ترجمة/ شروق دراج
مراجعة/ محمد بن علي الزهراني
كان هناك وقتٌ يُستثنى فيه الجناة، إذا كانوا “في حالة جنون في أثناء ارتكاب الجريمة”، من العقاب أو السجن، ومنذ الثمانينيات، بدأنا نلاحظ زيادة في عدد المجانين في السجون الفرنسية، فهل يعود ذلك إلى أن السجن يفاقم الأمراض النفسية الموجودة من الأساس؟ أو على الأصح، هل أصبح الطب النفسي أقل قدرة على التعامل مع الحالات المعقدة. كما أن ضعف التمييز بين الجنون والجريمة سُخر ليصبح أداة للدفاع الاجتماعي، وهذا ما تجلى بوضوح في القانون الجنائي الجديد لعام ١٩٩٤م.
في يناير ٢٠٠٧م، وُجهت إلى نيكولا كوكاين Nicolas Cocaigne تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار بعد أن قتل رفيقه في السجن وابتلع جزءًا من رئتيه. نُقل إلى وحدة الحالات المعقدة في فيلجويف Villejuif، وسرعان ما أطلق الإعلام عليه لقب “آكل لحوم البشر في روان cannibale de Rouen”، حيث قضى عقوبة السجن فيها منذ نوفمبر ٢٠٠٦م ولمدة أربع سنوات بتهمة الاعتداء الجنسي. قبل دخوله السجن، شُخِّص بالفصام، وكان قد احتجز قبلها في مستشفًى للأمراض النفسية عدة مرات.
بعيدًا عن الطابع المروع لهذه الحقائق، لا يسعنا إلا ملاحظة وجود أشخاص متأثرين بالأمراض العقلية داخل جدران السجون. من الواضح أن الجنون لا ينشأ داخل هذه الأسوار[1]، بل يتفاقم هناك: وهذا ما تؤكده كثير من الدراسات؛ فوفقًا لدراسة استقصائية أُجريت عام ٢٠٠٤م، وُجد أن ما بين أربعة إلى خمسة سجناء شُخصّوا بأن لديهم الذهان[2]، وتزداد هذه النسبة بوضوح بين أولئك الذين يقضون أحكامًا طويلة. يعاني عشرة بالمئة من السجناء، البالغ عددهم ٦٠ ألفًا، بدرجات متفاوتة، الفصام، كما كان هو الحال مع نيكولا كوكاين. تُشير الملاحظة الطبية للسجناء إلى تزايد هذه الحالات بجلاء في السنوات الأخيرة، لا سيّما في فرنسا. يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال تضافر العوامل التاريخية المختلفة المتداخلة مع الجوانب الطبية والقانونية.
تحولات السجون والمستشفيات
هل يمكن للسجن أن يصبح بؤرة لتفشّي الأمراض النفسية؟ قد يُشير ارتفاع معدل حالات الانتحار في السجون إلى ذلك؛ إذ تُظهر نتائج الدراسة نفسها التي أُجريت عام ٢٠٠٤م، أن نسبة كبيرة من السجناء (تتجاوز الثلثين) يعانون اضطرابات نفسية، وإذا عددنا أن الحرمان من الحرية، وانعدام العلاقات الأسرية والاجتماعية، والاكتظاظ، والعنف، قد تُفضي إلى اضطرابات القلق والاكتئاب الشديدة، والتي غالبًا ما تكون مصحوبة بميول انتحارية، فإن من النادر ملاحظة إسهام الحبس والعزلة عن الواقع، والحياة الاجتماعية في إنتاج أو كشف أو حتى تفاقم حالات الذهان. ومهما كانت ظروف السجن قاسية أو مزرية، فإنها في غالب الأحيان لا تؤدي إلا إلى تفاقم الأمراض النفسية القائمة مسبقًا. في الحقيقة، خضع نحو ٢٠% من السجناء مسبقًا لمتابعة نفسية أو أُحيلوا سابقًا إلى عيادات الطب النفسي قبل دخولهم السجن، ولكن مع بقائهم في الحبس الانفرادي، تحولت حالات بعضهم إلى حالات مزمنة.
