشواميني مواطنون فرنسيون بالفعل. ولم يكن يشكك في قدراتهم الكروية؛ فقد بلغت فرنسا بفضلهم نصف نهائي كأس العالم مرة أخرى. لكن تعليقه أشار إلى مسألة أخرى: إذا كان هؤلاء اللاعبون فرنسيين بمقتضى القانون، فما الذي كان ينقصهم، في نظره، كي يكونوا فرنسيين حقًا؟
هذا السؤال يثير اهتمامي أكثر من تعليق راخوي نفسه.
فلماذا يحتفظ تاريخ الأنساب بكل هذه السلطة الرمزية داخل مجتمعات ديمقراطية حديثة تقوم، من حيث المبدأ، على المواطنة المدنية؟ ولماذا تنزلق النقاشات العامة حول المنتخبات الوطنية، في كثير من الأحيان، من جوازات السفر إلى الآباء، ومن أماكن الميلاد إلى الأصول، ومن المواطنة إلى النسب؟
حين تكتسب الأمة جسدًا
ما جعل تعليق راخوي ممكنًا هو أن كرة القدم تطلب من الأمم أن تفعل شيئًا قلما تطلبه مؤسسة أخرى: أن تتخيل نفسها جسدًا واحدًا.
تظل الأمم، في معظم الأوقات، مفاهيم مجردة تسكن جوازات السفر والدساتير والإحصاءات السكانية والخرائط. ولن يتاح للمواطن أن يعرف إلا جزءًا ضئيلًا من ملايين الأشخاص الذين يُفترض أنهم يتشاركون معه هوية واحدة. لذلك، فإن الانتماء الوطني فعل تخيُّل في جوهره؛ إذ يُطلب من ملايين الغرباء أن يعترفوا بأنهم ينتمون إلى السردية الجماعية نفسها.
غير أن كرة القدم الدولية تغيّر هذه العلاقة مؤقتًا.
فعلى امتداد تسعين دقيقة، تكتسب الأمة ملامح ووجوهًا مرئية. ويتوافق ملايين المواطنين، الذين لم يجمع بينهم لقاء قط، على أن أحد عشر لاعبًا يمثلونهم ويقفون مقامهم أمام العالم. هكذا يختزل المنتخب الوطني مجتمعًا سياسيًا كاملًا في عدد محدود من الأجساد؛ فتصير الأعلام قمصانًا، وتغدو الأناشيد أصواتًا نابضة بالحياة، ويتحول النصر أو الهزيمة إلى وجدان جماعي يتقاسمه الجميع.
ولهذا تثير كرة القدم باستمرار أسئلة تتجاوز الرياضة بكثير:
من يتحدث باسمنا؟ من يمثلنا؟ ومن ينتمي إلينا حقًا؟
نادرًا ما تُطرح هذه الأسئلة بهذه الحدة في الحياة السياسية اليومية؛ لأن الديمقراطيات الحديثة تفترض أنها انتهت من الإجابة عنها. فإذا كانت الدساتير تعرّف المواطنين بمنطق القانون لا بمنطق النسب، وكانت جوازات السفر تثبت العضوية السياسية، وكانت الانتخابات تقر المساواة بين المواطنين، بدا خطاب الدولة القانوني واضحًا وحاسمًا.
لكن المخيال الجمعي أقل يقينًا من القانون.
لطالما لاحظ علماء الأنثروبولوجيا أن المجتمعات تتصور الانتماء بطرائق متعددة: من خلال الإقامة، أو الدين، أو اللغة، أو النسب. وبينما تصر الدولة القومية الحديثة على أن المواطنة القانونية كافية لحسم المسألة، تميل الأحاديث اليومية إلى توظيف معجم آخر؛ فيسأل الناس عن الآباء والأصول والتواريخ العائلية. وهكذا يتسلل النسب عند النقطة التي افترضت المواطنة أن النقاش سينتهي عندها.
