يقول ميلان كونديرا في روايته «كائن لا تحتمل خفته»، واصفًا ما يراود باطن الإنسان من أفكار وما يخالجه من مشاعر حين يقف شاهدًا على مشهد إنساني بسيط ويذرف دموعًا في سبيله:
”الدمعة الأولى تقول: ما أجمل رؤية الأطفال يركضون فوق العشب. والدمعة الثانية تقول: ما أجمل أن أتأثر أنا أيضًا، مع البشرية كلها، برؤية الأطفال يركضون فوق العشب. إن الدمعة الثانية هي التي تجعل الكيتش كيتشًا” [1].
وقد قدم كونديرا بذلك تعريفًا متجددًا وعصريًا لماهية الكيتش؛ إذ يمتد عنده إلى ما وراء الابتذال والسطحية والادعاء والاستهلاكية، ليصل إلى تعريف إنساني ينص بشكل ساخر وصريح على أن الإنسان وردود أفعاله سجينان ورهينان لما تقتضيه ردة فعل الأغلبية التي ينتمي إليها؛ أي إن شعوره يرتبط بحكم ما تقتضيه العادة والجماعة.
إلا أن هذا التعريف —على عمقه— لا يزال يحمل في طياته قابلية للتمدد إلى ما هو أبعد وأعمق. فماذا لو لم يكن الكيتش أن نشعر بما يشعر به الآخرون فحسب، بل أن نقرر أولًا من نريد أن نكون، ثم نعيش حياتنا وفق الصورة التي صنعناها عن أنفسنا؟
الدمعة الثالثة
نحن كما يقول بول فاليري: «محبوسون خارج ذواتنا» [2]. ولو نظرنا عميقًا في باطن الإنسان ودققنا في نفسه ودواعيها، يمكننا أن نلتمس وجود «دمعة ثالثة» في رد فعله؛ دمعة تقول: “لا بد لي أن أبكي وأنا أرى الأطفال يركضون على العشب لأنني شخص مرهف الإحساس”، أو “لا بد لي ألا أبكي وأنا أرى الأطفال يركضون على العشب لأنني شخص عديم الإحساس”.
أي إن «الكيتش الجديد» هو أن يختار الإنسان صورة لما يريد أن يكونه، ثم يعيش حياته في سبيل تحقيق تلك الصورة، بدلًا من أن يدع كينونته تنكشف من الداخل، وبدلًا من أن يدع تجربة الذات تسبق تصوراته المسبقة ورؤاه الحالمة عنها. وإن صح هذا التعريف، فلماذا يقع فيه الإنسان من الأساس؟
حين تصبح الهوية قفصًا
في ظل عصر الآلة والحداثة، حيث بدأ البرزخ الفاصل بين الناس بالاضمحلال، وحيث أخذت وجهات النظر تتداخل و تتمازج ويذوب بعضها في الآخر، لم يعد الإنسان يبحث عن ذاته بقدر ما يراقب المخزون اللامتناهي من «الذوات الجاهزة». فسرعان ما يشعر أنه منجذب إليها، فيقرر أنه يريدها، ثم يستعيرها لأنها في ظنه تمثله وتجسده وترفع من شأنه، فيتخذها هوية دائمة له، ويتبنى أحكامها وينظر إلى الأمور من عدستها. وهكذا يقرر بين ليلة وضحاها أنه سيكون «القارئ المثقف»، أو «المتفوق الذي لا يغلبه أحد»، أو «المنعزل الذي لا يفهمه أحد».. رغم أنه في حقيقة الأمر قد يكون خليطًا من هؤلاء جميعًا، أو —في أحيان كثيرة— لا أحد من هؤلاء.
إلا أن هذه الشخصيات الثابتة تمنحه راحة مؤقتة وهدوءًا زائفًا واستقرارًا كاذبًا، فيستند إليها ويرسو عليها لأنها مترجمة ومعنونة لدى المجتمع، مؤطرة متأصلة فيه، و مفهومة ومقبولة عند أبنائه؛ فيؤثرها على أن يخوض غمار المجهول، وعلى أن يواجه مأساة كونه شخصًا ذا ملامح ضبابية غير واضحة المعالم؛ أي أن يواجه حقيقة كونه شخصية غير محسومة بعد، وقد لا يُحسم أمرها في يوم من الأيام.
