مقالات

 صقل إبداع الأطفال في عشر خطوات

ميتشل ريسنيك - ترجمة: هديل الدغيشم

يشيع لَبْس حول أنجع الأساليب في تحفيز إبداع الأطفال، إذْ هناك اعتقاد بأنه يكمن بالتنحي جانبًا، وتركهم وحالهم. ومما لا شك فيه بأن الأطفال فضوليون بطبعهم ومحبين للاطلاع، إلا أنهم يحتاجون تشجيعًا لتحسين قدراتهم الإبداعية، والوصول إلى كامل إمكانياتهم الإبداعية.

لطالما كان تشجيع تطوير إمكانات الأطفال مهمة تتطلب موازنة بين عدة أمور: مستوى القيود، ومستوى الحرية، ولحظات التقدم والتراجع، ولحظات العرض، والتلقين، والسؤال، والاستماع.

أنشأتُ القائمة التالية، وعزمت فيها على توزيع النصائح بين الوالدين والمعلمين، فأنا أظن بأن المعيقات الجوهرية لصقل الإبداع هي نفسها سواء كانوا في المنزل أو في صفوف الدراسة. والتحدي الرئيسي ليس «تعليم  الأطفال الإبداع»؛ بل في كيفية خلق بيئة خصبة يتجذر إبداعهم فيها وينمو ويزدهر.

خريطة الإبداع ذات الشكل الحلزوني هي محرك التفكير الإبداعي.

تتكون القائمة من خمسة عناصر أدعوها خريطة الإبداع ذات الشكل الحلزوني، وهو أسلوب يشجع الأطفال على تخيل ما يودون إتمامه، وابتكار أعمال بواسطة اللعب ببعض الأدوات والمعدات، ومشاركة الأفكار مع الآخرين، ومن ثم التأمل في تجاربهم.

وقد أدليت بدلوي وقدمت نصيحتين لكل من تلك العناصر الخمسة، ومجموعها ١٠ نصائح. وبلا شك ليست تلك النصائح سوى قطرة من بحر الأنشطة التي قد تقدمها لصقل إبداع الأطفال. تفضل بالإطلاع عليها كنماذج، وابتدع أنشطتك الفريدة.

تخيّل:

  1. قدم أمثلة تحفز أفكارهم

الصفحة البيضاء، واللوحة القماشية الجوفاء، والشاشة الصماء؛ كل ذلك قد يكون أمرًا مرعبًا؛ لذلك فقدح شرارة الخيال قد تتطلب عدّة أمثلة. عندما نقيم بعض ورش العمل التدريبية دائمًا ما نبدأ باستعراض نماذج لبعض المشاريع لإلهامهم لما يمكن فعله (مشاريع ملهمة) وتقديم أفكار عن تفيد في استهلال إبداعهم (المشاريع استهلالية). ونعرض أنواعًا متنوعة للمشاريع على أمل ربطها بالهوايات والرغبات المختلفة للمشاركين في الورشة، وبالطبع يوجد خطر أن الأطفال قد ينسخون ويقلدون النماذج التي يشاهدونها، لا ضير في ذلك كبداية، ولكن كبداية فحسب. شجعوهم من جهة أخرى على الابتكار وتغيير النماذج، اقترحوا عليهم إلحاق أصواتهم أو إضافة لمساتهم الشخصية. ما الذي يمكن أن يتموه على نحو مختلف؟ كيف سيضيفون لمساتهم الخاصة ويربطونها باهتماماتهم الشخصية؟ كيف سيقدرون على جعل هذه النماذج ملكهم هم؟

٢) شجع العمل العشوائي

يعتقد معظم الناس أن الخيال يقتصر على العقل، غافلين عن حقيقة كون اليدين بذات الأهمية. أولى خطوات مساعدة الأطفال هي تعزيز أفكارهم الإبداعية بإطلاق عنانهم للعمل العشوائي. وتبزغ أفكارهم الخلّاقة أثناء لعبهم بألعاب الليغو أو عبثهم بالمواد والأدوات الحرفية، ويتجلى النشاط عشوائيًا ثم يضحي بذرة عمل إبداعي فريد. إننا نقدم أحيانًا أعمالًا بسيطة خفيفة للأطفال ليَخْطوا بها أولى خطواتهم، فعلى سبيل المثال سنطلب منهم تركيب بعض مكعبات الليغو معًا، ثم يناولوها لصديق ليضع لمسته بإضافة مكعبات أخرى، ويعيدها إليه ويستمر تبادلهما، وتبزغ الأفكار المبتكرة الإبداعية تبعًا لذلك.

هذه المقالة مقتطعة من هذا الكتاب لميتشل ريسنيك

ابتكر:

٣) امنح موادًا وأدوات متعددة

يتأثر الأطفال تأثرًا بالغًا بالألعاب والأدوات والمواد من حولهم، وفي سبيل تشجيعهم للانغماس بالأنشطة الإبداعية من الضروري توفير شتى مقومات الرسم، والتركيب، والأعمال اليدوية. ومن الممكن للتقنيات الحديثة مثل المعدات الروبوتية (robotics)، والطابعات ثلاثية الأبعاد أن تضاعف معدل ما يبتدعه الأطفال، ولكن حذار من الاستهانة بالأدوات التقليدية. بدتْ منسقة نادِ حاسوبٍ تدريبي حرجة لكون أعضاء ناديها يصنعون دُماهم باستخدام «النايلون، والصحف الورقية، وبذور الطيور» دون استعانة بالتقنيات المتقدمة، ولكنني أرى بأن أعمالهم كانت خلّاقة باهرة. الأشياء المختلفة تتطلب موادًا مختلفة، وعلى سبيل المثال لا الحصر مكعبات الليغو وأعواد الآيسكريم ملائمة لصنع الجماجم، واللبّاد والأقمشة لصنع جلود البشر، وبرنامج سكراتش لصنع الكائنات الحية المتحركة، والأقلام والألوان للرسم، وأدوات الصمغ والأشرطة اللاصقة لربط الأشياء ببعضها. فكلما زاد تنوع المواد؛ زاد الإبحار في الأعمال الإبداعية.

٤) لنعزّز كافة أنواع الإبداع

يستمتع مختلف الأطفال بأشكال مختلفة من الإبداع، فيبحر بعضهم ببناء المنازل والقلاع باستخدام مكعبات الليغو، وآخرون يستمتعون بصنع ألعاب ورسوم متحركة ببرنامج سكراتش، وغيرهم يتمتعون بصنع المجوهرات أو تركيب سيارات السباق أو إعداد الحلويات أو لعب لعبة الغولف المصغرة. وللشعر والقصص القصيرة أيضًا نصيبها من متعة الأطفال وإبداعهم. باستطاعة الأطفال التعلم والإبحار بعالم الابداع من خلال تلك الأنشطة الإبداعية، لنعزز للأطفال ونسهم في إيجاد نوعية الابتكار والإبداع التي تحتويهم. ولا يكتفى بذلك؛ بل يستحسن حثهم على التنقل بين مختلف الأنشطة. وبذلك يزداد استيعابهم لأساليب التصميم الإبداعي.

اِلعب:

٥) لنركز على الأداء وليس نتاجه

شددت في كتابي على أهمية صنع وابتكار الأشياء، فمن المؤكد بأن أمثل الخبرات التعليمية تتم حين ينغمس الأشخاص في ابتكار الأشياء، غير أن ذلك لا يعني بأن علينا أن نتقيّد ونسقط جل اهتمامنا على الأشياء المُصَنَّعة، فآلية صنعها أهم. لنسلط الضوء على إبداع الأطفال أثناء إتمامهم للعمل ولا نكتفي بالناتج النهائي فحسب، لتسألهم عن استراتيجياتهم ومصادر إلهامهم، وعزز مفهوم التجربة والنجاح والفشل بتشجيعك لأعمالهم بنفس المستوى سواء خابوا فيها أو نجحوا، ولا تنس تخصيص أوقات للأطفال للحديث عن تجاربهم أثناء عملهم، وعما يخططون لأدائه لاحقًا، ودوافعه.

٦) لنمدد فترة الأنشطة والمشاريع

يستغرق الأطفال وقتًا لإتمام بعض الأعمال الإبداعية، وخصوصًا إن كانوا في مرحلة ابتكار وتجربة واستكشاف أفكار حديثة (كما نرجو أنهم كذلك). إن الاكتفاء بالحصص الدراسية القصيرة (٥٠ دقيقة أسبوعيًا) التي يقدم أثناءها المشاريع الفنية يعد أمرًا محبطًا ويوهن فكرة العمل على مشروع ما. إذ تثبط فكرة المجازفة والتجربة، وتمنح الأولوية لأسلوب الاكتفاء بالإجابة «الصحيحة» أثناء الوقت المخصص. من المستحسن تنظيم جدول يضم وقتًا ضعف وقت الحصة المعتادة لتلك المشاريع، وذلك لإجراء تغيير تدريجي، أما إن طمحت بإجراء تغيير جذري يتوجب عليك تخصيص أيام أو أسابيع (أو حتى أشهر) يتمركز أثناءها جهد وعمل الطلبة على المشاريع الفنية، ولا تنسَ في الوقت الراهن تعزيز ودعم البرامج والأنشطة والمراكز التكثيفية بعد نهاية اليوم الدراسي والمهيأة للعمل على تلك المشاريع.

شارك:

٧) لعب دور الوسيط

يرغب العديد من الأطفال بتبادل الأفكار ومشاركتها والتعاون لتنفيذها إلا أنهم يجهلون السبيل إلى ذلك. يمكنك آنذاك لعب دور الوسيط، معينًا إياهم على الاندماج والانسجام معًا، سواءً من خلال العالم  الحقيقي، أو الافتراضي. يقضي أعضاء شبكة Computer Clubhouse فترة مطولة مع بعضهم بعضًا، ويدعون تارة أعضاء باهتمامات مماثلة لهم، فمثلًا اهتمام مشترك بالمانغا اليابانية، أو بالتشكيل ثلاثي الأبعاد. وتارة أخرى يلم الشمل بين أعضاء ذوي اهتمامات مكملة لبعضها، فمثلًا تعريف الأعضاء ذوي الاهتمامات الفنية بأولئك المهتمين بالروبوتات ليندمجون معًا وينشئون منحوتات تفاعلية. عملنا أثناء اجتماعنا المبدئي عن بعد على إعداد مخيّمات تعاونية لا تتجاوز الشهر، تهدف إلى مساعدة فنانّي برنامج سكراتش الصغار لإيجاد أصحاب ينضمون إليهم، ولا يكتفى بذلك، بل ليتعلموا خطط التعاون الفعالة.

٨) تقدم وبادر بصفتك منسقًا متعاونًا

يتدخل الوالدان والمعلمون أحيانًا تدخلًا مفرطًا بأنشطة الأطفال الإبداعية، موجهين الأطفال ومشيرين إليهم بما ينبغي عليهم فعله. بينما لا يتدخل معلمون وآباء آخرون مطلقًا. لكن يوجد وسط فاضل بين إفراط هؤلاء وتفريط أولئك؛ حيث يبتدع الصغار والكبار مشاريعَ إبداعية تعاونية. حين يلتزم الطرفان بالتعاون فيما بينهما؛ ينال الجميع ثمار العمل. أحد الأمثلة الفريدة مبادرة التعلم الإبداعي العائلي التي قدمتها ريكاروز روكي؛ حيث تكاتف الصغار والكبار في عملهم على مشاريع مختلفة في خمس حصص. وفي نهاية تجاربهم تلك برز للوالدين والأطفال تقديرًا فريدًا لمهارات وقدرات بعضهم بعضًا، إضافة إلى توطد علاقاتهم.

تأمّل:

٩) اطرح أسئلة (حقيقية)

من الرائع أن ينغمس الأطفال في مشاريعهم، ولكن من الضروري أيضًا أن يخطوا إلى الخلف للتأمل والتدبر فيما يحدث، وقد تشجعهم على التأمل بطرح بعض الأسئلة التي تتمحور حول أعمالهم. غالبًا ما أبدأ بالسؤال: «ما ألهمك هذه الفكرة؟» وهو سؤال حقيقي؛ حيث أنني أرغب فعلًا أن أعرف! ويدفعهم التفكير بإجابة ذلك السؤال إلى الإبحار فيما حفزهم وألهمهم. أما سؤالي المفضل الآخر فهو: «ما أكثر ما بدا مفاجئًا لك؟» ويبعدهم ذلك عن مجرد وصف مشاريعهم، ويحفزهم على التأمل في تجربة الاشتغال على المشروع. أما في حال زلّ زلة في العمل فإنني سأسأل: «ما كنت تنوي إبداعه؟»، وفي وصفهم لما كانوا يحاولون فعله سينتبهون إلى مواضع الزلل دون أي إشارة مني.

١٠) شارك تأملاتك

يشعر معظم الأهل والمعلمون بالارتباك والتردد عند الحديث مع أطفالهم حول أفكارهم وآرائهم الشخصية، لعلهم لا يودون كشف أنفسهم وأنهم أحيانًا يترددون في تفكيرهم أو يشوبه شيء من التشويش، غير أن الحديث مع الأطفال عن سير تفكيرك هو أكمل وأجمل هدية يمكن أن تقدمها لهم. إذْ سيدركون أن التفكير عمل شاق للجميع، سواء كانوا أطفالًا أم بالغين. ومما هو فريد ومفيد للأطفال سماعهم لخططك عند العمل على تلك المشاريع وسير خط تفكيرك فيه، والتمعن بالمعضلات المصاحبة. بسماع الأطفال لحديثك وتجاربك سيكون الصغار أكثر وعيًا وانفتاحًا لإمعان النظر بما يواجههم من عقبات، وتبعًا لذلك إيجاد طريقة ملائمة لتجاوزها. عدَّ الأطفال المحيطين بك تلاميذ يتعلمون منك التفكير الإبداعي، فالمطلوب منك هو أن تؤازرهم وتشد من عضدهم ليصبحوا مفكرين إبداعيين بحديثك عن إبداعك وسبيلك للوصول إليه.


ميتشل ريسنيك أستاذ أبحاث التعلّم في MIT Media Lab. ابتكر فريقه سكراتش (Scratch)، وهو برنامج للبرمجة ومجتمع افتراضي، ويعدُّ أكبر منصة لتعلّم البرمجة للأطفال في العالم. تعاون مع شركة LEGO في أفكار تعليمية ومنتجات للشركة، كما أنه شارك في تأسيس مشروع Computer Clubhouse، وهو شبكة عالمية للتعليم ما بعد المدرسي للصغار ذوي الدخل المحدود. ألّف كتاب «Lifelong Kindergarten»، وهذه المقالة مقتطعة منه.

المصدر (ضمن اتفاقية ترجمة خاصة بمنصة معنى)

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق