ترجمة/ نورة الجلعود
مراجعة/ محمد بن علي الزهراني
يُعدّ الأوبرايزم l’Opéraïsme تيّارا ماركسيًّا امتد تأثيره الفلسفي بعمق على الحركات الاجتماعية في إيطاليا خلال السبعينيات، ثم عُرف في فرنسا بفضل توني نيغري Toni Negri، لقد أبرزت مسيرة ماريو ترونتي Mario Tronti، الذي توفي هذا الصيف، جانبًا مختلفًا من تلك المدة.
– “نحن، المفكرون العضويون -هذا الوصف الجميل الذي أصبح اليوم مشوهًا– لدينا أخطاؤنا، نتأرجح بين الإفراط في القطيعة والإفراط في الاندماج؛ إما أن نكون متطفلين بلا تأثير يُذكر، أو مستشارين مقربين من السلطة”.
ماريو ترونتي، السياسة والثقافة اليوم Politica e cultura, oggi.،
الثقافة والممارسات السياسية في تغيرات المجال العام Culture e pratiche politiche nei mutamenti della sfera pubblica ، ٢٠٠٤م.
في مشهد من فيلم نحو مستقبل مشرق Vers un avenir radieux من إخراج ناني موريتي Nanni Moretti، عُرض في دور السينما في ربيع ٢٠٢٣م، إذ جمع الفيلم بين شخصية تمثل المخرج وأحد زملائه الشباب[1]، يُظهر الزميل الشاب الذي انشغل بإعداد فيلم عن أصداء الانتفاضة المجرية عام ١٩٥٦م، حينما يُفاجأ بوجود شيوعيين إيطاليين، وعلى الرغم من أن المشهد السياسي في إيطاليا المعاصرة يجعل من هذه الدهشة أمرًا طريفًا ومعقولًا، إلا أن الوضع في الحقبة التي يتناولها الفيلم كان مختلفًا جدًّا: إذ إنه لا يمكن تصور ظهور معارضة داخل أقوى حزب شيوعي في الغرب آنذاك.
بدأ ماريو ترونتي مسيرته بإحداث صدى واسع بوصفه أحد أبرز المعارضين، وتوفي في السابع من أغسطس 2023 عن عمر ناهز اثنين وتسعين عامًا. وقد عُرف بوصفه إحدى الشخصيات المحورية في تيار «الأوبرايزم»، ذلك الاتجاه الماركسي غير التقليدي الذي برز في ستينيات القرن العشرين. خلّف ترونتي إرثًا فكريًا معقّدًا يصعب الإحاطة به، ولا سيما لدى القارئ الفرنسي، نتيجة مسار حافل بالتحولات: من منشق شيوعي في الخامسة والعشرين، إلى ماركسي «زنديق» في الثلاثين، ثم مناضل معتدل في الأربعين، فرجل دولة في الستين، قبل أن يستقر أخيرًا في موقع المفكر، منشغلًا بالتأمل في ما سمّاه هو نفسه «هزيمته الشخصية».
إن هذا المسار، الذي نادرًا ما جرى تناوله في كليته، قد يشكّل مفتاحًا أساسيًا لفهم نصوص ترونتي، وكذلك لفهم جانب من تاريخ اليسار الإيطالي المعاصر. وانطلاقًا من بحث اجتماعي-تاريخي يستند إلى أرشيفات متعددة، من بينها أرشيف ماريو ترونتي نفسه، يسعى هذا النص، بوصفه تحية فكرية له، إلى إظهار ذلك الاتساق الذي يبدو، للوهلة الأولى، متناقضًا، في مشروعه الفكري؛ وهو مشروع بات اليوم أكثر حضورًا في فرنسا بفضل جهود عدد من الناشرين.
