مقالات

حديث عن سيميولوجيا السينما: مقدمة موجزة في سيميائية الفيلم

بدر الدحاني

لقد تزايد الاهتمام بقضايا الفن السينمائي ومناهج تفكيك أنساقه الجمالية المُشكِّلة للخطاب الفيلمي، من قبيل النقاد والباحثين في جماليات السينما، وعلم العلامات (السيميائيات). ولعل هذه العناية البحثية التي حظي بها مجال الإبداع السينمائي، تعود أساسًا إلى التركيبة البنيوية المعقَّدة للصورة السينمائية التي تستدعي مقاربات علمية، ومنهجية، وتحليلية رصينة، بغية تفكيك علاماتها ورموزها الدَّلالية الكامنة في مضمرات الخطاب البصري / السينمائي.

 

السيميولوجيا… بين بيرس1 ودي سوسير2

تعد السيميائيات (علم العلامات) المجال الذي يدرس اللغة في أبعادها الدَّلالية والرمزية، سواء كانت لسانية أو سمعية أو بصرية. ففي نظر دي سوسير تنطلق السيميولوجيا «من نظام جديد للوقائع، ذلك أن اللّسان نسق دلائل معبرة عن أفكار، ومن ثمة فهو شبيه بالكتابة وبأبجدية الصم والبكم، والطقوس الرمزية وأشكال آداب السلوك والعلامات البحرية… »3؛ وبالتالي فالعلامة السيميائية ما هي إلا فكرة مضمرة تعبّر عن سياقات معرفية وثقافية وإيديولوجية. إن دي سوسير وهو يتنبأ بعلم جديد يطلق عليه «السيميولوجيا»، فإنه يرى فيه العلم الذي يقوم على تحليل الأنظمة والعلامات والدَّلائل في كنف الحياة الاجتماعية، وينهل ويستمد شرعيته المعرفية من علم النفس العام وعلم النفس الاجتماعي.

تشارلز بيرس
تشارلز بيرس

 

سوسير
سوسير

أما المقاربة السيميائية عند تشارلز ساندرس بيرس الذي أراد أن يرسم ملامح نظرية عامة وشاملة للعلامات، فهي تنطلق من فلسفته المعرفية التي تنهل من علم المنطق. ويقول في هذا الصدد: «ليس المنطق بمفهومه العام كما أعتقد أنني قد أوضحت إلا اسمًا آخر للسيميوطيقا Semiotic، والسيميوطيقا نظرية شبه ضرورية أو نظرية شكلية للعلامات. وعندما أقول إن النظرية “شبه ضرورية” أو أنها شكلية فإني أعني بذلك أننا نرصد طبيعة العلامات كما نعرفها»4. وقد قسَّم بيرس العلاقة بين الدَّال والمدلول ضمن خاصية العلامة إلى ثلاثة أقسام رئيسة وهي: (الأيقونة المؤشر الرمز)؛ وقد أطلق على هذا التقسيم «ثلاثية العلامات الثانية»، ويفسر هذه الأقسام بقوله: «الأيقونة Icon هو العلامة التي تشير إلى الموضوعة التي تعبر عنها عبر الطبيعة الذاتية للعلامة فقط، والمؤشر Index علامة تشير إلى الموضوعة التي تعبِّر عنها عبر تأثيرها الحقيقي بتلك الموضوعة، أما الرمز Symbol فهو علامة تشير إلى الموضوعة التي تعبِّر عنها عبر عُرف، غالبًا ما يقترن بالأفكار العامة التي تدفع إلى ربط الرمز بموضوعته»5. ومما تقدم يمكننا القول إنّ مجال السيميولوجيا بشكل عام، هو مجال يسعى في أبعاده التحليلية إلى تفكيك شفرات أنظمة الدلائل والعلامات والرموز وفق منظومة تحكمها مجموعة من القوانين.

