ترجمة: نورة الجلعود
مراجعة: محمد بن علي الزهراني
موراي بوكتشين بيئي أناركي، وباحث في القضايا الاجتماعية للمواجهة المدمرة بين مجتمعاتنا والطبيعة، وهو المنظّر الذي يتبنّى اليوم برنامج “استقلال البلديات الذاتي التحرري municipalisme libertaire“، وشخصية لا غنى عنها في مجال الإيكولوجيا السياسية.
يتناول هذا السؤال طيفًا واسعًا من القضايا: الاحتباس الحراري، والتوسع العمراني، وتدهور التنوع البيولوجي، واستبداد الدولة، ومأزق «الرأسمالية الخضراء»، والنضال ضد العنصرية والنظام الأبوي، وفصل الطبيعة عن المجتمع، واستراتيجيات مواجهة الأزمات البيئية والاجتماعية، والديمقراطية المباشرة، والتكنولوجيا البيئية، والحاجة إلى وعي جديد أكثر انفتاحًا. فهل سبق لموراي بوكتشين، العامل السابق في شركة جنرال موتورز والمفكر العصامي، أن صاغ مجمل هذه الأسئلة التي تشغل اليوم الإيكولوجيا السياسية والحركات الاجتماعية المعاصرة؟
يحظى موراي بوكتشين، بوصفه أحد أبرز وجوه الاشتراكية البيئية ذات النزعة الأناركية، وفاعلًا أساسيًا في اليسار الجديد La Nouvelle Gauche والحركة البيئية الأمريكية، باهتمام متزايد في البلدان الناطقة بالإنجليزية، حيث لا تزال أعماله تُقرأ وتُناقش على نطاق واسع، في حين يظل حضوره محدودًا نسبيًا في فرنسا. تقوم إيكولوجيته الاجتماعية على ربط مباشر بين الأزمات البيئية والبُنى الاجتماعية التي تنتجها، ويقف إيمانه بقدرات الإنسانية الإبداعية والعقلانية في مواجهة النزعات التشاؤمية السائدة. كما يقترح مشروعه تصورًا جذريًا مغايرًا للسياسة، لا يتردد في استعادة الطوبى بوصفها مولدة لخيالات جديدة، ولا في استدعاء السرديات الكبرى للتاريخ البشري، ما دامت قادرة على توسيع أفق التفكير وتحريره من الحتميات. ومن هنا تتجلى راهنية بوكتشين وأهميته الفكرية في زمننا الراهن.
وُلد بوكتيشن في عام ١٩٢١م في نيويورك لعائلة يهودية ثورية مهاجرة من روسيا، وتكونت خلفيته الماركسية بتأثير من الحركات الشبابية الشيوعية، ولكنّه، تشرّب منذ طفولته في الوسط اليهودي التقاليد التحررية، والنقاشات المفتوحة بين تيارات الاشتراكية جميعها، لم يلبث بوكتشين طويلًا حتى انتقد النهج السلطوي للحزب، قرأ لأورويل Orwell، وشُغِفَ بالمقاتلين الأناركيين في الحرب الإسبانية عام ١٩٣٦م، وأصبح تروتسكيا (الأمر الذي أدى إلى طرده من رابطة الشبيبة الشيوعية Young Communist League) بعد ميثاق عدم الاعتداء بين ستالين Staline وهتلر Hitler، ثم أصبح أناركيًّا (ما أدى إلى طرده من الحركة التروتسكية[1])، شغل مهنة عامل في مصنع لصهر المعادن مدةً، ثم عمل في مجال السيارات، ما جعله يختبر الظروف القاسية للبروليتاريا، ولكنه أيضًا انخرط في الحركات النقابية التي نشأت ما بعد الحرب، ما أبعده تمامًا عن الماركسية، كما كتبت أدلين بالداتشينو Adeline Baldacchino: “مثّلت هذه المدة بالنسبة إليه خيبة أمل عميقة فيما يتعلق بالبروليتاريا التي بدأت تتبرأ من رغبتها في تغيير العالم مقابل تعويضات فورية، إنه يدرك افتقار النقابية الأناركية إلى هذه الراديكالية التي سيبحث عنها في هوامش المجتمع، وفي نضالات الحقوق المدنية المتعلقة بحقوق النساء، والفنانين، وبحقوق المستضعفين عمومًا، ولم يعد يؤمن برمزية ‘البروليتاري’، وبات يدافع عن مفهوم ‘المواطن”.[2]
درَس ثم درّس في جامعات بديلة وفي مؤسسات التعليم الشعبي، وبدأ منذ الخمسينيات كتابة مجموعة غزيرة من الأعمال ونشرها، لا سيّما في الستينيات، إذ ركّز بدايةً على تدمير الرأسمالية والصناعات الكبرى لظروف الحياة، وكشف عن مسببات ذلك التدمير، ثم طرح البدائل الأخلاقية والسياسية مُبارزًا بلا هوادة خصومه من التيارات المنافسة اليسارية والإيكولوجية، حتّى انتهى به الأمر إلى مواجهة الأناركية، ما أدى إلى أن ينأى بنفسه عن الأناركيين بعد ذلك[3]، في السبعينيات، استقر في فيرمونت Vermont حيث أسس مع دان شودوركوف Dan Chodorkoff “معهد البيئة الاجتماعية Institute for social ecology” (ISE) الذي يُعدّ جامعة مستقلة للتعليم الشعبي قائمة حتى اليوم، والذي كان أحد مراكز الحركة البيئية الأمريكية.
تميزت نهاية حياته بمراسلاته مع عبد الله أوجلان Abdullah Öcalan الزعيم الكردي المعتقل من حزب العمال الكردستاني PKK، وجد بوكتشين في أوجلان شخصًا مستعدًّا لتطبيق أفكاره حين بدأ يفقد الأمل في نجاحها وتحقيقها، إذ استند أوجلان على نحو كبير على أفكار بوكتشين في تأسيس مفهومه عن “الكونفدرالية الديمقراطية confédéralisme démocratique” وعلى الرغم من أن مؤسسات روجافا وممارساتها لم تكن بمستوى التحررية التي طمح إليها بوكتشين[4]، إلا أنها تُظهر قوة أفكاره وحداثتها، بما فيها تلك التي وُجدت في سياقات بعيدة جدًّا عن غابات فيرمونت، توفي بوكتشين في عام ٢٠٠٦م بعد أن حرص بشدة على الحفاظ على إرثه الفكري، الذي واصل أقاربه وعائلته إحياءه حتى اليوم، خاصة عبر معهد الإيكولوجيا الاجتماعية ISE.
