• من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • تواصل معنا
  • دخول / تسجيل
  • اللغة
    • English
    • Chinese

لا توجد منتجات في سلة المشتريات.

منصة معنى الثقافية
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
هدهدة
No Result
عرض جميع النتائج
الأربعاء, يوليو 22, 2026
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
No Result
عرض جميع النتائج
منصة معنى الثقافية
هدهدة

التعليم بلا تربية على الحكم: نحو مفهوم العجز التأويلي بوصفه تفسيرًا لأزمة التكوين في المجال العربي | سلمان الحربي

بواسطة معنى
22 يوليو، 2026
من مقالات
A A
رُدْهَةُ «التِّنجستين»، والبحثُ عن خلاصٍ في أُفُقٍ مسدود | سليمان إبراهيم

ليس أخطر ما في أزمة التعليم العربي أنها تُنتج ضعفًا في التحصيل، أو تفاوتًا في الكفاءات، أو قصورًا في البنية المؤسسية، على خطورة ذلك كلّه. فهذه وجوه ظاهرة، قابلة للرصد الإداري، والقياس الإحصائي، والمعالجة التقنية، ولو جزئيًا. أما العطب الأعمق، والأشد مراوغة، فيقيم في مكان آخر: في تلك المسافة الصامتة بين التعلّم والتكوين، بين امتلاك المعلومة وامتلاك القدرة على الحكم، بين النجاح التعليمي ونضج الذات. هنا لا يعود التعليم شأنًا وزاريًا أو مهنيًا فحسب، بل يصبح سؤالاً فلسفيًا عن الإنسان الذي نُخرجه من المدرسة والجامعة، وعن صورة العقل التي نعيد إنتاجها، وعن نوع العلاقة التي نُنشئها بين المتعلّم والعالم، وبين اللغة والحقيقة، وبين المعرفة والمسؤولية.

المشكلة، من هذه الزاوية، ليست أن المجال العربي يفتقر ببساطة إلى التعليم، ولا أنه عاجز عن توسيع مؤسساته أو مضاعفة أعداد خرّيجيه، بل إنَّ جزءًا معتبرًا من أزمته يكمن في أنه يوسّع التعليم من غير أنّ يضمن بالقدر نفسه تربيةً على الحكم. تتضاعف الشهادات، وتتكاثر الخطابات عن الوعي والقيم والمعرفة، ويتسع التداول اللغوي للمفاهيم الكبرى، ومع ذلك يبقى ضعف لافت في القدرة على قراءة النصوص قراءة مركبة، وتأويل الوقائع تأويلاً ناضجًا، وبناء المواقف بناءً مسؤولاً، والتمييز بين ما يقال بقوة الخطاب وما يصح بقوة الحجة. وهذا ليس خللاً عارضًا في بعض الأفراد، بل بنية أوسع في التكوين.

من هنا ينبثق السؤال المركزي الذي يحكم هذا المقال : كيف يمكن لمجتمعات يتسع فيها التعليم، وتتضاعف فيها الشهادات، وتكثر فيها اللغة عن الوعي والقيم والمعرفة، أن تبقى مع ذلك ضعيفة في إنتاج الحكم، وعاجزة في غير قليل من الأحيان عن تحويل المعرفة إلى بصيرة، والتعلّم إلى تكوين، واللغة إلى أداة فهم، لا مجرد أداة أداء أو تكرار أو تموضع ؟ هذا السؤال لا يصدر عن حنين ساذج إلى ماضي مفقود، ولا عن ازدراء اجتماعي للمتعلمين، بل عن محاولة لتسمية عطب حضاري يتجاوز الشكوى اليومية من المناهج والمدارس، إلى مساءلة المنطق الأعمق الذي تنتظم به علاقة التعليم بالعقل.

الأطروحة التي يدافع عنها هذا النص هي أن أعمق أزمات التعليم العربي لا تكمن فقط في نقص الموارد، أو رداءة المناهج، أو ضعف المعلمين، بل في هيمنة نمط تكويني يُنتج أفرادًا يتعلمون من أجل الأداء، والنجاح، والامتثال، والتموضع الاجتماعي، أكثر مما يتعلمون من أجل الفهم، والحكم، وتأويل العالم، وإقامة علاقة ناضجة بالحقيقة والمعنى. ومن أجل تسمية هذا العطب تسميةً أدق، أقترح مفهوم العجز التأويلي؛ وأقصد به الحالة التي يمتلك فيها الفرد قدرًا من المعلومات، أو الشهادات، أو الجاهزية اللفظية، أو القدرة على استحضار الخطابات، لكنه يفتقر إلى القدرة على تحويل المعرفة إلى فهم حيّ، وإلى قراءة العالم والذات واللغة والمؤسسات قراءةً ناضجة منتجة للحكم.