أطلق على هذا الميل اسم «المخيال الجينيالوجي» (Genealogical Imagination)، وأقصد به النزوع المستمر إلى التعامل مع سلسلة النسب بوصفها كاشفة عن حقيقة أعمق في الانتماء الوطني مما تكشفه المواطنة ذاتها. فبينما تدير الديمقراطيات الحديثة شؤونها بمنطق المواطنة، تواصل، في قرارة مخيالها الجمعي، تصور نفسها بمنطق النسب.
وهنا تتجلى أهمية كرة القدم؛ لأنها تجعل هذا التوتر مرئيًا على نحو استثنائي. فالتنافس الدولي يحوّل العضوية القانونية المجردة إلى تجسيد علني وملموس للأمة. ولا يعود السؤال مقصورًا على ما إذا كان الشخص مواطنًا وفق الأوراق، بل يمتد إلى ما إذا كان يبدو قادرًا على تجسيد الأمة نفسها.
اشتهر بينيديكت أندرسون بوصفه الأمم بأنها «مجتمعات متخيّلة»؛ إذ لا يعرف معظم أعضائها بعضهم بعضًا، ومع ذلك يتخيلون أنهم ينتمون إلى كيان واحد. وبيّن مايكل بيليغ، لاحقًا، كيف تستمر القومية من خلال طقوس الحياة اليومية الهادئة: الأعلام المعلّقة خارج المباني العامة، وخرائط النشرات الجوية، وعناوين الصحف، والمنافسات الرياضية.
غير أن كرة القدم تكثّف هذه الطقوس وتحولها إلى لحظات استثنائية من الحضور الوجداني. ففي أثناء المباراة، يغدو المجتمع المتخيل مرئيًا ومشحونًا بالعاطفة. وفي هذه اللحظات يتغير السؤال بهدوء؛ فلا يعود: «من نكون؟» فحسب، بل يصبح أيضًا: «من أين أتينا؟».
لم يبتكر راخوي هذا السؤال. كل ما فعله تصريحه هو الكشف عن أن تحت العباءة الدستورية للمواطنة لغة أخرى للانتماء لا تزال تتحدث في الخفاء.
من الدين إلى النسب
لفهم استمرار الأنساب في ممارسة هذه السلطة الرمزية داخل أوروبا المعاصرة، ينبغي مغادرة ملعب كرة القدم والعودة عدة قرون إلى الوراء.
خلال نشأتي في حوض زيز الأوسط، بمدينة الرشيدية في أقصى جنوب شرقي المغرب، لم تبدُ إسبانيا بلدًا غريبًا تمامًا. فقد حضرت في أحاديث القرى والعائلات، وفي سرديات الهجرة، وبث المباريات الكروية، والجغرافيا اليومية للمخيال الجمعي.
على الضفة الأخرى من مضيق جبل طارق تقع دولة كانت، في آن واحد، جارًا وقوة استعمارية سابقة ووجهة للمهاجرين. وقبل ذلك كله، كانت جزءًا من الأرض التي عُرفت يومًا بالأندلس؛ أي شبه الجزيرة الإيبيرية في ظل الحكم الإسلامي، وهو تاريخ لا تزال خيوطه منسوجة بعمق في الذاكرة المغربية.
لم تكن المسافة بين الضفتين تُقاس بالكيلومترات وحدها، بل بقرون من التاريخ المشترك. ومن هذا المنظور المغربي، ظلت النقاشات المتعلقة بالهوية الإسبانية تتردد بإيقاع مختلف، كأنها صدى لمحادثات تعبر البحر المتوسط منذ أجيال.
في معظم حقب العصور الوسطى، كان الدين هو اللغة الرئيسية للانتماء داخل شبه الجزيرة الإيبيرية. شغل المسيحيون والمسلمون واليهود مواقع قانونية وسياسية مختلفة، لكن الحدود الفاصلة بينهم كانت، من حيث المبدأ، قابلة للاختراق. فقد كان التحول الديني يحمل وعدًا بعبور هذه الحدود؛ ومهما تكن الدوافع أو درجة الإخلاص، كان التعميد قادرًا على تغيير الهوية القانونية للفرد.
غير أن سقوط غرناطة عام 1492 غيّر ذلك العالم برمته.
