وُصف نيتشه (1844-1900م)، الفيلسوف الألمانيّ، بأوصاف عديدة كانت أغلبها قدحيّة، لارتباطها بحياته الشّخصيّة وما عاناه من انهيارات عصبيّة، فقيل عنه: فيلسوف الجنون، الشّاعر المخبول، النّبيّ الكذّاب، المهرّج، الأضحوكة، الأحمق وغيرها… إذ عانى أيضًا من سوء استعمال أطروحاته وتأويلاته حتّى سُمّيت بالإجرام الجنونيّ، كما عانى من سوء فهم أفكاره لدى الغربيّين كما لدى العالَم العربيّ الإسلاميّ، الذي تجسّد في الهجوم الحادّ على شخصه وعلى كتاباته. فكان وحيدًا، نكره أصدقاؤه لأطروحاته الجريئة وفيما بعد بسبب مرضه. فقبِل جميع النّعوت السّلبيّة ضدّه في سبيل جعْلِه الصّدق القيمة الأخلاقيّة الأولى للعقول الخيِّرة.
إلّا أنّ الدّارسين وصفوه بنقيض ما قيل، نتيجة فلسفته التّفكيكيّة والمستفزّة في الوقت نفسه، آمن بالحياة رغم قساوتها وأعطى حلولًا للانفلات من رقابة المجتمع وموروثه، فكانت مؤلَّفاته تسير في هذا الاتجاه، ويظلّ كتابه “هكذا تكلّم زرادشت، كتاب للجميع ولغير أحد” من بين أهمّها إلى الآن، فهو كتاب شعريّ أدبيّ سرديّ متميّز بطابع فلسفيّ، ومتفرّد بأسلوبين منسجمين هما لغة الدّين التي هي لغة الإنجيل، ولغة الأدب الرّاقية، وكأنّه يحاول الإتيان بإنجيل جديد يناقض الموجودة بلُغتها نفسها، كما إنّ العنوان الفرعيّ مستفزّ وعميق ويحمل دلالات متعدّدة.
اختار نيتشه الشّخصية الزّرادشتيّة الشّرقيّة من ثقافة بلاد فارس قبل الميلاد، واندمج معها، فتارة يتكلّم هو وتارة أخرى بلسان النّبيّ، بحيث سنشهد طول فصول الكتاب هذا المزج بين الشّخصيتين الذي يكاد يوصف بالاتّحاد. وزرادشت هذا مسافر رحّالة، كحال المتصوّفة، لا يستكين إلى المعروف الثّابت الجامد، بل يطلب في إلحاح وإصرار مزيد معرفة ويقين، يقول نيتشه: «إن زرادشت يمتلك من الشّجاعة ما يفوق شجاعة كلّ المفكّرين مجتمعين. التّكلّم بالحقائق وإتقان الرّماية، تلك هي الفضيلة الفارسيّة»(1).
بينما واجه نيتشه الفلاسفة والفلسفة بطرح أسئلة محرجة حول: الدّين، الأخلاق، المجتمع، ويُعتبر من بين المؤسِّسين لنسبيّة ثنائيّة الخير والشّرّ، وكونهما وجهان لعملة واحدة، بمعنى صراع المتناقضات، حيث يقول: «لقد رأى زرادشت في الصّراع القائم بين الخير والشّرّ الدّولاب المحرّك للأشياء، فترجمة الأخلاق ميتافيزيقيًّا على أنّها طاقة، وسبب، وهدف في حدّ ذاته، هي من صنيعه»(2).