هذا المفهوم لا يُقصد به الإبهار الاصطلاحي، ولا مجرد إضافة تسمية جديدة إلى قاموس مزدحم. قيمته، إنّ كانت له قيمة، تتوقف على وظيفته التفسيرية: ما الذي يفسّره في أزمة المجال العربي مما لا تفسّره ألفاظ مثل الجهل، أو التلقين، أو الأمية الثقافية، أو العجز النقدي، أو التبعية الفكرية؟ وكيف يمكن أن يساعدنا على فهم مفارقة شديدة الحضور: اتساع التعليم، مع هشاشة الفهم؟

1) التعليم، والتربية، والحكم: تمييز المفاهيم قبل تشخيص الأزمة

أول ما ينبغي تحريره هنا هو الفرق بين التعليم والتربية. فالتعليم، في حدّه الأدنى، نقلٌ منظم للمحتوى، وتوسيطٌ بين المتعلّم ومادة معرفية، وإدخالٌ للفرد في اقتصاد الرموز والمهارات الذي يسمح له بالعمل داخل المجتمع. أما التربية، في معناها الأعمق، فهي تشكيل للذات، وصناعة للملكة، وتدريب على استعمال العقل واللغة والوجدان استعمالًا رشيدًا. قد ينجح التعليم في إيصال المعلومة، لكنه لا يضمن وحده أن تنشأ ذات قادرة على النظر، والموازنة، والتمييز، وتحمل عبء الفهم.

وأما الحكم، فليس المقصود به هنا إصدار الأحكام الأخلاقية السريعة، ولا مجرد اتخاذ قرار عملي، بل ملكة عقلية وأخلاقية في آن: القدرة على تقدير الأمور في سياقاتها، وربط الجزئي بالكلي، والتمييز بين الظاهر والجوهر، وبين الحجة والهيبة، وبين ما يُقال بوصفه حقيقة وما يُداول بوصفه سلطة رمزية. الحكم بهذا المعنى ليس مرحلة لاحقة على المعرفة فحسب، بل هو الصورة الناضجة التي تبلغها المعرفة حين تتحول من مادة محفوظة إلى بصيرة عاملة.

وأما التأويل، فلا يُراد به هنا تأويل النصوص الدينية أو الفلسفية وحدها، بل كل عملية فهم يخرج بها الإنسان من مجرد التقاط العلامة إلى إدراك معناها وحدودها وعلاقتها بسياقها. كل فهم جاد هو، في وجه من وجوهه، تأويل: للّغة، للحدث، للمؤسسة، للذات، للعلاقة، للرمز الاجتماعي. وإذا ضعف التأويل، لم يضعف فهم النصوص وحدها، بل ضعفت القدرة على السكن الرشيد في العالم.

من هنا يصبح واضحًا أن التعليم بلا تربية على الحكم ليس تعليمًا ناقص الكفاية فقط، بل تعليمًا يختل فيه التناسب بين المادة والملكة. قد يخرج منه حامل معرفة، لكنه لا يخرج منه بالضرورة صاحب فهم. وقد يوسع المخزون، لكنه لا يصنع حكمًا. وقد يكثر من اللغة، لكنه لا يضمن صلتها بالمعنى.

2) الفجوة الخفية: من التحصيل إلى التكوين

المعرفة، في صورها الشائعة داخل المؤسسة التعليمية، تُعامل غالبًا بوصفها شيئًا يُملك: تعريفًا، قاعدة، معلومة، نصًا، نظرية، أو مهارة قابلة للتقييم. أما الفهم فليس شيئًا يُملك على هذا النحو، بل قدرة على الربط، والتقدير، وإدراك العلاقات، واستخراج المعنى من تعدد الوقائع. ولهذا يمكن أن تكون المعرفة كثيرة، والفهم قليلًا. ويمكن أن يكون التحصيل مرتفعًا، والتكوين هشًا.