لفهم الوجود الضخم للمجانين داخل السجون، ألا يجب النظر في التحولات التي طالت مؤسسة الطب النفسي نفسها؟ لقد اختفت الملاجئ النفسية أو المصحات، التي كانت تُعد الشكل السائد لرعاية المرضى على مدار قرن ونصف من الزمان، وحتى لو استمر وجود المستشفيات المشار إليها، فإنها ستقتصر على كونها عنصرًا واحدًا في شبكة من الهياكل المحدودة المنتشرة في جميع أنحاء المنطقة. أسفرت سياسات الترشيد للمستشفيات التي بدأت في الثمانينيات، وتزايدت في الوقت الراهن عن تراجع حاد في عدد الأسرة المتاحة في أقسام الطب النفسي، حيث انخفض العدد من ٨٣ ألفًا إلى ٤٠ ألفًا بين عامي ١٩٨٧م و٢٠٠٠م. في المقابل، شهد عدد الأفراد المعنيين ارتفاعًا ملحوظًا خلال المدة نفسها، لتتجاوز أعدادهم مليون شخص[3]. انعكس ذلك على متوسط مدة الإقامة في المراكز الصحية النفسية CHS التي تراجعت تراجعًا حادًّا؛ إذ لم يعد المرضى يقيمون في المستشفى عامًا كاملًا كما كان الحال قبل ثلاثين عامًا، بل أصبح بقاؤهم لا يتجاوز الشهر؛ ولذلك، أصبح الاعتماد على الأدوية النفسية أمرًا لا غنى عنه. لقد أدت الضغوط المتزايدة على الهياكل الطبية إلى التخلي عن عدد يتزايد من المرضى في الشوارع، الذين غالبًا ما يكونون مشردين وغير مستقرين، وفي بعض الأحيان مجرمين صغارًا يجدون أنفسهم في نهاية المطاف خلف جدران السجون. مع تراجع عدد موظفي الطب النفسي وتقليص أماكن الرعاية، أصبح القطاع أقل قدرة على تقديم العناية اللازمة للمرضى ذوي الحالات المعقّدة، خصوصًا أولئك المُحالين من القطاع القضائي، وبعد مرحلة الحبس/العزل الجماعي grand renfermement  التي ظهرت في العصر الحديث واعتقال المجانين، جاءت المؤسسة النفسية بما يسمى بـ “الانفتاح الجماعي/الكبير grande ouverture” ليضع نهاية للوظيفة التقليدية للمستشفيات في نظر كثير من المرضى؛ إذ لم تعد مكانًا “للجوء” كما كانت عليه في الماضي.
في المقابل، أُضيفت فئة جديدة من الأسرة داخل السجون الفرنسية بموجب التشريع الجديد لعام 1985م، الذي عزّز التقسيم القطاعي المطبَّق منذ ستينيات القرن الماضي. ونصّ المرسوم الصادر في 14 مارس 1986م على إنشاء قطاعات متخصّصة في الطب النفسي داخل السجون. وقد أتاح هذا التحوّل خيارين رئيسين: إمّا أن تتولّى المؤسسة الصحية المرجعية رعاية السجناء، أو أن تُنشأ داخل المؤسسة الإصلاحية نفسها خدمة طبية-نفسية إقليمية (SMPR).
ولتدعيم هذا النظام، أُنشئت خمس وحدات مخصّصة للحالات المعقّدة في كلّ من فيليجويف، وكاديلاك، وسارغيمين، ومونتيفيرغ، وبلوغيرنيفي. وكما يوحي اسمها، تستقبل هذه المنشآت مرضى يعانون من الذهان ويشكّلون خطرًا على الآخرين، ما يستدعي إخضاعهم لمراقبة خاصة. وتقع هذه الوحدات داخل مؤسسات للصحة النفسية خارج السجون، فتقدّم حلًا للتعامل مع المرضى الخطرين، لكنها تسهم، في الوقت نفسه، في تقليص عدد الأسرة المتاحة في المستشفيات العامة.