العمل “الكلاسيكي” لترونتي، العمال ورأس المال Ouvriers et capital، الذي نُشر لأول مرة في إيطاليا عام ١٩٦٦م، تُرجم لأول مرة بالفرنسية عام ١٩٧٧م لدى بورجوا Bourgois، وأُعيد نشره مجددًا في ٢٠١٦م من قبل أنترموند Entremonde، كرّست دور النشر الفرنسية الأخرى مثل إكلات Éditions de l’Éclat وميشيل ڤالينسي Michel Valensi جهودها لترجمة أعماله الأخيرة، منها: السياسة عند الغروب La politique au crépuscule, ٢٠٠٠م، نحن الأوبرايست Nous opéraïstes: رواية تكوين الستينيات في إيطاليا le roman de formation des années soixante en Italie ٢٠١٣م، حكمة النضال La sagesse de la lutte، ٢٠٢٢م، وأخيرًا، نشرت لا تومبيت Éditions La Tempête كتابًا آخر حديث بعنوان، الروح الحرة: بقايا من الحياة والفكر De l’esprit libre. Fragments de vie et de pensée 2019م, في حين قدمت دار النشر أمستردام النصوص التي أُلقيت في جامعة السوربون في ندوة بعنوان: شيطان السياسة Le démon de la politique ٢٠٢١م، لرؤية شاملة لفلسفة ترونتي، يمكن الرجوع إلى مقدمة هذا العمل الأخير التي كتبتها جميلة ماسكات Jamila Mascat، أو إلى التحليل الذي قدمه دافيدي غالو لاسير Davide Gallo Lassere: المسار النظري والسياسي لماريو ترونتي La trajectoire théorique et politique de Mario Tronti ٢٠١٨م.
١- المنشق
النقطة الأساسية لفهم تاريخ ترونتي هي بلا شك تلك التي يبدأ بها، انتمى ماريو ترونتي إلى الحزب الشيوعي الإيطالي منذ ولادته عام 1931م، في روما، حيث نشأ في روما في بيئة مشبعة بالثقافة الشيوعية، وفي الوقت الذي نقل إليه والده هذا الانتماء، غرست والدته فيه الإيمان الكاثوليكي، الذي أصبح يظهره علنًا في سنواته الأخيرة، إن ماريو ترونتي هو من يمكن وصفه، وفق تعبير عالمة الاجتماع كاثرين لوكلير Catherine Leclercq بأنه “شيوعي بالفطرة”[2]، عاش الحزب الشيوعي الإيطالي مدة من السرية في طفولة ترونتي، ولكنه تحول مع نهاية النظام الفاشي إلى قوة سياسية، وخلال مراهقته في عام ١٩٤٧م، سقط هذا النظام الفاشي، وأصبح النظام الشيوعي أكثر من محض تنظيم سياسي، إذ ضم الحزب أكثر من مليوني عضو مسجل، وكان مرتبطًا على نحو كبير بـ “الأوساط الداعمة” واسعة الانتشار[3]، نشأ ماريو ترونتي في حي أوستيِنسي الشعبي في روما، حيث كان السكان، بمن فيهم والده (حين وجب تمويل دراسته)، يعتمدون في الغالب على وظائف بسيطة في أسواق ميركاتي جنراليMercati Generali[4].
وفي زمن كان فيه الالتحاق بالجامعات الإيطالية، وخاصة جامعة لا سابيينزا Sapienza[5]، ذات الطابع الأرستقراطي جدًّا، استفاد ماريو ترونتي بوضوح من الصعود الاجتماعي الذي غالبًا ما صاحب الانضمام إلى الأوساط الحزبية الشيوعية خلال القرن العشرين، والتحق ماريو ترونتي بجامعة روما بعد دراسته في مدرسة ثانوية كلاسيكية، وحصل على شهادة Laurea[6] في الفلسفة عام ١٩٥٦م، كان موضوع أطروحته عن كارل ماركس الشاب، وأشرف عليها أستاذه أوغو سبيريتو Ugo Spirito، (الذي كان سابقًا من مؤيدي النظام الفاشي)، ولكنه عُرف بنزعته المثالية الفلسفية.
ويدين ماريو ترونتي على نحو خاص لمساعد سبيريتو Spirito، الشاب لوتشيو كولّيتي Lucio Colletti، المقاوم السابق، والناشط الشيوعي، وتلميذ لـ غالفانو ديلا فولبي Galvano Della Volpe، الذي يعد أبرز الماركسيين غير التقليديين في إيطاليا ما بعد الحرب، في تلك المدة، كانت قراءة الفكر الماركسي تتم غالبًا من خلال شروحات منظّريه المعتمدين (مثل أعمال لينين Lénine وغرامشي Gramsci وتولياتي Togliatti في إيطاليا)، سار ترونتي على نهج كولّيتي، وأصبح من ضمن القلة من المفكرين الذين طالبوا بالعودة إلى نصوص ماركس الأصلية، وساهم بنفسه في الإشراف على ترجمة أحد هذه النصوص،[7] تنبأت النخبة المثقفة “الأنتليجنسيا intelligentsia”، إلى ما وصفه برنارد بودال Bernard Pudal، بـ”أسلوب الإنتاج العقائدي الكنسي mode ecclésial de production doctrinale”، كما في الحالة الفرنسية،[8] إذ تُعاد صياغة المفاهيم الأساسية بطريقة تبجيلية للحفاظ على سلطة القيادات الحزبية، ولكن تحدى ماريو ترونتي، من خلال دعوته للعودة إلى النصوص الأصلية هذا النظام، مؤسسًا ما يسمى بـ”ثورة لوثرية على الكنيسة من اليسار doubler l’Église à gauche”[9]، أحدث هذا النظام أول شرخ في “نظام الحقيقة” الشيوعي،[10] واحتسب دخول علم الاجتماع بصيغته الأمريكية إلى إيطاليا قضية شائكة داخل الأوساط الفكرية الشيوعية في تلك المدة، وشارك ترونتي، برفقة كولّيتي، في ندوة معهد غرامشي[11]Istituto Gramsci عام 1959م، مشاركة بعنوان “الماركسية وعلم الاجتماع”، ودافع الاثنان في هذه الندوة عن رؤية ماركسية ثورية تسعى لأن تكون تجريبية بطريقتها الخاصة.
ومنذ النصف الثاني من الخمسينيات، تميز ترونتي الشاب بامتلاكه مقومات القائد المستقبلي جميعها، إذ جمعت تنشئته بين الطابعين الشعبي والثقافي، والدراسات المتميزة في التخصص المركزي للعالم الشيوعي وفي الجامعة الأهم في البلاد، وتحمله مسؤوليات داخل القسم الجامعي لاتحاد الشباب الشيوعي الإيطالي [12](FGCI)، الذي انضم إليه رسميًّا عام 1951م، وقد أثر هذا التوجه النظري بكل تأكيد على مسار ترونتي داخل الحزب.
انضمّ ترونتي رسميًّا إلى اتحاد الشباب الشيوعي الإيطالي عام 1951م. غير أنّ علاقته بكلٍّ من كولّيتي وعدد من الشبان ذوي الخلفيات الفكرية المتقاربة، من بينهم ألبرتو أسور روزا، أسهمت في إحداث تحوّل ملحوظ داخل هذه المنظمة. وقد تبلور هذا التحوّل بوضوح عقب قمع الاتحاد السوفييتي للانتفاضة المجرية في خريف عام 1956م، ثم تأييد الحزب الشيوعي الإيطالي للتدخل العسكري. في هذا السياق، اتخذت المنظمة الرومانية موقفًا مغايرًا، إذ أبدت دعمًا لعمليات التحول الديمقراطي في المجر وبولندا، ما عمّق الشرخ داخل الإطار الحزبي القائم. [13] وقد أدى هذا التحول إلى نشر “بيان 101″، الذي تمحور حول الإقرار بوجود تناقض تطور إلى صراع بين “الحركة العمالية” (بمعنى المنظمات الحزبية والنقابية) والحركة العمالية (بمعنى التعبئة الطبقية)، ومع ذلك، في مواجهة التمرد الذي قاده مثقفون ورجال الثقافة، ومع انشقاقات محدودة التأثير، تجاوزت قيادة الحزب الشيوعي الإيطالي الأزمة بتجاهلها والتحلي بالصبر، أما بالنسبة إلى ترونتي، فقد خاض أول تجربة له في “المواجهة الرمزية”، التي تعد سمة مميزة في عمليات المعارضة، إذ واجه مبادئ تُعد أساسية ضد قواعد تم انتقادها ووصمها بالفساد[14]، ظل حتى نهاية خمسينيات القرن الماضي ناشطًا شيوعيًّا، يشعر بالقلق وعدم الراحة نتيجة التناقضات والصراعات التي كان يواجهها، لكنه لم يصل إلى مرحلة يعد فيها معارضًا أو يشكل تهديدًا يستدعي استهدافه أو اتخاذ إجراءات ضده من قبل قيادة الحزب.
