حاوره: طامي السميري
ما بين دفء السرد العائلي في رواية «أغنية التمر والتين»، وتفرّد محيميد، بطل الرواية، في تحمّل دفّة السرد، يأخذ الروائي عبد الله الحواس قارئه إلى أوجاع الحكاية التي رُويت بمشهديةٍ مُحرِّضة على تأمّل العلاقة المتدرجة في التحول الاجتماعي بين المكان في تشكّلاته والإنسان في مصائره. وفي هذا الحوار نقترب من رؤى مؤلف الرواية ونتأمل اشتغالاته في هذا العمل الصادر حديثًا عن دار الآداب.
- في الروايات التي يغلب عليها الطابع السردي التوثيقي لفترة زمنية من تاريخ المجتمع السعودي، ينشغل القارئ غالبًا بمساءلة الحالة التاريخية لتلك الفترة زمانيًا ومكانيًا، على حساب الجانب الفني: ماذا كُتب، وكيف كُتب، وكيف قُدِّمت الحكاية عبر الشخصيات والأحداث. وبما أن رواية «أغنية التمر والتين» توثق لمرحلة اجتماعية، كيف كان هاجسك السردي في تحقيق التوازن بين البعدين: التاريخي والفني؟
كان هاجسي ألا أكتب التاريخ بوصفه مادة أرشيفية، بل بوصفه خبرة معاشة داخل وعي شخصياتي. لم أرد أن أُثبت وقائع، بل أن أستعيد إحساسًا بزمنٍ يتشكّل ويتحوّل. لذلك كان التوازن بالنسبة لي قائمًا على مبدأ بسيط: التاريخ خلفية، والسرد هو الجوهر. كل حدث تاريخي لا يمر عبر الجسد والذاكرة والانفعال لا يستحق أن يبقى في النص. الفن هنا ليس تجميلًا للتاريخ، بل إعادة تشكيله إنسانيًا. فإن كانت روايتي أغنية فكلماتها كانت من عمق الشخصيات، وموسيقاها الخلفية كانت من وقائع التاريخ.
- يُعد الفصل الأول مدخلًا فنيًا لافتًا، يبدأ فيه الراوي من منطقة معتمة قبل أن يتدرج نحو الضوء، في بناء يحمل نفحة فنتازية واضحة. لكن القارئ يلمس لاحقًا تحولًا في نبرة السرد وأسلوبه في الفصول التالية. كيف تنظر إلى هذا التحول؟
أليس هذا هو واقع الأمر؟ أنا وأنت وجميع البشر أتينا من منطقة معتمة لا نكاد نستذكر كنهها مهما حاولنا! ثم ما نلبث بأن نبني حياتنا من خيوط الواقع المعتادة. فالتحول في النبرة هنا مقصود. الفصل الأول أقرب إلى عتبة شعورية، يبدأ من العتمة لأن الوعي نفسه يبدأ هناك. النفحة الفنتازية ليست هروبًا من الواقع، بل طريقة لملامسة منطقة ما قبل اللغة. ومع تقدّم الفصول يخفّ هذا البعد لأن الشخصية تخرج من دهشتها الأولى إلى احتكاك أكثر صلابة بالواقع. التحول إذًا ليس انقطاعًا، بل انتقال من الهاجس إلى المواجهة.
- في هذا النوع من الروايات العائلية تتأكد أهمية تعدد الأصوات السردية، غير أن الرواية راهنت على صوت واحد هو «محيميد». ما الرهان الفني الذي دفعك إلى إسناد عبء الحكاية إلى هذه الشخصية تحديدًا؟
كان هنالك تعدد للأصوات بشكل متفاوت مع شخصيات مختلفة حسب الأحداث، مثل صويلحة ومرزوق. لكن معظم الصوت السردي كان لمحيميد ، مما جعلته رهانًا على المحدودية. كنت أبحث عن راوٍ لا يرى كل شيء، ولا يفهم كل شيء، لكن يشعر بكل شيء. تعدد الأصوات يمنح اتساعًا، لكن الصوت الواحد يمنح كثافة. أردت أن تكون الحكاية محكومة بوعي طفل يتشكل، لا بوعي مؤلف يفسر. محيميد ليس مجرد وسيط، بل هو المعنى نفسه وهو يتلعثم في النطق والفهم معًا.
- تبدو شخصية «صالحة» ذات موقع وسيط يتيح لها مراقبة ما يجري داخل العائلة، ومع ذلك جاء حضورها السردي أقل توهجًا مما يوحي به موقعها. كيف تقرأ أنت مساحة هذه الشخصية داخل البناء الروائي؟
صالحة شخصية وسيطة فعلًا، لكنها تنتمي إلى منطقة الصمت. حضورها الأقل توهجًا ليس تقليصًا لقيمتها، بل انعكاس لطبيعة موقعها داخل العائلة: ترى أكثر مما تقول. أحيانًا يكون الخفوت خيارًا فنيًا يمنح الشخصية عمقًا غير مباشر، بدل أن يضعها في مركز الضوء السردي. ومع ذلك كانت هي حجر الزواية التي جعلت حياة محيميد تتداعى.