 

كريستيان ميتز 6 وسيميولوجيا السينما

يعد كريستيان ميتز من الأوائل الذين ارتبط اسمهم بسيميولوجيا السينما، من خلال دراسته الشهيرة المنشورة في مجلة اتصالات الباريسية بعنوان: «هل السينما لسان أم لغة؟». وقد أكَّد ميتز من خلال هذه الدراسة بأن السينما بوصفها فنًّا، ممارسة وفعل للخطاب؛ أي باعتبارها لغة لها قواعدها، وتراكيبها، وخصوصياتها الإشارية والرمزية والدَّلالية، كسائر اللغات الأخرى. شرع كريستيان ميتز في تطبيق الإجراءات المنهجية والتحليلية للسيميوطيقا على الفيلم السينمائي، باعتبارها مجالاً علميًا ينصب على التفكيك العلاماتي للأنساق السمعية البصرية المُشكِّلة للخطاب السينمائي.

يقول كريستيان ميتز بأن «السيميولوجيا السينمائية هي دراسة جديدة جدًّا لكي تحظى بعدة تطبيقات. في كل مرة، جزء من برنامجها الذي يعنى ببلورة نظام المكونات الفيلمية الكبرى، يبدو أنه قد تقدَّم بشكل كافٍ لكي نتمكن من اقتراح تطبيقه على الشريط المصور لفيلم بكامله»7. وهكذا رحَّب ميتز من خلال أفكاره ورؤاه النظرية بمجال السيميولوجيا لكي يطبق على المكونات، والعناصر الفيلمية الكبرى. إن النظرية السيميوطيقية – بوصفها علمًا إجرائيًا – تقوم على التفكيك، والتأويل، والكشف عن تمفصلات الخطاب، فإنها تسعى في أبعادها التحليلية إلى تفكيك النسق السيميائي للصورة السينمائية، باعتبارها مادة الفيلم التعبيرية التي تتجانس فيها وتتناسج العناصر التقنية، والفنية، والجمالية.

وارتباطًا بالتحليل السيميولوجي للفيلم، اقترح ميتز «الدمج بين منظورين معًا، لأنه توجد سنن تسمى بالسنن الأنثروبولوجية الثقافية، يكتسبها الإنسان منذ طفولته المبكرة عن طريق التربية (وهي السنن الإدراكية، وسنن التعرف، وسنن الأيقونية، وما يعلق بها من سنن النقل الخطي، ومعطيات التجربة)، ثم هناك سنن أعقد من ذلك، وأكثر تخصصًّا من الوجهة التقنية، كتلك التي تحكم تركيب الصور (السنن الأيقونوغرافية، وقواعد التأطير، وقواعد المونتاج، وسنن الوظائف السردية)» 8. لقد ساهمت الدراسات النقدية والنظرية الأولى لكريستيان ميتز بخصوص سيميوطيقا السينما في بلورة نموذج تحليلي شامل للتركيبة المعقدة للصورة السينمائية، يشمل كل القواعد والتقنيات القابلة للتطبيق الإجرائي والعملي على الفيلم السينمائي بوصفه مادة تطبيقية للسيميولوجيا، أي مادة للسيميوطيقات: وهي الدراسات المتخصصة في المتون؛ والخطاب الفيلمي هنا هو متن قابل للدراسة السيميوطيقية (سيميوطيقا السينما).

 

يوري لوتمان9: مقاربة في اللَّقطة والمونتاج وبنية القصة السينمائية

لوتمان
لوتمان

يعد الفيلسوف والكاتب يوري لوتمان من أبرز المنظرين لقضايا العمل الفني وبنيته التركيبية والجمالية؛ ولعل أهم إنجازاته المرتبطة بالدراسات السيميائية، كانت مجموعة السيميوطيقا التي أسَّسها سنة 1964، وضمت مجموعة من الباحثين المنتمين إلى حقول معرفية مختلفة. وفيما يخص علاقة السيميولوجيا بفن السينما عند لوتمان، فقد ساهم في هذا الصدد، بالعديد من الدراسات النقدية، أبرزها كتابه الموسوم بـــ «قضايا علم الجمال السينمائي: مدخل إلى سيميائية الفيلم» (الترجمة العربية)، ونفس الكتاب عن الترجمة الفرنسية: «Sémiotique et Esthétique du cinéma». وارتباطًا بمضامين الكتاب، ركَّز لوتمان في بعض من فصوله وخاصة الفصل الثاني من الكتاب، على مسألة اللَّقطة في الشريط السينمائي، مبرزًا خصائصها السردية والتقنية والفنية، معتبرًا إياها (اللَّقطة) بمثابة الوحدة الفيلمية الصغرى داخل الفيلم؛ إذْ يتكون الفيلم السينمائي من عدة متتاليات تنتظم في إطار كل متتالية واحدة مجموعة من اللقطات الفيلمية