وسواء أكان تساؤل الإنسان عن ذاته صريحًا أم ضمنيًا، شعوريًا أم لا شعوريًا، فلا بد أن يثور في نفسه ذلك السؤال الباحث عن اليقين، فيستحيل كـ«النادل» الذي ضرب به سارتر مثالًا في كتابه «الوجود والعدم» والذي يمثل مفهوم “سوء النية” (Mauvaise foi) [3]. فهذا النادل يبالغ في أداء دوره، وسرعة حركته، ورشاقة حضوره؛ وكل ذلك كي لا يبدو وكأنه إنسان اختار أن يعمل نادلًا، بل نادل بطبيعته وفطرته، وحين يقتنع بهذا، يغدو أسيرًا للدور الذي اختاره حتى مماته.
وقد ينتهي المطاف بالكيتشي بأن يعلق في حلقة مفرغة، فيقرأ ويتأثر بما يعزز فكرته عن نفسه فحسب؛ فلا يرى كل ما تقع عليه عيناه، ولا يسمع كل ما يطرق أذنيه، وإنما يرى ما يحلو له أن يراه، ويسمع ما يروق له أن يسمعه. وهنا تحديدًا لا تعود المشكلة مشكلة أداء مسرحي للجمهور وادعاء الإنسان بما هو ليس عليه، بل في إيمانه التام وتصديقه وتسليمه بأنه من يظن أنه عليه. ولعل هذا الامتداد الوجودي يفسر لنا المعنى الذي التصق بالكيتش منذ نشأته.
حين يبتذل الوجودُ الفنَّ
إن عدنا إلى أصل كلمة «الكيتش» وتعريفها السائد في المعاجم، نجد أنها كلمة المانية تعني إعادة تدوير الأعمال الفنية العظيمة بشكل مبتذل ورديء؛ كطباعة لوحات «دا فينشي» و«فان غوخ» بعشوائية واستهلاكية لأغراض تجارية، أو كاجتثاث النصوص الأدبية من سياقها الأصيل وحشرها على شكل اقتباسات جماهيرية.
إلا أن هذه العوارض بأكملها قد تكون النتيجة المحتمة لسلوك «الإنسان الكيتشي» بتعريفنا الجديد؛ فمن الطبيعي أن الذي يتقمص شخصية دون أن يهضم حقيقتها، ويمشي إليها من غير طريقها، ويلجها من غير بابها، لن يصل إلى جوهرها بالعمق نفسه الذي يصل به إنسانٌ مر بالمعاناة والألم، والتفكير والتشكيك، والبناء والتقويض. وإن هذا التقمص لا يؤدي بنا إلا إلى حلقة تُفضي إلى مكتبات مكتظة بقرّاء لا يقرأون، وشوارع تزدحم بالسائلين والمستعجلين، وأعمال حائرة تنتقل من يد إلى يد، وترحل من بلد إلى بلد دون أي أصالة أو إضافة. ولكن، هل أخذ موقف من الكيتش أمر بهذه البساطة؟
فخ الأصالة
يرى أرسطو أن الفضيلة التي تُولد من مراقبة الإنسان لنفسه وهو يؤديها ليست بفضيلة حقيقية، بل ينبغي لها أن تغدو هيئة راسخة في أفعاله عبر الاعتياد [4]. وكما يقول الشيخ علي فكري:
«ولا تكون الأفعال خلقًا للإنسان إلا إذا كانت صادرة لا عن تكلف، ولا عن إجهاد نفس، ولا عن تفكير؛ فالأعمال التي يحتاج فاعلها إلى إكراه نفسه عليها لا تُعد من خلقه، لأنها ليست سجية له ولا طبعًا» [5].
غير أن الإنسان الذي اتخذ موقفًا صارمًا من الكيتش يعيش على النقيض من ذلك؛ إذ يراقب نفسه من الخارج مراقبة لا تنتهي، فيغدو كل فعل اختبارًا لمدى اختلافه وأصالته في هويته المختارة مقارنة بالإنسان الكيتشي الذي تبناها للتو. وهكذا تتحول الأفعال إلى وسائل لحماية الهوية المتخيلة، لا استجابات حية للوجود، ولا ردود أفعال تصرخ بحقيقة الإنسان. وتفقد التجربة شيئًا فشيئًا عفويتها وبراءتها، وتختلط مياه الحقيقة بالوهم، والأصل بالزيف، فتنساب هويته من بين يديه دون أن يدري.