وقد أدّت الحقوق التي كفلتها التشريعات الجديدة للسجناء في مجال الرعاية النفسية إلى انتقال جزء من مهام الطب النفسي العام إلى السجون. غير أن هذا التحوّل اقترن بآثار سلبية، تمثّلت في إنشاء نظام للرعاية النفسية داخل السجون يتّسم بالهشاشة والتدهور، فضلًا عن أعباء مالية إضافية؛ إذ تبلغ كلفة يوم واحد من الإقامة في مستشفى داخل السجن ثلاثة أضعاف كلفة يوم علاج في مستشفى عادي. وتأتي هذه التحوّلات الاجتماعية والمؤسسية والطبية في لحظة يُعاد فيها التفكير في مسألة المسؤولية عن المرضى النفسيين، وهو موضوع يستحق تتبّع تاريخه وتحليل مساراته.
المادة ٦٤ من القانون الجنائي والتطور الطبي
يستند التمييز بين السجن ومستشفى الأمراض النفسية إلى مبدأ عدم المسؤولية الجنائية للأشخاص المصابين بأمراض عقلية، وهو المبدأ الذي أقرّه القانون الجنائي لعام ١٨١٠م عبر المادة الشهيرة رقم ٦٤ التي نصّت على: «لا جريمة ولا جُنحة عندما يكون المتهم في حالة جنون وقت ارتكاب الفعل». ظلّت هذه المادة سارية المفعول حتى عام ١٩٩٤م، حيث وضعت حدودًا قاطعة بين المجانين والمجرمين، غير أن هذه الحدود سرعان ما أصبحت موضع إشكال. يستمد هذا المبدأ جذوره من مصادر قديمة؛ إذ ثبت وجوده في القانون الروماني، ثم في القانون الكَنسي، بالإضافة إلى لاهوت الخطأ والفلسفة الأخلاقية. بدأ هذا المبدأ بوصفه بقايا من الماضي عند صياغته، خاصة في استخدام مصطلح «الخرف»، الذي أصبح مندثرًا من الناحية الطبية. مع ذلك، واجه هذا المبدأ في القرن التاسع عشر تطورًا طبيًّا وقضائيًّا يربط بين المادة ٦٤ والإشكالية المعاصرة للمسؤولية.
لفهم أهمية هذه التحوّلات، لا بد من الرجوع إلى مبادئ القانون الجنائي الصادر عام 1810م، وإلى السياق الفكري الذي تبلور فيه. فقد أسّس هذا القانون نظامًا جزائيًا بالغ الصرامة، يقوم على مبدأ ملاءمة العقوبة للجريمة المرتكبة، بحيث ارتكز الحكم على الفعل وتاريخ الجاني، من دون اعتبار يُذكر لإمكانية إعادة إدماجه في المجتمع. وفي ذلك الحين، لم يكن يُقضى على المجانين بالعقوبة، لأنهم عُدّوا غير قادرين على توافر النية الإجرامية التي تقوم عليها الجريمة.
ومع ذلك، كان من الممكن احتجازهم، وإن لم يُعاقَبوا من منظور أخلاقي؛ وهو ما أتاحه قانون 16-25 أغسطس 1790م، الذي تطوّر لاحقًا إلى نظام يهدف إلى ردع الأشخاص العاجزين عن ضبط اندفاعاتهم وغضبهم، ثم تكرّس ذلك بصورة أوضح في قانون عام 1838م المتعلّق بالمجانين. ومن هنا غدت المسؤولية شرطًا قبليًا لأي إجراء قانوني، كما أشار إلى ذلك عالم الجنايات الكلاسيكي الحديث أورتولان عام 1855م، حين بذل جهدًا كبيرًا في توضيح هذا المفهوم، مستخدمًا مصطلحات قد تبدو لنا اليوم شديدة القِدم:
إن الشرط الأول للمساءلة هو الحرية. […] ما هو ضروري لتحقيق المسؤولية، ومن ثم قابلية اللوم، هي القدرة على التمييز بين الخير والشر، وفهم ما إذا كان الفعل عادلًا أو غير عادل. […] أخيرًا، لا بد أن يكون هناك خطأ أو ذنب[4].