ولملامسة الموضوع عن قرب، نطرح الأسئلة التّالية: ما هي أسس فلسفة نيتشه؟ هل هو مارق مهرطق أم سابق عصره يكتب لجيل لاحق لا جيله؟ لماذا لم تقبله الأغلبيّة أم أنّه يخاطب العقول الخاصّة لا العامّة؟ ولماذا كان غريبًا في أطروحاته ألَا نفترض أنّه يزيل القشور ويضرب الأوهام بالمطرقة مواجهًا الكذب بالحقيقة الفظيعة؟
في هذا الجزء الرّابع، والأخير، من سلسلة مقالات(3) حول كتابه “هكذا تكلّم زرادشت”، يحاول فريدريك نيتشه نقد المسيحيّة باستخدام العقل عوض العاطفة التي تستمدّ منها قوّتها، حيث كان انتقاد نيتشه للدِّين عن تجربة، وعن مدّة من الزّمن في المخالطة والممارسة، حتى أنّه وَصَف زرادشت بالرَّجل الذي شابَ شعره بعدما كان عند بداية الكتاب لم يتجاوز الثّلاثين سنة، وكان أوّل كلام مباشر –وتهكّم صريح- منه للكنيسة، ما يلي: «إن كنتُ قد تكلّمتُ عن أُضحية، وقربان عسل، فإنّ ذلك لم يكن سوى حيلة من حيلي الكلاميّة وحمقًا نافعًا في الحقيقة، أما الآن، وفوق هذه القمّة، فيمكنني أن أتكلّم بحرّية أكثر ممّا أفعل أمام مغارات الرّهبان»(4)، وفوق قمّة الجبل، هو المكان الذي اختاره زرادشت لِعُزلته الفكريّة، ودائمًا ما يذكّر بهذه الأماكن الطّبيعيّة وبرمزيّتها في وحدته: القمّة، البحر، الشّمس، الجوّ، الأشجار، الغابة، المغارة، الشّروق، الغروب… وسعى من خلالها، أن يشرح دورة الحياة التي ينادي بها في فلسفته كما سنرى.
وفي السّياق نفسه، كثيرًا ما سَخِر نيتشه بشدّة من التّعاليم المسيحيّة، بتشبيهات واستعارات متعدّدة، مثلًا ما يقوله حول قسّ الكنيسة: «واحد نافذ الصّبر يصرخ باتّجاه الأودية والوهاد: اسمعوني، وإلّا جلدتكم بسوط الرّبّ»(5)؛ أبعد من هذا، يعتبر نيتشه الخُطب والكنيسة والأجراس والتّرانيم والطّقوس كلّها من صُنع البَشر وتحريفاتهم، وإلّا فما معناها؟ كيف تكون من العبادات التي يستغلّ فيها الإنسانُ الإنسانَ الآخر؟ في حين أنّ كلاهما يحتاج لله الخالق؛ إذ يضيف مُتهكّمًا: «لا نقمة لي على مثل هؤلاء الحانقين، بل إنّني لَأَجدهم موضوعًا جيّدًا للضحك»(6)، ويضيف عن القساوسة كلامًا جرّيئًا، كما يلي: «واحد من أولئك السّحرة الذين يمارسون بسط الكفّ، صاحب معجزات ترعاها بركة الرّبّ، مفتر على العالَم منقع في المُسوح، ليأخذه الشّيطان»(7)، بل يصفهم بالوحوش المفترسة داخل مملكته -أي عزلته وأفكاره- في وصف قاس جدًّا، لِما عاناه منهم ومن مضايقاتهم، فكان يحبّ ويفضّل العيش بين النّسّاك من الشّعب على أن يختلط، ويعيش بين: «الرّعاع المذهّبة الكاذبة المزوّقة أيّما تزويق، وإن سمّت نفسها مجتمعًا فاضلًا»(8)، فيصفه بالمجتمع المنافق الذي يُظهر عكس ما يُخفي، إنّه مجتمع رجال الدّين من أصحاب المصالح الشّخصيّة، والمناصب والامتيازات الدّينيّة، فَهُمْ: «خليط رعاع: فيه يتداخل ويتمازج الكلّ بالكلّ، القدّيس والوغد والنّبيل واليهوديّ، وكلّ ضروب الدّابّة ممّا جمعت سفينة نوح»(9).