الفارق بينهما ليس تفصيليًا. فالمتعلم الذي يحوز المعرفة دون فهم، أو الذي ينجح في الاختبار دون أن تنمو لديه ملكة الحكم، لا يدخل العالم بوصفه عقلًا مكتمل الأدوات، بل يدخل بوصفه ذاتًا مشبعة بالمادة، فقيرة في تشغيلها. يستطيع أن يستعيد، لكنه قد يعجز عن أن يركّب. يستطيع أن يقتبس، لكنه قد يتعثر في أن يفهم. يستطيع أن يتكلم، لكنه قد لا يعرف كيف يزن ما يقول. وهذه هي الفجوة التي يتوارى فيها العطب الأكبر: فجوة التعلم الذي لا يرقى إلى تكوين.

هذا الانفصال لا ينشأ من فراغ. إنه نتيجة نمط طويل من التشكيل يُكافئ الإنجاز الشكلي أكثر مما يكافئ البناء البطيء للملكة. النجاح يُقاس غالبًا بما يُنجز في الاختبار، لا بما يُهضم في الذات. والاعتراف يُمنح للشهادة، لا دائمًا لما أحدثته المعرفة في صورة العقل. ومع الزمن، ينشأ وعي ضمني بأن المعرفة ليست مجالًا للتحول الداخلي، بل رأسمالًا رمزيًا أو أداة عبور أو مفتاحًا لمكانة اجتماعية. عند هذه النقطة تفقد المعرفة بعضًا من بعدها التكويني، وتدخل في اقتصاد الأداء.

3) الأدبيات السابقة: ما الذي نعرفه بالفعل، وما الذي ما يزال ناقص التسمية؟

ليست هذه الملاحظة معزولة عن تاريخ الفكر. منذ أفلاطون كان سؤال التربية سؤالًا عن تكوين النفس، لا عن تجميع المعلومات. وعند أرسطو ارتبطت التربية بإنضاج الفضيلة العملية، أي القدرة على تقدير ما ينبغي فعله في المواقف المختلفة. وكان كانط، في حديثه عن التنوير، يربط خروج الإنسان من قصوره باستعمال العقل استعمالًا عموميًا، لا بمجرد امتلاك المعارف. وفي العصر الحديث، أعاد جون ديوي وصل التربية بالخبرة، ورفض أن تُختزل إلى تلقين منفصل عن الحياة. أما باولو فريري، فقد صاغ نقدًا بالغ التأثير لما سماه التعليم البنكي، حيث تُودع المعرفة في المتعلم كما تُودع النقود في الحسابات.

وعند حنة آرندت، لا تُفهم أزمة التعليم فهمًا إداريًا ساذجًا، بل بوصفها أزمة في علاقة المجتمع بالعالم، وفي مسؤوليته عن تقديمه إلى القادمين الجدد من غير أن يسلبهم القدرة على البدء. أما أدورنو فقد ربط التربية بنقد الطاعة وإعادة إنتاج البربرية. وفي فوكو يتجلى البعد الانضباطي للمؤسسات الحديثة في تشكيل الذوات. وفي بورديو يظهر كيف تعيد المدرسة إنتاج الفوارق والهيمنات تحت ستار الاستحقاق.

وفي التراث العربي الإسلامي، لم يكن الوعي بالفارق بين العلم والملكة غائبًا. ابن خلدون أدرك بوضوح أنَّ كثرة الحشو لا تُنتج ملكة، وأنَّ التدرج والممارسة شرط لنضج الفهم. والغزالي ميّز بين علم لا يجاوز اللسان وعلم يثمر أثرًا في النفس والسلوك. وابن رشد أعاد الاعتبار للبرهان والتمييز الدقيق بين أنماط القول. والجاحظ، على طريقته، وعى أنَّ البيان ليس زخرفة، بل علاقة بين اللسان والعقل والعالم.

لكن، على رغم غنى هذه الأدبيات، يظل ثمة فراغ في تسمية حالة مخصوصة من حالات المجال العربي المعاصر : حالة يتسع فيها التعليم، وتزداد فيها الموارد اللغوية، وتتضاعف خطابات الوعي، ومع ذلك تبقى القدرة على التأويل المركب والحكم الرشيد ضعيفة أو هشة. هنا لا يكفي أن نقول : لدينا تلقين. فالتلقين يصف آلية، لكنه لا يصف البنية النهائية للوعي الناتج عنها، ولا يحيط بكل صورها الحديثة. لهذا تنشأ الحاجة إلى مفهوم العجز التأويلي.