- كثير من القراء قد يتوقفون عند هذا السؤال: هل كان محيميد أطرم فعلًا، أم أن الأمر يتجاوز البعد الجسدي؟ كيف تستقبل هذا النوع من القراءة؟
سؤال «أطرم أم لا؟» يعجبني لأنه يتجاوز الجسد. العطب في الرواية ليس جسديًا فقط، بل رمزي. التلعثم هنا يمكن قراءته كعجز عن الاعتراف، عن الحب، عن مواجهة سلطة العائلة. إذا اكتفى القارئ بالبعد الجسدي فقد قرأ مستوى واحدًا فقط من النص. لذا فليستمر القراء في التساؤل، فهذا هو لبّّ القراءة.
- تظهر عائلة فوزي في الدمام بوصفها عائلة أرستقراطية ذات نمط معيش غربي، بينما يخف هذا الأثر عندما تنتقل إلى الهفوف. ما الدلالة السردية التي أردتَ الاشتغال عليها من خلال هذا التباين المكاني-الاجتماعي؟
التباين بين الدمام والهفوف اشتغال على المكان بوصفه مُشكِّلًا للهوية. في الدمام يظهر أثر الحداثة والاحتكاك الخارجي، بينما في الهفوف يعود الثقل إلى البنية التقليدية. هذا الانتقال يكشف هشاشة المظاهر؛ فالنمط الغربي ليس بالضرورة تحوّلًا داخليًا. أردت أن أختبر كيف يتبدل السلوك بتبدل الجغرافيا، لا بالضرورة القيم العميقة. ومن جانب آخر، تُعد الأحساء مدينة قديمة توالت عليها حضارات مختلفة، أما الدمام فتُعد مدينة حديثة نسبياً كانت تحاول رسم هويتها مع النهضة الصناعية.
- إذا بدت شخصية فوزي مكتملة فنيًا رغم محدودية حضورها، فإن شخصية شقيقه غازي جاءت أكثر خفوتًا برغم أهمية دورها. هل كان ذلك خيارًا سرديًا مقصودًا؟ وإلى أي حد أسهم سطوع شخصية الجد في تقليص مساحة غازي داخل النص؟
نعم، كان خيارًا مقصودًا. فوزي شخصية تترك أثرًا رغم قصر حضورها لأنها تمثل إمكانية أخرى للحياة، الحياة التي كان يتمناها محيميد من كل قلبه. أما غازي فحضوره الخافت جزء من بنائه؛ هو شخصية تعيش في ظل الأب وشبح زوجته الراحلة. سطوع الجد لم يكن عرضيًا، بل كان ضرورة لإبراز مركز السلطة داخل العائلة، وهذا بطبيعة الحال يقلص مساحة الآخرين ويعكس واقعاً حقيقياً عاشه البيت الأحسائي.
- تلامس الرواية في بعض مفاصلها أحداثًا تاريخية مهمة مثل إلغاء الرق ومشروع الري والصرف في الأحساء. وهي موضوعات ذات ثقل تاريخي واضح، لكنها حضرت في النص بلمحات سريعة نسبيًا. كيف تنظر إلى هذا الحضور العابر؟
لا أعتقد أن حضورهما كان عابراً، فجزء كبير من الرواية كان قائماً على معاناة مرزوق وانصهار صويلحة من الأمر نفسه، حتى أتى أمر إلغاء الرق ختاماً وإجابة لهذه المعاناة والتساؤلات. أما موضوع الري والصرف فكان مخرجاً لمحيميد بالذي كان يبحث عن إثبات وجوده، ثم تغير حياة ابن عمه راغب بسبب هذا المشروع ناهيك عن الانعكاس المجتمعي الذي ذُكر في ثنايا الأحداث بسبب هذا الحدث التاريخي. لكنني لم أرد أن تتحول الرواية إلى منصة تفسيرية. حضور الموضوعين في خلفية السرد يعكس طبيعتها داخل وعي الشخصيات. هي أحداث كبرى، لكنها تمر في الحياة اليومية بوصفها تحولات تدريجية. الرواية تلتقط الأثر لا الحدث نفسه.
- في عدد من الروايات السعودية التي تناولت حضور الشركات الأجنبية بوصفها علامة من علامات التحول الاجتماعي، يبرز حضور المرأة الأجنبية أكثر من الرجل الأجنبي. وفي روايتك نلمس هذا الميل أيضًا. في تصورك، ما الذي يجعل المخيلة الروائية السعودية تميل إلى هذا التمثيل تحديدًا؟
بدأ هذا الحضور في الرواية مع السيد “رودولف” رئيس العمال قبل أن يأتي ذكر ابنته “أنكلينكا“. على أية حال، أعتقد أن حضور المرأة الأجنبية في المخيلة الروائية يرتبط بفكرة الاختلاف الجاذب. المرأة غالبًا تُحمَّل رمزيًا بمعاني التحول والرغبة والصدمة الثقافية. ليس الأمر انحيازًا واعيًا، بل نتاج تمثلات اجتماعية ترى في الجسد الأنثوي مساحة لتجسيد الصراع الحضاري.
- نهاية محيميد. كيف يمكن تصنيفها سرديًا؟ وهل يمكن قراءتها بوصفها نتيجة خيبة عاطفية بعد رفض زواجه من ابنة عمه، أم بوصفها ذروة إنهاك مرتبط بمعاناته مع النطق؟
نهاية محيميد يمكن قراءتها بوصفها ذروة إنهاك. الخيبة العاطفية جزء من المسار، لكنها ليست التفسير الوحيد. ما يحدث له هو تراكم عزلات صغيرة: عزلة النطق، عزلة الاعتراف، عزلة الحب. النهاية ليست حدثًا منفصلًا، بل نتيجة مسار طويل من الاختناق الداخلي.
- في نبذة دار النشر قُدِّمت الرواية بوصفها: «ليست سيرة صبيٍّ فقط، بل سيرة حقبة تاريخية عن مدينة سُمّيت يومًا أرض الحضارات، وهي أيضًا سيرة هشاشة الهوية حين تتشكل في بيت مزدحم بالوجوه وفارغ من الاعتراف». بينما تبدو لي الرواية أقرب إلى سيرة عائلة ضمن مرحلة زمنية محددة. أنت كروائي، أين تقف بين هاتين القراءتين؟
بين توصيف الدار وقراءتك أجد نفسي في منطقة وسطى. الرواية سيرة صبي، نعم، لكنها لا تتوقف عند فرديته. وهي سيرة عائلة، لكنها أيضًا مرآة لمرحلة. بالنسبة لي كانت محاولة لفهم كيف تتشكل الهوية في بيت مزدحم بالأسماء لكنه فقير في الاعتراف الفردي ضمن سياق مجتمعي يسير في التيّار آنذاك.
- «أغنية التمر والتين» عنوان لافت، لا سيما أن العنوان في هذا النوع من الروايات كثيرًا ما يُستمد من صميم الحكاية بوصفه دلالة مكانية أو اجتماعية. فإلى أي حد يتماهى عنوان روايتك مع تفاصيل المكان وبنية الحكاية؟
عنوان «أغنية التمر والتين» ليس مجرد إحالة مكانية. التمر والتين رمزان لخصب ظاهر، لكن الأغنية توحي بشيء هشّ وعابر. العنوان يتماهى مع المكان، لكنه أيضًا يفتح باب التأويل: ما الذي يُغنّى؟ ولمن؟ وهل الأغنية احتفاء أم مرثية؟ أردته عنوانًا يحمل طعم الأرض وصوت الفقد في آن واحد. واسمح لي هنا أن أنقل تحليل الناقدة دلال الخالدي التي ذكرته في مقالها في صحيفة الجزيرة:
“ويكتسب عنوان الرواية دلالته السيمائية من هذا التوازي بين الذات والمكان. فنجد التمر والتين لا يحضران بوصفهما مفردتين بيئيتين فقط إنما كعلامتين رمزيتين تحكمان حركة الشخصيات داخل النص. فنجد التمر مرتبطا بالنخلة يجسد الثبات، والجذور، والصبر الطويل، وهو ما ينعكس في شخصيات ظلَّت أسيرة أدوارها الاجتماعية، وفي محيميد نفسه، الذي بقي ثابتاً في موقعه، محاصَراً بالصمت، ينتظر دون قدرة على التغيير. في المقابل نجد التين الفاكهة الموسمية تجسد التحول في المشاعر والعلاقات العاطفية، والعلاقات التي تتغيَّر حدتها وملامحها مع الزمن، كما لو أن بعض الشخصيات تعيش وفق إيقاع الانفعال لا الاستمرار“!
- وأنت تمثل جيلًا شابًا من الروائيين السعوديين، ما الذي دفعك إلى العودة لكتابة زمن اجتماعي سابق بدل الاشتغال على اللحظة الراهنة؟ ولماذا برأيك يميل عدد من الروائيين الشباب إلى استعادة الماضي أكثر من مواجهة الحاضر روائيًا؟
العودة إلى زمن سابق ليست حنينًا، بل محاولة لفهم الحاضر عبر جذوره. اللحظة الراهنة ما تزال ساخنة ومباشرة، بينما الماضي يمنح مسافة للتأمل. كثير من الروائيين الشباب يعودون إلى الماضي لأنهم يبحثون عن نقطة تشكل الهوية قبل أن تتعقد طبقاتها المعاصرة، كما أن الجيل الجديد يحتاج لمعرفة ماضيه كي يبني مستقبله.




