«لو كان الفقر رجلًا لقتلته»— مقولة مأثورة
لو كان الفقر رجلًا لكنا واجهناه، وربما قضينا عليه، بوصفه العدو الأكبر. لكن الفقر لا يمنح ضحاياه هذه الراحة. فهو يختفي داخل نظام الحياة، حتى يبدو أثره نتيجة طبيعية لها. لا يأتي في هيئة عدو. يأتي في هيئة ضرورة.
نقيس الفقر عادة بما ينقص الإنسان من المال. وهذا قياس لا يرى إلا الأرقام التي يمكن عدّها. أما الخسارة التي يصعب إدراجها في الحساب فهي أن يصبح اليوم مملوكًا للضرورة قبل أن يعيشه صاحبه. تقتطع الحاجة منه ساعاتها واحدة بعد أخرى؛ للعمل، وللوصول إليه، وللانتظار، ولتدبير ما كان المال يستطيع أن يختصره. وفي آخر اليوم يعود اليوم إلى صاحبه، وقد نُزعت منه الحياة تقريبًا.
من يملك المال يستطيع أن يحمي وقته. يختار مسكنًا قريبًا من محل عمله، أو وسيلة تنقل سريعة ومريحة دون تردد أو حساب للتكلفة. وقد يدفع لغيره كي يتولى مهمة أو مهام كان سيقضي فيها يومًا كاملًا. أما الفقير فيعقد صفقاته مع الزمن. ينخفض السعر كلما ارتفعت المدة. السلعة الأرخص تحتاج إلى سوق أبعد. والخدمة المجانية تستدعي يومًا من الانتظار. المسكن الممكن يقع حيث تنتهي المدينة ويبدأ الطريق إليها. يبدو أنه دفع أقل، مع أن يومه تكفل ببقية الحساب.
تكشف وسائل المواصلات هذا التفاوت بوضوح. الموظفون الذين يجلسون إلى المكتب نفسه لا يصلون إليه من المسافة ذاتها. أحدهم يغادر منزله بعد فطوره بقليل، أما زميله يكون قد أمضى وقتًا طويلًا بين الزحام ومحطات التبديل. يبدأ العمل في الساعة المقررة، لكن الإنهاك سبقه إلى جسد واحد منهما.
ولا تعترف المؤسسات في الغالب بهذا الجزء المخفي من العمل. الطريق خارج العقد، مهما فرض على العامل من موعد للنوم أو حرمه من رؤية أسرته في المساء. الأجر بحسب الحضور داخل الجدران. أما ما استهلكه الوصول فلا يقع في مسؤولية أحد. وهكذا يتحول جانب من يوم العامل إلى عمل مجاني بلا اسم.
في الدوائر العامة، في بعض البلدان، يأخذ الفقر صورة الانتظار. لا يعرف المرء متى يأتي دوره، لذلك يعجز عن استخدام الوقت في شيء آخر. يظل معلقًا بمقعده وباحتمال أن يُنادى اسمه. ربما يصل إلى الشباك ليعرف أن توقيعًا غائبًا سيعيده غدًا. الخطأ الإداري صغير في نظر المؤسسة. غير أنه في حياة المرء، قد ابتلع يومًًا كاملًا.
من يفرض الانتظار على الآخرين لا يحتاج إلى إعلان سلطته. يكفي أن يبقى موعده مجهولًا. تتعلم الأجساد الواقفة أن وقتها قابل للإلغاء، وأن التزاماتها لا وزن لها أمام إجراء مبهم. ومع التكرار، يدخل هذا الدرس إلى النفس. يشعر الإنسان أن الاعتراض نفسه قد يكلّفه دورًا جديدًا. ينجز المرء خدمته التي دفع مقابلها المال والوقت، والتي هي حق طبيعي له، ليشعر بعدها بالإنجاز الزائف، وكأنه ملك الدنيا كلها!
يصل الفقر بعد ذلك إلى ذهنية الفقير. الحاجة التي لا تجد ما يكفيها لا تنتهي بقرار سريع. تبقى مفتوحة. تلاحق صاحبها أثناء العمل، وقد توقظه ليلًا في صورة سؤال بسيط عن أي خسارة يمكن احتمالها هذا الشهر؟ ينشغل العقل بإدارة النقص، حتى يصبح التركيز الكامل في أي شيء عزيزًا بعيدًا.