حيث لم يتوقّف نيتشه عبر كتابه، عن الاستهزاء بجبروتٍ بالمجتمع الكنسيّ عامّة، والكاثوليكيّ خاصّة، وإن كان والده من القساوسة قبل وفاته، ولَكَم تأثّر نيتشه بالطّقوس تلك، لأنّها فُرضت عليه ولم يخترها، لذا كان لاذعًا وبِبَلاء في مواجهة رجال الدّين، ما نجده أيضًا في هذا الاقتباس، حيث يقول: «وإنّه لَمِن الأفضل ألّا يعرف المرء شيئًا من أن تكون له نصف معرفة بالكثير من الأشياء، وأُفضِّل أن أكون أحمقًا، مستقلًّا بذاتي من حكيم يقتات من أحكام الآخرين، أنا أمضي إلى العمق»(10)، هذا العمق هو الذي يقصد به نيتشه تكسير الأصنام، وإزالة القشور بالمطرقة لكي يظهر المعدن الحقيقيّ للإنسان؛ كان يقصد رجال الدّين والازدواجيّة التي يتعاملون بها مع أفراد الشّعب، والقهر والظّلم الذي مارسوه على أفراد الأمّة بحجّة الدّين وبحجّة تعاليم الإله، بينما كانوا يخدمون مصالحهم مستعملين تعاليمهم التي لا تمتّ للدّين، ولا إلى الإله بشيء أبدًا، حيث يقول: «وكم من واحد رأيته ينتفخ ويتمطّط والشّعب يصيح من حوله: انظروا، هو ذا إنسان عظيم، لكن ما نفع كلّ منافيخ الحدّادين؟ فبالنّهاية لا يخرج منها سوى الرّيح»(11).
وفي درب النّقد هذا، استهزأ من العشاء الأخير للسّيد المسيح، وخاصّة من الخمر والخبز اللّذان يُعتبران من طقوس المسيحيّة، قائلًا: «أمّا عن الخمر (…) فلدينا كفاية منها (…) وبالتّالي فإنّه لا ينقصنا غير الخبز. خبز؟ ردّ [ملِك ضمن الجمع] عليه زرادشت وهو يضحك (…) لكن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل وبلحم خروف جيّد أيضًا»(12)، بحيث يكون العشاء الأخير، حسب نيتشه، هو المرح والفرح لا الحزن، إذ يقول: «هنا يرقص الإنسان المرح الأخير»(13)، فبدل العشاء الأخير الذي يتّسم بنوع من الحزن لدى الطّائفة المسيحيّة، دعا نيتشه النّاس بِلِسان زرادشت، إلى التّحرر والاستيقاظ من أوهام تسلُبهم، ويعيشون مُعتركها دونما ردّ فعل، فيُعلن نيتشه أنّه تحرّر واستيقظ من نومه، كما يلي: «إنّهم مازالوا نائمين أولئك الرّجال الرّاقون، بينما أنا صاح: كلّا، ليسوا رفاقي الحقيقيّين، وليس هؤلاء مَن أنتظر هنا فوق جَبَلي»(14).
ومِن هذا القبيل، كانت فلسفة الّدين عند نيتشه تدور أيضًا حول فكرة العود الأبديّ، وهي فكرة تتمحور حول أنّ الإنسان سيعيش حياة تشبه حياته هنا كأنّه عود على بدء، وكأنّها دورة حياة بدأت منذ الأزل، لذا حرص على الفرح والاستمتاع بالحياة إلى أبعد مدى، حيث يقول: «على أيّ أساس أبدي فوق صخرة صلبة من زمن البدء، فوق هذه الجبال الشّاهقة الصّلبة الضّاربة في القِدم حتّى ساعة التّكوين، تلك التي تلتقي عندها كلّ الرّياح كما على الخطّ الفاصل بين الأصقاع، وكلّها تسأل إلى أين؟ ومن أين؟ وعبر أيّ طريق؟»(15).
العود الأبديّ ليست فكرة حديثة، بل هي فكرة تنتمي إلى الحضارات القديمة، التي كان ملاذها في مواجهة سؤال الموت، وبفكرة العود الأبديّ كانت تخفّف من شدّة الفراق، وموت الإنسان الذي يخلّف حزنًا عميقًا، فكانت فكرة العود كبلسم للنّفوس حينما تطمئنّ أنّها ستعيش مع الأشخاص أنفسهم وباللّحظات نفسها مرّة أخرى، يقول نيتشه مبيِّنًا هذا الألم: «ماذا؟ أينبغي عليّ أن أظلّ متنقّلًا إلى الأبد؟ ألُفُّ حيث تَلُفُّ بي الرّياح، مدفوعًا على الدّوام لا مستقرّ لي. أوّاه، أيّتها الأرض، لكم ترهقني استدارتك هذه»(16).
إذ يتحدّث عن همّته التي شبّهها بساقيْه، وهمّة أنصاره، في مواجهة صعاب الحياة وعدم الاستسلام إلى الحزن والأسى، قائلًا: «لقد شبعتما نومًا، ولكم من الوقت؟ زمنًا يعادل نصف الأبديّة، هيّا، انهض أيّها القلب العجوز، كم ينبغي لك من الوقت كي تستيقظ من هذا النّعاس؟»(17)، نصف الأبديّة هنا بمعنى نصف الحياة ضاع في اتّباع أفكار قديمة لا معنى لها، فيحفّز النّاس من أجْل فَهْم فكرة العود الأبديّ بما هي الخلاص لمرارة الحياة كلّها؛ وإن اعتبروه مجنونًا، ولكنّه يقول لهم: «إنّ عقلاء المجانين لهُمُ الأبلغ كلامًا»(18).
على الصّعيد نفسه، يصف نيتشه المسيحيّة أنّها تعتمد المشاعر أكثر من العقل، وهي المشكلة التي كبَّلت الإنسان وفكره لقرون عديدة، جاعلة منه ردّ الفعل عوض منبع الفعل، ونهبت منه القدرة على العيش بسلام مع نفسه، ومِن ثمَّ مع الآخر في وئام، فما كان منه إلّا أن سلّط سهام نقدِه الحادّة إلى مركز الدّين المسيحيّ الذي كان، حسب رأيه، لا يؤدّي المطلوب منه رغم اعتماده فكرة الخلاص لمُجرّد الخلاص، والاستكانة إلى أفكار تُهدّئُ مِن روع الإنسان لمصيره المحتوم، وهو الفناء، «ومن الطّبيعيّ أن ينتقد نيتشه الأفكار الدّينيّة الرّئيسيّة نقدًا عنيفًا، ما دامت الرّوح الدّينيّة أصلاً ظاهرة منحرفة في رأيه، وما دام يدعو إلى استبدال نظرة طبيعيّة بالنّظرة الدّينيّة “غير العِلميّة”. فإذا كان يعيب على العقيدة أنّها تحطّ من قَدْر الإنسان، إذ تُنْسَب نواتج الذّهن الإنسانيّ إلى مصادر أخرى تعلو على هذا الذّهن، فلا شكّ في أنّ مهمّته، كما يحدّدها بوضوح، هي أن يعيد إلى الإنسان ثقته بنفسه، ويردّ إليه حقّه المسلوب، وهنا يجد نيتشه لزامًا عليه أن يحمل على فكرة الألوهيّة بوجه عامّ، فالألوهيّة في نظره عقَبة تحُول دون تأكيد الإنسان لذاته، وطالما أنّ فوق البشر آلهة يؤمنون بها، فسوف يكون هذا الإيمان على حساب تقدير البشر لأنفسهم وثقتهم بها»(19)، وعليه كان هذا الألم عبارة عن «صرخة إنسان تبدو طالعة من عمق بحر مظلم»(20). وليس “البحر المظلم” عنده سوى الدّين و”عُمقه” هو فلسفته التي تلتوي على العقل الإنسانيّ، مُحاوِلةً طمس معالِم كلّ صرخة تهمّ بالصّدوح نحو الانعتاق، متنقّلة من العُمق السّحيق الغامض المظلم، إلى السّطح المُنير المليء بالحياة؛ «وإذن فالفلسفة متضافرة مع الدّين فيما يراه نيتشه مؤامرة إلى اقتلاع الحياة من جذورها، وإحلال إرادة “إماتة الحياة” محلّ إرادة الحياة (…) ومن هنا كان الهدف الأوّل للاتّجاه اللّاأخلاقي عند نيتشه، هو الخروج عن هذا التّقويم السّائد للسّلوك الإنسانيّ، وهو التّقويم الذي يؤدّي في رأيه إلى تجريد الإنسان رويدًا رويدًا من كلّ ما يُحَبِّب إلى نفسه الحياة، وإلى بعث روح العزوف عن العالَم فيه، فاللّاأخلاقيّة عند نيتشه هي بهذا المعنى ثورة على أوضاع أخلاقيّة معيّنة سائدة في عصره»(21).
ولا يخفى للدّارسين تعلّق نيتشه بحرّية التّفسيرات العقليّة اليونانيّة، التي تَهَب الإنسان حرّيّة أوسع في مواجهة الحياة، إذ يقول ساخرًا: فـ «كيف للمرء أن يعثر على السّعادة بين هؤلاء المطمورين والنّسّاك المعتزلين؟»(22)، ويضيف قولته المشهورة، في هذا الصّدد، حول الإله الذي يُعتبَر –بحسبه- طقوساً عَبَدها الإنسان حتّى صارت إلهاً، ونسي الإنسان بذلك الإله الحقّ، فيقول: «فذلك الإله القديم في الحقيقة قد مات: لقد مات إلى الأبد»(23)، وهي الاستعارة التي كانت قويّة في حواره مع ظِلّه في شخصيّة زرادشت، فلمّا تكلّم ظلُّه -الذي يُمثّل صورة الواقع الحقيقيّة لا كما يجب أن يكون- قال: «معكَ حطّمتُ ما كان قلبي يجلّه دومًا، وقَلَبْت كلّ معالِم الحدود ونقضت كلّ الصّوَر، لاحَقتُ الرّغبات الأكثر خطرًا، والحقّ أقول لك»(24)، إذ يوصل بإشاراته تلك، أفكاراً صعبة رافضة، تجعله «مستباحاً لتفسيرات عدّة ومعرَّضاً لكثير من سوء الفهم، ولكن على الرّغم من أنّ التّلميحات تُوحي بثراء فكريِّ مُستَتِر، فإنها تُحرَّم علينا ونُعلَم بأنّنا يجب أن نعارِض، إن استطعنا، الأفكار المُعبَّر عنها أمامنا على نحو مُتقطِّع يجعلنا لا نعلم حتّى ما نعترض عليه»(25).
والنّتيجة، أن تحدّث زرادشت كثيرًا في هذا الجزء مع شخصيات مختلفة [عاقلة وغير عاقلة]، منها ظلّه على هيأة إنسان والسّاحر والملِكان والبابا والمتسوِّل وتائب العقل والرّائي والحمار والشّيخ والتّائه وغيرهم، كما دعاهم جميعًا إلى اللّقاء في مغارته لأنًّه كان مشغولًا بالبحث عن الإنسان المتعالي، حتّى أنّه لاحظ كثرة الحركة، وكثرة النّاس في جِباله التي قصدها للعزلة والتّفكّر؛ فكان يهدف إلى إيقاظ البشريّة المسيحيّة من سباتها، وبطريقة فلسفيّة في الوقت نفسه، أي بسلوك طريق الإنجيل ذاته في التّبشير بالغد المنير، فيقول: «أريد أن أسير وحيدًا كي تنقشع العتمة، ويكون ضياء من حولي مجدَّدًا، لذلك ينبغي عليّ أن أمضي طويلًا على قَدَم مرِحة، لكن مساء سيكون لنا حفل راقص عندي هناك»(26).
وختامًا، فقد كان فريدريك نيتشه خلال حياته مُهمَلاً تمامًا، ورغم أنّ ذلك لم يضايقه، فقد سبَّب له الحزن، لأنه كان يرى أنّ لديه حقائق وأخبار مهمّة، يريد نقلها إلى معاصريه الذين كانوا يتجاهلونها على نحوٍ سيكلّفهم عواقب وخيمة، وهذه إحدى نبوءاته الشّديدة الدّقّة(27)، التي احتواها كتابه “هكذا تكلّم زرادشت”، الذي صار لِسنين عديدة محطّة هامّة للدّارسين والمهتمّين، وما يزال، لاشتماله ثيمات بحثيّة لم تبح بكامل أسرارها بعد.
الإحالات والهوامش:
(1) هكذا تكلّم زرادشت، كتاب للجميع ولغير أحد، فريدريك نيتشه، ترجمه عن الألمانية: علي مصباح، منشورات الجمل، كولونيا، بغداد، ط1/2007م، ص:5.
(2) المصدر نفسه والصفحة نفسها.
(3) كان المقال الأوّل بعنوان: الإنسان الأعلى في فلسفة فريدريك نيتشه، والمقال الثّاني بعنوان: الفضيلة الواهِبة في فلسفة فريدريك نيتشه، والمقال الثّالث بعنوان: المرأة في فلسفة فريدريك نيتشه، وهذا الجزء الرّابع بعنوان: فلسفة الدّين عند فريدريك نيتشه؛ وتجدر الإشارة أنّها مقالات تحليليّة لأهمّ أفكاره الفلسفيّة الكبرى في كتابه “هكذا تكلّم زرادشت”، وصدرت تباعًا عن منصة معنى.
(4) هكذا تكلّم زرادشت، كتاب للجميع ولغير أحد، فريدريك نيتشه، مرجع سابق، ص: 441.
(5) المصدر نفسه، ص: 443.
(6) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.
(7) المصدر نفسه، ص: 479.
(8) المصدر نفسه، ص: 455.
(9) المصدر نفسه والصفحة نفسها.
(10) المصدر نفسه، ص: 464-465.
(11) المصدر نفسه، ص: 478.
(12) المصدر نفسه، ص: 525.
(13) المصدر نفسه، ص: 450.
(14) المصدر نفسه، ص: 598.
(15) المصدر نفسه، ص: 445.
(16) المصدر نفسه، ص: 506.
(17) المصدر نفسه، ص: 513.
(18) المصدر نفسه والصفحة نفسها.
(19) نيتشه، فؤاد زكريا، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ط1/2018م، ص: 117.
(20) هكذا تكلّم زرادشت، كتاب للجميع ولغير أحد، فريدريك نيتشه، مرجع سابق، ص: 448.
(21) نيتشه، فؤاد زكريا، مرجع سابق، ص: 78.
(22) هكذا تكلّم زرادشت، كتاب للجميع ولغير أحد، فريدريك نيتشه، مرجع سابق، ص: 450.
(23) المصدر نفسه، ص: 487.
(24) المصدر نفسه، ص: 507.
(25) نيتشه مقدمة قصيرة جدا، مايكل تانر، ترجمة مروة عبد السلام، مراجعة هبة عبد المولى، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ط1/2015م، ص: 71.
(26) هكذا تكلّم زرادشت، كتاب للجميع ولغير أحد، فريدريك نيتشه، مرجع سابق، ص: 509.
(27) نيتشه مقدمة قصيرة جدا، مايكل تانر، مرجع سابق، ص11، بتصرف.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