يقول لوتمان «تُعرف حدود اللَّقطة غالبًا على أنها الموضوع الذي يلصق فيه المخرج حدثًا مصورًا مع حدث آخر. هذا ما أراد تأكيده آيزنشتين10 الشاب عندما كتب: “وتبدو اللَّقطة بمثابة خلية المونتاج” (…) ولكن مهما بلغت أهمية المونتاج فإن المبالغة بمكان أن نرى حدود اللَّقطة تتوقف عند نقاط الوصل بينها وبين لقطة أخرى»11. وأضاف لوتمان أن فن المونتاج ساهم بشكل كبير في تنوير مفهوم اللَّقطة، وتفسيره بشكل دقيق، فأصبحت حدود اللَّقطة ووظيفتها واضحة ضمن البناء التركيبي للفيلم، وكذلك في عملية المونتاج السينمائي.

سيرجي آيزنشتاين
سيرجي آيزنشتاين

يُخصّص لوتمان أيضًا ضمن فصول كتابه قضية من أهم القضايا المعرفية والنظرية لفن السينما، وهي قضية المونتاج وأساليبه التقنية والسردية والفنية. مستعرضًا أهم المراحل التاريخية لفن المونتاج التي حدَّدها آيزنشتين في ثلاث مراحل أساسية:

  • «التكوين التشكيلي Composition plastique بالنسبة للسينما أحادية النظرة Uniponctuel (أي وجهة نظر وحيدة مع كاميرا ثابتة).
  • التكوين المونتاجي Composition par montage بالنسبة للسينما متعددة النظرات (تغير في وجهة النظر).
  • التكوين الموسيقي بالنسبة للسينما الناطقة»12.

في سياق آخر مرتبط بتحديد بنية القصة السينمائية، اعتبر لوتمان النص السينمائي في آن واحد، بمثابة نص مجزأ وغير مجزأ؛ الأول مجزأ إلى قطع يتكون من علامات سيميائية، والثاني غير مجزأ، وذلك بانتساب الدَّلالة إلى النص مباشرة. كما أنه يبرز نوعين من السردية، إذ يقول في هذا الصدد: «إن ما يكوّن بنيتنا الفكرية ومفاهيمنا المعتادة، والتي تبدو في أغلبها مرتبطة بالطبيعة الإنسانية ذاتها، هي الثقافة الكلمية، تلك الثقافة التي يقوم فيها الكلام الإنساني بدور نظام الاتصال الأساسي، نظام يقتحم حقول السيميوية Sémiosis كافة ليعيد ترتيبها على النحو الذي يوافق صورته هو ذاته»13. ويؤكد لوتمان على أن هذا النظام الكلامي هو ما يحدد ويؤطر خطاب الاتصال الإنساني؛ وهذا المعطى المعرفي يحضر بقوته حتى في قيامنا بتشكيل وبناء القصة المصورة، حينما نسقط عليها التركيبة السردية اللسانية (الكلمية). ويوضح هذا التصور بقوله: «إذا كانت السردية تتولد في الحالة الأولى (القصة الكلمية) من كون الرسوم تستخدم ككلمات، فإن الحالة الثانية (تحول اللَّقطة ذاتها) تشهد بروز سردية من نوع تصويري خالص. إلا أن قابلية تحول العلامة الأيقونية إلى نص سردي تظل مرتبطة بوجود بعض العناصر المتحركة (المتحولة) فيها»14. ويوضح هنا لوتمان بنية القصة السينمائية والطريقة التي تسرد بها، وقابلية التحول والتغيير من لقطة إلى أخرى، بهدف تحقق التجسيد المرئي للمحكي الفيلمي. إن مسألة لصق لقطة بأخرى بشكل تتابعي، هي عملية تُحقق فعل الحكي البصري (المرئي)، فمثلاً تجسيد سقوط شخص من شرفة البيت نحو الأسفل، ينبغي أن يتم وفق لقطتين: (الأولى وهي لحظة السقوط، ثم الثانية هي أن نرى الشخص ممدَّدًا على الأرض)؛ وبهذا تُحَقَّق التركيبة السردية للَّقطة الفيلمية في ارتباطها مع البنية التركيبية للشريط السينمائي في شموليته.