استعادت الممالك المسيحية سيادتها السياسية على شبه الجزيرة، لكن النصر العسكري أفرز مشكلة غير متوقعة. فمع اعتناق المسلمين واليهود المسيحية، بعضهم طوعًا وكثير منهم تحت الإكراه، بدأت الحدود الدينية القديمة تتلاشى. وإذا كان المتحولون الجدد يعلنون الدين نفسه الذي يعلنه الجميع، فكيف يمكن الاستمرار في التمييز بينهم وبين غيرهم؟
تبلورت الإجابة تدريجيًا في كتب اللاهوت والعقيدة، وكذلك في سجلات النسب والتصورات المتعلقة بالأصول. وحين طمس التحول الديني الحدود القديمة، أصبح الأصل العائلي والنسب معيارين حاسمين في تحديد الانتماء. فالمعتقد يمكن الادعاء به، والولاء يمكن إثباته، واللغة يمكن تعلمها؛ أما النسب فبدا راسخًا لا يطاله التغيير.
تحول النسب، بذلك، إلى وثيقة إثبات ناطقة. ولم يقتصر الانقلاب على الممارسات الإدارية، بل مسّ البنية الأنثروبولوجية للانتماء ذاته.
وجد هذا التحول تجسيده المؤسسي في عقيدة «نقاء الدم» (limpieza de sangre)، التي رسمت حدًا فاصلًا بين «المسيحيين القدامى» و«المسيحيين الجدد»، ثم امتد هذا التمييز إلى أعقابهم وذرياتهم. صحيح أن التحول الديني كان قادرًا على تغيير المعتقد المعلن، لكنه لم يستطع محو شجرة النسب.
أصبح التاريخ العائلي رأسمالًا اجتماعيًا وشرطًا يتحكم في فرص الالتحاق بالجامعات، والانضمام إلى رتب الفرسان، ودخول المؤسسات الدينية، وتولي المناصب الرسمية، والنفاذ إلى مختلف مفاصل الإمبراطورية الإسبانية المتوسعة.
لقرون، كان الدين هو المعيار الأبرز للاختلاف. لكن النسب أخذ يضطلع بهذا الدور بعد سقوط غرناطة. ولم يعد الاعتناق الديني كافيًا لحسم المسألة، بل أدى إلى ترحيلها إلى ساحة أخرى. فخلف كل إعلان بالإيمان والولاء ظهر استجواب خفي لا يسائل الاعتقاد، بل ينقب في الأصول والأنساب.
وقد بين المؤرخون كيف تجاوز هذا المنطق حدود شبه الجزيرة الإيبيرية. ففي أرجاء الإمبراطورية الإسبانية الأطلسية، دقق المسؤولون في التواريخ العائلية وسلاسل النسب، وطالبوا أشخاصًا لم تكن هويتهم الدينية موضع شك بتقديم ما يثبت أصولهم. وهكذا لم يعد الانتماء قائمًا على السلوك العام أو الوضع القانوني فحسب، بل أخذ يستلزم أصلًا موروثًا.
لا شك في أن إسبانيا المعاصرة تقوم على مبدأ المساواة الدستورية. ولن يزعم مراقب موضوعي أن ماريانو راخوي استدعى عقيدة نقاء الدم عن وعي وقصد. فالديمومة التاريخية نادرًا ما تعمل بهذه الصورة المباشرة. لا تستمر الأفكار عادة في هيئة اقتباسات حرفية، بل تعيش في صورة عادات راسخة وطرائق تلقائية في التفكير.
لا أحد يسأل اليوم عما إذا كان لاعب كرة القدم ينحدر من أسرة مسيحية قديمة. لكن أسئلة أخرى تطفو على السطح: من أين ينحدر والداه؟ وما أصوله «الحقيقية»؟
تغير المعجم، لكن الميل إلى البحث عن النسب تحت عباءة المواطنة لم يتغير تمامًا.
