خطَّ ويليام جيمس، أحد أبرز مؤسسي البراغماتية، مقالته الشهيرة «هل يوجد وعي؟» عام ١٩٠٤م، ناقضا فيها فكرة فلسفية تدور حول الوعي، وما إذا كان كيانا قائما ومستقلا بذاته، أو مادة مخصوصة تلابس الأشياء لتغدو معلومة لنا. جيمس لا ينكر وجود الأفكار، بل يقر بوجودها، ولكنه ينقل سؤالا بديلا من ماهية الوعي؟ إلى هل يلزم من وجود الفكر أن تصاحبه فكرة وجود جوهر آخر يطلق عليه الوعي؟
ألف الفكر الإنساني أن يضع حدا فاصلا بين ما هو فكري، يتمثل وجوده في الذهن، وما هو من الموجودات المادية في عالمنا الخارجي، ومن هذا التمايز حملت الفلسفة الثنائيات مثل: الروح والمادة، والنفس والجسد، والموضوع والذات. أخذ هذا الاتجاه الثنائي يتضعضع بظهور كانط وبروز مصطلح «الأنا المتعالية»، غير أنه لم يتلاش تماما، بل بدا أكثر تجريدا؛ فبعد أن كان الوعي جوهرا قائما بذاته تقلص حتى لم يبق منه سوى علاقة تجعل المحتوى حاضرا لذات تعيه (bewusstheit)، أو شرط عام يجعل المعرفة الموضوعية ممكنة من غير أن ينتمي إلى ذات فردية بعينها (bewusstesin uberhaupt)، وعند هذا الحد يغدو الوعي شفافا محضا؛ لذا تغيرت صورة الوعي بين المدارس الفلسفية، فأصحاب المذهب العقلاني أعلوا من شأنه، بينما أصحاب التجريبية قللوا من شأنه.
يرى ويليام جيمس حين انتهى بالوعي إلى هذا التجريد، وغدا اسما لشيء لا كيان مستقل له، دعا إلى طرح الوعي بصفته جوهرا مع استبقاء ما تؤديه الكلمة من وظيفة. تلك الوظيفة هي المعرفة، والمعرفة لا حاجة بها إلى جوهر ذهني مستقل، إنما يستبان وجهها من داخل الخبرة ذاتها، حين تنتظم أجزاء «الخبرة الخالصة»Pure Experience – كما يطلق عليها ويليام جيمس- في علائق مخصوصة بعضها ببعض، فيؤدي طرف من العلاقة وظيفة العارف ((knower -أي ما يعرف- والآخر وظيفة المعلوم (the object known) -أي ما تتجه إليه المعرفة-. والفرق بين العارف والمعلوم لا يقوم على اختلاف جوهرين، أحدهما ذهني والآخر مادي، بل على المباينة بين العلاقة والوظيفة التي يؤديها كل طرف داخل الخبرة.
وبمقتضى ذلك استعاض ويليام جيمس ثنائية الوعي والموضوع بتصور قائم على «الخبرة الخالصة» Pure Experience، بمعنى أن القطعة الواحدة من الخبرة لا تنقسم في أصلها إلى ذهني أو مادي، وإنما تكتسب أحد هذين الوصفين بحسب العلاقات التي تدخل فيها؛ فالمعرفة ليست ضوءا يسقطه الوعي على الشيء، ولا رابطة يعقدها جوهر نفسي بينها وبين الذات، بل علاقة تتحقق في صلب الخبرة. ولتبيان نظرته، ضرب ويليام جيمس مثلا في هذا الشأن؛ إذ طلب من القارئ أن ينظر إلى الغرفة التي يجلس فيها. في اللحظة الأولى والمباشرة، أو المعطى الأول، الغرفة ليست شيئين: «غرفة مادية» في الخارج و«صورة ذهنية» في الداخل، بل هي خبرة واحدة بعينها، ثم تنتظم الخبرة الواحدة في سياقين مختلفين: إن أخذت الخبرة بوصفها جانبا من تاريخ المنزل وتأثيثه وموقعه، كان السياق ماديا ودخلت في سياق الشيء المدرك المعلوم، أما إذا أخذت ضمن إحساسات المرء وذكرياته وقراراته، كان السياق ذهنيا وأدت الخبرة وظيفة العارف. فالاختلاف لا يعود إلى انقسام الخبرة إلى مادتين مختلفتين، بل إلى اختلاف شبكة العلاقات التي تدخل فيها الخبرة.
هذا التصور عند ويليام جيمس يرفع بعض ما استعصى قديما من مشكلات الإدراك؛ إذ جرت عادة النظريات التمثيلية على أن تفترض شيئا خارجيا، ثم صورة ذهنية داخلية تمثله، فتضاعف المدرك إلى شيء خارجي وصورة ذهنية عنه. جيمس أبى إلا أن يردم هذه الهوة من البداية؛ فالغرفة المدركة ليست بالضرورة نسخة داخلية تقابل غرفة مجهولة وراءها، وخبرة الغرفة تستطيع أن تنتمي تارة إلى السياق الذهني وإلى السياق الموضوعي تارة أخرى، وبهذا لا يعود الخارج مضطرا إلى إرسال نسخة منه إلى مسرح اسمه الوعي.
واستبق جيمس الاعتراضات التي توقع أن تنال من أطروحته، فعرض لها ومهد لدفعها:
ابتدأها بهذا السؤال، إن كانت الخبرة الخالصة ليست مبنية من مادة ذهنية تسمى الوعي، ولا مؤتلفة من مادة أخرى تقابلها، فمم تتكون؟
نافح جيمس عن أطروحته بالقول إن الخبرة الخالصة ليست مادة ثالثة غامضة، ولا مادة عامة واحدة تقبع وراء الأشياء، إنما «الخبرة الخالصة» هي الواقع قبل أن يقسم إلى ذهني أو مادي وقد عرفها ويليام جيمس بنفسه بأنها «المجال الآني للحاضر هو، في كل حين».
ثانيا: غير أن الجواب بأن الخبرة الخالصة هي الواقع قبل أن يقسم إلى ذهني ومادي أفضى إلى اعتراض أشد وطأة: إذا كانت الخبرة الخالصة يمكن أن تقوم تارة بوظيفة الفكر وتارة أخرى بوظيفة المادة، فلماذا تختلف خصائصهما هذا الاختلاف البين؟ وإن كانت المادة لها امتداد ولون وثقل وصلابة، فالفكر لا يبدو أنه يحمل امتدادا أو لونا، ولا هو صلب أو ثقيل، فأين إذن مكمن هذا الاختلاف؟
هنا طعن ويليام جيمس في الموروث الديكارتي الذي جعل الامتداد الصفة الجوهرية للمادة، والفكر صفة الذهن، وجعل الفكر غير ممتد، ليهدم جيمس فكرة عدم الامتداد للفكر، ضاربا مثالا على ذلك: إن فكرت في مسطرة طولها قدم، فإن الامتداد حاضر في الخبرة الذهنية كما في الخبرة المادية. والتباين هنا يعود إلى أن الأشياء في العالم المادي تحفظ مواضعها ومسافاتها، أي إنها واقعة تحت نظام ثابت نسبيا، أما الذهني فأقل إحكاما وأكثر رخاوة (loose)؛ إذ يمكن من خلال الخيال أن تنقل صورة وتكبر وتصغر من غير أن يترتب على ذلك الآثار المادية ذاتها. ومن خلال ذلك لا يكون الفرق بين الذهني والمادي أن أحدهما ممتد والآخر خال من الامتداد، وإنما يكمن في العلاقات التي تنتظم فيها الامتدادات. ولذلك يقول جيمس إن العالمين «لا يختلفان بحضور الامتداد في أحدهما وغيابه عن الآخر، بل باختلاف علاقات الامتداد في كل منهما». ومثالا لإثبات حجته: النار الحقيقية تحرق ولها آثارها المادية، أما النار الذهنية، فليس لها الأثر المادي ذاته. ويعلل جيمس ذلك، لا بأن الأولى صنعت من مادة «مادية» والأخرى من مادة ذهنية، بل لأن كلا منهما ينتظم في شبكة مختلفة من العلاقات والآثار؛ فالحقيقي مرتبط بنظام سببي ثابت نسبيا، والآخر لا يخضع لذات النسق.
أما الاعتراض الثالث فيحمل صعوبة رد الخبرات إلى الذات أو إلى الموضوع، كالألم والجمال والخير والشر؛ إذ تتردد صفاتها بين الشعور بالشيء -الداخل- والشيء المشعور به -الخارج-. غير أن جيمس وظف هذا اللبس ليكون شاهدا على أن الفصل بين الداخل والخارج ليس معطى أوليا، بل تمايز ينشأ تدريجيا داخل الخبرة بحسب العلاقات التي تنتظم فيها.
أما آخر اعتراض تناوله فهو ما اتصل بالحدس المباشر: يتساءل الناس كيف تنكر الوعي ونحن نستشعره كتيار فكري يسري في بواطننا؟ ألا يدل ذلك على الثنائية، إذ الفكر بيّن من جانب، والشيء بيّن من جانب آخر؟ أليس هذا منطلقا بديهيا لا حاجة إلى برهان عليه؟
رفض جيمس أن يُتخذ الوجدان الباطني دليلا على وجود جوهر مستقل يوسم «بالوعي». فعند تفحصه التيار الفكري في خبرته الباطنية، وجد أن شطرا كبيرا مما يحسه مرده إلى وقائع جسمية محسوسة، تتقدمها حركة التنفس والتوترات والتكيفات العضلية الداخلية، ليقابل عبارة كانط «أنا أفكر» بعبارة «أنا أتنفس». لتبيان أن الإحساس الذي استند إليه الفلاسفة من قبله، كإثبات باطني للوعي ما هو إلا خبرات جسمية محسوسة، لا جوهرا ميتافيزيقيًا مستقلا.
في الختام: الوعي عند جيمس وراديكاليته يعداننا للتأمل حول ما إذا كانت بعض مشكلات وألغاز الوعي عائدة لعلة أن الفلسفة ورثت هذا الانقسام بين الفكر والموجودات، وبدلا من أن تفسر كيف نشأ أصلا هذا الانقسام أخذت منحى آخر؟ وإذا لم يكن المادي والذهني إلا وصفين يظهران داخل الخبرة بدلا من أن يكونا سابقين عليها، يتحول السؤال من البحث عن ماهية المادة الميتافيزيقية «الوعي» في باطن الإنسان إلى فهم البنية التي تجعل خبرة ما شخصية ومعرفية متصلة بعالم مشترك، فلا يعود الوعي مسرحا تتمثل وتتراقص عليه صورة العالم في الداخل، بل وظيفة تؤديها الخبرة ما إن تقوم بدور المعرفة.
المرجع:
James, W. (1904). Does “consciousness” exist? The Journal of Philosophy, Psychology and Scientific Methods, 1(18), 477–491. https://doi.org/10.2307/2011942
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