4) في تعريف العجز التأويلي: ما هُوَ ، وما ليس هُوَ؟

العجز التأويلي هو قصور بنيوي في تحويل المعرفة إلى فهم، والفهم إلى حكم. هو حالة يكون فيها المتعلم قادرًا على تداول الألفاظ والمفاهيم، وربما استحضار المراجع، وإعادة إنتاج الخطابات، لكنه يظل ضعيفًا في قراءة النصوص والأحداث والوقائع قراءة متعددة الطبقات، وفي استخراج الفروق، وفي بناء موقف ناضج لا يكتفي بالتموضع.

هو ليس جهلًا، لأن الجهل غياب للمادة أو نقص فيها، بينما العجز التأويلي قد يصيب من يملك مادة وافرة. وليس تلقينًا، لأن التلقين قد يكون أحد أسبابه، لكنه لا يختصره. وليس أمية ثقافية، لأن المصاب به قد يكون قارئًا نشطًا ومستهلكًا كثيفًا للمعرفة. وليس استلابًا رمزيًا بالمعنى العام، لأن نطاقه أدق، ويتعلق بالعلاقة بين الوعي واللغة والحكم. وليس عجزًا نقديًا فحسب، لأن النقد مرحلة متقدمة من الفهم، بينما العطب هنا قد يبدأ قبلها، في القدرة على التأويل نفسها.

بهذا المعنى، فالعجز التأويلي لا يعني أن المتعلم لا يعرف، بل يعني أنه لا يعرف كيف يفعل معرفته. لا يعرف كيف يضعها في سياقها، وكيف يختبر حدودها، وكيف يربطها بما يخالفها، وكيف يستخرج منها حكمًا مسؤولًا. إنه عجز في الملكة، لا في المخزون. عجز في الاستعمال، لا في الحيازة فقط.

وله شروط واضحة للظهور. أولها هيمنة نموذج تعليمي يكافئ الامتثال والاسترجاع أكثر مما يكافئ المساءلة والتركيب. ثانيها تقدم اللغة على الخبرة، بحيث يعرف الطالب أسماء القيم والمفاهيم قبل أن يختبر أثقالها. ثالثها اختزال النجاح إلى اعتراف اجتماعي، لا إلى تحول في صورة العقل. رابعها ضعف التدريب على القراءة البطيئة والشك المنهجي والتحليل المقارن. خامسها تضخم السلطة المعرفية الرمزية، بحيث يصبح اسم المرجع أو قوة الأسلوب بديلًا عن الفهم الحقيقي.

أما علاماته، فمنها التكرار المعرفي دون هضم، والاستشهاد دون استيعاب، وسرعة إصدار المواقف مع ضعف التأمل، والخلط بين حيازة المفردات وحيازة المعاني، والتعامل مع النصوص والأحداث كموضوعات جاهزة للتصنيف السريع، لا كوقائع تحتاج إلى إقامة داخل السؤال.

5) لماذا ينتج التعليم العربي معرفة بلا حكم؟

لا يجوز اختزال التعليم العربي في صورة واحدة، ولا إنكار الفروق بين بلد وآخر، ومؤسسة وأخرى، وطبقة وأخرى. لكن ذلك لا يمنع من التقاط خطوط عامة تتكرر في أكثر من سياق.

أول هذه الخطوط أن المؤسسة التعليمية، في كثير من صورها، ما تزال تكافئ الإجابة قبل أن تنضج الملكة التي تُنتج السؤال. الطالب يتعلم كيف يلتقط المطلوب، وكيف ينجو، وكيف يمر، أكثر مما يتعلم كيف يقيم في الإشكال، وكيف يتحمل غموض البحث، وكيف يبني السؤال الجيد. وهذا يخلق علاقة دفاعية مع المعرفة: المعرفة شيء يُطلب مني أن أقدمه، لا شيء أدخل فيه لأتغير.

والثاني أن الخوف من الخطأ يشكل البنية النفسية العميقة لكثير من الفضاءات التعليمية. فالخطأ لا يُعامل دائمًا بوصفه لحظة كشف، بل بوصفه خللًا في الأداء أو خطرًا على الصورة. ومن يخاف الخطأ لا يغامر بالتأويل، ولا يذهب بعيدًا في الفهم، ولا يحتمل التعقيد. وهكذا تتشكل ذوات تتقن السلامة، لا المغامرة الفكرية.