لا يزال المخيال العام يتعامل مع سلسلة النسب بوصفها كاشفة عن حقيقة أعمق مما تكشفه المواطنة. وهذه، في تقديري، واحدة من المفارقات المستعصية في المجتمعات الديمقراطية الحديثة: تحدد المواطنة من ينتمي بقوة القانون، بينما يواصل منطق النسب التأثير في تحديد من يُنظر إليه بوصفه منتميًا «حقًا» داخل المخيال الجمعي.
ليس المقصود أن إسبانيا الحديثة لا تزال محكومة في الخفاء بعقيدة نقاء الدم؛ فهي قطعًا ليست كذلك. المسألة أعمق وأكثر أنثروبولوجية. فطرائق تخيُّل الجماعة كثيرًا ما تعمّر أطول من المؤسسات التي أنشأتها، ثم تنفصل عن جذورها التاريخية وتتحول إلى جزء من الحس المشترك، مع استمرارها في تشكيل الكيفية التي تُطرح بها الأسئلة الجديدة.
يمكن تقريب الصورة بوضع وثيقتين جنبًا إلى جنب: شهادة «نقاء دم» من القرن السادس عشر، تثبت أن حاملها ينحدر من مسيحيين قدامى، وجواز سفر إسباني من القرن الحادي والعشرين.
تنتمي الوثيقتان إلى عالمين سياسيين مختلفين تمامًا: الأولى تشهد بالنسب، والثانية تشهد بالمواطنة. ومع ذلك، قد تبدو الأسئلة التي ترافق جواز السفر مألوفة على نحو غريب: من أين ينحدر والداه؟ وما أصوله الحقيقية؟
تغيرت الوثيقة، لكن الرغبة في تجاوزها لم تختفِ.
المغرب و«الموري» في المخيال الإسباني
لا تكتسب صورة «الموري» أهميتها لأن الإسبان المعاصرين ما زالوا يفكرون بمقولات العصور الوسطى، ولا لأن النقاشات الحديثة تكرر الماضي حرفيًا، بل لأنها إحدى الشخصيات التاريخية التي تعلمت إسبانيا من خلالها تخيُّل النسب والآخرية والانتماء.
اكتسبت هذه الشخصية دلالات مختلفة عبر القرون. وما استمر لم يكن صورتها ذاتها، بل عادة النظر إلى ما وراء المواطنة، بحثًا عن الجذور والأصول.
وهنا تصبح علاقة إسبانيا بالمغرب شديدة الدلالة. فلم تختفِ شخصية «الموري» من التاريخ الإسباني بعد سقوط غرناطة، بل عبرت المضيق في أعقاب حروب الاسترداد. وظل المغرب أقرب «الآخرين التاريخيين» إلى إسبانيا. وما تغير عبر خمسة قرون لم يكن العلاقة نفسها، بل الأشكال التي اتخذتها: التعايش، والغزو، والإمبراطورية، والهجرة، ثم المواطنة.
ظل المغرب، على امتداد القرون الأربعة التالية، أحد أقرب جيران إسبانيا وأكثر مرجعياتها التاريخية حضورًا. ولم يكن البحر المتوسط فاصلًا بين عالمين لا صلة بينهما، بقدر ما كان معبرًا بين مجتمعين أمضيا قرونًا في تشكيل أحدهما الآخر.
استمرت التجارة والدبلوماسية، وتواترت حكايات الأسر والقرصنة والهجرة، وتناقلت المجتمعات القصص التي تخيل كل منها الآخر من خلالها.
في عام 1912، فرضت إسبانيا حمايتها على شمال المغرب، فأفسحت الحدود القروسطية المجال لحدود استعمارية جديدة. ولم يعد «الموري» يُرى في المقام الأول بوصفه المسلم المهزوم في حرب الاسترداد، بل بوصفه رعية استعمارية خاضعة لإمبراطورية أوروبية.
ومع ذلك، لم يكن هذا التحول كاملًا قط. فالاستعمار لم يمحُ الذكريات القديمة، بل أعاد تشكيلها. وظل المغرب المجال الذي واصلت إسبانيا من خلاله تعريف نفسها بوصفها أوروبية ومسيحية وحديثة، حتى مع ازدياد التداخل والتشابك بين المجتمعين.