2 – الزنديق
ولفهم المرحلة الآتية، من الضروري أولًا فهم ما جرى في ذلك الوقت داخل الحزب الاشتراكي الإيطالي Parti Socialiste Italien، إذ شغل رانيرو بانزيري Raniero Panzieri أحد النشطاء البارزين في الجناح اليساري، منصب مدير المجلة النظرية التابعة للحزب Mondo operaio (“العالم العمالي”) بين أبريل 1957م وديسمبر 1958م، وعمل رانيرو بانزيري موظفًا في الحزب الاشتراكي الإيطالي لما يقارب العشر سنوات، وشارك باللجان الثقافية، وطوال تلك المدة، كان على اتصال دائم مع الطليعة الأدبية الإيطالية، والماركسيين المناهضين للستالينية (مثل فرانكو فورتيني Franco Fortini)، ونشطاء اليسار المتطرف (من بينهم المستشار دانيلو مونتالدي Danilo Montaldi والتروتسكي ليفيو مايتان Livio Maitan)، وبدعم من هذه الشبكة، أطلق رانيرو بانزيري في ربيع عام 1958م نقاشًا بشأن “السيطرة العمالية”، مستندًا إلى ردود على أطروحات نشرها في مجلته بهدف تعزيز مفهوم “طريق الديمقراطية العمالية”، في صدى واضح للأحداث المجرية، وعلى الرغم من أن ترونتي لم يشارك رسميًّا في هذا النقاش، إلا أنه وجد نفسه متأثرًا بالتداعيات الكبرى التي حدثت جراء هذا النقاش، إذ اقترب، كغيره من بقية مجموعة الشيوعيين الشباب في روما، من بانزيري، في الوقت الذي بحث بانزيري عن وسيلة للخروج من الصراع الداخلي الحاد داخل الحزب الاشتراكي،[15] وبعد أن فقد ثقة قيادة الحزب الاشتراكي الإيطالي، ابتداءً من عام 1960م، تجسّد هذا الحل من خلال تشكيل مجموعة للتدخل النضالي، التي شكلت في الوقت نفسه هيئة تحرير مجلة Quaderni rossi (“الكراسات الحمراء”).
اتّسمت السنوات اللاحقة بزخمٍ أكبر. ففي إيطاليا، التي شهدت عام 1960م أولى انتفاضات ما عُرف بـ«المعجزة الاقتصادية» –وهي مرحلة من النمو السريع بمعدلات استثنائية– عمل أعضاء المجلة على بلورة قراءة ماركسية ملائمة لهذا السياق الجديد، مستندين إلى دراسات ميدانية داخل الأوساط العمالية. وانطلقت أطروحتهم المركزية من أن محرّك التنمية الاقتصادية الحقيقي لا يتمثل في مبادرات رأس المال، بل في نضالات الطبقة العاملة نفسها، التي أرغمت رأس المال على الابتكار والتكيّف تحت وطأة ضغوط العمال. وفي هذا الإطار صاغ ترونتي شعاره الصادم في مواجهة رأس المال: على الطبقة العاملة أن تواجه ذاتها بوصفها جزءًا من رأس المال.
وقد وُصِم «الأوبيرائيون» بالهرطقة، باعتبارهم نشطاء ومثقفين أصبحت مواقفهم وممارساتهم، تدريجيًّا، غير مقبولة لدى الأحزاب والنقابات ذات التوجه التقليدي. وترتّب على ذلك سلسلة من الصعوبات الكبرى: ففي مجال النشر، تخلّت عنهم دور النشر المرتبطة بالأوساط الحزبية؛ وعلى مستوى المسار المهني داخل منظمات الحركة العمالية، واجهوا انسدادًا متزايدًا؛ أما أولئك الذين كانوا يعتمدون على هذا النشاط مصدرًا للرزق، فقد وجدوا أنفسهم محرومين من الوصول إلى المصانع، التي باتت حكرًا على النشطاء الأرثوذكسيين.
بالنسبة إلى ترونتي، جاءت الإدانة بطريقتين؛ الأولى كانت تحمل طابعًا متناقضًا، فعلى الرغم من أنه قاد انشقاقًا داخل هيئة تحرير مجلة Quaderni rossi، في أواخر عام 1963م، إلا أن أعضاء المجلة الجديدة Classe operaia (“الطبقة العاملة”)، كانوا يخشون أن تتوجه إحدى مجلات الحزب الشيوعي الإيطالي بنشر مقال يدينهم، لذا قرروا أن يتولوا هذه المهمة بأنفسهم لتخفيف حدة الموقف، وهكذا، قام أريس أكورنييرو Aris Accornero بتوقيع مقال في عدد أكتوبر 1965م من مجلة Rinascità، اتهم فيه مجلة Classe operaia بـ”العمالوية العقيمة”، كانت هذه الخطوة غير كافية إذ صدر قرار آخر، وهو الإدانة الثانية والأكثر حدة، ذو طابع تأديبي في تلك المدة، إذ طُرِدَ ترونتي من الحزب الشيوعي الإيطالي بقرار من اللجنة الإدارية لقسم أوستينسي Ostiense، بتهمة “النشاط الفصائلي[16]“.
لكن ما طبيعة الاتهام الذي وُجِّه، على وجه التحديد، إلى ترونتي وسائر أعضاء المجلة؟ إذا أخذنا بالتصريحات الرسمية، فإن الجواب يكمن في عنوان المقال الذي نُشر في مجلة Rinascità: الاتهام هو «العمالوية»، أو بالإيطالية operaismo، وهو توصيف سرعان ما غدا علامة فارقة. فما المقصود بذلك؟
في إيطاليا خلال تلك المرحلة، كان المصطلح يدل على «اتجاه نظري وسياسي داخل الحركة العمالية يعتبر أن الطبقة العاملة، ولا سيما البروليتاريا الصناعية، هي الفاعل الرئيس في التغيير الاجتماعي والسياسي». ولم يكن هذا الاتجاه حكرًا على السياق الإيطالي؛ إذ يمكن تتبّع جذوره على المستوى الأوروبي منذ أواخر القرن التاسع عشر، كما تظهر آثاره في عدد من تيارات اليسار الإيطالي خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، متجاوزًا بذلك نطاق «الأوبيرائيين» بالمعنى الضيق.
غير أن ما يميز هذا التيار، كما بلوره ترونتي نظريًا في كتابه «العمال والرأسمال» الصادر عام 1966م، هو صيغة مخصوصة من العمالوية يمكن اختزالها في مبدأ أساسي مفاده أن التنظيمات التي مكّنت الطبقة العاملة، تاريخيًا، من تحقيق استقلالها السياسي، ينبغي أن تكون أدوات لدعم التعبئات الرامية إلى تعزيز قدرتها الثورية، لا وسائل لتوظيفها انتخابيًا أو حصرها في أطر التفاوض التعاقدي. وداخل شبكة مجلتي Quaderni rossi وClasse operaia، انقسمت المواقف انطلاقًا من هذا المبدأ إلى اتجاهين: أحدهما دعا إلى إنشاء تنظيم جديد كليًا، والآخر راهن على إعادة توجيه الأحزاب القائمة نحو التزام أعمق بحركات الطبقة العاملة.
أما بالنسبة إلى ترونتي، فقد كان الحزب الشيوعي الإيطالي الهدف المركزي لهذه المحاولات ذات الطابع «التسللي»، ولا سيما بعد المشهد المؤثر الذي عرفته البلاد عام 1964م مع المواكب الشعبية الحاشدة التي رافقت نعش الزعيم الشيوعي التاريخي بالميرو تولياتي، وهو حدث عكس، في نظره، عمق العلاقة التي كانت تربط آنذاك بين الحزب وجماهيره.
وعلى الصعيد البيوغرافي، تعد ستينيات القرن العشرين بالنسبة إليه نموذجًا لظاهرة تظهر عادةً في مُدد حرجة أقصر وهي تأسيس موقع “إرشادي” في السياسة ثم استنزافه، لقد كان ترونتي فعلًا بمنزلة مرشد خلال المرحلة الأوبيرائية، وذلك على الأقل بمعنيين؛ أولًا، من حيث دوره القيادي والرؤيوي، إذ قدم أفكارًا جديدة وغير مسبوقة للحركة، وثانيًا، من حيث التراجع التدريجي لهذا الدور مع مرور الوقت، إذ بدأت رؤيته تصطدم بالواقع السياسي والاجتماعي، ما أدى إلى استنزاف تأثيره بصفته قائدًا فكريًّا، أولًا، يُمكن وصفه بأنه ويبريني (نسبة إلى ماكس فيبر)، بمعنى أنه يمثل أصل خطاب يحمل وعدًا ثوريًّا لا يعتمد على مؤهلاته المؤسسية (إذ أدت اختياراته إلى تهميشه داخل الحزب الشيوعي الإيطالي قبل أن يتم استبعاده)، بل يعتمد على إظهار موهبة شخصية فريدة (على الأقل في نظر رفاقه)، تتجلى في قراءته المبتكرة لنصوص ماركس وتحليله للأحداث الجارية”،[17] تشهد الرسائل المتبادلة خلال تلك المدة مع الأعضاء الآخرين في المجلة- المجموعة على ممارسة نوع من الهيمنة الكاريزمية الشخصية، غالبًا رغم إرادته، إذ طالبه رفاقه باستمرار بأن يتولى زمام الأمور على نحو أكبر –وهو ما كان يتحفظ عليه– وذلك بناءً على دقة رؤيته التي كانوا يعترفون بها.
[1] نحو مستقبل مشرق (Il sol dell’avvenire)، إنتاج Sacher Film، Fandango، Rai Cinema، عام 2023م.
[2] كاثرين لوكليرك Catherine Leclercq، التهميش: عامل شيوعي “هجره الحزب” في كتاب بؤس النشاط السياسي Le malheur militant، لوفان لا نوف Louvain-la-Neuve، دار النشر دي بوك سوپيريور، 2022م، الصفحة 197.
[3] المصطلح الذي استخدمه فريدريك سويكي يشير إلى ارتباط حزب ما بالسكان من خلال “مجموعة من العلاقات المترسخة بين مجموعات ليس بالضرورة أن يكون الهدف الرئيسي لأعضائها هو المشاركة في بناء الحزب السياسي، رغم أنهم يساهمون في ذلك فعليًا من خلال أنشطتهم”.
فريدريك سويكي، شبكات الحزب الاشتراكي: علم اجتماع الأوساط الداعمة Les réseaux du Parti socialiste. Sociologie d’un milieu partisan ، باريس، بيلين، 2017م، الصفحة 54.
[4] من الصعب بالتأكيد على القارئ الفرنسي الذي يعرف روما كسائح أن يتخيل شيئًا مثل حي شعبي روماني. ولكن، تبلغ مساحة روما حوالي 12 ضعف مساحة باريس، والمركز التاريخي الذي يزوره معظم السياح يمثل جزءًا صغيرًا جدًا من المدينة ككل. يقع حي أوستينسي Ostiense على بُعد ساعة سيرًا على الأقدام جنوب هذا المركز، بعد بقايا سور أوريليان mur d’Aurélien مباشرة. بدأ الحي في التحول إلى حي عصري (gentrification) منذ حوالي عشرين عامًا، بعد أن تم نقل أسواق ميركاتي جنرالي، وهو (سوق مغلق ضخم) .
[5] جامعة روما، التي كانت الجامعة الوحيدة في ذلك الوقت (إذ لم تُفتح جامعة روما 2 إلا في عام 1972م)، كانت تتمتع في إيطاليا خلال القرن العشرين بسمعة تضاهي سمعة جامعة السوربون الفرنسية.
[6] درجة أكاديمية تُنجز في خمس سنوات، وتتطلب تقديم أطروحة والدفاع عنها، مشابهة لما يُعرف اليوم بدرجة الماجستير.
[7] كارل ماركس وماريو ترونتي، كتابات غير منشورة في الاقتصاد السياسيScritti inediti di economica politica, ، روما، إيديتوري ريونيتي Editori riuniti ، 1963م. متحدثًا بالألمانية، أمضى ترونتي عامًا في ميونيخ بين عامي 1958م و1959م للعمل على دراسة نصوص ماركس الأصلية، مقابل تقديمه بعض دروس اللغة الإيطالية في الجامعة المحلية.
[8] برنارد بودال، عالم منهار: الشيوعيون الفرنسيون من عام 1956 إلى يومنا هذا Un monde défait. Les communistes français de 1956 à nos jours,، بيلكومب-أن-بوج Bellecombe-en-Bauges، Éditions du Croquant، 2009م، الصفحات 22 وما بعدها.
[9] بيير بورديوPierre Bourdieu، مانيه، ثورة رمزية: دروس في كوليج دو فرانس Manet, une révolution symbolique : cours au Collège de France، 1998م-2000م، باريس، فرنسا، Seuil: Raisons d’agir، 2013م، الصفحة 283.
[10] جاك لاغروي Jacques Lagroye، الحقيقة في الكنيسة الكاثوليكية: احتجاجات واستعادة نظام السلطة La vérité dans l’Église catholique : contestations et restauration d’un régime d’autorité، باريس، Belin، 2006م.
[11] إلى جانب تكريمه للفيلسوف المؤسس للحزب الشيوعي الإيطالي (PCI) من خلال ضمان حفظ أرشيفه، كان معهد غرامشي Istituto Gramsci (أو المؤسسة، حسب الفترات الزمنية) يعمل كمركز أبحاث مرتبط بشكل مباشر بالحزب الشيوعي الإيطالي. يمكن، من بعض النواحي، مقارنته بمراكز التفكير (think tanks) المعاصرة.
[12] اتحاد الشباب الشيوعي الإيطالي Federazione Giovanile Comunista Italiana، وهو المنظمة الشبابية التابعة للحزب الشيوعي الإيطالي (PCI).
[13] فالنتينا ميليادوValentina Meliadò، “فشل الـ ‘101’: الحزب الشيوعي الإيطالي، المجر، والمثقفون الإيطاليون Il fallimento dei » 101 «: il PCI, l’Ungheria e gli intellettuali italiani“، روما، ليبرال، 2007م، الصفحات 57 وبعدها. نيلو أجيلوNello Ajello، “المثقفون Intellettuali والحزب الشيوعي الإيطالي: 1944-1958″، روما، لاتيرزا، 1979م، الصفحات 396 وما بعدها.
[14] مارييفون دافيد-جونيو Maryvonne David-Jougneau ، “الانشقاق المؤسسي: مقاربة سوسيولوجية“، المجلة الفرنسية لعلم الاجتماع Revue française de sociologie ، 1988م، المجلد 29، العدد 3، الصفحات 471-501.
[15] الحزب الاشتراكي الإيطالي (PSI) يُعد نموذجًا لحزب قائم على “الفصائل”. انظر:
رافائيل زاريسكي Raphael Zariski، «الحزب الاشتراكي الإيطالي: دراسة حالة في الصراع الفصائلي» المراجعة الأمريكية للعلوم السياسية، يونيو 1962م، المجلد 56، العدد 2، الصفحات 372-390.
[16] التعميم المؤرخ في 26 أكتوبر 1965 محفوظ في أرشيف مؤسسة غرامشي Fondazione Gramsci، ضمن مجموعة “الحزب الشيوعي الإيطالي. اتحاد روما. اللجنة الفيدرالية للرقابة / الانضباط وتطبيق النظام الأساسي”.
[17] بيير بورديو Pierre Bourdieu، “تفسير نظرية الدين وفقًا لماكس فيبر”، المجلة الأوروبية لعلم الاجتماع / الأرشيف الأوروبي لعلم الاجتماع، 1971م، المجلد 12، العدد 1، الصفحات 3-21.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




