مقالات

عوالم الفلسفة اليونانية: من الأسطورة إلى الطبيعة فإلى الفضيلة

عبد الرزاق بلعقروز

فاتحة بناء الإشكال:

لم تتخِذ كلمة اليونان لنفسها شأنًا جليلًا ومكانًا رفيعًا مثلما اتَّخذته في الفلسفة[1]، حتى إنها حَجَبَت المعاني الأخرى، مثل المدلول الجغرافي والتَّاريخي لها، وإنه لحقيق بنا القول: إن هاته المكانة ليست بسبب أرضها أو تاريخها السياسي، وإنما بسبب أفكارها التي شقَّت بها رؤى عديدة إلى العالم، وأنها عرفت كيف تستفيد من الجِوار الثقافي الشَّرقي الذي انفتحت عليه واستلهمت من تعاليمه الدينية[2]. لقد انتظمت هذه الرؤى وترتَّبت في شكل أنساق فكرية هاجسها السُّؤال والدَّهشة من العالم، ومُتَغيَّاها الإجابة عن هذا القلق الذي يملأ قلب الإنسان وعقله؛ ولذا فإن أي مدخل إلى فهم بنية العقل المعاصر من غير إسكان الرؤية اليونانية ضمن مفردات التَّحليل والفهم، هو مدخل لا يتخذ من الحقيقة مسلكًا له، وإذ عرف هذا؛ فإننا نصرف السَّعي إلى عرض الآلة المنهجية التي بوساطتها ندخل إلى عالم اليونان الفلسفي من جهة رؤيته إلى العالم، وكذا استنباط منزلة الإنسان ضمن هذه الرؤية.

ولهذا؛ فإنّه ليس من الوجاهة التّحليلية ملاحقةَ التَّفاصيل الجزئية الخاصة بالآراء الذَّاتية لكل فيلسوف والاسترسال مع مقولاتها؛ بل الأقوم منهجيًّا لنا ضمن مطلبنا الإشكالي، هو تشغيل آلية التَّحليل انطلاقًا من الرؤية إلى العالم بعدِّها المنظور الكلي الذي تشتبك فيه الآراء العديدة حول الإله أو الإنسان أو الكون؛ وتسكن ضمن قواعد كلية تكون هي منطلق التّفكير والتأويل للعالم؛ ولأجل هذا، فإن أداتنا المنهجية هنا، هي الرؤية إلى العالم لأنها ترتفع بالعقل من الجزئي إلى الكلي، وهي بهذا الوصف؛ الأقدر على إمدادنا بمنزلة الإنسان ضمن المنظور اليوناني إلى العالم. وبسبب هذه الكفاءة المنهجية للرؤية إلى العالم باتت آراء مؤرّخي الفلسفة تتطارح هذا المنظور، ومثال ذلك ما عبرت عنه الباحثة “جاكلين روس” Jacqueline Russ في كتابها مغامرة الفكر الأوروبي:

“إننا ورثة رؤيتين للكون، كلتاهما ولدتا ما بين الفرات والنيل، منذ آلاف السنين … تغتني الرؤية الأولى من اليونانيين القدماء بأفكار ما زالت قوتها تجتذب العالم المعاصر كله، أما الرؤية الثانية فإنّها تغتني من الثورة المسيحية”[3]. وبموجب هذا الإقرار الذي دفع العقل كي يلتقط الأفكار الأولى للبدايات الفلسفية؛ فإن الباحثة المذكورة طبقت هاته المنهجية، وأبصرت في حركة الفكر الأوروبي برمتها “شخصيات وآراء وأنساق”، أنها امتداد لما أسمته بالرؤية إلى الكون، إما أن منبعها هو الرؤية اليونانية ذات الوصف المادي، وإمّا الرؤية المسيحية ذات الوصف الروحي. ونحن عندما نتطارح هنا مسألة الرؤية اليونانية إلى العالم؛ فإننا نقف على الأصول البعيدة لتشكّلات ثقافة الإنسان الغربي المعاصر[4] ونكاشف السر الذي جعل فلاسفة معاصرين يتملكهم هاجس الحنين إلى اليونان، وهاجس التواصل الإنتاجي مع النصوص اليونانية خاصة في باب الأخلاق. فهذا الفيلسوف الألماني فرديتش نيتشه Nietzsche Friedrich وبعد أن كافح ضد العقلانية الحديثة، التي وجد منابتها في الفلسفة اليونانية الأفلاطونية، نجده يُوثِقُ فكره ضمن الفلسفة الماقبل أفلاطونية، التي كانت برأيه متحررة من طغيان العقل ومن ثقافة الإنسان النّظري. ولم تكن الحياة لدى هؤلاء صيغة فكرية أو نظرية؛ بل كانت لا تُبَرَّرُ إلا بوصفها صيغة من صيغ التَّأويل الجمالي للعالم، من هنا كان هجوم نيتشه على سقراط وأفلاطون: “لقد رأيت في كل من سقراط وأفلاطون عرْضَي انحلال، أداتين للتفكّك الإغريقي، إغريقييْنِ مزيّفين ونقيضين للإغريق”[5]. وسر هذا الهجوم أن سقراط هو أصل الثقافة النّظرية التي تحتقر الحياة، وأفلاطون شطر العالم إلى شطرين من طبيعتين مختلفتين ومتفاضلتين من حيث القيمة. وإذ تبيَّن هذا؛ فإننا جديرون بأن نصرف السَّعي إلى إقرار منظور في النّظر إلى تاريخ الفلسفة، خاصة لدى الفلاسفة الذين لديهم جذب فلسفي يوناني مثل فردريش نيتشه أو مارتن هيدغر Martin Heidegger، فهؤلاء عندما يُقَسّمون الفلسفة إلى مرحلة الماقبل سقراط، ومرحلة المابعد سقراطية؛ فليس غرضهم إدخال تحقيب تاريخي أو قسمة تاريخية مُتزَمنة بين الفلسفات، وإنما إثبات اختلاف رؤية مخصوصة عن العالم عن رؤية أخرى تفارقها، فالماقبل والمابعد مقولتان متمايزتان فلسفيًّا وليستا حركة زمانية في التاريخ، ويُقَوّي هذا الإقرار مشروعية الاستناد إلى الرؤية إلى العالم بوصفها الآلة المنهجية التي نطرح انطلاقًا منها الأسئلة الثقيلة والأسئلة الاستكشافية لطبيعة الرُّؤى الثّاوية خلف أنظمة هياكل العلم النّظرية والعملية. وبناءً على هذا، فإن “كان للمرء القدرة على فهم المبادئ التي تحدد حركة هذه الشَّبكات الفكرية وطبيعتها فسيتمكَّن من تقديم تفسير سببي لظهور الأفكار وتغيّراتها؛ وبمعنى أدق: تُعَدُّ هذه الشَّبكات العوامل الفاعلة في المراحل الفكرية”[6]. فمجاز الشَّبكة إذن، علامة أو عرض على النَّسيج الذي يؤول به الإنسان العالم أو يستلهم هذا التأويل من مصادر أخرى متعالية مثلما هو الأمر في القول الديني أو الضّرب الفني تمثّل العالم.