للإمبراطوريات مفارقة عجيبة: فهي تحاول إقامة الفواصل، لكنها تنتهي إلى ربط الشعوب التي تسعى إلى الفصل بينها. أدار مسؤولون إسبان شمال المغرب، وعبر عمال مغاربة الحدود إلى الأراضي الإسبانية، وخدم جنود مغاربة تحت إمرة ضباط إسبان. وتنقل التجار بين طنجة وتطوان وسبتة ومليلية والأندلس، بينما أقامت العائلات روابط اجتماعية تجاوزت الحدود المرسومة على الخرائط.
ظل مضيق جبل طارق ممرًا أكثر منه حاجزًا، يحمل البشر وتواريخهم في الاتجاهين.
بلغت تناقضات هذه العلاقة ذروتها خلال الحرب الأهلية الإسبانية. فقد أطلق فرانسيسكو فرانكو تمرده العسكري لا من مدريد أو إشبيلية، بل من المغرب الإسباني. وعبر «جيش أفريقيا» التابع له، المؤلف في جانب كبير منه من جنود مغاربة إلى جانب ضباط إسبان، المضيق عام 1936 للقتال إلى جانب القوميين.
وهكذا شارك عشرات الآلاف من المغاربة في صراع سيحدد المستقبل السياسي لإسبانيا بأكمله.
لكن التاريخ يستعصي على التصنيفات البسيطة. فعلى امتداد قرون، ظل «الموري» حاضرًا في الذاكرة الإسبانية بوصفه فاتحًا ومنافسًا دينيًا وآخر حضاريًا. وخلال الحرب الأهلية تحول إلى شخصية مختلفة: الجندي الذي جعلته خبرته العسكرية وانضباطه عنصرًا حاسمًا في حملة فرانكو.
وهكذا أسهمت الشخصية التي طالما مثّلت الاختلاف التاريخي بالنسبة إلى إسبانيا في صياغة الدولة الإسبانية الحديثة نفسها.
تتجلى المفارقة هنا بوضوح: فالمخيال التاريخي الذي طالما فصل إسبانيا عن المغرب اعتمد، في لحظات حاسمة، على أرواح المغاربة. ولم تنته هذه العلاقة بانتهاء الاستعمار.
بعد استقلال المغرب عام 1956، بقي البلدان مرتبطين بالجغرافيا والتجارة والهجرة. وعلى امتداد العقود التالية، عبر مئات الآلاف من المغاربة المضيق بحثًا عن العمل والتعليم وفرص جديدة.
ويشكل المغاربة اليوم واحدة من أكبر الجاليات المهاجرة في إسبانيا. يرتاد أبناؤهم المدارس الإسبانية، ويتحدثون الإسبانية بلهجات محلية، ويشجعون الأندية الإسبانية ويلعبون في صفوفها، ويشغلون بمرور الوقت مواقع متزايدة الحضور في الحياة العامة.
لقد تغير اتجاه الحركة. فبعد أن نظرت إسبانيا قرونًا إلى الجنوب، نحو المغرب بوصفه مستعمرة أو منطقة عسكرية، أصبح المغرب تدريجيًا جزءًا من المشهد الاجتماعي الإسباني نفسه.
لم يعد الفصل القديم بين «هنا» و«هناك» سهلًا. فما كان يتكشف في الماضي عبر المتوسط، بات يتكشف اليوم داخل المدن والفصول الدراسية والملاعب الإسبانية.
وهذا التاريخ الطويل يزيد النقاشات المعاصرة حول الانتماء الوطني تعقيدًا. فالأسئلة المتعلقة بالنسب والأصول لا تنشأ في فراغ، بل تتشكل من خلال قرون شغل فيها المغرب مواقع متعددة، وغالبًا متناقضة، داخل المخيال الإسباني: جارًا ومنافسًا، ومستعمرة وشريكًا، ومصدرًا للعمل ومصدرًا للقلق، وموضوعًا للفتنة وعلامة على الاختلاف.
لم يكن «الموري» شخصية تاريخية ثابتة، بل أعيد ابتكاره كلما تغير فهم إسبانيا للاختلاف.
غير أن الشخصية التي طالما تخيلتها إسبانيا في صورة «الموري» لم تعد تقف خارج جماعتها المتخيلة. فكثيرون ممن أُلصق بهم هذا الدور في الماضي أصبحوا اليوم مواطنين إسبان عاديين.
لامين يامال: من التخوم إلى قلب الأمة
تتجسد هذه التحولات بوضوح في شخصية لامين يامال؛ إذ يكشف حضوره في صفوف المنتخب الإسباني كيف انتقلت علاقة الأمة التاريخية بالمغرب من التخوم إلى العائلة، ومن المستعمرة إلى المواطن، ومن مضيق جبل طارق إلى أرضية الملعب.
حين يُنظر إلى لامين يامال في ضوء هذا التاريخ الطويل، يبدو أقرب إلى لغز إثنوغرافي منه إلى مجرد لاعب كرة قدم.
لا غموض في جنسيته. فقد وُلد في إسبلوغيس دي يوبريغات قرب برشلونة، ونشأ في كتالونيا، والتحق منذ طفولته بأكاديمية «لا ماسيا» التابعة لنادي برشلونة، قبل أن يبرز بوصفه واحدًا من ألمع مواهب جيله.
يتحدث لغات البلد الذي نشأ فيه، ويمثل إسبانيا في المنافسات الدولية، وأصبح، وهو لا يزال في سن المراهقة، أحد أبرز وجوه كرة القدم الإسبانية.
قانونيًا وسياسيًا وسِيَريًا، تبدو المسألة محسومة. ومع ذلك، نادرًا ما يتوقف النقاش العام عند هذا الحد. فعاجلًا أو آجلًا تظهر الملاحظة التالية: والده مغربي.
هذه الملاحظة ليست عنصرية في ذاتها، لكنها تكشف سرعة انتقال النقاش من الجنسية إلى النسب. فالجنسية تحدد العضوية القانونية، بينما يبحث النسب عن «الأصالة».
تعدنا الديمقراطية الحديثة بأن الجنسية تكفي لحسم سؤال الانتماء، لكن المخيال العام يواصل، في أحيان كثيرة، البحث عن إجابة أخرى: هل يكشف النسب ما يعجز جواز السفر عن إظهاره؟ وهل تفصح الأصول الموروثة عن حقيقة أعمق من العضوية القانونية؟
لا يخلق لامين يامال هذا التوتر، بل يجعله مرئيًا.
عندما سُئل عن الجدل الذي أثارته تصريحات راخوي، رفض الإجابة بلغة الأصول والأنساب، واختار معجمًا مختلفًا تمامًا:
«إذا كانت كرة القدم قادرة على صنع الفارق، فإنها تصنعه من خلال الاندماج. فرنسا وإسبانيا مثالان على ذلك».
أعاد رده توجيه النقاش، بهدوء، بعيدًا عن الأصول الموروثة، نحو مستقبل مدني مشترك. وبذلك أجاب عن الجدل من دون أن يقبل مقدماته الكامنة.
تساعدنا أعمال ميشيل لامونت حول «الحدود الرمزية» في فهم الكيفية التي تميز بها المجتمعات بين من يُعترف بانتمائهم الكامل ومن تظل عضويتهم عرضة للتشكيك، ولو ضمنيًا.
هذه الحدود ليست ثابتة، بل تتغير استجابة للظروف السياسية والقلق الاقتصادي والتحولات الثقافية. وتقدم كرة القدم فضاء شديد الوضوح لمراقبتها، لأن المنتخبات الوطنية تحول العضوية الرمزية إلى أداء علني. فالمسألة لا تتعلق بمن يستطيع اللعب فقط، بل بمن يستطيع تجسيد الأمة.
لا تنفرد إسبانيا بهذا المأزق. فعلى امتداد أوروبا، أصبحت كرة القدم إحدى الساحات الرئيسية التي يجري فيها التفاوض حول الهجرة والجنسية والهوية الوطنية. غير أن الحالة الإسبانية تمتلك عمقًا تاريخيًا خاصًا؛ لأن لغة النسب تردد صدى قرون من المحاولات الرامية إلى التمييز بين الانتماء الموروث والعضوية القانونية.
لهذا اكتسب تصريح راخوي كل هذا الصدى. فهو لم ينكر الجنسية القانونية للاعبي المنتخب الفرنسي بقدر ما منح النسب أولوية على المواطنة. وسواء أكان واعيًا بذلك أم لا، فقد ألمح إلى أن الأصل يكشف حقيقة أكثر جوهرية من القانون.
ردت فرنسا بلغة المواطنة الجمهورية. وإسبانيا تتبنى رسميًا المبدأ المدني نفسه. لكن تصريح راخوي يذكرنا بسهولة انزلاق الخطاب العام إلى سجل آخر، يستعيد فيه النسب السلطة التي كان يُفترض أن تحل المواطنة محلها.
حين تكشف كرة القدم الأساسات القديمة
نادرًا ما تختفي طرائق الانتماء القديمة بمجرد ظهور طرائق جديدة. إنها تظل كامنة تحت السطح، مثل أساسات مدينة قديمة شُيدت فوقها مدينة أخرى. تغطي المواطنة الدستورية أفكار النسب الموروثة، لكنها لا تمحوها تمامًا.
غالبًا ما تظل هذه الأساسات خفية، غير أن لكرة القدم قدرة عجيبة على كشفها.
فعلى امتداد تسعين دقيقة، تتراجع لغة الدساتير المجردة لصالح الأجساد والوجوه. وفي تلك اللحظات تنبعث الذاكرة التاريخية المتخيلة.
لقرون، تخيلت إسبانيا «الموري» شخصًا يقف خارج الحدود: منافسًا دينيًا في البداية، ثم رعية استعمارية، وشخصية تُختبر الهوية الإسبانية في مواجهتها. واليوم، يحمل أحد أشهر رياضيي البلاد أصولًا مغربية، لا بوصفها علامة على الغرابة، بل باعتبارها جزءًا عاديًا من إسبانيا المعاصرة.
تغيرت الشخصية التاريخية، والأهم أن موقعها داخل المخيال الإسباني قد تغير. فلم يعد من جرى تخيله «موريًا» يقف خارج الأمة مستأذنًا في الدخول؛ إذ أصبح كثير ممن حُصروا تاريخيًا في هذا الدور مواطنين إسبان عاديين.
لم يعد السؤال ما إذا كانت إسبانيا قادرة على استيعابهم، بل ما إذا كان مخيالها عن الانتماء قادرًا على مواكبة تاريخها ومجتمعها الفعليين.
لم تخلق كرة القدم الأسئلة التي ظهرت خلال كأس العالم، بل طرحتها علنًا.
يذكرنا تاريخ إسبانيا بأن الانتماء لم يُتخيل دائمًا بالطريقة نفسها. فقد أسهمت المفاهيم القديمة المتعلقة بالدين والأنساب في تشكيل أمة تعرّف نفسها اليوم من خلال المواطنة الدستورية.
ومن هنا تتجاوز أهمية لامين يامال كرة القدم. فهو ليس مهمًا تاريخيًا لمجرد أن والده مغربي ووالدته من غينيا الاستوائية؛ فملايين الأوروبيين يحملون تواريخ عائلية تمتد جذورها عبر الحدود والإمبراطوريات والهجرات.
ولا يمثل وجوده دليلًا على أن إسبانيا فشلت في التحول إلى ديمقراطية حديثة. بل إن ظهوره بوصفه أحد ألمع المواهب الرياضية في البلاد يشهد على أن المجتمع الإسباني يتصالح تدريجيًا، وبثقة متزايدة، مع مفهوم للمواطنة منفتح على التعدد.