فينزوي على ذاته، ويسجنها بين قضبان إبداعه، ليس لأنه يخاف من أن يُرى، بل من خوفه ألا يُرى كما يريد أن يُرى، وألا يُفهم كما يريد أن يُفهم، وألا يستقبل فنه من الجمهور كما تستقبله نفسه. فيغدو كل ما له من عمل، وكل ما له من شعور، وكل ما له من فكر، يتوجه نحو ذاته ويقف عندها. وهو بهذا —حتى وإن سلك سلوكًا معاديًا للكيتش— قد يصبح كيتشيًا من طراز آخر، ويكتسب طابعًا متحجرًا يصعب التعاطي معه. فإن كان كل من الكيتش ونقيضه قد يتحولان إلى قيد، فهل ثمة سبيل ثالث؟
براءة لم تُلقَّن
قد يكون «حي بن يقظان» في رواية ابن طفيل أنموذجًا مثاليًا للإنسان الوحيد الذي لم يسلك مسار الكيتش في حياته [6]؛ فهو الذي اختبر الوجود على جزيرة لأول مرة، واكتشف معاني الموت والحياة، والوجود والعدم، والرب والإيمان، من خلال المراقبة والملاحظة العفوية. لم تُقدَّم له هوية على طبق من ذهب بل صنعها بنفسه، ولم يُلقَّن معاني الأمور وأسماءها بل استخلصها وسمّاها بذاته.
وبهذا نجد أن الخلاص من مسلك الكيتش ومضاده ممكنٌ إن عاش الإنسان ببراءة «حي بن يقظان» الوجودية؛ أي أن يفكر ويستكشف بنفسه، دون السماح لتلك القوالب والآراء والأفكار المبعثرة بتلطيخ رؤيته الخاصة. وكما يقول فيودور دوستويفسكي على لسان شخصيته «رازوميخين»:
«أحب أن يخطئ الإنسان؛ إن هذا هو امتياز الإنسان الوحيد على سائر الأحياء، وبهذه الطريقة يصل الناس إلى الحقيقة. أنا إنسان، وأنا إنسان لأنني أخطئ وأمتص الخبرات والتجارب من الحياة؛ ولعل الخطأ الأصيل خيرٌ من حقيقة تافهة؛ من الممكن دائمًا استعادة الحقيقة، لكن الحياة حين تنتهي، تكون قد دُفنت للأبد» [7].
وفي الختام، إن الإنسان الكيتشي هو الذي يملك هوية واضحة، لكنها هوية تكونت عن رهبة لا عن رغبة؛ فيهرب من كل تبعة، ولا يقتحم الحياة بل ينتظر القدر، ولا يزاحم بل ينتظر الحظ. وإن سنحت له فرصة متعبة لاكتشاف ماهيته، تنحى عنها إلى شيء مريح، فيعدو دائمًا وراء ذاته دون أن ينشدها حتى يفارق الحياة دون أن يعيشها.
فالمأساة الحقيقية هنا ليست في أن نخطئ في معرفة ذواتنا، بل في أن نعيش كأناس آخرين، ونتبنى نوازعهم ورغباتهم، عُقَدهم وصراعاتهم، دون أن نعرف من نحن وماذا كان ينبغي لنا أن نكون.
الهوامش والمصادر
[1] ميلان كونديرا. كائن لا تحتمل خفته. ترجمة: ماري طوق، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/بيروت، الجزء السادس: “الكيتش العظيم”.
[2] بول فاليري. دفاتر بول فاليري (Cahiers)، شذرات وتأملات في الوعي والذات الإنسانية.
[3] جان بول سارتر. الوجود والعدم: بحث في الأنطولوجيا الفينومينولوجية. ترجمة: عبد الرحمن بدوي، دار الآداب، بيروت (فصل: “سوء النية” / تحليل سلوك نادل المقهى).
[4] أرسطو. علم الأخلاق إلى نيقوماخوس. ترجمة: أحمد لطفي السيد، الكتاب الثاني (في نشوء الفضائل الأخلاقية بالاعتياد ورسوخ الملكة).
[5] علي فكري. علم الأخلاق. دار الكتب المصرية، مقال: “علم الأخلاق وتعريف الفضائل والطبائع”.
[6] ابن طفيل. رسالة حي بن يقظان. تحقيق وفحص د. ألبير نصري نادر، دار المشرق، بيروت.
[7] فيودور دوستويفسكي. الجريمة والعقاب. ترجمة: سامي الدروبي، المجلد الأول، الجزء الثالث (حوار شخصية «رازوميخين» حول امتياز الخطأ الإنساني في مقابل الحقيقة الجاهزة).
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