ثانيًا- تعدد عوالم الفلسفة اليونانية:

لا بد من صرف القول أولًا إلى اعتبار أن روح الشَّبكة الفكرية أو الرؤية إلى العالم هي نمط من العلاقة بين الكائن والعالم، أو بين الإله والكائن؛ لأن الكائن بفعله يخلق ضربًا من التَّواصل التأويلي مع الموجودات، متوسّلًا في سبيل ذلك بالدين أو بالمعرفة أو بالأسطورة أو الفن[7]؛ لذا يمكن الإقرار بأن المعرفة بالعالم، وكذلك المخاطبة والمحادثة عن العالم إنّما تعمل لهذا السَّبب بوصفها الضّرب الابتدائي من الكينونة في العالم من دون أن يتصور ذلك بما هو كذلك. ولكن من أجل أنّ بنية الكينونة هذه تظل من ناحية أنطولوجية تُطْلَبُ فلا تُدرك، رغم أنّها مجرّبة من ناحية أنطيقية بوصفها علاقةً بين كائن العالم وكائن النّفس[8]. ومدلول العالم هنا، أنه نمط من الكينونة أو الهيئة التي يخلقها الإنسان في الوجود، إنها نفث لروحه في التاريخ وخلق لأنماط المعنى التي لا يقدر الكائن أن يستمر في وجوده من غيرها، أمّا الموجودات المتشيّئة من أحجار وأنهار فهي ليست عالمًا، إلا بقدر ما تنتظم ضمن السَّيرورة التأويلية الإنسانية. وأمام هذا، فما هي المعاني إلى العالم التي نطق بها الخطاب اليوناني وعكست نمطًا من أنماط علاقته التأويلية بالوجود؟ وكيف كان لها الأثر في خلق صورة العالم الإنساني وتعيين رموزه؟

أ- المعنى الأسطوري والتّعبير الشعري:

ابتدأنا بهذه الرؤية الأسطورية إلى العالم؛ لأنها تختلف عن التَّفكير المنطقي الذي يتخذ من نظرية المعرفة قِوامًا له، فهو لا يُشاهد الموجودات تصفُّحًا لأجل الحصول على المعنى الكلي أو المنطقي على طريقة النّظر العلمي، وإنما يتَّخذ من الحدس ركيزته الأصلب في فهم العالم وتلوينه بالمعنى، “ويكون الحاضر المحسوس من الضَّخامة بحيث يتضاءل أمامه كل ما سواه، فيبدو للشَّخص الذي خضع إدراكه لسحر هذا الموقف الأسطوري – الديني وكأن العالم بأسره قد أعدم من الوجود… وهذا الحصر لجميع القوى في نقطة واحدة هو الشّرط اللَّازم للتَّفكير الأسطوري برمته والصياغة الأسطورية برمتها”[9]. ومن سمات المنحى الأسطوري الالتجاءُ في اللغة إلى عوالم الشعر والتَّرميز وليس القانون أو الاختزال المفهومي، وكأنَّ الوجود في أصله قد ابتدأ يكتب حروفه شعرًا وليس نثرًا، وتؤكد هذا الإقرارَ المقالةُ الفيلولوجية من أنّه “في مسعى علم اللغة الحديث لإيضاح أصل اللغة، رجع مرارًا إلى قول هامان بأن الشّعر هو اللغة الأم للإنسانية؛ وقد أكّد باحثو علم اللغة على حقيقة أنّ الكلام لا يجد جذوره في الجانب النّثري من الحياة، بل في الجانب الشّعري منها”[10]. وأمام هذه الإشارة الأوَّلية في القول على الرؤية الأسطورية، فإن مُؤرّخة الفلسفة يعدونها الحقبة الفلسفية السَّابقة على حقبة الرؤية الطبيعية أو المادية إلى العالم، إنها طافحة بالسر الروائي الشفوي والقَصَص الأسطوري وإلباس القداسة على الحوادث والشَّخصيات التي تدور في مدوناتها، وتعد القصيدتان الملحميتان التَّأسيسيتان للثقافة اليونانية الإلياذة والأوديسة[11] لهوميروس الشَّاهد الأمثل على البنية التَّكوينية الأسطورية للثقافة اليونانية، وهنا “عند الفجر المضيء للتراث الأدبي الغربي، تم التقاط الحساسية الأسطورية البدئية، حيث كانت أحداث الوجود الإنساني تُرى وثيقة الارتباط بالملكوت الأبدي للآلهة ومغتنية به. فالرؤية الإغريقية القديمة كانت تعكس نوعًا من الوحدة الحقيقية بين الإدراك الحسي المباشر والمعنى الأزلي، بين الظّرف الخاص والدّراما الكونية، بين نشاط الإنسان ودفع السَّماء”[12]. وقد أُضيف إلى هذه الصور الأسطورية ذات الشَّكل الأدبي، صورة أخرى تحكي سبل استكشاف أعماق الإنسان ومصيره، وقد كافح عن هذا مؤلفو التراجيديات (المآسي) الإغريقية الكبار آسخيلوس، وسوفوكليس، ويوربيدوس”، فعلى مسرح المهرجانات الدينية الديونيسية في أثينا، كان الإحساس الإغريقي الصَّارخ بما هو بطولي، موزونًا، وفي علاقة عضوية مع وعي لا يقل حدة بالألم والموت، والقدر، ويعبر عن نفسه في سياق الدّراما الأسطورية. وتمامًا كما كان هوميروس يعد معلم اليونان وأستاذها، كان مؤلفو التراجيديات معبّرين أيضًا عن روح الثقافة العميقة ومشكّلين لطابعها الأخلاقي. من خلال العروض المسرحية، كما عبر الأعياد الدينية الجماعية، بوصفها أحداثًا فنيةً”[13]. لقد كانت هذه الرؤية في فهم العالم محل إعجاب وثناء واستثمار من الفلاسفة المعاصرين، ونعني هنا فريدريش نيتشه الذي عمل على بعث الحياة في التراجيديا اليونانية، واستعادت معه الرموز الأسطورية دورَها؛ إذ أوكل لها مهمة إصلاح الثقافة التي فقدت الفن بعد أن هيمنت عليها الثقافة العقلانية، وتُسَمَّى هذه المرحلة من نشاطه الفلسفي، بمرحلة ميتافيزيقا الفنان، أو التَّفسير الجمالي للعالم، وهو تفسير يتخذ من الأسلوب الفني بُرَاقًا له، يركب عليه كي يخاطب النَّاس قائلًا: “أجل، هيا معي أيها الأعزّاء لندخل معًا رحاب الإيمان بالحياة الديونيسية وبعث التراجيديا ثانية. لقد ولّى عهد الثقافة السقراطية… افخروا بأنّكم أصحاب التراجيديا؛ لأنّها المخلّص لكم. إنّ عليكم أن تنضموا إلى مواكب ديونس المتواصلة من الهند حتى بلاد اليونان! واستعدوا لخوض معركة فاصلة، لكن عليكم أن تؤمنوا بمعجزات الرب!”[14].