هذا القانون، الذي يتسم بالعلمانية في تعريف الجرائم، وإلى حد كبير في تطبيق العقوبات، يستند إلى رؤية أنثروبولوجية روحانية سادت في مطلع القرن التاسع عشر، وكان لها تأثير عميق في تحديد مفهوم المسؤولية؛ فهذه الروحانية جعلت من الممكن تحديد “المسؤولية الأخلاقية” انطلاقًا من الفهم الروحي للإنسان. يمكن تصور “الحرية” التي تحدّث عنها أورتولان على أنها قدرة روحية ذات أصل إلهي، أي قدرة ثابتة لا تتغير، فإما أن تتكامل وإما أن تُلغى. ومن هنا يظهر الطابع الأساسي للمسؤولية الجنائية في القرن التاسع عشر؛ فهي لا يمكن أن تكون قابلة للتدرج أو التخفيف.
في ثمانينيات القرن التاسع عشر، بدأ البناء النظري لهذا النظام بالتصدع، حيث أعادت الجمهورية الثالثة النظر في العدالة العلمانية، وتخلت عن الأسس الدينية والأخلاقية التي كانت تقوم عليها، لتنتقل من مفهوم نظام العقوبات إلى فكرة حماية المجتمع، وهذا ما يظهر بوضوح في أعمال غابرييل تاردي Gabriel Tarde، ورايمون سالاي Raymond Saleilles[5].
في هذا السياق، بدأ الطب النفسي اكتساب مكانة متزايدة، خاصة فيما يتعلق بتفريد العقوبات وقياس مدى خطورة المجرمين، وبهذا، أصبح التركيز يتجه نحو الجوانب الأخلاقية للجريمة، ومن ثم الحالة النفسية للمجرمين، ما أسهم في تطوير أساليب مبتكرة لتحديد العقوبات.
أدت هذه التطورات إلى ظهور أول ملامح تعديل مفهوم المسؤولية؛ حيث بدأت قضية فردنة العقوبات مع التوجّه المتزايد نحو تخفيفها عام 1824م، لتُعمّم بموجب قانون 1832. في البداية، سمحت هذه التعديلات بتكييف الإدانة وفقًا لشخصية المتهم، ومع مرور الوقت وتزايد التعقيد، تحولت المسؤولية ذاتها لتصبح فردية. مع بداية الربع الأخير من القرن، بدأ مفهوم المسؤولية يتسلل تدريجيًّا إلى الممارسات القضائية عبر ما يشبه الباب الخلفي؛ حيث أُشير في حكم صادر عن محكمة النقض عام 1885م، إلى وجود: “خلل في التوازن، الذي، رغم عدم إلغائه للمسؤولية، فإنه أتاح التعامل معها بوصفها محدودة”.[6] لقد شدد تعميم شومييه Chaumié الشهير الصادر عام 1905م على مفهوم «المسؤولية المخففة»، داعيًا الأطباء النفسيين إلى البحث في مدى قدرة المتهم على إظهار «الشذوذات الجسدية أو النفسية أو العقلية»[7] التي لا تندرج ضمن مفهوم الجنون كما ورد في المادة 64. وُظّفت هذه التعريفات الجديدة للمسؤولية «النفسية»، التي عُدَّت في نص تعميم شومييه مصدرًا لـ «التخفيف في تطبيق العقوبات»، على أولئك الذين يُعدُّون «منحرفين» خصوصًا، وهذا ما عكس تناقضًا مع مفهوم المسؤولية الأخلاقية القديم الذي نصت عليه المادة 64. مع مرور ما يقارب قرنًا من الزمان، طُبّقت هذه التعديلات بموجب المادة 122-2 من قانون العقوبات لعام 1994م.
تعود جذور هذا التطور إلى التقدم الذي شهده الطب النفسي الذي بدأ يُظهر إمكانية وجود تفاوتات في مفهوم المسؤولية عبر تطوير وفلترة علم تصنيف الأمراض. ومع التأكد من وجود الجنون الجزئي في الزمان والمكان، بدأ علماء علم الأمراض، منذ أعمال بينيل Pinel، بإلغاء الحدود بين العقل والجنون، وهو الاتجاه الذي أُكّد لاحقًا من خلال اكتشاف اللاوعي الفرويدي.[8] يتناقض ظهور الكيان النفسي مع المبادئ القانونية السائدة في أوائل القرن التاسع عشر، لا سيّما مع إدخال مفهوم المسؤولية النفسية والمتدرجة. تنشأ من هنا الصعوبة البالغة في تطبيق مبدأ عدم المسؤولية على المجانين، حيث يصبح من المستحيل التمييز قطعًا بين المجانين والمجرمين، ومن ثم فصل المستشفى عن السجن، في ظل احتمال أن يكون الفرد مريضًا إلى حد ما ومجرمًا إلى حد ما في الوقت نفسه.
المصادر الحديثة لتحميل المرضى المسؤولية
وعلى امتداد هذا التمييز النظري الهش بين الجنون والجريمة، الذي استمر حتى القرن العشرين، شهدت السنوات الخمس عشرة الأخيرة تحولات جذرية أدّت إلى تداخل واسع بين الجنون والسجن. فقد أحدثت المادة 122-1، التي حلّت محل المادة 64 من قانون العقوبات الجديد لعام 1994م، تغييرًا حاسمًا في معالجة القضايا المتعلقة بالأشخاص المصابين بأمراض عقلية، بحيث لم يعد استبعاد هذه القضايا يتمّ على نحو تلقائي. وتنصّ هذه المادة على «أن يظل الشخص الذي كان يعاني، وقت ارتكاب الجريمة، اضطرابًا عقليًا أو عصبيًا أدّى إلى إضعاف تمييزه أو إلى عرقلة قدرته على التحكّم في أفعاله، خاضعًا للعقوبة».
وقد جاءت العواقب القانونية لهذه التعديلات سريعة وملموسة؛ إذ سُجّل انخفاض واضح في عدد القرارات القاضية بانعدام المسؤولية الجنائية منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث تراجع العدد من 611 قضية سنويًا عام 1989م إلى 203 قضايا فقط عام 2004م.[9]
يحدث هذا التطور في سياق يضع دور وأساسيات خبرة الطب النفسي في موضع تساؤل؛ إذ يلجأ خبراء الطب إلى مفهوم تغيير الجلد، ليس فقط بسبب الضغوطات الاجتماعية الكبيرة التي يواجهونها -بل أيضًا بسبب العلاقة السريعة التي تربط بين الخطر والأمراض العقلية- بالإضافة إلى استخدام “الحجج العلاجية”. على سبيل المثال، أسهم ميشيل بينيزيك Michel Bénézech في تعزيز قمرة العلاج الطبيعي للأطفال عبر بعض الأمراض التي قدمها الأطباء النفسيون[10]. لكن يحمل الطب النفسي داخل السجون أيضًا آثارًا معقدة، إذ بالنسبة إلى بعض الأشخاص المدانين والمسجونين، تصبح هذه «الأمراض»، التي تظهر في الأفق بمنزلة ألعاب غير مسؤولة، ما يتيح لهم البقاء في بيئة سجينة دون الاستفادة من الحلول التي قد تقدمها معالجتنا لمشكلاتنا. من ناحية أخرى، يسمح التثبيت الدوائي للأمراض في أثناء مُدد الاحتجاز الوقائي بإعادة تأهيل المصابين بالذهان جزئيًّا ضمن إطار محدود، وبما يتماشى مع نظام المسؤولية القانونية.
تصل هذه الظاهرة إلى الهيئات القضائية الدنيا، حيث تُدرج الخبرة النفسية في جلسات المحاكمة، إلا أنها لا تُعد إلزامية في القضايا التي لا تعد جنائية أو جنسية. مع ذلك، يُلاحظ أن نحو نصف السجناء المصابين بالذهان يدخلون السجن بعد إدانة جنائية. يشكّل نظام المثول الفوري، الذي يعتمد على سرعة الإجراءات، تحديًا للأشخاص الذين لديهم اضطرابات نفسية، وعلى الرغم من ضرورة إجراء تقييم نفسي في بعض الحالات، فإن ذلك لا يتيح إمكانية تعليق احتجازهم[11]. في حالة ارتكاب جريمة بسيطة وفرض عقوبات قصيرة، يُرسل المريض إلى السجن بدلًا من بقائه في المستشفى، حيث يتعامل الأطباء النفسيون في السجون مع المرضى المصابين بالذهان الذين لم يخضعوا قط لتشخيص طبي[12]. لكن متى ستصبح هذه “المحاكمات المروعة للمرضى العقليين” ظاهرة سائدة؟ إنها تجارب مؤلمة للمرضى الذين يشعرون بالحرج من العلاج الطبي الذي يتلقونه، وكما أنهم سيكونون عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم[13]، وإذا كان لهذا النوع من الإجراءات مكان، فهل يمكن للعدالة أن تؤدي وظيفة التطهير؟ لم يعد الجنون مجرد مرادف لعدم المسؤولية وحسب، لا، بل أصبح في بعض الأحيان سببًا لتشديد العقوبة استنادًا إلى التشخيص النهائي للخطر، وقد عُدّل نص المادة الجديدة 122-1 من قانون العقوبات ليُعزز مفهوم الدفاع الاجتماعي، كما يتبين من تقرير الاستماع إلى الخبراء النفسيين الذي نُشر عام 2007م[14].