أصبحت أعمال موراي بوكتشين متاحة على نحو متزايد باللغة الفرنسية، بفضل جهود عدد من المترجمين والناشرين المستقلين. ويتميّز مشروعه الفكري بغزارة لافتة وتنوّع كبير، إذ يتوزع بين مقالات وكتب تتراوح من الكتيبات الجدلية القصيرة إلى الأعمال الفلسفية الواسعة النطاق. ويظهر بوكتشين في هذه الأعمال في أدوار متعددة: ناقدًا للمجتمع الصناعي، ومؤرخًا للحركات الثورية، وفيلسوفًا بيئيًا، ومنظّرًا سياسيًا، وأنثروبولوجيًا، ومخططًا حضريًا. ويعود هذا التفرد إلى حرصه الدائم على تغذية أفكاره من مصادر متباينة، وهو ما يمنح كتاباته طابعًا مركّبًا وغنيًا.
سنكتفي هنا بالإشارة إلى بعض أفكاره القوية، التي قد تبدو، في نظر بعض القرّاء، مفتقرة أحيانًا إلى الدقة أو الواقعية، لكنها لا تخلو قط من قدرة على الإلهام. وغالبًا ما يُصنَّف بوكتشين ضمن تيار الإيكولوجيا الأناركية أو الإيكولوجيا الاجتماعية. وهو لا يرفض مصطلح الشيوعية، شريطة أن تكون ذات طابع تحرري. كما يستلهم فكره من تقاليد فلسفية متعددة، تمتد من الفلاسفة الكلاسيكيين مثل أرسطو وهيغل، إلى نقاد التخطيط الحضري كلويس مومفورد، وعلماء الاجتماع مثل ماكس فيبر، وصولًا إلى مدرسة فرانكفورت، فضلًا عن التاريخ والأنثروبولوجيا الاجتماعية المعاصرة. وعلى الرغم من استحضاره الدائم لكبار المنظّرين الأناركيين، ولا سيما باكونين وكروبوتكين، اللذين تركت قراءتهما أثرًا واضحًا فيه، فإنه لا يتبنّى فلسفتيهما تبنّيًا كاملًا. فبوكتشين يظل كاتبًا فريدًا، يستعير المفاهيم والأفكار، لكنه لا يتبع أحدًا على نحو مطلق.
مجتمع يجب إعادة ترميمه
في عام ١٩٦٢م، أثارت هجمة شرسة ضد مبيد الحشرات DDT ضجة عالمية، إذ أبرز كتاب الربيع الصامت Printemps silencieux لراشيل كارسون Rachel Carson، العلاقة بين المبيدات الحشرية الكيميائية واختفاء الطيور، وأصبح الكتاب فورًا من أكثر الكتب مبيعًا دوليًّا، كما سيعد بداية الحركة البيئية لاحقًا، بيد أنّ كتاب “بيئتنا الاصطناعية Our Synthetic Environment” لموراي بوكتشين[5]، وأول مؤلفاته، والذي نشر قبل خمسة أشهر من كتاب راشيل، ظلّ حبيسًا للظل، على الرغم من تقديمه نقدًا متماسكًا، ليس فقط للمبيدات الحشرية، لا بل حتى لتدهور التربة، وظروف الحياة الناتجة عن الزراعة الأحادية المكثفة، وللأمراض والمشكلات التي تسببها التغذية الصناعية، كما طالب في الكتاب بحلول بيئية طويلة الأمد، لقد هاجم بوكتشين قبل أحد عشر عامًا المبيدات الحشرية، لأول مرة، في مقالة بعنوان: “مشكلة المواد الكيميائية في الغذاء The Problem of Chemicals in Food” (١٩٥٢م)، وعلى الرغم من أن الكتاب قد يكون أقل علمية من كتاب كارسون، إلا أنه قدم تمهيدًا خجولًا للتحول البيئي الجذري الذي سيطوره المؤلف لاحقًا، ظهرت المقاربة الأولى التجريبية والمعتدلة في ” أزمة في مدننا Crisis in Our Citie” الذي ركز على تدهور ظروف الحياة في المدن الحديثة (مثل التلوث، وحركة السيارات، والتوتر والعزلة الفردية…)، وهو ما يعد بدايةً لأفكار بوكتشين “الحضرية”، وبوصفه مدافعًا قويًّا عن التنوع الفردي والثقافي، ينتقد التأثير الموحِّد والمُفقِر للتمدد الحضري، وقد وسّع بوكتشين هذا النقد فيما بعد ليشمل المحيط الحيوي: «تتجه توجهات عصرنا على نحو واضح ضد التنوع البيئي؛ في الواقع، إنها تسير نحو تبسيط هائل لكلّ المحيط الحيوي»[6]، وفي الفصل الأخير من هذا الكتاب، وباستشراف نادر في ذلك الزمن، تنبأ بوكتشين بالتغير المناخي الناجم عن الوقود الأحفوري، وما يرافقه من اضطرابات جوية وتهديدات على الصفائح الجليدية (حيث أخطأ فقط في تقدير المدة الزمنية، إذ توقع حدوثه خلال قرون).[7]
دعت هذه الوفرة التشخيصية إلى تكوين نظرية تعادلها في الوفرة، إذ تركز النظرية على أعمق الأسباب وتربطها باستغلال الإنسان للإنسان، ما جعلها حجر أساس جوهر بوكتشين الماركسي، إذ دعا في نهاية كتابه “أزمة في مدننا” إلى العودة إلى الطوباويات البيئية والاجتماعية لـتشارلز فورييه Charles Fourier، وروبرت أوين Robert Owen، وويليام موريس William Morris، وبيير كروبوتكين Pierre Kropotkine، وباتريك جيدس Patrick Geddes، وإبينزر هاوارد Ebenezer Howard، [8] لقد برز بوكتشين في الستينيات والسبعينيات بصفته منظرًا حقيقيًّا، إذ في عام ١٩٧٣م، في كتاب “من أجل مجتمع بيئي Pour une société écologique“، لم يعد الحديث متعلقًا بحل المشكلات التقنية، لا بل بضرورة انقلاب جذري يلغي أسبابها الهيكلية، إذ يكون هذا الانقلاب مدفوعًا بالإلحاح الذي تفرضه أزمة التدهور البيئي:
نحن بحاجة إلى إنشاء مجتمع بيئي – ليس فقط لأن ذلك مرغوب، بل لأنه ضرورة حتمية، علينا أن نبدأ في تغيير حياتنا إذا أردنا البقاء، إن مثل هذا المجتمع يتطلب تحولًا جذريًّا يواجه الاتجاهات جميعها التي شكلت تطور التكنولوجيا الرأسمالية والمجتمع البرجوازي: التخصص المفرط للآلات والعمل، وتجميع الموارد والبشر في تجمعات صناعية ضخمة، وسيطرة الدولة والبيروقراطية على الحياة، والانفصال بين المدينة والريف، وتشييء الطبيعة والإنسان.[9]
يرى بوكتشين أن مختلف العوامل المكوِّنة للمجتمعات الصناعية تتضافر لتُحدث تدميرًا متزامنًا للطبيعة، وللمجتمع السياسي الإنساني، وللفردانية الحرة. ومن هنا اتجه سريعًا نحو بلورة ما أسماه «الإيكولوجيا الاجتماعية»، التي تقوم أطروحتها المركزية على أن الأزمات البيئية ليست سوى أزمات اجتماعية في جوهرها، وأن أسبابها، كما إمكانات معالجتها، لا تُفهم إلا من خلال التحولات التي تطال بنية المجتمع البشري ذاته.