والثالث أن التعليم يدخل في اقتصاد اجتماعي للاعتراف يجعل الشهادة أكثر قيمة من المعرفة نفسها. فتغدو المعرفة، في وعي كثيرين، رأسمالًا للتموضع، لا خبرة للتحول. لا يُسأل الطالب كثيرًا: ماذا أحدث فيك ما تعلمته؟ بل: ماذا ستحقق به؟ أي وظيفة؟ أي مكانة؟ أي عبور؟ وحين يستولي هذا المنطق على التعليم، تميل الذات إلى أن تتعامل مع المعرفة من خارجها، لا من داخلها.

والرابع أن اللغة التعليمية نفسها كثيرًا ما تسبق التجربة. يتعلم الفرد ألفاظًا عن الوعي، والتفكير الناقد، والإبداع، والحرية، والقيم، قبل أن يمرن على شروط هذه الأشياء. فتتشكل فجوة بين الخطاب عن الفهم وممارسة الفهم، بين تسمية الملكة وامتلاكها. وهنا يبدأ الوعي بالعيش داخل لغة أكبر من تجربته.

والخامس أن البيئة الرقمية المعاصرة تضاعف هذه الأزمة. فهي تكافئ السرعة، والظهور، والاختزال، وتمنح شعورًا سهلًا بالامتلاء المعرفي من غير أن توفر بالضرورة شروط الهضم. فيلتقي النمط التعليمي القائم على الأداء مع الوسط الرقمي القائم على التسارع، فتُنتَج ذات واسعة التداول، محدودة الإقامة في المعنى.

6) القيمة التفسيرية للمفهوم: ماذا يفسر العجز التأويلي؟

يفسر العجز التأويلي، أولاً، كيف يمكن لحامل الشهادة أن يكون ضعيفًا في الحكم. فالمشكلة ليست تناقضًا بين التعليم والضعف، بل خللاً في نوع التعليم نفسه: تعليم ينقل المادة، لكنه لا يبني الملكة التي تحوّلها إلى بصيرة.

ويفسر، ثانيًا، ظاهرة الاستشهاد دون استيعاب. فليس قليلًا أن تجد حضورًا كثيفًا للأسماء والمراجع والمفاهيم، يقابله عجز عن محاورة هذه المواد، أو وضعها في علاقتها النقدية بسياقها. هنا تتحول المعرفة إلى زخرفة رمزية، لا إلى أداة كشف.

ويفسر، ثالثًا، سرعة إصدار المواقف في قضايا مركبة. فالذات العاجزة تأويليًا تفتقر إلى الصبر على التعقيد، وتميل إلى القوالب الجاهزة، لأنها لا تملك الثقة الداخلية التي تسمح لها بالإقامة في المنطقة الرمادية.

ويفسر، رابعًا، تضخم الثقة مع ضمور الفحص. إذ كثيرًا ما ينتج النمط التعليمي القائم على الأداء أفرادًا متمكنين من الصورة، واثقين من حضورهم الخطابي، لكنهم أقل قدرة على مراجعة مقدماتهم أو إدراك حدود ما يعرفون.

ويفسر، خامسًا، لماذا تنتقل أزمة التعليم إلى المجال العام. فالعجز التأويلي لا يبقى في الصف، بل يخرج إلى الثقافة، والإعلام، والسياسة، والخطاب الديني، والعلاقات الاجتماعية. إنه نمط في الوعي، لا خلل مهني داخل مؤسسة.

7) اعتراضات ضرورية

قد يقال: ليست المشكلة في التعليم، بل في السياسة والاقتصاد وبنية السلطة. وهذا صحيح جزئيًا، لأنَّ التعليم لا يعمل خارج التاريخ. لكنه لا ينقض الأطروحة. فالسياسة والاقتصاد يحددان شروط التعليم، نعم، غير أنَّ التعليم يظل جهازًا نوعيًا في تشكيل الذوات. ومن ثمّ ففهم أزمته ليس اختزالاً للأزمة العامة، بل كشفًا عن إحدى أهم آليات إعادة إنتاجها.

وقد يقال أيضًا إن مفهوم العجز التأويلي لا يزيد على إعادة تسمية التلقين. والجواب أن التلقين يصف طريقة في النقل، أما العجز التأويلي فيصف صورة الوعي الناتجة عن نمط أوسع من التشكيل، قد يتضمن التلقين لكنه لا يقتصر عليه. يمكن لتعليم يبدو حديثًا ومتطورًا تقنيًا أن ينتج عجزًا تأويليًا إذا ظل محكومًا بمنطق الأداء والاعتراف الشكلي.