لنقل إذن، إن الشَّبكة الأسطورية في تأويل العالم ليست خطًّا زمنيًّا انقضى أو ولَّى مع توسُّع العقلانية، وإنما بات يغذّي نمطًا من أنماط العقلانية في مجالات حديثة جدًّا، فإذا كان المعاصرون اعتقدوا أنّهم بلغوا قوة النَّشاط العقلاني؛ “فإن الأديان لا تزال قائمة، فقد انتشرت الأسطورة المذهلة الخاصة بالدّولة الوطنية في القرنين التاسع عشر والعشرين، واستمر المجال الأسطوري/ السّحري في البنية النّفسية العميقة للأفراد وفي الاعتقاد في الأرواح والأشباح، ولا تزال الافتتانات إلى حدٍّ ما قائمة؛ كما انتشرت أشكال جديدة من الميثولوجيا عبر الأفلام ونجوم السينما”[15].

وإذ عرف هذا؛ فإن اللَّازمة الاستنتاجية، تجعلنا نصرف سعينا إلى القول إنّ نظام الاعتقاد الديني ورسوم المخيّلة مضمومًا وشكلًا، هما خلف إنشاء هذا الطراز من التّأويل الفني والديني للعالم، وإنَّ تداخل الدّيني والفني مرده إلى أن كليهما أثرٌ من آثار الرُّوح في العالم، فالدّين يعبر عن الحقيقة رمزيًّا، بينما يعبر عنها الفن حسيًّا كما حلّل ذلك هيجل؛ ولذا، فإن الشُّعراء الثلاثة وهم أورفي وهوميرس وهزيود وقصائدهم تماثل النُّصوص المقدسة في خطابها اللُّغوي ورمزيتها وحيويتها الطّافحة بالدَّور في الوجود، فهي مصدر من مصادر شحن الإرادة بالفاعلية والقوة وإرادة الانتصار، خاصة وأن السّمة السَّائدة للبيئة اليونانية آنذاك أنها كانت بيئة صراعية ومعقدة.

ب- المعنى الطّبيعي والتعليل السَّببي:

ضمن هذا المرفق من مرافق الرؤى اليونانية إلى العالم، هدَأ دوي الأساطير وجرى التحكُّم بالمخيّلة بوساطة جهد التَّفسير العقلي للظَّواهر، وبات الهاجس هو كيف نفسر الطَّبيعة وظواهرها انطلاقًا من مبدأ الطَّبيعة ذاتها، وليس انطلاقًا من الآلهة المتوهمة أو الأساطير المنسوجة، “إنّ بنية الكون الهندسية تمنحه تنظيمًا من النّمط المتناقض مع التّنظيم الذي تضفيه عليه المعتقدات الخرافية. ولم يعد أي عنصر أو جزء من العالم يجد نفسه متميّزًا على حساب العناصر أو الأجزاء الأخرى، ولم تعد أي قوة فيزيائية في الوضع المهيمن للمَلِكِ الذي يمارس سلطته على كل شيء”[16]. وبالإشارة إلى هذا التحوّل في التفكير ضمن معهود التواريخ الفلسفية، رُسّمت بداية الفلسفة، فهي فلسفة لأنها لا ترى في العالم عِللًا مفارقة أو صراعات في الرؤية، وإنّما ترد الجزئيات الكثيرة إلى مبدأ واحد في التفسير، فرد الكثرة إلى الوحدة ملمح من ملامح تشكل الفكر الفلسفي، وكأن التَّعليل المادي الأُحادي هو روح التَّفلسف. لقد أضحت مقولات التَّفكير هي الماء أو الهواء أو النار، ولم تعد أشعار هوميروس أو هزيود مصادر يُعول عليها في معرفة العالم، “ومع مرور الزمن، كانت هذه المواد الرئيسة (أي الماء والهواء والنار) ستكف عن كونها متوافرة على نعمة الألوهية أو العقل، وستغدو، بدلًا من ذلك، مفهومة على أنّها كيانات مادية خالصة تتحرّك ميكانيكيًّا بفعل المصادفة أو الضّرورة العمياء، غير أن تجريبية طبيعية بدئية كانت قد ولدت، ومع تزايد عقل الإنسان قوةً زاد النفوذ السيادي لقدماء الآلهة ضعفًا”[17].

إن جمهرة الفلاسفة الذين فكَّروا ضمن هذا النّظام المعرفي الذي يرتكز على المادة كمقولة تفسيرية، لم يتحرّروا بصورة نهائية من الدّلالات الحدسية، ويخبرنا نيتشه هنا عن الطّابع الحدسي الذي ميّز هذه النَّمطية من التفكير، فطاليس مثلًا المشهور برد أصل العالم إلى الماء، لم يقل ما قال إلا لكي يتقاسم ما رآه مع الآخرين، “ويتعلّق الأمر في الحقيقة بانتقالٍ مجازي إلى دائرة ولغة مخالفين، وهو انتقال لا يمكننا بتاتًا أن نعول عليه، وهكذا يكون طاليس قد رأى وحدة الوجود؛ ولكنّه حين أراد التّعبير عنها تحدّث عن الماء”[18]. إذن، فالأصل في رد الكثرة إلى الماء، هو الإيمان بوحدة الوجود، وهي كما يبدو وحدة وجود مادية ظاهرة، متلاحمة مع اللوغوس أو العقل، فلا عقل بلا طبيعة ولا طبيعة بلا إدراك عقلي، ويسري هذا الوصف الخاص بالالتقاط الحسي والحدسي لأصل العالم، لدى كلٍّ من أناكسماندر وهيرقليطس، فقد أبصر الأول “في تعدد المخلوقات كمًّا من الآثام التي يجب التَّكفير عنها؛ وبالتَّالي، فسيكون أوّل إغريقي وضع يده بجرأة على عقدة المسألة الأخلاقية الشَّديدة التَّعقيد”[19]، بينما سار الثاني أي هيرقليطس إلى مسح هذا التأويل، ولم يبصر أيّ آثام في حركة الوجود، إنّما أبصر العدالة الوحيدة أو براءة الصَّيرورة “العالم لعبة زيوس، أو بعبارة فيزيائية، لعبة النّار مع نفسها؛ بهذا المعنى وحده يكون الواحد متعددًا في الوقت نفسه”[20]. إن مقصود نيتشه بهذه القراءة، أن الحدس والرؤية الجمالية إلى العالم، هي السّمة التي ميّزت جمهورية العباقرة هؤلاء (طاليس، أنكسيمانس، أنكسماندريس، هيرقليطس..)، أما إسكانهم ضمن الحركة العلمية والتفسير العقلي لأصل العالم، فهي لا تعكس المدلول الحقيقي لكلمة الحكيم التي تعني الإنسان الجيّد الذّوق sisyphos (المتذوق). وما شاهده نيتشه من تشابه بين هؤلاء، هو القول بوحدة الوجود، انطلاقًا من مبدأ تفسيري واحد: الماء أصول العالم (طاليس)، الصيرورة آثمة وهي تكفر عن الآثام (أنكسيماندر)، براءة الصيرورة وعدالة الصّراع (هيرقليطس).