لهذا يبدو التخطيط أصعب مما تفترضه النصائح المتداولة. المستقبل يحتاج إلى حد أدنى من الثبات. من لا يعرف ما إذا كان دخله سيكفي الأسبوع الأخير، يصعب عليه أن يبني خطة لعام مقبل. لا تنقصه القدرة على فهم مصلحته. تنقصه الأرض التي تقف عليها الخطة.
يقال له إن التعليم والتطوير طريقان للخروج، لكن من أين يأتي بالوقت وراحة البال كي يتعلم ويتطور؟ يقال له إن الصحة استثمار، بينما الحياة الصحية الحقيقية شديدة الكلفة. كل باب للخروج يطلب موردًا سبق للفقر أن استهلكه. ومن هنا تستمد الدائرة قسوتها: النجاة تحتاج إلى فراغ، والحاجة لا تترك فراغًا.
حتى الأشياء الرخيصة تشارك في استنزاف صاحبها. تتعطل مبكرًا، فيبدأ البحث عن إصلاح يحتمله الدخل. قد يتوقف العمل بسبب هاتف قديم، أو يفسد طعام لأن المبرد لم يعد يؤدي وظيفته جيدًا. لا يتوقف ثمن السلعة عند لحظة شرائها. يمتد بعدها داخل الأيام.
ويظهر التفاوت الزمني منذ الطفولة. قد يدخل طالبان الامتحان نفسه، وقد جلس أحدهما إلى كتابه في غرفة هادئة مهيئة الأجواء. أما الآخر فقد اقتطع وقت للدراسة داخل بيت مزدحم ومن مسؤوليات لم يخترها. تبدو ورقة الاختبار محايدة لأنها لا تسأل كيف وصل كل منهما إليها. النتيجة وحدها تبقى، ويختفي التاريخ الذي صنعها.
ثم تضيق المساحة التي يكون فيها الإنسان لنفسه. الراحة عند الفقير كثيرًا ما تحمل شعورًا بالذنب. هناك دائمًا أمر مؤجل يمكن إنجازه، أو مصدر دخل ينبغي البحث عنه. لا يأتي يوم العطلة خاليًا. يستقبل ما عجزت بقية الأيام عن حمله.
حين يُحرم الإنسان من وقته، تتضرر علاقته بمن يحبهم أيضًا. قد يعود إلى البيت حاضر الجسد، وقد ترك انتباهه عالقًا في حسابات الغد. لا يحتاج الفقر إلى تفريق الأسرة حتى يبدد قربها. يكفي أن يجعل الإرهاق ضيفًا دائمًا في الغرفة.
ولهذا الحرمان أثر سياسي. فتكوين الرأي يحتاج إلى انتباه لا تلتهمه متطلبات الحياة الضرورية. والمطالبة بالحق تحتاج إلى طاقة تحتمل التأخير والصدام. الإنسان الذي يحاول فقط أن يعبر يومه بأقل ضرر قد يرى أي تغيير خطرًا إضافيًا. لا تسكته السلطة دائمًا. أحيانًا يصل إليها صمته جاهزًا، وقد صنعه الإنهاك.
وبالمثل يصيب الفقر الخيال في مقتل. تتقلص صورة المستقبل حتى تصبح خالية من المغامرة. ينشغل المرء بأمنيات قريبة: شهر بلا دين، أو طريق يستغرق وقتًا أقل. ليست هذه أحلامًا صغيرة بطبيعتها. لقد صغّرتها حياة لا تسمح للنظر بأن يتجاوز موضع القدم التالية.
ومع ذلك، نحاسب الفقير كما لو أنه تحرك في مجال مفتوح. نصف قراراته بقصر النظر، ثم نتجاهل الخطر الذي كان يحيط بكل اختيار. نحتفي بمن نجا وحده، لأن قصته تعفينا من النظر إلى من استهلك الطريق أعمارهم. تتحول البنية عندئذ إلى امتحان أخلاقي، وتصبح النجاة فضيلة شخصية.
لو كان الفقر رجلًا لواجهناه مرة واحدة، وربما استطعنا القضاء عليه. لكنه ينتشر في ترتيب المدينة وفي قواعد العمل، ويتكلم بلسان الإجراءات العادية. لهذا يصعب أن نمسك به. نرى نتائجه منفصلة، فنظن أن كل واحدة منها حادثة مستقلة.
غير أن أثره الأعمق واحد، فهو يمنع الإنسان من امتلاك يومه. ومن لا يملك يومه لا تصله الحياة كاملة. تصله في الفواصل القصيرة التي تتركها الضرورة، ثم يُطلب منه أن يبني منها مستقبلًا.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