تكمن الدلالة الأعمق في أسئلة أخرى:
لماذا يرتد النقاش العام بهذه السهولة إلى الأنساب حين تبدو المواطنة قد حسمت الأمر؟
ولماذا تبدو الأصول العائلية، في المخيال العام، أكثر كشفًا للحقيقة من مكان الولادة؟
ولماذا يحتفظ النسب بكل هذه السلطة الرمزية في مجتمعات تعرف نفسها رسميًا بمبدأ المواطنة المتساوية؟
ليست هذه الأسئلة حكرًا على إسبانيا، بل هي أسئلة أوروبية تتسع رقعتها باستمرار. ومع ذلك، تواجهها إسبانيا بحدة تاريخية استثنائية؛ إذ قلما شهد بلد أوروبي مثل هذا التداخل المعقد بين إرث الأندلس، وحروب الاسترداد، وعقيدة نقاء الدم، والاستعمار الإسباني للمغرب، والهجرات الحديثة عبر مضيق جبل طارق.
فالجدل الذي ظهر خلال بطولة لكرة القدم ينتمي إلى تاريخ يُقاس بالقرون، لا بالعقود.
وثمة مفارقة لا يستطيع نسجها سوى التاريخ. فلقرون طويلة، تخيلت إسبانيا «الموري» شخصًا قادمًا من وراء المتوسط. تقمص أدوارًا تاريخية متعددة، لكنه ظل غالبًا الشخصية التي تعرّف إسبانيا نفسها في مواجهتها.
أما اليوم، فقد تلاشت هذه الجغرافيا بهدوء. فالطفل يولد في كتالونيا، ويلتحق بـ«لا ماسيا» قبل بلوغه سن الرشد، ويحلم بالإسبانية والكتالونية، ويعيش الإيقاعات اليومية المعتادة لإسبانيا المعاصرة، ثم يرتدي القميص الوطني ويغدو، في نظر ملايين المشجعين، مستقبل كرة القدم الإسبانية.
لقد انتقلت الحدود. لم تعد تقع عند مضيق جبل طارق، بل أصبحت كامنة في الحكايات التي تواصل الأمم روايتها لنفسها عن أصحاب الحق في الانتماء.
ولعل هذا هو الدرس الأنثروبولوجي الأعمق لكرة القدم. فاللعبة لا تبرز المواهب الرياضية فحسب، بل تكشف، بين حين وآخر، التصنيفات التي تتخيل المجتمعات ذاتها من خلالها. وأثناء المباراة تصبح الأمة مرئية، لا في اللاعبين الذين يرتدون ألوانها فقط، بل في النقاشات التي يثيرها حضورهم أيضًا.
يحتفظ المثل الإسباني القديم no hay moros en la costa، أي «لا يوجد موريون على الساحل»، بخريطة أقدم للمخيال التاريخي الإسباني. ويُستخدم التعبير للدلالة على زوال الخطر؛ إذ كان «الموري» يُتخيل في مكان خلف الأفق، على الضفة الأخرى من مضيق جبل طارق.
بعد خمسة قرون، لم تعد هذه الجغرافيا تصف إسبانيا. لقد انتقلت الحدود إلى الداخل. ولم تعد الشخصية التي تمثلت طويلًا في صورة «الموري» تقع خارج الأفق، بل داخل الأمة نفسها.
لم تكن كرة القدم في حاجة إلى إثبات أن اللاعبين الفرنسيين الذين شُكك في فرنسيتهم ينتمون إلى فرنسا، كما لم تكن في حاجة إلى تأكيد مكانة لامين يامال في إسبانيا. فقوانين بلدانهم تكفلت بذلك بالفعل.
لكن ما تفعله كرة القدم هو أنها تجعل الأمة مرئية. فعلى امتداد تسعين دقيقة، يصبح أحد عشر لاعبًا الوجه العلني لها.
أما الاختبار الأعمق فيأتي بعد صافرة النهاية:
هل ستواصل هذه المجتمعات تعريف الانتماء من خلال الأصول الموروثة، أم ستصغي إلى لاعب كرة قدم إسباني في التاسعة عشرة من عمره، يشير إلى إمكانية أخرى: أمة لا تقوم على النسب، بل على مستقبل مدني مشترك؟
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




