وصلني ذات مساء، بطريق عابر، ما قاله شخص عن موقف قديم صدر مني. لم يكن تفسيره صحيحًا، ووجدت أن بإمكاني توضيح الأمر بسهولة. فتحت الجوال وشرعت في الكتابة. وبعد سطور قليلة توقفت. شعرت أنني على وشك الدخول مرة أخرى في موقف انتهى منذ زمن، فقط لأن رواية أخرى عنه وصلتني متأخرة. محوت ما كتبت وتركت جوالي. بقي الرجل على فهمه، ومضى المساء كما كان. لا شيء تغير!
ربما تعرف هذه اللحظة. تسمع أن أحدهم فهم كلامك على غير ما أردت، فتبدأ فورًا في إعداد النسخة الصحيحة من الحكاية. تستعيد ما حدث، وتفكر فيما غاب عنه، ثم تبحث عن الكلمات التي تضع كل شيء في موضعه. والغريب أن الأمر قد يتعلق بشخص لا يشغل مساحة حقيقية من حياتك، ومع ذلك تنجح فكرته عنك في استدعائك إليها.
نحن نفعل ذلك أكثر مما نتصور. نلحق بأقوالنا كي نشرحها، ونعود إلى مواقف انقضت لأننا لا نريد لها أن تبقى معلقة على معنى لا يرضينا. كأن كل سوء فهم يفتح ملفًا جديدًا يحتاج إلى إغلاق. ومع كثرة الملفات تتحول الحياة إلى عمل متواصل في تصحيح ما يظنه الآخرون.
لكن شيئًا يتغير حين نقرر، مرة واحدة، ألا نفعل. تعرف بالضبط ما الذي يمكنك قوله. تكون الحجة جاهزة، وتعرف أين وقع الخطأ، ومع ذلك تترك الأمر. في هذا الامتناع مقاومة من نوع خاص. فأنت لا تواجه الشخص الآخر هذه المرة، وإنما تواجه تلك القوة داخلك التي تدفعك إلى تصحيح كل رواية تصل إليك.
الوضع الصامت يبدأ من هنا. أن تعرف أن كلامًا ما قيل، ثم ترفض أن تمنحه دورة جديدة من الحياة. ففي كثير من الأحيان تكون أفضل طريقة لإنهاء شيء هي أن نمتنع عن مواصلته.
ثمة أفكار عنك لن تتغير مهما حاولت. أصحابها لم يصلوا إليها بعد بحث طويل في الوقائع، لذلك لن تغادرهم بمجرد تقديم وقائع أخرى. بعض الانطباعات تستقر لأنها توافق استعدادًا قديمًا عند صاحبها. يسمع منك ما يؤكدها، ويتجاوز بسهولة ما يربكها. وبعد وقت يصبح شرحك نفسه جزءًا من المادة التي يستخدمها كي يبقي فكرته قائمة.
لهذا يبدو بعض الدفاع عن النفس غريبًا بعد أن نراه من الخارج. شخص كوّن عنك حكمًا في دقائق، ثم تقضي أنت ساعات في محاولة تفكيكه. هو يمضي إلى شأنه، بينما تبقى أنت في الواقعة. تعيدها في رأسك وتمنحها مزيدًا من وقتك. عندها يصبح السؤال الحقيقي متعلقًا بما يحدث لك أنت: كم من حياتك تريد أن تنفقه في ملاحقة أفكار الآخرين عنك؟
يمكن تسمية ذلك «اقتصاد التبرير». لدينا طاقة محدودة، ومع ذلك نهدر جزءًا منها في محاكم صغيرة تنعقد في أماكن لا نعرفها. يدافع المرء عن نفسه أمام شخص، ثم يسمع رواية أخرى فيبدأ من جديد. ولو فتح هذا الباب بالكامل فلن يجد له نهاية، لأن عدد الصور التي تتكون عنا أكبر من قدرتنا على الوصول إليها.
ومع الوقت قد يكتشف الإنسان أن كثيرًا من هذه المعارك لم يكن يستحق أن يبدأ أصلًا. فكر في رأي أزعجك قبل سنوات. ربما لا تتذكره الآن بدقة. وربما خرج صاحبه من حياتك تمامًا. ومع ذلك كان الوقت الذي منحته للأمر حقيقيًا، وكان القلق حقيقيًا أيضًا. الرأي تلاشى، وبقي حقيقة أن الوقت الذي أنفق في مقاومته قد خسرته بالفعل.
لهذا يحمل الصمت هنا شيئًا من استرداد الحياة. نحن نسحب انتباهنا من مكان لا يستحقه. نترك للناس ما استقر لديهم، ونواصل طريقنا من غير أن نجعل كل فهم ناقص مشروعًا شخصيًا للتصحيح. ثمة قدر من القوة نشعر به حين نكتشف أن العالم يستطيع أن يحمل أفكارًا خاطئة عنا من دون أن تنهار حياتنا تحت وطأتها.
وقد يكون الأمر أصعب مع الذين عرفونا يومًا ثم ثبتونا داخل صورة قديمة. أنت تتغير، بينما تظل نسختك عندهم في مكانها. يقابلونك من خلالها، ويفسرون الجديد بما يناسب القديم. في وقت سابق ربما كنت ستبذل جهدًا كي تثبت أنك تجاوزت تلك الصورة. ثم يأتي وقت تدرك فيه أن بعض الناس سيظلون يتحدثون إلى شخص لم تعده، وأن تصحيح ذلك ليس عملًا يتوجب عليك حمله إلى الأبد.
الصمت عندها يكتسب معنى المقاومة فعلًا. مقاومة الإغراء الذي يجعلنا نرد على كل شيء. ومقاومة استنزاف الوقت في الشرح. وقد يكون أقوى رد على بعض الأحكام أن تتركها بلا رد، حتى تفقد قدرتها على استدراجك إلى داخلها.
هذا لا يعفي الإنسان من مواجهة ما فعله حين يتعلق الأمر بحق أو أذى. فثمة مواقف يصبح فيها التبرير والاعتذار جزءًا من المسؤولية. غير أن مساحة واسعة من حياتنا تقع خارج ذلك كله. هناك آراء لا تترتب عليها سوى رغبتنا في تصحيحها. وهنا يصبح الصمت ممكنًا، وربما يصبح أكثر حفاظًا على النفس من أي تفسير.
مع مرور الوقت تضيق الدائرة التي يستحق رأيها أن يصل إلى دواخلنا، فلا يبقى منها سوى من نحب. أما بقية الأصوات فيمكن أن تمر من حولنا دون ان نلقي لها بالًا. فنحن لا نحتاج إلى أن نكون مفهومين في كل مكان كي نعيش بسلام مع أنفسنا.
ربما تصل يومًا إلى هذه الدرجة من الهدوء. سيخبرك أحدهم بما قيل عنك. ستعرف أن الرواية ناقصة، وربما تكون ظالمة. سيخطر لك الرد، وقد تصوغ أول جملة منه في رأسك. ثم ستجد أن المسألة لا تستحق منك كل هذا. ستتركها هناك، حيث نشأت، وتعود إلى ما كنت تفعله.
عندها يأخذ «وضع الصامت» معناه الكامل. فالصمت لا يعني أن الكلمات نفدت، وإنما أن بعض الأشياء فقدت قدرتها على إلزامنا بالكلام.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