يتضح لنا إذن، أن الانتقال التدريجي من مرفق الدّين والخيال إلى مرفق الطبيعة (الفيزيس) واللوغوس (العقل)، هو حركة النّظر الإنساني من عوالم المعنى إلى عوالم الطبيعة، من الشّعر إلى النثر، من القداسة إلى الدّليل، من رسوم المخيّلة إلى التَّعليل الطبيعي، مع امتداد ظلال الأسطورة والدين ضمن هذا النسق التفسيري نفسه، وبيان ذلك هو الإرجاع إلى مبدأ واحد أو عنصر واحد في التفسير، وهذا في مدلوله الأعمق استمرار للألوهية لكن بملفوظات أخرى وصور أخرى أيضًا.

ت- المعنى الأخلاقي وإكْساب الفضيلة:

بعد أن سادت النّظرية الميكانيكية إلى أصل العالم، وتعدَّدت العناصر التي تفسره، جاءت الرؤية الثالثة من رؤى العالم اليونانية؛ إلا أن عالمها ليس هو الطَّبيعة أو مكوناتها أو عوالم المعنى والرمز، وإنما الإنسان والمطالب العملية التي تكتنفه في مجرى حياته، والأدوات التي يستعين بها لأجل تحقيق النَّجاح. وضمن هذه المرحلة، يعلو الخطاب السوفسطائي برؤيته النّسبية وغاياته العملية، ومن أُولى الآليات التي استند إليها السفسطائيون آليةُ هدمِ الأحكام الدّينية المسبقة، وتعليق الأحكام بشأن وجودها من عدمه؛ لأن مطالبهم عملية وليست نظرية، ومهاجمة ذهنية الأساطير التي كانت لها المنقبة العلية والمنزلة الرفيعة ضمن الحقبة الأولى؛ حيث نظروا إليها بكونها حكايات مجازية لا حقائق واقعية. ولما كان اللُّوغوس هو ابن الخطاب فإن “العقل بالنّسبة إليهم وجه الإنسان الذي يتكلّم، يتّصل بامتلاك اللغة، بطريقة بناء الخطاب، وبطريقة التَّعبير عن الفكر، ومن هذه الناحية ثمة شبه بين العقلانية وتقنيات الإقناع. المقصود تعلّم المناقشة، وتنظيم مناظرة خطابية. بالفعل أسهم السفسطائيون وهم معلمو الفكر والمناقشة في بناء عقل سياسي واجتماعي، وإذ وضعوا تقنيات الخطابة؛ أسهموا في بناء العقل بكونه ملكةً اجتماعية تؤثر في الناس[21]. وهم بهذا المنحى في التفكير، أرسوا مراكز جديدة للخطاب الفلسفي، هي: الذَّات الإنسانية محور التَّفكير، والمدينة والحياة المشتركة هما مسكنه. وعيّنوا فضائل أخرى للإنسان، منها: الملكة اللغوية البلاغية، وعَيْنُ العقل الحديدة، وتمجيد الفردانية، ونسبنة (من النسبية) وتزمين (من الزّمن) الأنظمة الثقافية والأخلاقية، وبسبب هذه القرارات الفلسفية الحاسمة “باتت مكانة الإنسان أعظم من أيّ وقت مضى. بات متزايد الحرية وتقرير المصير واعيًا لعالم أوسع يضم ثقافات ومعتقدات، إضافة إلى ثقافته وعقيدته هو، مدركًا لنسبية القيم والعادات الإنسانية ومرونتها، منتبهًا لدوره الخاص في إيجاد واقعه”[22]. إلى جانب هذه الرؤية النّازعة نحو الحركة والنَّجاح؛ والمرتكزة على النّسبية والمنظورية والفردية، كانت بالمقابل رؤية أخرى تترافق مع الرؤية السُّوفسطائية في توجيه الفكر نحو الإنسان؛ لكنها تفارقها في طبيعة هذا الإنسان وفي طبيعة النّظام الأخلاقي المرغوب. وقد كان سقراط رائد هذا المنحى في التفلسف، خاصة وأنّ جهوده كانت في رهاناتها الخفية إصلاحية للاعوجاج الذي أصاب الفلسفة اليونانية في “وسط انهيار مُثل الحقيقة والأخلاقيات من جرّاء السفسطائيين [فَقُدّر] عليه أن يستعيد النظام من وسط الفوضى وإدراج السّويّة في الحياة الثقافية المفكّكة في ذلك العصر”[23].

وفضلًا عن هذا الجهاد الفلسفي السقراطي ضد اعوجاجات التفكير السفسطائي وانعكاسات ذلك على نظرية المعرفة ونظرية الفضيلة؛ فإنّ من مسوغات حركته الفلسفية أيضًا، ذلك التَّعارض المُشاهَدُ بين الفيزيائيين الأوائل في تنقيبهم عن مبدأ العلّة الكافية “بلغة شوبنهاور” التي تفسر تركيبة العالم؛ ذلك لأنّهم بدلًا من أنّهم يحلّون التَّماسك والانسجام التفسيري والوحدة النّسقية، تراهم أحلّوا التَّشويش والاضطراب، ولسان حال سقراط يقرّر أنَّ “تفسيرات تلك النّظريات للكون القائمة على التّعليل المادي وحده، غافلة عن الذّكاء الهادف في العالم بدت له ناقصة، وقد رأى أن مِثل هذه النّظريات لم تكن متماسكة مفهوميًّا ولا مجدية أخلاقيًّا؛ مما دفعه إلى التحوّل عن الفيزياء وعلم الكون (الكوزمولوجيا) إلى الأخلاق والمنطق. كيف يجب على المرء أن يعيش؟ وكيف يتعيَّنُ عليه أن يفكّر بوضوح وكيف يجب أن يعيش؟ أصبح هاجسه الطَّاغي وكما كان شيشرون سيعلن بعد قرون فإن سقراط (قد أنزل الفلسفة من السماوات وغرسها في مدن البشر وبيوتهم)”[24]. إذن يمكن لنا صرف سعينا إلى أن خصوم سقراط الذين ناظرهم هم الفيزيائيون الأوائل الذين لم تنسجم نظرياتهم التفسيرية وكذا النَّزعة السفسطائية في التفكير. إن سقراط “يُنَحّي جانبًا جميع المشكلات مثل المشكلة المتعلّقة بأصل العالم أو طبيعة الحقيقة المطلقة… إنّه يندد صراحة بمثل هذه التأمّلات ويعد هذه المعرفة كلها بلا قيمة بالنّسبة للمعرفة الأخلاقية. معرفة الإنسان. لقد اعتقد أن الرياضة والفيزياء والفلك ليست أشكالًا ذات قيمة للمعرفة. وقد قال إنه لن يتعوّد أن يتجوّل خارج المدينة لأنّه لا يوجد شيء يمكن أن يتعلّمه من الحقول والأشجار”[25]. وبعد هذا الإقرار النقدي، يبني سقراط معماره المنهجي، الذي يتأسَّس على الاستقراء الكلي والتَّعريف، فروح العقل عنده هي تكوين المفاهيم، وكأنَّ تصميم عقولنا يقودنا إلى تكوين المفاهيم. والمفاهيم ذات وجود موضوعي ومستقل عن الذَّات التي تدرك إدراكًا حسيًّا ذاتيًّا، وفي الآن نفسه تلتقط طبيعة الأشياء وتحوزها وتتملكها، ولم يكن الغرض من التعاليم السقراطية هو المعرفة الخالصة أو المنطق المجرّد، بل الحياة العملية والأخذ بالعقل العملي إلى رتبة الفضيلة؛ ولذا فإن المحرك الخفي لمنهج الاستقراء الكلي والتعريف السُّقراطييْنِ هو الأخلاق. وتكون تربية الذَّائقة الفلسفية على الوعي بكلية المفاهيم: (الخير، العدالة، الفضيلة، الحصافة…) سدًّا حصينًا أمام السفسطائي الذي يروم الدّفاع عن معقولية الإدراك الحسي الذاتي وعن منظورية الفضيلة الأخلاقية. وإذا كان السوفسطائي ينشر التَّعليم ويعلم البلاغة جامعًا للثروة؛ فإن سقراط عاش رسالته الفلسفية متحررًا من الطمع مما في أيدي الناس، ناشرًا للفلسفة التي هي الفضيلة بين الشباب وملقيًا النور دومًا على المعاني الكلية المبثوثة في روع كل إنسان، وداعيًا إلى التيقُّظ من الغفلة الإدراكية التي يعيش أغلب الناس فيها وهم لا يشعرون.

إننا أمام رؤية إلى العالم لا تحيل إلى الدلالات المتعالية، أو التفكّرات المنفصلة عن الفضيلة، وإنما رؤية ترفع التقطيب بين النّظر والعمل، بين المعرفة والفضيلة، والآكد أنّها تجعل من المعرفة هي النّور الهادي إلى الفضيلة، وبهذا يمكن أن نسمي هذا النَّمط من التفلسف بالرؤية الأخلاقية إلى العالم. وبدورها عرفت هاته الرؤية صياغتها النَّسقية المُثلى مع التلميذ “أفلاطون”، خاصة وأنّ أفلاطون قد شاهد فساد النّظام السياسي واستبداده، الذي حكم على سقراط بالموت من غير مسوغات قانونية وجيهة، وشاهد الهدم المنهجي الذي مارسه السفسطائيون للمُثُل الأخلاقية، فكان منطلقه في تكوين فلسفته، الأخذ بالجدل السقراطي من مكانته التَّعليمية التَّوجيهية التّوليدية، إلى دور أُنطولوجي مشتبك مع حركة الجدل الصَّاعد والنازل، كما أنّه بنى على نظرية المفاهيم التي طوّرها سقراط، والتي شكّلت ثورة في الفلسفة “وعلى تطوّرها” أي نظرية المفاهيم “تأسّست فلسفة أفلاطون بكاملها، ومن خلال أفلاطون تأسّست فلسفة أرسطو وفي الحقيقة المثالية التالية كلها. والتأثير المباشر لهذه النّظرية على أيّ حال هو تدمير تعاليم السوفسطائين”[26]. ولبيان هذا الاقتران المنهجي بين سقراط وأفلاطون يلزمنا الرجوع إلى محاورة من المحاورات، ولتكن محاورة مينون أو في الفضيلة؛ لأنّنا نستخرج منها الآليات التي شغّلها سقراط في انشغافه وافتتانه بماهيات الأشياء وزهده في الجزئيات، فسقراط كما يتبدّى لنا في المشهد الحواري بينه وبين مينون يوظّف آلية المماثلة في بحثه عن الفضيلة كمفهوم، معترضًا على مينون عندما أجاب عن سؤال ما الفضيلة بإجابات مجزّأة، كالنّظر إليها بكونها القدرة على إدارة شؤون الدولة، أو الإتيان بالضّرر للأعداء، أو قيام المرأة بواجبها في حسن إدارة منزلها… بحيث أنه ليست مدعاة للحيرة إيضاح ما الفضيلة؛ لأن هناك فضيلة لكل منّا بإزاء كل عمل من الأعمال، وبحسب كل نوع من أنواع النشاط وكل عمر. وكان اعتراض سقراط على مينون بما يأتي:

“ما أعظم الحظ الذي يقع عليَّ يا مينون: فقد كنت أبحث عن فضيلة واحدة، وإذ بي أمام خليّة من الفضائل تسكن عندك… ولكن يا مينون، إذا أنا سألتك، حتى تتابع ذلك التَّشبيه، تشبيه خلية النحل، إذا أنا سألتك عن الجوهر الذي يكون طبيعة النَّحلة، وقلت لي إن هناك منها الكثير ومن كل نوع، فماذا أنت قائل إذا أنا سألتك: ولكن هل تقول إن النَّحل كثير ومن كل نوع ومختلف أم على العكس من ذلك لا يختلف بعضه عن بعض من حيث هو نحل..

مينون: ها هو ما سأجيب به، أن أفراد النحل لا تختلف بعضها عن بعض من حيث هي نحل.

سقراط: ولكن الحال هو نفسه بخصوص الفضائل: فمهما يكن من كثرتها ومن تنوّعها؛ إلا أنها تمتلك جميعًا صورة معيّنة واحدة بما هي تصير فضائل، وهي التي لا بد أن يضع عينه عليها ذلك الشخص الذي سيجيب إجابة صحيحة عن السؤال الذي أُلقي عليه حتى يوضح ما هي حقيقة الفضيلة”[27]، نحن إذن إزاء تركيب وبناء يمكن رصد مكوّناته – أي النّظرية الأفلاطونية – في:

– “المعرفة موجودة (سقراط).

– لكن كيف تكون ممكنة؟ يكون ذلك بفضل الوجود المسبق للنفس والتذكّر (العلم هو التذكّر) والتعامل مع الموجودات الحقيقية، أما الجسد والحواس فهي بمثابة حجب مايا”[28].

ونحن هنا ربطنا بين سقراط وأفلاطون لتماثلهما في طبيعة الرؤية إلى العالم، أي الرؤية الأخلاقية التي ترى في الحواس واتباع الشهوات المنبع الأصلي للخطأ في المعرفة؛ ولذا أخذ أفلاطون بهذا المنظور إلى أقصى غاياته، بأن رسم دورًا للفلسفة كما لو أنّها أداة تطهير النّفس من علائقها الحسية، والإبصار في المفاهيم المجردة والمثل الثابتة موطن الحقائق الأزلية المحجوبة عن الإنسان في الوجود الحسي الأوّل. وبناءً على هذه المقدمة يرسم أفلاطون دورًا للتربية لا ينحصر في التعليم العلماني ولا حتى في تقوية العقل العملي بالفضيلة، وإنّما يكون للتعليم أيضًا عشق أبدي للمثل، وتكون المثل هي العلامات التي يهتدي بها الإنسان نحو المطلق، وبهذا حرّر أفلاطون التربية من آفتين هما: آفة النزعة السفسطائية التي جعلت من التربية وسيلة لاستمالة الناس وتَكَسُّب الأرباح. وآفة النزعة الروحية الخالصة التي انحصرت التربية عندها في تقوية دائرة الروحي. وإذ يؤكد أفلاطون على أهمية تربية الفيلسوف كي يكون خليقًا بالتّدبير السياسي للمجتمع من جهة، وفي الآن نفسه ربطه المتلقي بالمثل الخالدة على حساب الظواهر، وتفضيل العقل والروح على المادي والحياة الروحية فيما بعد الموت على الحياة المادية الحاضرة، فإنه يكون قد استطاع أن ينشئ نموذجًا تربويًّا فريدًا يكون الفيلسوف هو نجم المجتمع والعلامة التي يهتدي بها الناس نحو الحق والخير والجمال.

ثالثا- معاني العالم وملكات الإنسان:

تبين لنا إذن الشكل التَّعددي لمرافق الرؤى إلى العالم في الثقافة اليونانية، وباتت الفلسفة تبعًا لهذا الإجراء المنهجي تُكاشف السّمات الكلية بوصفها المرتكزات المتينة التي تغذي أقسام الفلسفة الأخرى وتُلقي عليها الألوان التي تتميز بها عن غيرها من الرؤى، والنّاظر في هاته الرؤى الثلاث التي أوردناها (المعنى والطبيعة والإنسان) يتفطّن إلى أنّها تعكس مكونات أو طبيعية تكوينية لبنية الإنسان الأصلية، بما ينتج عن هذا الإقرار معاندة الرؤى الاختزالية التي تبصر في الإنسانية إما وعيًا روحيًّا خالصًا (الرؤية الأسطورية) أو عقلانية طبيعية كافية (فلسفة الطبيعة) أو مطالب أخلاقية فاضلة (العقل العملي). إن الإنسان هو هذه جميعًا في تركيبة مترابطة تبادلية وتكاملية، فالقَصَصُ الأسطوري هو علامة على أن في الإنسان ملكة التَّحليق بالأجنحة وإرادة القوة والبحث عن منابع لشحن الفاعلية بطريقة شعرية؛ لنقل إذن بـــ”أنَّ الأساطير في المجتمعات القديمة التي تحيا ميثولوجيتها، تظهر لنا بمثابة الدعامات للفعل الإنساني والعوامل المنظمة للوجود الجماعي”[29]، ويسمي إدغار مروان هذا الوعي بـ”الحالة الجمالية، ويعني بها حالة ثانية من الابتهاج والرضا والانفعال والمتعة والسعادة… إنّه انفعال وشعور بالجمال وبالإعجاب وبالحقيقة، فإذا بلغ الذّروة كان شعورًا بالسمو… [وحسبه] تقوم الجمالية والمتخيّل بفعل مشترك: تغذي الجمالية الخيال ويُغذّيها الخيالُ جزئيًّا: (الملاحم، الروايات، الأشعار، المنحوتات)[30].

أما صيغة الرؤية الطَّبيعية/ العقلانية إلى العالم، فهي إفصاح عن جزء من أجزاء الإنسان البادية؛ هي الكتابة النثرية والحساب والتَّعليل الحسي للظواهر ولفت النّظر إلى الجسد والطبيعة، وإذا كانت الصيغة الأسطورية ترى بأن الإنسان يسكن في العالم شعرًا وخيالًا؛ فإن الصيغة الطبيعية ترى بأنه يسكنه كما يظهر في ماديته ويَتَعَقَّلُه بأدوات إدراكه الحسية “العالم المؤلّف من الأشياء كلها، هو عالم واحد يسري بين هذه الأشياء إله واحد، ماهية واحدة، قانون واحد، وعقل مشترك بين الكائنات الحيّة العاقلة كلها، وحقيقة واحدة[31]. وتعبر هذه الأحادية عن اطراح نسقين متداخلين هما: النَّسق العقلاني والنَّسق الطبيعي، وحَّدت بينهما الرُّؤية الفيزيائية لدى الطبيعيين الأوائل؛ إذن، يبدو لنا أن الإنسان العاقل/ الطَّبيعي قد تخارج وعيه من الوعي الذاتي الخاص إلى الوعي الخارجي في الطّبيعية، ونتج عن هذا التّخارج لفت النّظر إلى أهمية الوجود الفيزيائي المحسوس وقيمته، الذي بات هو نطاقه المركزي ونموذجه التفسيري في بناء العلاقة بين الكائن والوجود.

وإذ عرفنا تينك السّمتين الخصّيصتين بكلٍّ من الأسطورة والطَّبيعة/ اللوغوس وتحقق غرضنا؛ فإنّنا نمضي إلى بسط منزلة الإنسان ضمن نسق العقل العملي أو التّخليق بالفضيلة، فباتت منزلة الإنسان هنا محور الدائرة ومركز المحيط، الإنسان مفهوم بالمعنى الأخلاقي خاصة لدى سقراط وأفلاطون، فليست الطبيعة هي المركز، ولا رسوم المخيّلة التي تتعدَّى الواقع وتخترق التاريخ؛ بل هذه مجتمعة إن هي إلا أدوات لأجل بناء الإنسان بناءً أخلاقيًّا روحيًّا، والأخذ بيده نحو الخير، بناءً يتجاوز مطالب الجسد ويُصيّر رغباته وشهواته مستسخرة أمام موجبات العقل والقيمة العليا للخير؛ لذا فإن مقولة الخير هي المقولة التي تستقطب وتُسَوغ الفعل البشري في الواقع؛ وبالتالي فإن “المسألة الأخلاقية لا تطرح من دون وجود إنسان يعرف ويرغب ويتأثّر، كلّما توجّه التّفكير الأخلاقي، بصفته فلسفة عملية، نحو الفعل البشري والممارسة كان علينا أن نعد فكرة الخير المفهوم المفتاح للفلسفة الأخلاقية، فهي تحفظ الصّلة بين التَّحفيز وبين الأخلاقية وتجعل من الممكن أن نتصوّر هذه الأخيرة كشكل من أشكال المرغوب فيه”[32]. إن منزلة الإنسان الأصيلة تتعيّن تبعًا لعلاقة الكائن بالخير، فكلما توجه ببصره وعمله نحو الخير وجاهد نفسه وزكاها كان خليقًا بالإنسانية التي لأجلها وجد، وكأن الإنسان هنا تتحقق إنسانيته بقدر ما يتحقق بالخيرية، فإن هو قام بالفعل تبعًا لموجبات الخير؛ فقد استكمل الإنسانية، وإنْ هو انسلخ عن الخيرية فإن إنسانيته تعدُّ ناقصة بالإضافة إلى الصورة الأكمل التي رسمتها الخُطاطة الأفلاطونية.

جلي إذن، المنزلة الرفيعة والشّأن الجليل للإنسان عندما يتحقق بالفضيلة لدى كلٍّ من سقراط وأفلاطون، فإذا كانت الفضيلة قد انحصرت عند سقراط في الوجود الإنساني الأوّلي، فإن أفلاطون ربطها بالوجود الأزلي وبدروب الفعل التربوي السياسي؛ لأجل تحرير الممارسة الأخلاقية من المطالب الظّرفية والرهانات المصلحية الحيوية، ونظرًا لهذا الإقرار استطاعت مقولة الخير الأفلاطونية أن تصمد أمام الانتقادات في تاريخ الفلسفة، وأن ترسم حقبة زمنية وفلسفية طويلة، وأن تؤثّر في أنظمة الثقافات الأخرى مثل الثقافة الإسلامية، التي استثمرت الموروث اليوناني خاصة الأفلاطوني لأجل إنارة الدروب نحو العمل الصالح، فكان تمجيد المقالات الأفلاطونية جليًّا، مثل: المعرفة تذكّر، العقل أسمى من الحس، توجد العلوم مركوزة في النّفس، الانسلاخ عن الشهوات وإماطة الأهواء هو الطريق نحو الخير. مما تقدّم يتّضح أن الموروث الفلسفي اليوناني قد دارت رؤاه حول العالم على ثلاثة مرافق:

أحدها مرفق الرؤية الدينية والأسطورية، التي بكّرت بها الثقافة اليونانية في سياق حاجة الإنسان إلى ملء العالم بالمعنى وإمداده بمصادر روحية؛ لشحن الفاعلية وإرادة القوة. وهذه الرؤية سوغت الفعل وملأت الفراغ الأنطولوجي بالدالات المعنوية.

والثاني، مرفق الرؤية الطبيعية، وهنا انزاح التفكير من القول بالدين والأسطورة، إلى القول باللُّوغوس والطبيعية (الفيزيس)، وأضحت لحمة تفسيرية وقانونًا واحدًا يسري على الممالك كلها (مملكة التأليه، مملكة الطبيعة، مملكة الإنسان).

والثالث، مرفق الفلسفة العملية ومطالب الفضيلة الأخلاقية، وهنا استعاد الإنسان دوره بعد أن سكن الأسطورة واندهش من البنية التكوينية للطبيعة؛ لكن هناك المنحى السفسطائي الذي تمحور نشاطه الفلسفي حول المنفعة والعقلانية الإجرائية، والمنحى السقراطي الأفلاطوني الذي تمحور حول: أنّ المعرفة في روحها طريق نحو الفضيلة، وأن الخير هو أسمى القيم الإنسانية. وقد ظهرت تبعًا لكلِّ رؤية من الرؤى صورة للإنسان مخصوصة، تتلاءم والمقولة التفسيرية المركزية، وقد خَلصْنا أن هذه الرُّؤى الثلاث، تعكس عناصر في البنية التكوينية الإنسانية: نزوعه نحو الخيال واندهاشه من الطبيعة ورغبته في الفضيلة.

خاتمة البحث:

في خاتمة هذا البحث حول الرؤى اليونانية إلى العالم، ومنزلة الإنسان في متونها؛ فإن أهم الاستنتاجات التي نتطارحها في هذه الخاتمة هي متتالية:

حتمية الرؤية إلى العالم في علاقة الكائن بالوجود، وحتمية تعدد الألوان والإمكانات التأويلية؛ فالكائن إن لم ينتهل رؤيته إلى العالم من المرفق الديني؛ فإن مخيلته ستدفع به إلى رسم معانٍ حول الوجود، وحول الإنسان وحول الطبيعة، كي يبني الشَّبكة الإدراكية، والغرض من هذا التلوين للعالم بالمعنى، هو دفع الخوف النفسي من ظلام الفراغ الوجودي، وجلب الأمن الأنطولوجي والنّفسي، وبهذا يرتفع الإنسان من الانحصار في وجوده الطَّبيعي، إلى يفاع الوجود الإنساني الحابل بالمعنى والقيمة.

لم تكن هذه الرؤى إلى العالم، بالأفكار المجرّدة التي يستنبطها الإنسان من عقله بصورة منفصلة عن حركة شبكة الأفكار في التّاريخ والواقع؛ لأن نمُوَّ الأفكار واطّراحها وتَعَدُّد الاجتهادات الفلسفية قد تَقوى عندما كانت هناك تنافسية فكرية وطاقة شعورية؛ “لأن المجتمع الفكري مَبْنيٌّ على التَّنافسية، والمواقف المتعارضة تتنافس من أجل الحصول على الهيمنة، وحتى في داخل الموقف الواحد يوجد قدر محدود جدًّا من الاهتمام الفكري الذي لا يمكن أن يتم تقسيمه على جميع أنصار هذا الموقف… يضاف إلى ذلك، أن تدفُّق رأس المال الفكري والطاقة الشُّعورية في بنية الشَّبكة الاجتماعية هما بمثابة المحفز”[33]. وبموجب هذا الإقرار الأناسي نصرف السَّعي إلى أن الحركة الفلسفية اليونانية قد غذَّاها هذا التنافس والجدال حول مسائل المعنى والطبيعة والإنسان، خاصة وأن معيار المعقولية ضمن سياق نشأة المدينة والدّولة، قد صرف النّظر من العقلانية النّظرية، إلى الحجاج والإقناع وبناء الدليل كمحدّدات شارطة لأيِّ عقلانية ممكنة. والقيمة التربوية التي نستجلبها هنا، أنَّه لا بد لنا من صرف أنظارنا إلى بناء مجتمع المعرفة التداولية والنَّقاش العقلاني والمعايير الأخلاقية الكلية، كي يتشرَّب المجتمع قيمة المعرفة وحضور الوعي والإقناع بالدليل، درءًا لأيِّ استبدادية سياسية أو سلطة معرفية جاهزة أو نسق أيدلوجي مغلق.

من سمات الأنساق الفلسفية اليونانية أنها أنساق مُسافرة بمعقولاتها وليست مقيمة في جغرافيتها، فباتت اليونان لدى شطر واسع من المفكرين المعاصرين في الفكر الغربي، منبعًا للتَّفلسف ومعيارًا للتخلّق وحُكْمًا ذوقيًّا للتجمُّل، وسادت ظاهرة العودات المكرورة إلى اليونان لدى العديد من الفلاسفة، منهم مثلًا: هيجل Hegel ونيتشه Nietzsche، فالأول قال: نعم للتراث اليوناني، والثاني قال: لا للجزء الأكبر منه، وعمومًا فإن الفكر الأوربي الحديث والمعاصر كان قد فتح باب التَّلاقح Réinsémination المتجدد مع الفكر اليوناني، وعدَّ أنّ “إعادة تنشيط العقل تتم عن طريق العودة إلى المنابع اليونانية، من أجل إنعاش رؤية إلى العالم ضد الرؤية اليهو-مسيحية”[34].