تتسارع وتيرة الإصلاحات التشريعية والإعلانات استجابة للأحداث المتعلقة بالقضايا البارزة (مثل قضية باو Pau عام 2004م إلى قضية غرونوبل Grenoble عام 2008م)، -وهذا ما يعد رد فعل سياسي على أفعال تُعزى إلى أمراض نفسية[15]– إذ لا يمكن أن تنمو هذه الوتيرة إلا في سياق أزمة سياسية حادة، حيث ينتج المجتمع نوعًا من التهميش في بيئة تحتوي على طب نفسي مفتوح يفتقر إلى وسائل كافية لتعويض الانسحاب من اللجوء، وذلك في سياق دعم سياسي موجه لصالح الضحايا. لقد أدى الحادث الأخير، في نوفمبر 2008م، إلى إعادة تنشيط المشاريع التي طُرحت منذ عام 2005م، بالتوازي مع تبني مبدأ العقوبات الأمنية المثير للجدل[16]، مثل أوامر العلاج، والإدخال الإجباري إلى المستشفيات، وإنشاء مراكز جديدة. على الرغم من أن مجلس الدولة رفض فكرة المسؤولية المدنية للمرضى عام 2008م، فإن الخطوات الأخيرة تعد الأكثر تطورًا. وإلّا فكيف يمكننا تفسير إنشاء تسع عشرة وحدة استشفائية مجهزة بشكل خاص (UHSA)، ومنصوصًا عليها عام 2002م بموجب قانون التوجيه والبرمجة للعدالة، المعروف باسم قانون بيربن Perben، إن من المقرر أن تُفتتح هذه الوحدات عامي 2009م و2010م وستكون مدمجة ضمن المستشفيات، وتابعة لقطاعات الطب النفسي في السجون، كما سيُضمن أمنها من إدارة السجون[17]. لكن، أسيُعاد المرضى إلى المستشفى أم سيُحبسون في مرافق الرعاية الصحية في المستشفى؟
يمكننا أن نفهم، إلى حدٍّ كبير، كيف أسهم تراجع التسامح إزاء التهميش الحضري، وإغلاق المؤسسات الاستشفائية النفسية، وتوجيه السياسات العامة لصالح الضحايا، في تفضيل خيار حبس المرضى. غير أن الطريق إلى الجحيم، كما يُقال، معبّد أيضًا بالنوايا الحسنة. ولأجل الختم، يمكن التوقّف عند بعض الأمثلة الدالّة: فقد أدّى إصلاح نظام الاستشفاء عام 1990م، من خلال اعتبار الاستشفاء الطوعي «الحالة العامة»، إلى جعل الاستشفاء الإجباري أكثر تعقيدًا، وهو ما أسفر عن تأخير رعاية المرضى، ولا سيما الحالات المعقّدة التي قد ينتهي بها المطاف، في نهاية الأمر، داخل السجون.
وعلى الرغم من أن سياسة القطاعات أصبحت أقل تمييزًا بحق المريض، إذ هدفت إلى إدماج المؤسسة النفسية في النسيج المحلي، وإبقاء المرضى في بيئاتهم الاجتماعية الأصلية، فإنها تفترض في المقابل مراقبة مستمرة، ونظامًا متكاملًا للتنسيق، فضلًا عن بنية نقل حضري مرتفعة الكلفة، وهو ما يترك بعض المرضى من دون حماية كافية. ومن هنا يبرز السؤال الحاسم: هل تنقلب الديمقراطية، في سعيها إلى جعل المريض النفسي مواطنًا كامل الحقوق كغيره، على ذاتها؟
لمزيد من المعلومات
- النصوص القانونية
قانون 1838 بشأن المرضى العقليين http://psychiatrie.histoire.free.fr/legisl/intern/1838txt.htm
نص تعميم شومييه (1905) http://m.renneville.free.fr/spip.php?article6
قانون 27 يونيو 1990م المتعلق بحقوق وحماية الأشخاص المحتجزين في المستشفيات
http://www.ch-charcot56.fr/textes/l90-527.htm
مواد قانون العقوبات الجديد لعام 1994م
http://www.lexinter.net/Legislation2/causes_d%27irresponsabilite.htm
قانون عام 2008م المتعلق بالاحتجاز الوقائي وإعلان عدم المسؤولية الجنائية بسبب الاضطرابات العقلية:
http://www.legifrance.gouv.fr/affichLoiPubliee.do;jsessionid=4156B32DA63268798C80D64BB145C525.tpdjo14v_3?idDocument=JORFDOLE000017758135&type=general
- التقارير الأخيرة
وثيقة من المدرسة الوطنية للقضاء بشأن وحدات الرعاية الخاصة بالمرضى العقليين (سبتمبر 2007م):
http://www.senon-online.com/Documentation/telechargement/3cycle/Droit/ENM/UHSA%20-%20ENM%20190907.pdf
دراسة مقارنة في التشريع الدولي من مجلس الشيوخ (2004م):
http://www.senat.fr/lc/lc132/lc132.html
تقرير لجنة الاستماع (207م):
- محاضرة عبر الإنترنت عن الخبرة النفسية
محاضرة من ميشيل بينيزيتش Michel Bénézech عن رعاية المرضى العقليين الخطرين:
http://www.canalu.education.fr/producteurs/universite_victor_segalen_bordeaux_2_dcam/dossier_programmes/l_invite_du_mercredi/critique_de_la_prise_en_charge_des_malades_mentaux_dangereux
[1] ف. شوفو F. Chauvaud، خبراء الجريمة. الطب الشرعي في فرنسا في القرن التاسع عشر ,Les Experts du crime. La médecine légale en France au XIXe siècle، باريس، أوبييه، ٢٠٠٠م، ص. ١٦٢؛ السيد رينفيل M. Renneville، الجريمة والجنون. قرنان من التحقيقات الطبية والقانونية Crime et folie. Deux siècles d’enquêtes médicales et judiciaires، باريس: فايارد Fayard، ٢٠٠٣م.
[2]الدراسة الوبائية للاضطرابات النفسية لدى السجناء، التي أُجريت في عام ٢٠٠٤م في نحو عشرين سجنًا، من قبل لجنة علمية تحت إشراف وزارتي الصحة والعدل، وبمشاركة المهنيين في مجال الصحة والسجون، تجمع أبرز البيانات التي تُعد اليوم مرجعًا في هذا المجال (ف. روييون وآخرون F. Rouillon et alii, دراسة وبائية للاضطرابات النفسية بين الأشخاص المحتجزين في السجون Étude épidémiologique des troubles psychiatriques chez les personnes détenues en prison, ٢٠٠٤م.
[3] سي. بريور » C. Prieurالطب النفسي الفرنسي من سيئ إلى أسوأ «La psychiatrie française va de plus en plus mal لو موند، ٢١ نوفمبر ٢٠٠٨م.
[4] ج.إي.إل. أورتولان J.-E.-L. Ortolan، عناصر القانون الجنائي Éléments de droit pénal، باريس، ١٨٥٥م، ص. ٩٩.
[5] رايمون سالاي، تفريد العقوبة L’Individualisation de la peine، باريس، ١٩٨٩م؛ غابرييل تاردي، الفلسفة الجنائية La Philosophie pénale، باريس، ١٨٩٠م.
[6] نشرة أحكام محكمة النقض الصادرة في المسائل الجنائية، المجلد 90، العدد 170، سنة 1885م، 1887م، ص. 285.
يتعلق هذا برفض الطعن المقدم من إيميل بيكوليه Émile Picollet ضد الحكم الصادر في 30 أبريل 1885م من محكمة الاستئناف في شامبيري Chambéry.
[7]تعميم وزير عدل شومييه Chaumié بتاريخ 12 ديسمبر 1905م.
[8]تترجم هذه “المقترحات” الطبية الجديدة بسرعة إلى مناقشات طبية-قضائية حادة بدأت في منتصف عقد 1820م بشأن قضية المونومانيا القاتلة؛ فقد ندَّد بعض الأطباء المشهورين بالخطأ القضائي وأكدوا أن الأفعال القاتلة التي ارتكبها ليجيه Léger (1824م)، وبابافوين Papavoine (1825م)، وكورنييه Cornier (1826م) أو، لاحقًا، بيير ريفيير Pierre Rivière (1835م) هي نتيجة لمرض عقلي جزئي، حيث تُعدُّ الجريمة العرض الوحيد لهذا المرض. ومع ذلك، ظلت العدالة متمسكة بمفاهيم أكثر تقليدية وأدانت هؤلاء جميعًا بالإعدام. ومع ذلك، استفاد هنرييت كورنييه وبيير ريفيير من هذه الشكوك حيث حُوِّل حكمهما. يمكن الرجوع إلى هذا الموضوع في كتاب ميشيل فوكو Michel Foucault (محرر)، “أنا، بيير ريفيير، الذي ذبحت أمي وأختي وأخي… حالة قتل الأب في القرن التاسع عشر” ,Moi, Pierre Rivière, ayant égorgé ma mère, ma soeur et mon frère… Un cas de parricide au XIXe siècle باريس، غاليمار، 1973م.
[9]جلسة استماع علني، الخبرة النفسية الجنائية، تقرير لجنة الاستماع، مايو 2007، الجدول 1، ص. 17.
استنادًا إلى الأدلة الإحصائية للعدالة، يمكن تقديم الأرقام التالية المتعلقة بالحالات التي أُسقِطت بسبب الجنون: 528 في عام 1985م، 518 في عام 1986م، 444 في عام 1987م، 518 في عام 1988م، 611 في عام 1989م، 424 في عام 1990م، 372 في عام 1991م، 493 في عام 1992م، 370 في عام 1993م، 350 في عام 1994م، 340 في عام 1995م، 309 في عام 1996م، 190 في عام 1997م، 211 في عام 1998م و286 في عام 1999م.
[10] م. بنيه M. Bénézech، “نحن مسؤولون عن التجريم المفرط للأفعال الإجرامية الناتجة عن الاضطرابات النفسيةNous sommes responsables de la criminalisation abusive des passages à l’acte Pathologique ” المجلة الفرنسية للطب النفسي، العدد 13، الصفحة 23.
[11] بي. براهمي B. Brahmy، “الطب النفسي والسجون Psychiatrie et prison”، دراسات، 2005م، العدد 6، ص. 751-760.
[12] في. جوردان V. Jourdan، “أرخص من المستشفى، السجن Moins cher que l’hôpital, la prison”، لوموند ديبلوماتيك، يوليو 2006م.
[13] م. بييرو M. Peyrot، “محاكمات المرضى العقليين المؤسفة Les consternants procès des malades mentaux”، المجلة الفرنسية للطب النفسي، العدد 13، ص. 18؛ انظر المثال المذكور في إي. سال A. Salles، “مُنهَك وغائب عن الوعي، مجنون أمام محكمة الجنايات Prostré et comateux, un fou devant la cour d’assises”، لوموند، 15 نوفمبر 2008م.
[14] استماع علني، الخبرة النفسية الجنائية، تقرير لجنة الاستماع، مايو 2007م، ص. 20.
[15] “إصلاح الطب النفسي: لماذا؟”، الصحيفة اليومية للطبيب، 17 نوفمبر 2008م.
[16] قانون 25 فبراير 2008م المتعلق بالاحتجاز الوقائي وإعلان عدم المسؤولية الجنائية بسبب الاضطراب العقلي.
[17] تعميم DHOS/O2/F2/E4 رقم 2007-284 بتاريخ 16 يوليو 2007م المتعلق بكيفية تمويل نفقات الاستثمار لوحدات الاستشفاء المجهزة خصيصًا UHSA)).
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