وقد يقال، ثالثًا، إن هذه الأزمة ليست عربية خاصة بل عالمية. وهذا صحيح من جهة أن العالم كله يشهد تراجعًا في القراءة العميقة، وتصاعدًا في ثقافة الأداء. لكن الخصوصية العربية لا تدعي الاحتكار، بل تشير إلى كيفية تجسد الظاهرة داخل سياق تاريخي مخصوص: حداثة غير مكتملة، ومؤسسات تربوية مترددة بين خطاب التحديث وبنية الامتثال، ومجال عام هش في وسائطه النقدية، واقتصاد رمزي يضخم قيمة الشهادة والصورة والتموضع. هنا تتخذ الأزمة هيئة أكثر تعقيدًا، وتستحق لذلك تسمية أدق.

8) خاتمة: ما الذي نريد أنّ نخرجه من المدرسة؟

إن أعمق سؤال يواجه التعليم العربي ليس عدد المدارس، ولا كثافة المناهج، ولا حتى جودة التقييم، على أهمية ذلك كله، بل هو هذا: أي صورة من الإنسان نريد أن ننتج؟ هل نريد عقلًا يعرف كيف يكرر، أم عقلًا يعرف كيف يفهم؟ هل نريد متعلمًا يتقن المرور في المؤسسة، أم ذاتًا تتكوّن بحيث تستطيع أن تحكم، وتؤوّل، وتبني موقفًا، وتتحمل مسؤولية عقلها؟

لقد حاول هذا النص أن يقترح مفهوم العجز التأويلي بوصفه مفتاحًا لقراءة عطب خفي في المجال العربي: عطب لا يتمثل في قلة المعلومات، بل في ضعف تحويلها إلى ملكة. وهو، بهذا المعنى، لا يطلب من التعليم أن يضيف مزيدًا من المواد، بل أن يعيد وصل المعرفة بالفهم، والفهم بالحكم، والحكم بالمسؤولية. فالتربية التي لا تُخرج إنسانًا قادرًا على قراءة العالم قراءة مركبة، إنما تخرّج فردًا حسن الأداء، ضعيف السيادة على المعنى.

ولعل هذا هو ما يجعل أزمة التعليم، في جوهرها، أزمة فلسفية قبل أن تكون أزمة إدارية: إنها أزمة في تصور الإنسان، وفي علاقتنا بالعقل، وفي فهمنا لوظيفة المعرفة نفسها. فإذا لم نسترد للتعليم مهمته الأصلية بوصفه تربية على الحكم، فإننا سنظل نزيد من التعليم، من غير أن نزيد بالضرورة من الفهم. وعندئذ لن يكون عطبنا أننا نعرف قليلًا، بل أننا نعرف كثيرًا على نحو لا يغير فينا ما ينبغي أن يتغير.

مراجع

أفلاطون. الجمهورية.

أرسطو. الأخلاق النيقوماخية.

ابن خلدون. المقدمة.

ابن رشد. فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال.

الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين.

الجاحظ. البيان والتبيين.

الجابري، محمد عابد. تكوين العقل العربي.

العروي، عبد الله. مفهوم الحرية.

أبو زيد، نصر حامد. مفهوم النص.

طه عبد الرحمن. روح الحداثة.

Arendt, Hannah. Between Past and Future.

Bourdieu, Pierre, and Jean-Claude Passeron. Reproduction in Education, Society and Culture.

Dewey, John. Democracy and Education.

Foucault, Michel. Discipline and Punish.

Freire, Paulo. Pedagogy of the Oppressed.

Fromm, Erich. Escape from Freedom.

Kant, Immanuel. What Is Enlightenment?

Ricoeur, Paul. Interpretation Theory.

Taylor, Charles. Sources of the Self.

Adorno, Theodor W. Education After Auschwitz.

خريطة مرجعية مقترحة للتوسعة

لتوسيع هذا المقال لاحقًا، يحسن الرجوع إلى أعمال جون ديوي الأخرى في التربية والخبرة، وإلى نصوص باولو فريري في الوعي النقدي، وإلى حنة آرندت في سؤال العالم والتربية، وإلى أدورنو في التربية والمناعة ضد الطاعة، وإلى بول ريكور في السرد والتأويل، وإلى تشارلز تايلور في تشكل الذات الحديثة، وإلى بيير بورديو في العلاقة بين المدرسة وإعادة إنتاج الهيمنة، وإلى محمد عابد الجابري في بنية العقل العربي، وإلى نصر حامد أبو زيد في تاريخية الفهم، وإلى بعض الأدبيات المعاصرة في علم اجتماع التعليم وثقافة التقييم واقتصاد الأداء المعرفي.