الإيكولوجيا الاجتماعية وإرث الحرية
يحدد بوكتشين، عبر تطويره للإيكولوجيا الاجتماعية والثورية المستوحاة من الأناركية، اتجاهًا مميزًا في الحركة البيئية الناشئة، موجِّهًا بذلك انتقادات غالبًا ما تكون ملائمة لمعاصريه، عارض بشدة التوجه المالتوسي malthusienne الجديد الذي ركز على الديموغرافيا ونقص الموارد، مُشيرًا على نحو خاص إلى أن المناهج الديموغرافية النيو-مالتوسية -مثل تلك التي قدمها بول إيرليش Paul Ehrlich في (قنبلة السكان Population Bomb، ١٩٦٨م)- غير ملائمة وعنصرية، وتُحمّل هذه المقاربات “إنسانية” غير محددة المسؤولية البيئية، في حين تستهدف منهجيًّا سكان البلدان الفقيرة في جنوب العالم، وعلى العكس من ذلك، يرى بوكتشين أن الجزء الأكبر من البشرية، هو في الواقع ضحية وأسير للرأسمالية، ولا يمكن احتسابه مسؤولًا عن الأزمة البيئية:
لم تقل معاناة الطبقة البروليتاريا خلال الثورة الصناعية في إنجلترا عن معاناة قطعان الجواميس الضخمة التي قُضي عليها في السهول الأمريكية، ولم تكن القيم والمجتمعات البشرية أقل تشويهًا من الأنظمة البيئية للنباتات والحيوانات التي تعرضت للنهب في الغابات البكر في إفريقيا وأمريكا الجنوبية، حين نتحدث عن تدهور الطبيعة بسبب “الإنسانية”، فإننا نستهزئ بتدهور الإنسان المستمر بيد الإنسان…لقد جعلت الرأسمالية من الجنس البشري عدوًّا لنفسه بطريقة وحشية مثلما ما هي عداوة المجتمع للطبيعة. [10]
ولأن الجذور أكثر عمقًا، فإن الحرب ضد الرأسمالية غير كافية، كما يظهر لنا في الدمار الهائل للطبيعة في الأنظمة التابعة للكتلة الشرقية، [11] يتطلب الأمر القضاء على الإنتاجية المفرطة والسعي وراء النمو غير المحدود والدولة المركزية، وينتقد بوكتشين بذلك توجه الإيكولوجيين الاشتراكيين، مثل أندريه غورز André Gorz، الذين يدعون الدولة إلى حل مشكلات نقص الطاقة والموارد، كما استشرف بذلك تقرير نادي روما Club of Rome، وعلى العكس، يتبنى مشروع بوكتشين، المستوحى من أنثروبولوجيين مثل معاصره مارشال سالينز Marshall Sahlins، مفهوم “الأناركية ما بعد الندرة”[12]، الذي يدعو إلى القضاء على الدولة وكذلك على “أسطورة” الطبيعة الشحيحة التي يجب على الإنسانية أن تنتزع منها سبل العيش بصعوبة، إن الوفرة متاحة للجميع شريطة إنهاء أشكال الهرمية جميعها، والتخلص من الحاجات الزائفة التي يخلقها الاستهلاك المفرط، وإيقاف الانحراف الصناعي والمناهض للبيئة في استخدام التكنولوجيا.
وإذا كان هذا المشروع راديكاليًّا، فذلك أن جذور المشكلة عميقة، لا يهتم بوكتشين كثيرًا بالنهاية المزعومة للحكايات الكبرى، ولا يتردد في التأمل في التاريخ الطويل للإنسانية من نشأتها في الطبيعة إلى مشكلاتها الحالية، ومع ذلك، لا يهدف الى استئناف الحتمية التاريخية أو الغائية، لا بل إلى تتبع الصراع المستمر في إطار التطور البشري بين إرثين متعارضين: إرث الهيمنة وإرث الحرية، منذ نشوء أولى الهياكل الهرمية (والتي أعيد بناؤها بالاستناد إلى افتراضات)، تشهد المجتمعات البشرية تطور هذه الهرمية التي لا تقتصر على الطبقات الاجتماعية، بل تشمل تنظيم الأمور الاجتماعية كافة طبقيًّا، بما في ذلك الهيمنة الذكورية، والإمبريالية، والعنصرية، حتى الهياكل الاجتماعية نفسها، تلك التي تشكَّلت بفعل الهيمنة والطاعة، إن الدولة الحديثة والرأسمالية هما الشكلان الأكثر تطورًا وخبثًا لهذه الهيمنة المتزايدة للهرمية، وإن من الوهم الظن أنها ستتحول من تلقاء نفسها إلى نقيضتها بفعل الضرورة الديالكتيكية، والأهم من ذلك، أن هذه الهيمنة هي الأطروحة الأساسية في الإيكولوجيا الاجتماعية البوكتشينية، إذ تُعد جذور الهيمنة الاجتماعية جذور الدمار البيئي نفسه؛ لقد جاءت فكرة الهيمنة على الطبيعة نتيجة لهيمنة الإنسان على الإنسان،[13] تتناقض هذه الأطروحة -التي غالبًا ما يكتفي بوكتشين بتأكيدها بدلًا من تدعيمها بالأدلة- مع المحاولات البرجوازية أو الماركسية جميعها لتبرير الهيمنة الاجتماعية بحجة الحاجة إلى السيطرة على الطبيعة المعادية،[14] يجب رفض كلا النهجين معًا، وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون الوعي البيئي الجديد وعيًا مناهضًا للسلطوية.
لا ينبثق هذا الوعي، لحسن الحظ، من فراغ. فبوكتشين يقابل إرث السيطرة والهيمنة بإرثٍ موازٍ للحرية، تشكّل عبر الثقافات والأفكار، ولا سيما من خلال الحركات السياسية المناهضة للسلطة. فمن الديمقراطية الأثينية –على الرغم من حدودها– إلى الأناركية الكاتالونية، مرورًا ببلديات العصور الوسطى وكومونة باريس، لم تُقهر قوى العدالة والحرية والديمقراطية قهرًا نهائيًّا، بل واصلت الظهور بأشكال أكثر قوة، بل وحققت انتصارات حاسمة في بعض المنعطفات التاريخية. ولم يكن قيام الدولة القومية أو الرأسمالية الصناعية مسارًا محتومًا، كما لم يكن مستحيلًا أن يُفضي تحالف المدن الحرة في عصر النهضة إلى تغيير جذري في مسار التاريخ الغربي الحديث.