ختامًا؛ لقد ساهمت السيميائيات ولا تزال في بلورة سيرورة منهجية للتفكيك والتأويل والتحليل والتلقي الخاصة بالإبداعات الفنية والثقافية. وفن السينما هو مجال من بين عدة مجالات فنية كالمسرح والتشكيل والأعمال السمعية البصرية الذي حظي باهتمام نقدي لدى الباحثين المهتمين بالتحليل السيميوطيقي للأنساق البصرية. وقد تعرفنا على كل من رؤى فرديناند دي سوسير، وتشارلز ساندرس بيرس، فيما يخص بعض الإضاءات حول التحليل السيميولوجي، وكل من تصورات كريستيان ميتز، ويوري لوتمان، فيما يرتبط بسيميولوجيا السينما وبعض الأفكار ذات الصلة بقراءة عناصر وأنساق الشريط السينمائي. وهذا المقال ليس إلا إحاطة مقتضبة حاولنا من خلالها أن نقترح بعض الإضاءات الفكرية والمعرفية المرتبطة بعلم السيميولوجيا، ومساهمة بعض من آلياته المنهجية في مقاربة الشريط السينمائي وتفكيك مضمراته الدَّلالية التي تُشكّلها أنساقه الفنية والجمالية.


بدر الدحاني

كاتب وباحث في جماليات الفنون، والمسرح والسينما / المملكة المغربية

حاصل على شهادة الدكتوراة في المسرح وفنون العرض


الهوامش

– [1] تشارلز ساندرس بيرس Charles Sanders Peirce (1914 –1839): فيلسوف وسيميائي وعالم منطق، رائد السيميائيات، اهتم بعلم المنطق والفلسفة والرياضيات. اشتهر بأعماله الفكرية حول السيميولوجيا والتأويل.

– [2] فرديناند دي سوسير Ferdinand De Saussure (1913 – 1857) هو عالم لغة سويسري، يعد مؤسّسًا للمدرسة البنيوية في علم اللسانيات.

– [3] حنون مبارك، دروس في السيميائيات، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، 1987. ص: 69.

– [4] تشارلز ساندرس بيرس، تصنيف العلامات، ترجمة: فريال جبوري غزول. من كتاب سيزا قاسم ونصر حامد أبو زيد، مدخل إلى السيميوطيقا: أنظمة العلامات في اللغة والأدب والثقافة، الطبعة الأولى، القاهرة، دار التنوير للطباعة والنشر، 2014. ص: 171.

– [5] نفسه. ص: 176.

– [6] كرستيان ميتز Christian Metz (1993 – 1931): ناقد ومنظر سينمائي فرنسي. اقترن إسمه بسيميولوجيا السينما، من خلال الدراسة الهامة الأولى التي نشرها لأول مرة بعنوان: “السينما لسان أم لغة؟” سنة 1964.

– [7] من كتاب كريستيان ميتز: Essais sur la signification au cinéma. نقلاً عن برنار توسان، ما هي السيميولوجيا؟، ترجمة: محمد نظيف، الدار البيضاء، أفريقيا شرق، 2016. ص:70.

– [8] أمبرتو إيكو، سيميائيات الأنساق البصرية، ترجمة: محمد التهامي العماري ومحمد أودادا، اللاذقية سوريا، دار الحوار للنشر والتوزيع، 2008. ص: 115 114.

– [9] يوري لوتمان Youri lotman (1993 – 1922): فيلسوف وكاتب ومؤرخ أدبي ولغوي استواني؛ عُيِّن أستاذاً بأعرق جامعة بإستوانيا، هي جامعة تارتو سنة 1963.

– [10] سيرجي ايزنشتين Serguei Isenstein (1948 – 1898): هو فنان ومخرج ومنظر سينمائي روسي، قدَّم إسهامات جليلة حول نظرية فن المونتاج. ويعد فيلمه “المدرعة بوتمكين” إحدى أشهر أعماله السينمائية.

– [11] يوري لوتمان، قضايا علم الجمال السينمائي: مدخل إلى سيميائية الفيلم، ترجمة: نبيل الدبس، دمشق سوريا، النادي السينمائي بدمشق، 1989. ص: 39.

– [12] نفسه. ص: 67.

– [13] نفسه. ص: 77.

– [14] نفسه. ص: 77.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى