نابولي، 1974
بين جمهور مارينا أبراموفيتش، نقف متفرجين، وتنتصب أمام أعيننا لافتة تقول: «أنا المسؤولة بالكامل».
نرصد فساد البشر وشرورهم حين تُمنح لهم الحرية وتُرفع عنهم المسؤولية، فيظهر العطش البشري إلى الدماء، وكأنه يعزف على إيقاع «صفر»، ويلحّن أقسى أنواع التعذيب البشري، مستمتعًا ومتلذذًا طوال ست ساعات متواصلة.
لكننا نوهم أنفسنا بأننا أكثر تحضرًا من هذا كله، وبأننا، حتى لو مُنحنا الحرية ورُفعت عنا مسؤولية تصرفاتنا، فلن ننحدر جميعًا إلى حد الإمساك بالمقصات والشفرات، وتعرية الجسد وتجريده من إنسانيته. فما زالت عيون المراقب الخارجي تلاحقنا، وقد ترصد استمتاعنا السري بما نراه ونفعله.
ترولهتان، 2003
في استوديو فارغ، قدّم لارس فون ترير أحد أكثر الأفلام رعبًا، دون الاستعانة بمقصات مارينا وشفراتها، ودون استخدام المؤثرات الدموية أو الموسيقى التصويرية المثيرة للهلع. جلسنا، ومعنا تسلياتنا، في المقاعد الأولى بدور السينما، نشاهد الشر الإنساني في أصدق صوره حين يُمارَس «بنظافة»، ودون انتظار إباحته من الحكومات أو رفع المسؤولية عن مرتكبيه.
شاهدنا الشر في فيلم «دوغفيل» (Dogville) يُمارَس بكل تحضر ورقيّ، واستمتعنا بمشاهدة الإنسان يستعبد الإنسان، ويسلبه حريته وحياته، دون أن نرهق حواسنا أو نؤذيها. شاهدنا كيف ننقضّ على بعضنا تحت وطأة الحاجة والاضطرار بكثير من «التحضر»؛ فلسنا ممن ينهشون لحم الآخر بهمجية، وإنما نتبادل الخدمات فحسب، بما يناسب التطور والحداثة اللذين ارتقينا إليهما.
ورغم الإضاءة المناسبة لهذه القرية الوادعة، وسكانها الهادئين المستعدين لتوفير الأمان لكل ضيف يحلّ بينهم، فقد تشبثنا بمقاعدنا ونحن نشاهد الفيلم، وشعرنا بالقلق، وكأن هذا الرعب مألوف لدينا، ولا ينقص واقعنا إلا الأطواق الحديدية والأجراس.
كلا، لقد تطورنا وتجاوزنا القيود الحديدية وعصور الظلمات، بالتأكيد. وحتى لو سمحت لنا الحكومات، فلن نعود إلى استخدامها؛ إذ لن تبدو صورتنا لطيفة في عيون الراصدين ونحن نعلّق في أعناق الآخرين أجراسًا لا داعي لها.
لكن ما قصة هوسنا الأزلي بالرصد؟
لندن، 1801*
قبل «دوغفيل» بقرنين من الزمن، وفي سياق تجاربه الفيزيائية، أجرى توماس يونغ تجربته الشهيرة التي قدّمت دليلًا على الطبيعة الموجية للضوء. وقد عرض نتائج أبحاثه أمام الجمعية الملكية البريطانية، حيث كنا، نحن أيضًا، نحتل الصف الأول، ونستمع إلى شرحه بشغف منقطع النظير.
ومن تلك التجربة، نمضي بخيالنا إلى عالم ميكانيكا الكم، حيث يبدو أن هوسنا بالمراقبين وعيونهم يمتد حتى إلى أدق مكونات المادة، وإن كان معنى «المراقبة» هناك مختلفًا عما نألفه في عالم البشر.
ففي تجربة الشقين، يختلف النمط الذي تُظهره الإلكترونات تبعًا لإمكان الحصول على معلومات عن المسار الذي تسلكه. فعندما يُقاس مسار الإلكترون، يختفي نمط التداخل الموجي، أما حين لا تتوافر معلومات تميّز مساره عبر أحد الشقين، فيمكن أن يظهر نمط التداخل. وكأن الإلكترونات، في استعارتنا البشرية، تستغل غياب الرأي العام الميكروي لتتحرر من وقار الجسيمات المنضبطة، وتستسلم لفوضى الاحتمالات.
لكن لنعطِ الإلكترونات حقها؛ فلو كان لها وعي بالاهتمام الخارجي المنصبّ عليها، لحقّ لها أن تطالبنا باحترام اتزانها وانضباطها المحكومين بالمراقبة.
بطرسبرغ، 1877
إذن، لو لم تعِ الإلكترونات وجود المراقب الخارجي، فهل كان ليظهر أثره؟ وبمعنى آخر: هل يظل الوجود قائمًا إن لم ننظر إليه؟ أم يمكننا القول إن عين المراقِب تغيّر من طبيعة المراقَب؟
فحتى لو أخذت مارينا المسؤولية على عاتقها، فإن بين الجمهور من يراقبنا ونراقبه؛ ولذلك يكبح بعضنا رغباته، ولا يتصرف كما يشتهي.
ما رأيك؟
يستمع فيودور دوستويفسكي إلى تساؤلاتنا صامتًا، ثم يضع أكبر إبريق شاي يملكه على النار، ويخبرنا أنه مشغول الفكر ببطله الذي تصوّر بوضوح أن «الحياة والعالم الآن إنما يتعلقان به، ويمكنه حتى أن يقول لكأن العالم قد وُجد لأجله وحده، فيكفي أن يطلق النار على نفسه حتى يختفي العالم ولا يعود موجودًا».
وكأن وعي بطله المضحك ومراقبته هما ما يسيّران هذا الكون البشري؛ فإن انطفأ وعي هذا البطل المراقِب، تلاشى الوجود في اللحظة نفسها، بإلكتروناته وفساده وشروره المعلنة والمستترة. فكل ما نراه إنما ينتمي إلى وعي العيون الراصدة، وحين تُغلق، يُبتلع هذا العالم في ثقب أسود لا قرار له.
يمسك فيودور كوب شايه الساخن بكلتا يديه، ويكمل:
ما لي ولهذا الهذر كله؟ ومن مارينا هذه التي تحدثونني عنها؟ وما الاستوديو والإلكترونات؟ أنا أكتب الروايات فحسب لأسدّد ديوني، والمهم عندي أن أحصل على كوب الشاي الخاص بي، وليذهب هذا العالم إلى الجحيم!
هامش
- قدّم توماس يونغ عام 1801 أدلة تجريبية على الطبيعة الموجية للضوء. أما تجارب التداخل باستخدام الإلكترونات، وإشكالية القياس الكمي وعلاقتها بمعلومات المسار، فقد تطورت في القرن العشرين ضمن ميكانيكا الكم. ولا تعني «المراقبة» في هذا السياق بالضرورة وجود مراقب بشري واعٍ؛ إذ يتعلق الأمر بالتفاعل الفيزيائي والقياس وإمكان تمييز المسارات. وقد جرى الجمع بين السياقين هنا لأغراض أدبية وفلسفية.
__________
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وجهة نظر الكاتبة فقط.