تبنى بوكتشين في نهاية حياته، لإحياء الأمل في الوقت الذي كانت كتاباته الأخيرة تميل إلى التشاؤم[15]، دور المؤرخ والناقل لهذا الإرث من الحرية، وذلك في مجلداته الأربعة من الثورة الثالثة The Third Revolution (١٩٩٦-٢٠٠٣م)، ومع ذلك، كان اعتماده على هذا الدور من باب دعم عمله المُتطلّع بثبات نحو المستقبل في المقام الأول، عبر “تحول جذري وشامل يطيح حتى بالمفاهيم التي عرفناها عن الثورة والحرية”[16]، يستلهم بوكتشين، المتبني للفكر التحرري بشدة، الماضي فقط بغرض تصور وإقامة مجتمع لامركزي، وبيئي، وديمقراطي تمامًا، يوفر للإنسان الظروف المثلى لتحقيق تطوره الإبداعي الكامل.
وجد بوكتشين هذا الإرث من الحرية في المساواة في مجتمعات اللا دولة لها التي درستها الأنثروبولوجيا، والتي استفاد منها غير مرة، وإن لم يكن بدقة تامة،[17] غالبًا ما وُصفت اقتباسات بوكتشين من الأدب الأنثروبولوجي في منتصف القرن العشرين بأنها غير مكتملة ومنحازة نحو رؤية تركز على المساواة والديمقراطية في تلك المجتمعات، ولهذا الوصف مسوغاته، لكن بوكتشين لم يسعَ إلى تمجيد هذه الرؤية إلى حد تحويلها إلى نموذج مثالي، فمفهومه المثالي يتمثل في تنوير متجدد هادف إلى إنسانية متنوعة، ومدركة لوحدتها، ومتحررة من التعصب العرقي، ومع ذلك، وجد في رؤية تلك المجتمعات مبادئ أساسية عدة؛ حق الانتفاع -الحق في الوصول الحر لكل فرد إلى الأدوات التي يحتاج إليها- بدلًا من الملكية الخاصة، والحد الأدنى غير القابل للتخفيض -ضمان حصول الفرد على الموارد الضرورية للحياة من المجتمع- بدلًا من الفقر، والمساواة الفعلية بين غير المتساوين -في القدرات- بدلًا من المساواة الشكلية الزائفة بين الأفراد المتنافسين، والانسجام الأخلاقي والجمالي بين المجتمع وبيئته الطبيعية بدلًا من الصدام العنيف، لا تكمن القضية في التخلي عن إنجازات العقلانية الحديثة لصالح التصوف أو البدائية، لا بل في دمج هذه المبادئ داخل مجتمع بيئي إنساني وعقلاني، لم يُشيّد بعد.
الحرية من الطبيعة إلى المجتمع
على الرغم من إمكانية مقارنة بوكتشين في أكثر من جانب مع كتاب معروفين بتيارهم الأناركي والمُقلل من الإيكولوجيا، مثل إيفان إيليتش Ivan Illich، وجاك إيلول Jacques Ellul [18]، إلا أن بوكتشين يتفرد بوضوح عبر تطويره لفلسفة متكاملة للطبيعة، لا سيّما في عمله البارز إيكولوجيا الحرية ١٩٨٢م The Ecology of Freedom[19]، ويتحدث الكتاب عن شرح كيفية اتصال الإنسان والمجتمع عبر التاريخ الطبيعي من دون انقطاع، وعن رفض أي ثنائية راديكالية، مع الحفاظ على الاختلاف الانثروبولوجي؛ أي توضيح كيف تتطور “الطبيعة الثانية” داخل الأولى، مع أنها تشكل مجالًا جديدًا للواقع، ولا يمكنها أن تكون منفصلة ومستقلة تمامًا عن الأولى –وهو مشروع يظل نظريًّا إلى حد كبير لدى بوكتشين، ولكنه يستحضر محاولات حديثة وأكثر دقة لفهم نشأة الثقافة، مثل علم الأحياء التطوري لكيفين لالاند [20]Kevin Laland أو علم الأنثروبولوجيا-الاجتماعية لبرنارد لاير Bernard Lahire[21].
في إطار مقاربة جدلية يستلهمها بوكتشين من هيغل أكثر مما يستمدها من ماركس، يسعى إلى بلورة «فكر عضوي» و«عقلاني» للطبيعة، يتجاوز في آنٍ واحد الاختزالية الميكانيكية والنزعة الصوفية الرومانسية. فليست الطبيعة، في نظره، مجرد مجموع عمليات ديناميكية أو وحدة في مسار تطور مستمر فحسب، بل يمكن أيضًا رصد توجهات داخلها نحو التنوّع والتعقيد، بل ونحو الوعي الذاتي الذي يتجسّد اليوم في الإنسان. وكما يعبّر بوكتشين في كتاباته: «نحن الطبيعة وقد أصبحت واعية بذاتها»، وهي فكرة يلتقطها الشعار المعاصر المستلهم من فكره: «لسنا نحمي الطبيعة، بل نحن الطبيعة التي تدافع عن نفسها».
بهذا الموقف، يميّز بوكتشين نفسه بوضوح عن خصمين فكريين دائمين له: من جهة، الإيكولوجيا التقليدية التي تختزل الطبيعة في مشاهد ساكنة يُراد الحفاظ عليها كما لو كانت بطاقات بريدية؛ ومن جهة أخرى، الإيكولوجيا العميقة التي تنزع إلى العداء للإنسان، وترفض أي خصوصية بشرية إلا بوصفها سلبية ومُدمِّرة.
يعتمد بوكتشين على رؤية تقوم على الاستمرارية في تطور المجتمعات وتدرّجها نحو أنماط أكثر استقلالًا وتنظيمًا، مستندًا إلى الفكرة القائلة بأن التطور الاجتماعي يمتد طبيعيًا نحو بيئات أكثر نضجًا وقدرة على بناء علاقات إنسانية متقدمة ومتميزة،[22] ووفقًا لبوكتشين، فإن من الأفضل الاهتمام بـ “التنشئة الاجتماعية” بوصفها عملية مستمرة لإنتاج وإبداع المجتمع، وتشكيل الإنسان بوصفه فردًا اجتماعيًّا، بدلًا من الحديث عن “المجتمع” بطريقة مجردة،[23] وبالنهج نفسه، يقدم بوكتشين تصورًا للإبستمولوجيا الوراثية التي لا تغفل أبدًا عن الثنائيات مثل الديكارتية والكانطية التي تقول بأن “العمليات العقلية ليس لها وجود مستقل، فاستقلالها الظاهري في تكوين صورة واقع العالم، لا يمكن فصله عن الكيفية التي شكّل بها هذه التصور للعالم”[24]، ومع أن هذا الأمر يبقى غامضًا بعض الشيء، إلا أنه هذا لا يمنعه من منح -وإن كان بطريقة غامضة إلى حد ما- قيمة خاصة متأصلة في الإنسان، ولا من الدعوة إلى نوع من “الوصاية” البشرية على بقية الطبيعة، وهو ما يعكس تفاؤل بوكتشين بإمكانية تطور القدرات البشرية.
“نحن نظهر علامات فقدان الثقة في قدراتنا البشرية الفريدة، قدرتنا على العيش بسلام مع بعضنا بعضًا، وقدرتنا على رعاية الآخرين وأشكال الحياة الأخرى”، يُعزّز هذا التشاؤم يوميًّا من علماء البيولوجيا الاجتماعية الذين يربطون عيوبنا بجيناتنا، ومن المعادين للإنسانية الذين ينتقدون حساسياتنا “المضادة للطبيعة”، ومن “المركزيين البيولوجيين” الذين يقللون من شأن قدراتنا العقلانية عبر مفهوم أننا لا نختلف عن النمل في “قيمتنا الجوهرية”، باختصار، نحن نشهد هجومًا واسع النطاق على قدرة العقل والعلم والتكنولوجيا على تحسين العالم لنا وللحياة عمومًا.[25]
هذا المقطع، بأسلوبه الجدلي الذي يميز مؤلفه، يشدد على أن الإيكولوجيا الاجتماعية تمنح بوكتشين القدرة على إعادة تقدير ما تنتقده التيارات البيئية الأخرى؛ فالتكنولوجيا، والعقل، والعلم، والقدرات الخاصة بالبشر، والمجتمع ذاته، ليست سبب معاناتنا، إذ من المؤكد أن هذه العناصر قد تُستخدم بما يخدم الهيمنة عبر علاقات اجتماعية معينة –وبكفاءة عالية– ولكن هذا ليس قدرًا محتومًا، ينبغي للمجتمع البيئي أن يتجاوز العقلانية الاختزالية، من دون أن يتخلى عن العقل، وأن يترك وراءه الصناعات الكبرى والطاقة الأحفورية، من دون أن يتخلّى عن التكنولوجيا والابتكار، وأن يتخلى عن الهياكل الهرمية والدولة، ولكن ليس المؤسسات، تُعدّ التكنولوجيا، مثلًا، “قوة تدمير” و”قوة إبداع” في آن واحد، وقد وصف بوكتشين بحماس واضح في عام ١٩٥٦م، في مقالته “نحو تكنولوجيا تحررية Vers une technologie libératrice”[26]، -وهو ما تعرض بسببه إلى بعض الانتقادات- “التكنولوجيا البيئية” المتقدمة التي تعمل بالطاقة الشمسية أو الرياح، والتي ستضمن وفرة “المجتمعات البيئية”.
يُتيح النقد الوارد في الفقرة السابقة إبراز التمايز بين فكر بوكتشين والبيولوجيا الاجتماعية، التي لاقت رواجًا واسعًا في سبعينيات القرن العشرين، ولا سيّما في فهم العلاقة بين الطبيعي والاجتماعي. فبالنسبة إلى بوكتشين، لا تمثل الهيمنة إرثنا الطبيعي، بل الحرية؛ إذ لا وجود في الطبيعة لـ«هيمنة» أو «تراتبية» بالمعنى الاجتماعي، مهما بدا لنا من ميلٍ إلى إسقاط تصنيفاتنا البشرية على سلوك القردة العليا أو الحشرات الاجتماعية. ومن ثمّ، لا تُنال الحرية عبر معارضة الطبيعة، بل من داخلها، بوصفها الغاية القصوى لمسارها، لا نقيضها.
“من هنا إلى هناك”: تأسيس البلديات الإيكولوجية التحريرية
كان بوكتشين واعيًا جدًّا بأن التغيير الجذري “ضروري على نحو مأساوي[27]“، وقد كرس جزءًا كبيرًا من كتاباته لصياغة المبادئ الكبرى لمجتمع بيئي وتحرري مع تبني إرث كبار المفكرين الطوباويين الاجتماعيين، ومع وضع استراتيجية لتحقيق هذا الهدف.
ترتكز استراتيجية بوكتشين على مبدئين أساسيين. أولًا، لا وجود لغائية تاريخية؛ فالرأسمالية والدولة لن تسقطا تلقائيًّا بفعل تناقضاتهما الداخلية، ولا تحت ضغط حدود النمو الكوكبية. وثانيًا، لم تعد الطبقة العاملة — أو لعلها لم تكن يومًا — ذلك الفاعل الثوري النموذجي الذي تصوّره ماركس. وعلى غرار أندريه غورز، ودّع بوكتشين «البروليتاريا» باعتبارها محور التاريخ، ولا سيّما أن تجربته النضالية قادته إلى الانخراط في حركات أخرى — كالحقوق المدنية، والسلام، والنسوية، والبيئة — رآها حاسمة في مواجهة أشكال السيطرة كافة. غير أنّ هذه الحركات نفسها، في نظره، تظلّ محدودة الأفق، إذ تنشد أساسًا تحقيق العدالة بمعناها التوزيعي (تحسين توزيع الحقوق والموارد)، لا بلوغ الغاية القصوى للحرية المتمثّلة في الإطلاق الكامل للإمكانات الإبداعية للإنسان.
ثانيًا، الوسائل المستخدمة تعكس أهدافها النهائية: من الوهم الظن بإمكانية بناء مجتمع تحرري وديمقراطي عبر أساليب سلطوية، أو بالاستيلاء على السلطة الحكومية -سواء بالانتخابات أو بالقوة- أو عبر الانضباط الحزبي، في معارضته للينينية البيئية التي يتبناها اليوم مفكرون مثل أندرياس مالم Andreas Malm، يسعى بوكتشين إلى صياغة استراتيجية تكون ممارساتها ديمقراطية، وأفقية، وتحررية في جوهرها، وهذه الاستراتيجية هي “السلطة المزدوجة”، إذ تسعى الاستراتيجية إلى البدء ببناء مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة في الوقت الحاضر، ليتم استبدالها في المستقبل، مثل المجالس لاتخاذ القرارات الجماعية، والتعاونيات الزراعية لضمان سبل العيش، وشبكات التبادل غير التجاري… يمكن تطوير ذلك كله على المستوى المحلي الآن، ومع ذلك، لا يعني ذلك الانغلاق المحلي أو الظن الساذج بأن هذه الجزر المقاومة ستتوسع على نحو سلمي وعفوي، وكما كرر بلا كلل الأناركي المتأثر ببوكتشين، فلوريال روميرو [28]Floréal Romero، فإن الأفق هو بناء حركة منظمة من أساسها، وتكون قادرة في النهاية على أن تمثل بديلًا حقيقيًّا للدولة إلى درجة لا يمكن أن تتحملها الدولة بعد ذلك، ومن ثم، ستكون المواجهة أمرًا لا مفر منه، وبوكتشين يدرك تمامًا إمكانية العنف، إذ يتصور تشكيل ميليشيات مستقلة على غرار الأناركية خلال الحرب الأهلية الإسبانية Guerre d’Espagne أو الحرس الوطني الثوري.. ومع ذلك، يجب على هذه الحركة الموازية أن تنظم نفسها على نحو مستقل، من دون أن تخضع أبدًا إلى أي طليعة مستنيرة أو سلطة مركزية، ناهيك عن كيانات تحاول الاستيلاء على السلطة الحكومية.
تقوم البلديّة التحررية -التي أطلق عليها بوكتشين في كتاباته الأخيرة اسم “الشيوعية المجتمعية”- على احتساب الخلية أساسًا للمجتمع، وهو المستوى الذي يصبح فيه الحكم الذاتي للمواطنين ممكنًا، وبهذا، يعيد إحياء المثل الأخلاقي والسياسي للمدينة اليونانية، وضد المدن الكبيرة التي تشعر بالغربة، لا يدعو بوكتشين إلى العودة إلى الريف، بل إلى إنشاء مدن “بحجم إنساني” تتكامل مع الطبيعة المحيطة، وتحقق اكتفاءها الذاتي بفضل تقنيات بيئية مستدامة، ومع ذلك، فإن مدينة بوكتشين ليست مكانًا متقشفًا، إذ أكد موراي بوكتشين أن المجتمع البيئي سيكون مكانًا وفيرًا بالسلع ذات الجودة للجميع، وميدانًا لتطور الفرد بحرية، خاصة في ميدان الإبداع الفني والحياة الحسية، إن المتعة لا تنفصل عن الحرية الحقيقية، وقد استلهم بوكتشين من اليوتوبيا الحسية لكل من رابليه Rabelais، Fourier وفورييه [29]خصوصًا -الذي سخر منه ماركس ومن “الاشتراكية الطوباوية”- بقدر ما استلهم من المثالية المدنية لأرسطو.
إن الكومونة “المجتمع الصغير” التي تكوّن خلية أساسية غير معزولة هي اتحاد حر ومنظم، وهو ما يدعو إليه بوكتشين، يمكن للكومونات الفيدرالية، عبر إرسال مندوبين بتفويضات ملزمة، اتخاذ قرارات جماعية بشأن القضايا التي تتعدى المستوى المحلي، إن استقرار هذه الكونفدرالية، وزوال أي شكل من أشكال الهيمنة في المجتمع يثيران قضية القانون الذي يحمي الحقوق الأساسية ويضمن استقرار المؤسسات، هل يمكن أن يكون للقانون مكان في مجتمع تحرري؟ لقد دفعت التوترات الموجودة في فلسفة بوكتشين بشأن هذه النقطة، والتي أشار إليها النقاد إلى الإقرار بضرورة وجود قانون مشترك في كتاباته الأخيرة، لا بل حتى دستور يُصاغ ديمقراطيًّا، ما يشير إلى “انتقال من الفكر الأناركي نحو دمج المبادئ الأساسية لليبرالية الدستورية ضمن الاشتراكية التحررية لبوكتشين”.[30]
وعلى صعيد الإنتاج، يدعو بوكتشين إلى تجاوز الاقتصاد السوقي لصالح اقتصاد «أخلاقي» يرتكز على تلبية الحاجات، وحق الانتفاع، وإنتاج سلع متينة وعالية الجودة. فالبديل الذي يطرحه عن السوق والتأميم هو «بلدية وسائل الإنتاج»، ما يستلزم تطوير مصادر طاقة وآلات وبنى تحتية إنتاجية صغيرة الحجم، قابلة للفهم والتحكّم على مستوى المجتمعات البيئية المحلية. قد يبدو هذا التصور طوباويًّا، غير أنه، في نظر بوكتشين، أقل طوباوية بكثير من الوهم القائل بإمكانية الاستيلاء على جهاز الدولة السلطوي وتسخيره لفرض الحرية من أعلى.
الخاتمة
إن من السهل السخرية من بوكتشين، إذ لم يتردد منتقدوه في تصويره بوصفه “حالمًا”، أو طوباويًّا ساذجًا، أو هيبيًّا خرج من الثقافة المضادة الأمريكية وغير مبالٍ حقًّا بإسقاط الرأسمالية، لقد رأينا أنه لم يكن يميل إلى هذه التبسيطات، ولكنه بلا شك كان يستخدم أحيانًا نبرة تتنوع بين التحذير النبوئي، والتصوير الكارثي، والرؤية المثالية، إذ كان يصف باستمرار الكوارث التي يعانيها الفرد المسحوق تحت وطأة الدولة والصناعات الضخمة، كما كان يتحدث عن جمال المجتمع المستقبلي الذي يتصف بالعقلانية، والإيكولوجية، والديمقراطية الكاملة، وبالتأكيد، لم يتردد في تبني أنثروبولوجيا نظرية كان الأجدر بها أن تكون أكثر استنادًا إلى الأدلة التجريبية، وأخيرًا، يمكن القول إن لـ “استراتيجيته للسلطة المزدوجة” فرصًا ضئيلة للنجاح في مواجهة دول أكثر حزمًا من أي وقت مضى في القضاء على أي جيوب للاستقلالية قد تبدو متمردة بعض الشيء.
ومع ذلك، نادرًا ما حاول مؤلفون آخرون الجمع بين التفكير في البيئة والتنظيم الاجتماعي، والاقتصاد والأخلاق، والممارسات النضالية الحاضرة، والمجتمع المستقبلي بالريادة والشمول نفسهما، وحتى لو لم تكن إجاباته مقنعة للجميع، فإن أسئلته لا تزال تُطرح اليوم، وتحذيراته من السلطوية في السياسة والحركة البيئية، ومن الاختزالات التبسيطية ومن التراتبية في الهيمنة، لا تزال تهمّنا اليوم، وبوصفه إنسانيًّا متفائلًا، يقف بوكتشين بوضوح إلى جانب “مبدأ الأمل”، يمكن رؤية ذلك تجاهلًا للحاجة الملحة إلى مواجهة تغير المناخ، وللجمود المادي للمجتمعات الحالية، ولكنه في الوقت نفسه “تذكير” بأن الوسائل المستخدمة لا يمكن فصلها عن الغاية المرجوة، و”دعوة” لحشد الجهود نحو هدف إيجابي بدلًا من التخويف، يضيف دميان وايت Damian White أنه إلى جانب بوكتشين التنبؤي، يمكن تفضيل بوكتشين العملي، الذي يستطيع دمج الأفكار الليبرالية في نظامه البلدي، أو التفكير في تقسيم المدن الكبرى إلى أحياء بدلًا من إلغائها،[31] ولكن يجب الحذر من التفسيرات السطحية التي تخدم المحلية المنعزلة عن العالم، أو من “البلدية” الجوفاء التي يكون هدفها محض الفوز في انتخابات البلدية[32]: كما أكد بوكتشين مرارًا، لا يمكن فصل العناصر الاجتماعية من دون كسر اتساقها، وفقدان راديكاليتها في النهاية.
وللاستزادة (يمكن استخدام ترتيب المراجع ليكون ترتيبًا للقراءة):
- لمدخل إلى بوكتشين مع نصوص مُختارة:
جابرييل فنسنت وروميرو فلوريال Gerber Vincent et Romero Floréal، “موراي بوكتشين: من أجل إيكولوجيا اجتماعية وراديكالية Pour une écologie sociale et radicale Murray Bookchin”. نييفي أون شامبان Neuvy-en-Champagne، لو باساجيه كلانديستان Le Passager Clandestin، Neuvy-en-Champagne، ٢٠١٤م.
- عن بوكتشين:
“ما هي الإيكولوجيا الاجتماعية؟ Qu’est-ce que l’écologie sociale ?”، “من أجل مجتمع بيئي Pour une société écologique”، و”البلدية التحررية Le municipalisme libertaire” في كتاب قوة التدمير، قوة الإبداع: نحو إيكولوجيا اجتماعية وتحررية Pouvoir de détruire, pouvoir de créer. Vers une écologie sociale et libertaire، ليشابيه L’Échappée، ٢٠١٩م.
مجتمع يجب إعادة ترميمه: نحو إيكولوجيا الحرية Une société à refaire. Vers une écologie de la liberté، مقدمة أنطوان روبتاي Antoine Robitaille، ترجمة كاثرين باريت Catherine Barret، ايكوسوسيتيه Écosociété، ٢٠١١م.
الإيكولوجيا الاجتماعية: التفكير في الحرية بما يتجاوز الإنسان L’écologie sociale. Penser la liberté au-delà de l’humain ، ترجمة وخاتمة مارين شافنر Marin Schaffner، وايلد بروجكت Wildproject، ٢٠٢٠م. (مجموعة مختار أغلبها من كتابي إيكولوجيا الحرية، ومجتمع يجب إعادة ترميمه).
- حول بوكتشين:
كتاب داميان وايت، بوكتشين، تقييم نقدي Bookchin. A Critical Appraisal، بلوتو برس Pluto Press، ٢٠٠٨م (متاح عبر الإنترنت) ، وهو عمل مميز يجمع بين المعرفة العميقة بأعمال بوكتشين والنظرة النقدية المتوازنة تجاه صعوباته وتناقضاته. لم يُترجم إلى اللغة الفرنسية لسوء الحظ.
جيربر فينسينت، موراي بوكتشين والإيكولوجيا الاجتماعية: سيرة ذاتية فكرية Murray Bookchin et l’écologie sociale: une biographie intellectuelle، مونتريال: ايكوسوسيتيه Écosociété، ٢٠١٣م، (متاح عبر الإنترنت: http://archive.org/details/murraybookchinet0000gerb) آخر اطلاع ١٧ مايو ٢٠٢٤م.
“بوكتشين: إيكو-اشتراكية أم بربرية Bookchin: écosocialisme ou barbarie”، في باتريك شاستنيه Patrick Chastenet، الجذور التحررية للإيكولوجيا السياسية libertaires de l’écologie politique Les racines، ايكوسيتيه L’Échappée، ٢٠٢٣م.
مقال منشور في laviedesidees.fr بتاريخ ٢١ مايو ٢٠٢٤م.
[1] ريغنباخ جيف RIGGENBACH Jeff، “مقابلة مع موراي بوكتشين Interview with Murray Bookchin”، Reason، أكتوبر ١٩٧٩م، على الإنترنت، https://reason.com/1979/10/01/interview-with-murray-bookchin/ ، آخر إطلاع على الرابط: في ١٧ مايو ٢٠٢٤م.
[2]4 بالداكّينو أديلين BALDACCHINO Adeline (بوكتشين: الإيكولوجيا الراديكالية والبلدية التحررية Bookchin : écologie radicale et municipalisme libertaire)، في BALLAST، ١١ أكتوبر ٢٠١٥م، على الإنترنت https://www.revue-ballast.fr/bookchin-ecologie-radicale-et-municipalisme-libertaire/ ، آخر إطلاع على الرابط: في ١٧ مايو ٢٠٢٤م.
[3] يدعو رفاقه الشيوعيين السابقين إلى «تجاوز ديالكتيكيًا dépasser dialectiquement» الماركسي في كتاب استمع، أيها الماركسي Listen, Marxist! (١٩٦٩م، متاح على الإنترنت)، وينتقد الأناركية التي تحولت إلى موقف شبه تخريبي في تغيير الحياة دون تغيير العالم، الأناركية المعاصرة بين التحرر الفردي والثورة الاجتماعية، Changer sa vie sans changer le monde, L’anarchisme contemporain entre émancipation individuelle et révolution sociale ، مرسيليا Marseille، أغوني Agone، ٢٠١٩م.
[4] جوناثان بيرون PIRON Jonathan، «بوكتشين وروجافا: عمَّ نتحدث؟ Bookchin et le Rojava : de quoi parle-t-on ?»، في إيتوبيا Etopia، ١٣ ديسمبر ٢٠١٩م، على الإنترنت ، https://etopia.be/blog/2019/12/13/bookchin-et-le-rojava-de-quoi-parle-t-on/ ، آخر إطلاع على الرابط: في ١٨ مايو ٢٠٢٤م.
[5] نُشر تحت الاسم المستعار لويس هيربر Lewis Herber، مثل جميع نصوصه الأولى. الترجمة الفرنسية بيئتنا الاصطناعية Notre environnement synthétique.: ولادة الإيكولوجيا السياسية La naissance de l’écologie politique، ليون، Atelier de création libertaire، ٢٠١٧م.
[6] بوكتشين موراي Bookchin Murray، الإيكولوجيا الاجتماعية: التفكير في الحرية بما يتجاوز الإنسان L’écologie sociale. Penser la liberté au-delà de l’humain، مرسيليا، Wildproject، ٢٠٢٠م، ص. ٨٧.
[7] هيربر لويس Lewis Herber، أزمة في مدننا Crisis in Our Cities، إنجلوود كليفس Englewood Cliffs، نيوجيرسي، برنتيس-هول Prentice-Hall، ١٩٦٥م، ص. ١٨٦-١٨٧، http://archive.org/details/crisisinourcitie00herb، اخر اطلاع في ١٥ مايو ٢٠٢٤م.
[8] المرجع نفسه، ص. ١٨٨.
[9] «من أجل مجتمع بيئي Pour une société écologique »، موراي بوكتشين Murray Bookchin، قوة التدمير، قوة الخلق: نحو إيكولوجيا اجتماعية وحرية Pouvoir de détruire, pouvoir de créer. Vers une écologie sociale et libertaire، باريس، L’Échappée، ٢٠١٩م، ص. ٧٢.
[10] بوكتشين موراي Murray Bookchin، إعادة صنع المجتمع: مسارات نحو مستقبل أخضر Remaking Society: Pathways to a Green Future، بوسطن، ماساتشوستس، ساوث إند برس South End Press، ١٩٩٠م، ص. ٩٢–٩٣، http://archive.org/details/remakingsocietyp00book، (اخر الاطلاع في ١٥ مايو ٢٠٢٤م).
[11] المرجع نفسه، ص. ١٥.
[12] بوكتشين موراي Murray Bookchin، الأناركية ما بعد الندرة Post-scarcity Anarchism، الترجمة الفرنسية ما وراء الندرة: الأناركية في مجتمع الوفرة Au-delà de la rareté. L’anarchisme dans une société d’abondance، مونتريال، إيكوسوسيتيه Ecosociété، ٢٠١٦م.
[13] الإيكولوجيا والفكر الثوري Ecology and Revolutionary Thought، في مواري بوكتشين، ما بعد ندرة الأناركية Post-Scarcity Anarchism، الطبعة الثانية، ١٩٨٦م، ص.٨٥. (على الإنترنت). http://archive.org/details/post-scarcity-anarchism-murray-bookchin آخر إطلاع على الرابط: ١٨ مايو ٢٠٢٤م.
[14] موراي بوكتشين، مجتمع يجب إعادة ترميمه Remaking society، ص. ٣٢. غالبًا ما يستعير بوكشين من أطروحة ماركس القائلة بأن الهيمنة الاجتماعية تكون مبررة باعتبارها ضرورة تاريخية، وذلك لزيادة سيطرة الإنسان على الطبيعة وتهيئة الظروف لمجتمع مستقبلي بلا هيمنة. من جانبه، لا يعطي بوكشين أي دور إيجابي للهيمنة والرأسمالية، لا سيما لأنه يرفض هذه الرؤية ذات الطبيعة العدائية التي على البشرية أن تحاربها دائمًا.
[15] وايت داميان WHITE Damian، بوكتشين تقييم نقدي Bookchin. A Critical Appraisal، لندن، بلوتو برس، ٢٠٠٨م، ص.١٨٣-١٨٤.
[16] قوة التدمير، وسلطة الخلق، في موراي بوكتشين، قوة التدمير وقوة البناء نحو إيكولوجيا اجتماعية وتحررية Pouvoir de détruire, pouvoir de créer Vers une écologie sociale et libertaire، باريس، ليشابيه، ٢٠١٩م، ص. ٣٠.
[17] ديبي بوكتشين Debbie Bookchin، محررة وابنة بوكتشين، وأصدرت بالتعاون مع الانثروبولوجي دايفيد وينقرو David Wengrow نسخة من “مجتمع يجب إعادة ترميمه” منقحة المراجع الأنثروبولوجية بحسب آخر طبعات لها: موراي بوكتشين، مجتمع يجب إعادة ترميمه: سياسيات إيكولوجية جديدة Remaking Society: A New Ecological Politics، أي كي برس، ٢٠٢٣م.
[18] للمحة عن النقاط المشتركة والاختلافات بين بوكتشين ومفكري الاضمحلال، انظر جيربيه فنسنت وروميرو فلوريال GERBER Vincent & ROMERO Floréal، موراي بوكتشين. لإيكولوجيا اجتماعية راديكالية Murray Bookchin. Pour une écologie sociale et radicale، نيوفي اون شامباني Neuvy-en-Champagne، لو باساجيه كلانديستان Le Passager Clandestin، ٢٠١٤م، ص. ٢٣-٤٣، و كاستينت باتريك CHASTENET Patrick، جذور تحررية الإيكولوجيا السياسية Les racines libertaires de l’écologie politique، باريس، ليشابيه، ٢٠٢٣م.
[19] موراي بوكتشين، إيكولوجيا الحرية: الاندماج والانفصال الهرمي The Ecology Of Freedom: the emergence and dissolution of hierarchy، بالو ألتو، كاليفورنيا، تشيشاير بوكس Cheshire Books، ١٩٨٢م، على الإنترنت http://archive.org/details/TheEcologyOfFreedomMurrayBookchin آخر إطلاع على الرابط ١٦ مايو ٢٠٢٤م.
[20] كيفن لالاند LALAND Kevin، السيمفونية الناقصة لداروين La symphonie inachevée de Darwin، ترجمة هوكيه تييري HOQUET Thierry، باريس، لا ديكوفيرت، ٢٠٢٢م.
[21] لاهير برنارد، الهيكليات الرئيسة للمجتمعات الإنسانية Les structures fondamentales des sociétés humaines، باريس، لا ديكوفيرت، ٢٠٢٣م.
[22] موراي بوكتشين، الإيكولوجيا الاجتماعية، المرجع السابق، ص. ١٠٣.
[23] نفس المرجع، ص. ١٠٣.
[24] لمجتمع إيكولوجي، اقتباس من المرجع السابق، ص.٨٤.
[25] اقتباس من الرجع السابق، ص. ٩٧.
[26] موراي بوكتشين، نحو تقنية تحررية Vers une technologie libératrice، في المكتبة الأناركية Bibliothèque Anarchiste، ١٩٦٥م، على اإنترنت: https://fr.anarchistlibraries.net/library/murray-bookchin-vers-une-technologie-liberatrice آخر إطلاع ١٦ مايو ٢٠٢٤م. للاستزادة حول التناقض التقني لدى بوكتشين، انظر على وجه الخصوص تشاستينت باتريك CHASTENET Patrick، الجذور التحررية للإيكولوجيا السياسية Les racines libertaires de l’écologie politique، مرجع سابق، ص. ١٧٥-١٧٩.
[27] لمجتمع إيكولوجي، مرجع سابق، ص.٧٢.
[28] فلوريال روميرو ROMERO Floréal، المشاعية: تجهيز التنظيم ١/٢ Communalisme : se doter d’une organisation [1/2]، في بالاست BALLAST، ١٨ مايو ٢٠٢٠م، على الإنترنت: https://www.revue-ballast.fr/floreal-romero-communalisme-se-doter-dune-organisation- آخر اطلاع على الرابط ١٧ مايو ٢٠٢٤م.
[29] وايت داميان، بوكتشين تقييم نقدي، مرجع سابق، ص. ١٣٦-١٣٧.
[30] مرجع سابق، ص. ١٨٦. ترجمتنا.
[31] مرجع سابق، ص. ١٥٠.
[32] روميرو فلوريال، مرجع سابق.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