————————————–

الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.

الوسوم: معنىمقالات معنى
ShareTweetSendShareSend
المقال السابق

من السؤال إلى التقديس: إشكالية التلقي العربي للفلسفة الغربية | عماد المزراوي

رُدْهَةُ «التِّنجستين»، والبحثُ عن خلاصٍ في أُفُقٍ مسدود | سليمان إبراهيم

التعليم بلا تربية على الحكم: نحو مفهوم العجز التأويلي بوصفه تفسيرًا لأزمة التكوين في المجال العربي | سلمان الحربي

22 يوليو، 2026

ليس أخطر ما في أزمة التعليم العربي أنها تُنتج ضعفًا في التحصيل، أو تفاوتًا في الكفاءات، أو قصورًا في البنية...

من السؤال إلى التقديس: إشكالية التلقي العربي للفلسفة الغربية | عماد المزراوي

من السؤال إلى التقديس: إشكالية التلقي العربي للفلسفة الغربية | عماد المزراوي

21 يوليو، 2026

مقدمة في العقود الأخيرة، لاحظنا تغيرًا واضحًا في طريقة تعامل الفكر العربي مع الفلسفة الغربية؛ إذ لم تعد، في كثير...

ميتافيزيقا المصعد والسلم | بدر مصطفى

ميتافيزيقا المصعد والسلم | بدر مصطفى

17 يوليو، 2026

ندخل المصعد ونضغط رقمًا. ينغلق المصراعان المعدنيان. بعد ثوانٍ نصل إلى طابق لم نشهد الطريق إليه. اختفت المسافة، وبقيت النتيجة....

الزكاة كما أرادها الله في كتابه: المعادلة المفقودة للقضاء على الفقر | بدر الحمود

الزكاة كما أرادها الله في كتابه: المعادلة المفقودة للقضاء على الفقر | بدر الحمود

16 يوليو، 2026

القرآن... المصدر الشامل والكافي يحتل المال في الوعي الإنساني مكانة محورية؛ فهو عصب الحياة ومحرك الإعمار. وتنطلق هذه التأملات من...

عن منصة معنى

«معنى»، مؤسسة ثقافية تقدّمية ودار نشر تهتم بالفلسفة والمعرفة والفنون، عبر مجموعة متنوعة من المواد المقروءة والمسموعة والمرئية. انطلقت في 20 مارس 2019، بهدف إثراء المحتوى العربي، ورفع ذائقة ووعي المتلقّي المحلي والدولي، عبر الإنتاج الأصيل للمنصة والترجمة ونقل المعارف.

روابط سريعة

  • أرشيف معنى
  • مكتبة معنى
  • تطبيق معنى
  • الأفلام

التصنيفات

Articles & Essays MIT SMR SJPS أوراق ودراسات إعلانات معنى إيون الحياة الطيبة الفلسفة الآن الفيلسوف الجديد المتن الفلسفي المتن الفلسفي بودكاست ذا أتلانتيك سايكي سيكولوجي توداي غير مصنف مراجعات مقابلات وحوارات مقالات مقالات فرنسية مقالات من الصين نيويورك تايمز
  • الرئيسية
  • من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • السلة
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الخصوصية
  • تواصل معنا
  • English
  • Chinese

© 2026 منصة معنى الثقافية

مرحبا بك!

قم بتسجيل الدخول إلى حسابك

هل نسيت كلمة المرور؟ تسجيل

قم بإنشاء حساب جديد!

املأ النموذج أدناه للتسجيل

جميع الحقول مطلوبة. تسجيل الدخول

طلب إعادة تعيين كلمة المرور

يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني لإعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك.

تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
لست عضو الآن ؟ سجل الآن
استخدام Google
استخدام Apple
Or Use Social
إعادة تعيين كلمة المرور
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
تسجيل
هل أنت مستخدم مسجل بالفعل؟ تسجيل الدخول الآن
No Result
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
  • دخول / تسجيل

© 2026 منصة معنى الثقافية

-
00:00
00:00

قائمة التشغيل

Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00