[1] يقول نيتشه فريدريتش: “لنعلن إذن عن هذه الأطروحة العامة: اليونانيون هم من أعطى الشَّرعية للفلسفة”.

Nietzsche Friedrich, La philosophie à l’époque tragique des Grecs Traduits de l’allemand par Jean-Louis Baekes, Michel Haar et Marc B. de Launay, Paris, Gallimard, P 09.

[2] انظر مثلًا: فاسيليس جي فتساكس، أفلاطون والأوبانيشاد، لقاء الشرق بالغرب، جدل المقدّس في المنظور الفلسفي الهندوسي اليوناني، ترجمة: سهى الطريحي، سوريا: دار نينوى، 2010.

[3] روس، جاكلين، مغامرة الفكر الأوربي، قصة الأفكار الغربية، ترجمة: أمل ديبو، الإمارات العربية المتحدة: كلمة، 2011، ص 21.

[4] يقول غادامير في كتابه بداية الفلسفة: “إنَّ الموضوعة هي بداية الفلسفة الإغريقية التي تمثّل بداية الثقافة الغربية أيضًا، وهذه الموضوعة ليست مجرّد موضوعة اهتمام تاريخي. إنّها موضوعة تقارب المشكلات الرّاهنة في ثقافتنا الخاصة التي لم تجد نفسها بمواجهة تغيُّر جذري فحسب، وإنّما بمواجهة اللّايقين والافتقار إلى الثقة بالذّات. ترجمة: علي حالم صالح وحسن ناظم، بيروت: دار الكتاب الجديدة المتحدة، 2002، ص 5.

[5] نيتشه، فريدريش، غسق الأوثان، أو كيف نتعاطى الفلسفة قرعًا بالمطرقة، ترجمة: علي مصباح، ألمانيا: منشورات الجمل، 2010، ص 25.

[6] كولينز، راندال، علم اجتماع الفلسفات (التأثير الاجتماعي والسياسي في نشأة الفلسفات والأفكار)، ترجمة: فريق جسور، مراجعة: خليفة الميساوي، بيروت: جسور للترجمة والنشر، 2019، ص 15.

[7] انظر: الملف الذي خصصته مجلة عالم الفكر لموضوع رؤى العالم، المجلّد 40، العدد 03، مارس 2012.

[8] هيدغر، مارتن، الكينونة والزمان، ترجمة: فتحي المسكيني، بيروت: دار الكتاب الجديد، 2013، ص 138.

[9] كاسرر، أرنيست، اللغة والأسطورة، ترجمة: سعيد الغانمي، أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، كلمة، 2009، ص 68/69.

[10] المرجع نفسه، ص 71.

[11] انظر: بوعزة الطيب، الفلسفة اليونانية ما قبل السقراطية (1) الفلسفة الملطية أو لحظة التأسيس، بيروت: مركز نماء للبحوث والدّراسات، 2013.

[12] تارناس ريتشارد، آلام العقل الغربي، فهم الأفكار التي قامت بصياغة نظرتنا إلى العالم، ترجمة: فاضل جكتر، أبو ظبي، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، 2010، ص 40.

[13] المرجع نفسه، ص 42.

[14] نيتشه، فريدريك، مولد التراجيديا، ترجمة: شاهر حسن عبيد، سوريا: دار الحوار، 2008، ص 228.

[15] موران، إدغار، المنهج، إنسانية الإنسانية (الهوية الإنسانية)، ترجمة: يوسف تيبس، المغرب: أفريقيا الشرق، 2019م، ص 43.

[16] فرنان، جون بيار، أصول الفكر اليوناني، ترجمة: سليم حدّاد، بيروت: مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنّشر والتوزيع، 2008م، ص 109.

[17] تارناس، ريتشارد، آلام العقل الغربي (فهم الأفكار التي قامت بصياغة نظرتنا إلى العالم)، مرجع سابق، ص 44.

[18] نيتشه، فريدريك، الفلسفة في العصر التراجيدي عند الإغريق، ترجمة: محمد الناجي، المغرب، أفريقيا الشرق، 2009، ص26.

[19] المرجع نفسه، ص 29.

[20] نفسه، ص 38.

[21] روس، جاكلين، مغامرة الفكر الأوروبي، مرجع سابق، ص 47.

 [22]تارناس، ريتشارد، آلام العقل الغربي (فهم الأفكار التي قامت بصياغة نظرتنا إلى العالم)، مرجع سابق، ص 56.

 [23] ستيس، وولتر، تاريخ الفلسفة اليونانية، ترجمة: مجاهد عبد المنعم مجاهد، بيروت: مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنّشر والتوزيع، ص 90.

[24] تارناس، ريتشارد، آلام العقل الغربي (فهم الأفكار التي قامت بصياغة نظرتنا إلى العالم)، مرجع سابق، ص 59.

[25] ستيس، وولتر، مرجع سابق، ص 99.

[26] المرجع السابق، ص 103. وقيل أيضًا عن فلسفة أفلاطون: “جل الفلسفة الغربية ليست سوى حواشٍ على نصوص أفلاطون”.

Mel THOMPSON. S’initier a’ la philosophie, les grands sujet et les penseurs d’hier er d’aujourd’hui, Paris, larousse, 2014, P 19.

[27] أفلاطون، في الفضيلة (محاورة مينون)، ترجمة: عزّت قرني، مصر: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 2001، ص ص 76-77.

[28] نيتشه، مقدمة لقراءة محاورات أفلاطون، ترجمة: أحمد الجوة، ومحمد الجوة، صفاقس: دار البيروني للنّشر والتوزيع (د.ت) ص 70.

[29] ميسلان، ميشلان، علم الأديان، محاولة في التأسيس، ترجمة: عز الدين عناية، أبو ظبي، المغرب: كلمة، المركز الثقافي العربي، 2009، ص 176.

[30] موران، إدغار، إنسانية الإنسانية (الهوية الإنسانية)، مرجع سابق، ص 148.

[31] أمظر، روس، جاكلين، مغامرة الفكر الأوروبي، مرجع سابق، ص 22.

[32] سبيربير، مونيك كانتو، أدجيان روفين، الفلسفة الأخلاقية، ترجمة: جورج زيناتي، ليبيا، بيروت: دار الكتاب الجديد، 2008، ص 20.

[33] كولينز، راندال، علم اجتماع الفلسفات، مرجع سابق، ص 78.

[34] Edgar Morin, Pencer l’Europe, Paris, Gallimard, 1987, P 95:

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق