مراجعات

ذهان الرأسمالية في فيلم «علاج للعافية»: لقاء بين نظرة التحليل النفسي والفن السينمائي

يوسف عدنان

فيلم علاج للعافية A Cure For Wellness الصادر في 2016، هو فيلم رُعب نفسي من إخراج غور فيربينسكي Gore Verbinski وتأليف جستين هايث Justin Haythe، مبني على قصة مُخرجه. وقد تم تصويره في مواقع ألمانية مُختلفة بما في ذلك قلعة هوهنزولرن Hohenzollerm Castle، التي تُوجد في بادن فورتمبيرغ Baden wurttember، وهي المسرح الذي تدُور فيه تقريبا جُلّ أحداث ووقائع الفيلم. ويأتي هذا المنتوج بعد طُول انتظار تجاوز العِقد، إثر توقُّف اشتراك مُخرجه في هذا النوع، وتحديدا بعد إخراجه فيلم الخاتم The Ring، الذي تميز بالجُرأة والإختراق القوي لذهنية ونفسية المُشاهدين، رغم أنه يُعاني من ثقل طُموحاته وغُموضه الأخرق الذي فوّت عليه إكساء الحِبكة بلحظات تنوير، بل وجعل نهايته تمكث في قعر بئر الحكاية الرّهيب، أو بالأحرى شاشة التلفاز الذي قُدِّرت وظيفته في أن يكون نقطة العُبور من الواقع إلى الخيال.

عندما نكون في حالة عافية، فنحن بطبيعة الحال لن نكون في حاجة إلى علاج، ولن نبحث عنه بالبتة. لكن ما دام هذا المُعطى يفرض نفسه على الذهن ببداهة إلى هذا الحدّ، نتساءل من باب سعينا للكشف عن الجانب اللامرئي أو المفهوم تماما من القصة: لماذا جاء عُنوان الفيلم علاج للعافية بتركيبة لغوية مُتناقضة الدّلالة. بحيث يكون العلاج هنا محمولاً على العافية! الشيء الذي يُوثِّر فاهمة المشاهد ويحشُد قُدراته العقلية والذهنية، كما يُحرك من فُضوله وحدسه لأجل حلّ لُغز التّعبير، قبل حتى أن يُبصِر كوابيس الفيلم وتأخذه متاهات الشاشة التي تتشعّب كالدوائر الحلزونية وتتوافر بكيفية سديمية، لم تعرف معها تعاقُب الأمواج الذُّهانية عند المتواجدين بالمصحة انقطاعا ولا هدوءا حتى حُدود لحظة الذروة وتبخّر العالم اليُوتوبي الحِصن (الدافئ/البارد) (1)، الذي كان يأوي أوهام طبقة مُعتلّة من الرأسماليين، كي لا تُقْدِم على الانتحار أو تنهشها مشاعر العُزلة والوحدة أو تستسلم طوعا لعُبودية مُختارة واغتراب المصير، وهي في كنف المؤسسات المالية الرأسمالية المُمْرِضة لسلامة العقل والبدن والحِسّ السليم.

وما دام الفيلم لم يُهيّء نفسه لنهاية واضحة للجمهور (ما اعتبره بعض النقاد الفشل المُذهل) فإنه ينغمر في مُنحنيات خِتامية مُبهمة، تكاد تُستوعب عند المُشاهِد مثل شخص يكتشف حقيقة ما أثناء  ثواني حُلمه المعدودة، وما هو بقادر على إبقائها حيّة أو حتى التّعبير عنها بكُل وُضوح عند اليقظة – فلا شك أن أبرع المُخرجين في تاريخ السينما، هو الذي يُقحمك كجزء في حُلمه، ولا يرتكب خطأ إيقاظك داخله؛ إذ نحن نكون أمام هذيان غنيّ على نحو مُتطور ومُتغير باستمرار، يُشعرنا على امتداد ساعات العرض بأننا في جوّ من الواقعية السحرية. سيادة كبيرة من الرُهب والخوف والعُنف والسّواد، مِثلما يفعل الرسام بيكسينسكي beksinski في أسلوبه الخاص المعروف باسم تصوير الأحلام.

طوال الأحداث التي كان لوكهارت لولبها، تتناوب لديه لحظات الصّحو (أين أنا؛ ما أنا فاعل بنفسي) مع فترات إظلام عميق اتسمت بفقدانه في الأخير الإتجاه الزّمكاني، ليهرب من دمار عالم مشهم على شفى السُقوط مثل زهقان ذلك الصرصور الآدمي في “لوحة زاحف الليل” وهو يزحف بكل أضراره إلى حيث لا يعلم، تاركاً وراءه الخراب الديستوبي. بل حتّى أن وجه البطل اللاّمح، لم يخن نقل مضمور المعنى، بتلك الضحكة الخبيثة، المُواربة، الأناركية، المُرتسمة عليه، مثل خواء الابتسامة التي عوّدنا عليها شُخوص المدينة الآثمة Sin City  وهم ينجُون بصعوبة من عالم الخراب. إنها تجربة يكون فيها البطل “لوكهارت “الألعوبة والمتفرج والمخرج، رأيناه كيف خرج منها في النهاية، كما لو أنه كان في كابوس أو مريض ملحمة رُعب حالمة (2).

إن لهذا الفيلم بالذات أثر جد بليغ على نفسية المُشاهد ولاوعيه، وهو يُشاهده داخل قاعة العرض. فاللاوعي ليس بمبحوث عنه أو مُخندق في الأغوار، إنه يظهر على السطح، على حافة الهاوية، مثل قشرة الرأس التي تسقط من الجسد، أثر من لقاء الجسد والكلام. كل صورة مثل رسالة دالة في العرض الفيلمي، نقطة للقاء العين واللاوعي. ولن نكون هنا ببعيدين من إفادة المُنظّر السينمائي “جان لويس بودري”، الذي اعتبر من جِهته السينما نفسَها بمثابة استعارة للاوعي وعمل الحُلم. حيث يصف غرفة السينما بأنها شرنقة الأم قبل الولاد؛ ففيها يُمكن للمرء أن ينسى نفسه أثناء تشكيل موضوع ما. وبما أن الحالِم لا يُدرك بأنه يحلُم، بينما يعرف المُشاهد أنه في قاعة السينما. لهذا يستحسن “بودري” الحديث عن الهلوسة الواقعة بين خطّ الإدراك وفورة الخيال.

إذن، ومن مُنطلق الوعي التأملي، ألا يدعونا الفيلم من خلال قصدية عُنوانه إلى التّشكيك في فكرة العافية؟ بصيغة أخرى، هل العافية التي يلهث لتحصيلها نُزلاء المصحة، هي في الأصل المرض و الذُهان المُخاتل الذي ينبغي علاجه؟ أو ليس العلاج المبحوث عنه إذكاء للمرض وهدر للعافية، بحيث يكون المرض وحدَه من يمنح معنى مأخوذ بأمل الشفاء؟ ما هي كُلفة أن تعيش في مجتمع رأسمالي – وسائلي يقُودك إلى ذُهان الكمال، ومنه وهم العافية الناتج عن توهّم المرض؟ كيف لك أن تُبصر الحقيقة مع بشر مغتصبين روحيا و أسرى النُّظم العقلية-الاقتصادية، والطّبية العابثة بالواقع؟ وما معنى أن تُحس في صميمك بأنك لست على ما يُرام، وأنت عالق في بالوعة نظام رأسمالي قائم على الإستلاب والهدر الكياني؟

  1. نداء استغاثة من أقاصي ظُلمات الوعي

يُعرّي السرد في فيلم علاج للعافية عن ضائقة الإنسان الرأسمالي (العُمولي، البنكي، السِّلعي، التِّجاري) بداية بتشخيص دقيق أخذ من لسان السّارد قُرابة عشرة دقائق. وقد يكون هذا التشخيص أشد مُسحة فلسفية مضفاة على الفيلم، تم من خلالها استدراج المشاهد للتفكير وإعادة التفكير في ضرورة النظر إلى مُخلّفات النظام الرأسمالي. بما أن الإنسان هو الجنس الوحيد القادر على التأمل الذاتي. عكس الحيوان، حيث لا تُخبر الغرائز الإنسان دوما بما يجب أن يفعله. الشيء الذي يجعله الكائن الحيّ الوحيد الذي يتمتع بقُدرة انعكاسية، ولغة رمزية، مع إمكانية التفكير في نفسه.

يصف هذا الصوت النظام الرأسمالي بالمرض المبطون داخل الذوات، يتنامى مثل لعاب يترك مرارة عالقة، ويسري تأثيره كدفق صبيب الدورة الدموية في عُروق ضحاياه. إذ هو ليس على الإطلاق أفضل العوالم المُمكنة. فهو يُدمِّر الحياة ويفرض نفسه عن طريق الإرهاب – القوة العنيفة للمال – هيمنة القوى وجماعات الضغط – عنف الملكية الخاصة – المنافسة المحمومة –  النرجسية – تخليع القيم من جوهرها الأخلاقي وتلف المقياس الأكسيولوجي المرجو اتباعه حفاظا على الإنسان من نفسه. نظرة  قاتمة يصورها الفيلم عبر مرآة المصحة عن رأسمالية مُعيّنة تختنق بشكل مُتزايد، بمُمارستها ضُغوطا مُدمّرة على جُنودها ذوي المزامير الشيطانية وعملاء الاقتصاد التحتي (ويعرف أيضا بالسوق السوداءblack market  أو السوق الخفيّة Invisible market)(3). وقد لا تختلف الكثير من القراءات  الفيلمية على تعدّد أدواتها في تأكيد الاستنتاج المُفضي إلى القول – كإستخلاص مُكثف لرسالة الفيلم بالرغم من تنوع ألوانه – بأن الرأسمالية ليست عامل سلام، وأنها تُفضّل الحرب أو الفاشية على التّنازل.

تفتحنا عدسة الكاميرا في مُنطلق الفيلم على بطل الأحداث “لوكهارت” الذئب الشاب من وول ستريت. مُخلص لعمله حدّ الإدمان (وهو عرض من أمراض العصر) وله مكانة مسؤول تنفيذي في شركة خدمات مالية. ظلّ في الفيلم محروما من إسمه الأول، وهو يعني “القلب المُغلق” Lockhart في تطابق دلالي للإسم بالمسمى. ينظر “لوكهارت” بعيُونه الجاحظة من نافذة مكتب يُوجد على عُلو جدّ مرتفع من البناية، كصورة رمزية يختارها المخرج لتقريبنا من حُلم لمس السماء touch the sky عند هذه الحُفنة النرجسية من البشر. يكاد وضع “لوكهارت” المتوثر يُنبِؤُنا بشيء سيءٍ على وشك أن يحُلّ عليه. وهو ما كان بالفعل، بَعد هُنيهة من اجتماعه برؤساه الذين سجّلو عليه بعض المخالفات (اختلاسات) تجعل نهاية مسيرته مضمونة، ما لم يَحمِل حقيبته، ويذهب على وجه السرعة إلى مُنتجع صحي، يقع في مكان بعيد بجبال الألب السويسرية. ومُهمّته إقناع الرئيس التنفيذي للشركة  “بيمبورك” (الحلقة الأخيرة في إغلاق صفقة ذات أهمية للشركة) بالعودة معه من هناك في أسرع وقت، بعد أن ترك لهم أمور العمل مُعلّقة الإمضاءات، واختفى من مشهد السُوق الرأسمالي دُون سابق إنذار. سمكة قرش مالية داخل مخالب مُستشفى غريب، يُنتظر من “لوكهارت” أن يُطلعها بأية طريقة، حتى ينال مُكافأته المذهلة من طرف رؤسائه، وتُمحى خطاياه السابقة.

تقول رسالة بيمبورك المفقود إلى شركته، الرسالة المكتوبة خطياً والمسموعة فقط صوتياً (عن طريق السارد) من خارج البنية التمثيلية للنص الفيلمي، ما يلي: “هكذا نتعامل بكذب وتشتيت الانتباه، المرء لا يُمكن أن يُغمِض عينه عن الحقيقة. لا يُمكن العودة بطواعية إلى الظلام، ما دامت لديك نِعمة البصر. إلا إذا كان لم يُولد بعد”. إن هذه الرسالة هي العُنصر الغائب الحاضر في حبكة الفيلم، إنها الخطاب الذي يُعيد تدوير معنى النص الفيلمي في تمزّقه وعدم اتساقه وفلتاته الدائمة. وهو نفسه الكلام الذي يعُود لينطِق الحقيقة داخل ذات (ذات البطل) لا تعي الموضوع الذي يُنطقها. أليس من الجائز ربط هذه الرسالة التي لم يكن مُمكن أن تخضع للتصوير من طرف الفاعل metteur en scéne والهاربة من ثبات الدلالة، بالرسالة المسروقة La lettre volée العزيزة على المحلل النفسي جاك لاكان ؟!

تُطالعنا قِبلة المصحة التي تدّعي أنها تُقدِّم خدمة نادرة على كوكب الأرض بمنظر جدّ خلاب، ومُمرضات يقظات، ونظام مثالي يُريح الزوار منذ أول وهلة، غير أن هذه المؤسسة المسماة “بمركز للتأهيل” هي علاج للعافية فقط في المظهر الخارجي، ولو أن فضاء المصحة، قد قُدّر في الواجهة الاستعراضية للفيلم كمكان للاستفادة من علاجات التّنقية والتّخلص من ضُغوط الحياة المهنية. هذا العالم اليُوتوبي الوهمي، أي عالم المصحة، يُعدّ مكانا جيّدا لبدء السخرية الاجتماعية Social satire  وأيضا لإضفاء نكهة موضوعية رائعة لفيلم رُعب حالم وفسيح التشبيكات، ذات معاني مُلتوية ومُتضاعفة.

لقد اشتعلت القصة بعد انقضاء الربع الأول من الفيلم ووصول البطل المرسول إلى عين المكان. حيث انحرف السرد عن هدفه، عندما وجد مُقاومة صلِدة من قبل الموظفين والدكتور “ينريش فولمر” مالك المصحة، في مُحاولة منه لإحباط لقائه مع مُديره التنفيذي “بيمبورك”. لتلتفّ الأحداث حول القاصد لا المقصود، وتجعل من “لوكهارت” موضوع اختبار، بعد أن تعرض لحادثة سير خطرة، وهو يقوم بجولة استكشافية للمنطقة رفقة السائق المُستخدم. هذا الطارئ اللامتوقع قد أبدل الخطّ المُقرر للمهمة، واضطرّه للإنتقال إلى المركز، بغرض مُعالجة ساقه المكسورة. وبعد سلسلة من الفُحوصات التي أجريت عليه، تم تشخيصه بذات الأعراض لدى الأثرياء المُنوّمون، أفراد المنتجع الصحي. أخيرا سيلتقي “لوكهارت” بمدير المستشفى “فولمر” الذي يخطف الانتباه بمظهره المنحوث كضابط أو رجل سُلطة قديم. يحمِلُ نفسه كسفير للعقل وخادم العافية. لكنه يُعيد في أفعاله إحياء آثار من شخصية “جيسون أيزك” في ملحمة بوتر (وهو طبيب إمبراطوري سادي).

لقد كان البطل لوكهارت يشعر وهو موجود في المصحة بنوع من “المراقبة الهرمية”، أوحى لنا بها أول مشهد استضافه فيه رئيس المستشفى داخل مكتبه. فبمجرد دخوله، تنظر له كاميرا صغيرة مستورة في عين رأس غزال بري مثبت على الحائط. وهو ما يجعلنا نشعر معه أيضا أن للمكان عيون وبه سلطة انضباطية نوعية تتحرك في الخفاء، تراقب أبسط التفاصيل وتحرس هذا الجو حتى يظل كذلك. وهو ما قد يفهم بشكل أوضح بالاطلاع على مفاهيم استراتيجية السلطة، والتي تشرح عمل المجتمع الرقابي، والرسم الاشتمـالي  panoptique، و السياسة المجهرية، و أرخبيل الاحتجاز (4). سيقترح هذا الطبيب المشكوك في أمره على “لوكهارت” تجربة عِلاجية يَخضع خلالها لاختبار سلامة عقله، على غرار ما رأينا مثلا في تجربة الجلسات العلاجية المداومة مع “الدكتور فرانكنشتاين”. مُطمئنا إيّاه، أن طريقته في التداوي عبر “مُكون الماء” لن تضره في شيء، إذا لم يجدها تُريحه من مرض الإدمان على العمل الذي شُخص به إلى جانب آفات صحية أخرى. ومع البدء في تلقّيه العلاجات الغريبة لتنقية جسده من سُمومه و تنشيط مخاوفه واستفراغ لاواعيه من حُمولة مكبوتاته، لم تعد هُنالك من فواصل بين الواقع والحالات الحُلمية التي تأخُذه.

  1. العالم الرأسمالي المُمرض وجُذور الذهان

يُعتبر العالم الرأسمالي “قصة القصة” في حِبكة الفيلم. إنه المُموّل السيكولوجي لذُّهان يُمضي بهؤلاء العُملاء الرأسماليين لعالم المصحة، بحثا عن علاج لتحصيل العافية مدى الحياة. إنه الشكل أو النوع المُمكن من الذهان الاجتماعي المُميّز لسيكولوجية الرأسمالية. ويكمن هذا الذهان عند هؤلاء الرأسماليين أو الطبقة التي اختصها الفيلم، في اعتقاد واهم هذياني بلحاق العافية، ولُهاثهم الأعمى لتحصيل الصّحة العظمى بتعبير “نيتشوي” مغلوط، أو مُضاد لقيمته، بعد أن تمكّنت منهم أضرار عالمهم السابق. فعملاء الرأسمالية هم مرضى في حقيقة الأمر بفكرة العلاج وأنهم في حاجة إليه، كما لو أن هذا النظام بطبيعته الاستيلابية كيان مُمرض للعقول والأبدان. أما الفاتورة فهي دوما جاهزة لمن أراد أن يُغادره. حيث حالما يُقرّر هذا القرار، تنكشف أمامه الحقيقة، حقيقة كونه ذات ناقصة وحاملة لأعراض باثولوجية غير بادية عليها. وهكذا تمضي في تسليم نفسها لوهم مُضاعف يكفلُه عالم المصحة.

إن التشكيك في تأثير الرأسمالية على الأفراد ليس بالأمر الجديد، فقد تمّت كتابة العديد من الأعمال تخص هذا الجانب، بنهج اقتصادي واجتماعي، وأيضا سيكولوجي. ويأتي هُنا مجهود الفيلم، لكي يرسُم لنا الانعكاس الجماعي لتأثيرات النظام النيوليبيرالي على نفسية الأفراد، على هوامش الحُرية الحالية وحصّة المسؤولية الفردية في مواجهة ما يمكن أن نُطلق عليه الآلة الضخمة Mégamachine (5).  بحيث يُشكك الفيلم في واقع الرأسمالية، والآثار المفسدة للمجتمع التجاري على صحة الإنسان العقلية وشُغله ودواخله السيكولوجية. ومن البادي أيضا على الفيلم، أنه لا يستخلص نفسه لخدمة ثيمة الرُّعب، أو ليكون منتوج رعب من أجل الرعب (وهو التأويل الناقص الذي سقطت فيه المراجعات السريعة المتطفلة على مجال النقد السينمائي). لأن ما وراء الصورة البصرية، يقبع نهج فكري للمخرج، يتغذى من السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع النفسي والطب العقلي.

فنفسية أفراد النظام الإيديولوجي والاقتصادي الذي هو الرأسمالية، وكما يُظهرها الفيلم من خلال شُخوصه وأحداثه، تبدو مُثقلة بالأعراض الباثولوجية والأسقام الوجودية الناجمة عن حُب التملك، والاستقواء، الصراع الدموي نحو القمة، والاستلاب الثلاثي: الجهد/ كارل ماركس، الطاقة/ سيغموند فرويد، الكينونة/  إيريك فروم. وهم منقادون كالخرفان بعد استفراغ ذواتهم من طاقتها ودُنوّ أعمارهم إلى مصحة تبدو كسوق للهناءmarché des bien ، آملين العُثور فيها على إكسير الحياة، ونعَمِهم بعافية دائمة لا تزول. فكلهم مدعوّون بالضرورة إلى اتباع برنامج علاجي مُحدّد للغاية في حظيرة تُحاكي إلى قدر ما أناس رواية مزرعة الحيوانات (جورج أورويل).

وهذا الاعتقاد هو بالمناسبة سليل الفكرة الذُّهانية التي زرعتها الرأسمالية المُمرضة في عقولهم. أي أنهم مرضى بالتنافس وربح الصفقات وبلوغ القمة. وعليهم استدماج هذه النوازع من أجل الاستمرار في العطاء وتسلق سلالم النجاح على حساب كيونة تأكلها الهشاشة ومُغتصبة روحيا، ستقع عاجلا أم آجلا في شراك وهم العافية، وستبحث حين مغادرة العالم الرأسمالي وظلاله عن علاج، أو بالأحرى عن ترياق يُبقيها على قيد الحياة، بدون معاناة وخوف وإحساس بالفقدان. يذهب المخيال السردي للفيلم بعيدا بفكرته هذه حول توهم المرض وطلب الشفاء أو العلاج، في الوقت نفسه الذي يعُود بها خلفا إلى الأرشيف النفسي للعُقد ذات التداعيات الهالكة. فالرأسمالية تتوغل في أعماق لاوعي أفرادها وتُوقظ أو تُفعّل لديهم  وسواس المرض (علاج للعافية). ويشير مفهوم “عُصاب وسواس المرض” إلى ما وصفه “موليير” Moliére في عرضه المسرحي “المريض بالوهم”  في القرن 17. ويتعلق الأمر بأشخاص يعتقدون في قرارة أنفسهم بأنهم مُصابون بعلل جسمانية مُختلفة، وهذه مجرّد سمة إضافية على عُصاب قائم من قبل. وقد تم وصف هذه الفئة من المرضى ب“الواهمين” منذ أزمنة بعيدة، وحتى من طرف الطبيب الإغريقي “أبقراط” في العصور القديمة (6).

يقصد الرأسماليون قبلة المصحة على مختلف أعمارهم ومراتبهم وسُيولتهم المادية من أجل التداوي والاستطباب والعافية، وهؤلاء لهم تقريبا نفس السوابق من إدمان على السلطة، غير حساسين لمصيرهم، يُؤمنون فقط بآلهات العملة الصعبة. ولا يستقبلهم هذا المركز الاستشفائي إلا شريطة الكفّ عن الرغبة في العودة إلى العالم الرأسمالي، وتسليم أمرهم لمدير المصحة، مع الانخراط الكلي في الجو الذي تُوفّره لنزلائها. لهذا فلا خروج من عالم المصحة بعد أن تطأه قدماك. مما جعل هذا العالم الموازي المقحم في القصة قريبا نوعا ما من أحداث الأفلام التي تتحول فيها المصحات إلى سُجون رقابية وعقابية وانضباطية (7). وبالتالي لا نرى  المؤلف يُغامر في إنشاء قصة مُنفلتة من رُكام الشاشة السينمائية حول المؤسسة الطبعقلية وتاريخها الموسوم بالغطرسة والقسوة وتضبيع العاملين والمتواجدين فيها أجمعين.

بالموازاة مع ذهان الطبقة الرأسمالية، يُقحمنا الفيلم أيضا على نفس خُطوط العرض في شريط مُتقطع من الذهان الأسري. يعاش هذا الذهان كأحداث وذكريات مستعادة وأيضا كخواطر ومحكي على لسان الآخر. حبس واحتجاز للفتاة “هانا” وتخطيط الأب للزواج منها عندما تُصبح جاهزة لذلك. يُحوّل الطبيب المنتجع الصحي إلى نظام أسرة شُمولي. فيلعب هو دور الجلاد، الرمز المركب والمعقد للفاشية. المتواطئون: أعوانه من الأطباء والممرضين والخدم وكل من تدّب رجلاه في ترك الأرض السعيدة، الجنة المعزولة. ثم الضحايا المتوافقون: وهم نزلاء المصحة من الطبقة الرأسمالية. وأخيرا كبش الفداء: سيكون في الفيلم البطل “لوكهارت” المتميز بتمرّده ورفضه أن يكون ضحية “فولمر”. هذا الأخير الذي يتوضح من خلال توزيعه للأدوار، حالة إصابته بجنون العظمة، القائم على منطق ثنائي للعالم. بحيث من المستحيل أن تكون مُحايدا. لتبدوا المصحة كسجن على طراز خالقه، فيه يتم ترديد نشيد الذُّهان العائلي.

الذات السيئة والنظام الرأسمالي

يُقارب فيلم علاج للعافية وعي الطبقة الرأسمالية ويتحسّسه بكيفيات مُرمزة – ناطقة في لغة الصورة – استنادا على سجل نقدي معاصر للرأسمالية، يرتبط باستثمارات نفسية، تجد تعبيراتها في  إديولوجية السوق l’idéologie de marché. أي ذلك الموضوع السيءLe mauvais Sujet ، كما يدعوه أنسليم جابي (8). والموضوع السيئ، ليس هذا الشخص أو ذاك، رئيسه أو ذاك، سواء “لوكهارت” أو “بيمبروك” كشخوص رامزة لهذا النظام في الفيلم. بمعنى، أن “مجتمع السوق” غير مُنقسم بوضوح بين “المُسيطر” و“المسيطر عليه”، “الجُناة” و”الضحايا”، “السادي” و“المازوخي”. تماما مِثل وضعية “لوكهارت” الخنزير الرأسمالي الصاعد، الذي رأيناه يتخبّط بين قُطبي: الفشل /النجاح، التنفيذ /الإقصاء، قبل أن يتّخذ طريقه الخاص في النهاية، ويتحرّر من البلعمة، بوصوله إلى نقطة اللاعودة المنطقية، ليعبّر عن  التناقض النهائي للرأسمالية، المُطيح بها رأسا، وفقا لما سبق التّنظير له فكريا من طرف الفيلسوف والناقد الاجتماعي والمحلل النفسي كورنيليوس كاستورياديس.

وهكذا، فإن الذات السيئة كما يبرزها الفيلم، هي موضوع المجتمع البضاعي Le Sujet de la société marchande. وهي تتحدّد في قانون القيمة الذي يُهيّئ ما يمكن للفرد أن يفعله. وكل الأفراد الرؤساء Les patrants، هم فقط المسؤولون عن هذا النظام الذي يحبُس الأفراد في عبودية طوعية Servitude Volontaire. تتمثل الإفادة البليغة هنا في أن طبيعة النظام الرأسمالي هي ما يجب تغييرها، وليس هذا الزعيم أو ذاك، أو تكليف هذا العميل أو فرد آخر من عُنقود السلاسل اللامُتناهية. فيكون البطل “لوكهارت” مجرد رمز شامل للكيان الرأسمالي، المنحور عقليا ونفسيا وجسديا في السرد الفيلمي.

يُظهر أيضا التفكيك التحليلي للفيلم أن النرجسية لم تعد تُردّ فقط لعُقدة نفسية لاواعية نابعة من الفرد. فمثلا بالنسبة للمُحلل النفسي “سيغموند فرويد” Sigmund Freud، فإن النرجسية “حب الذات” و “حب الجسد”، هي مرض متأصّل في الطبيعة البشرية. أما بالنسبة لمفكرين آخرين، فإن المجتمع هو الذي يصُوغ الإنسان. يتبع “كريستوفر  لانش” نهجاً، يعتبر بالتأكيد أن الدوافع “العدوانية” و“الشهوانية” موجودة في جميع الأماكن وفي جميع الأوقات وفي جميع الثقافات والمجتمعات. ولكن البيئة تفضل هذا الاتجاه أو ذاك. الآن يتم خضوع الحياة المُتزايد باستمرار للاستبداد الاقتصادي la tyrannie économique، كما تُميّز كل حداثة رأسمالية روح المنافسة، وتأكيد الذات المهزوزة على حساب روابطها الاجتماعية (9). أما النرجسي le narcissique، وهو حال البطل “لوكهارت”، فهو يستنسخ هذا المنطق في علاقة بالعالم الرأسمالي الذي يقطُنه، قبل أن يُبحر في نوع من المُقاومة للتشكيل الجمعي للمكبوت، و يُحرز تقدما في مكاشفة لاوعيه وتحرير نفسه العالقة في دين غير مُسدّد للاوعي الآخر. يُجسِّده هنا (على مستوى الحياة النفسية) الأب المنتحر أمام عيونه، والذي يحمل ابنه (لوكهارت) نعشه بدون وعي منه. ليس “لوكهارت” من الحالات التي قد يُصيبها تشخيص التحليل النفسي الكلاسيكي. فهو محسوب على اقتصاد نفسي جديد، أنتجته الرأسمالية الليبرالية.

يتوضح من خلال فيلمنا الدور الذي اضطلعت السينما به: كشف النقاب عن الحقيقة الخفيّة. فالسينما هي على الأرجح وثيقة، وثائقي مهما كانت بنية المؤلف الذي يحاول وصف ما هو واقعي la réalité  من أجل القبض على الواقع Réel وتفهيمه. وبما أنها مُتخيّلة، مُتشكلة من صور، ومن تمثلات لموضوعات إما واقعية أو خيالية. وهي أيضا رمزانية، باستعمالها للغة تغتني من الاستعارة Méthaphore و المجاز Métonymie  ضمن سلسلة صور دالة، تابعة ومشتركة في هيكل بناء الخطاب الفيلمي discours filmique. كما للسينما مزيّة (بما يشمل رهانات هذا الفيلم) في توفير فرصة لانقشاع إنسان ثالث troisieme homme . إنه “الهو” le ça الذي يخرج من الظل بدون أن ننتظره، “الهُو” الذي نُحبّه وكذلك نكرهه، المُقرّب والخائن في نفس الوقت، لأنه يهرب في الأنفاق، أين تتوزع كميات الطاقة الغريزية quantités d’energie pulsionnele. فهي تُشكِّل هذا “الهُو” من خلال الصورة – بما هو ينفلت في الكلام – فنقع  على تفسير اللامفسر expliquer l’inexplicable ومدّ اليد على تناقض الموضوع إثر اللقاء بين “النظرة التحليلية” و “الفن السينمائي”.

عالم المصحة الوهمي

يتوحد علم نفس الفيلم من خلال التفكير في الأفلام باعتبارها رموزا. فالأفلام هي رموز ذات معنى، يخلقها صُناع الفيلم ويستقبلها الجمهور. وعبر عملية قراءة أو تفسير الفيلم باعتباره نوعا من النص الرمزي، بإمكاننا أن نصل إلى رؤية أكثر نفاذا للأفراد والمجتمع (10). ومنه التركيز على المقاربات التأويلية التي يختصّ بها التحليل النفسي La psychanalyse (بالأساس الاتجاه الفرويدي واللاكاني) والتي تربو في سعيها استقراء معان أكثر عمقا، قد لا تكون واضحة تماما للمشاهد العادي، وهي خارج نطاق ما هو مرئي ومُدرك بصريا على سطح الشاشة.

تنسج حبكة الفيلم الأحداث بواسطة شبكة دلالية تُضاعف من حجم الألغاز، مما جعلها مليئة بالأفكار، المرايا، حالات بديلة  للوجود، معاني غير مُستقرة كما لو كانت تتحرك فوق الرمال وتمحو آثارها تلقائيا. فقبل أن يُمضي البطل “لوكهارت” في مُهمته إلى وجهة المصحة، تلك المهمة التي يعده إحرازها بنيل مكافأة مُذهلة، قد عرّج قبل أن يحطّ الرّحال بالمنتجع الصحي على دار العجزة، نساها السرد بالتّسمية، كما نسى “لوكهارت” أمه التي أتى لزيارتها هناك. فتطلع لنا من هذا المشهد صورة مهزومة، مُعبّرة عن أزمة الضمير الأخلاقي للرأسمالية والرصيد الصفر من الرابطة الأسرية.

تستقبله أمه في كُرسي متحرك على نحو يُوحي برابطة البنوة الميّتة بينهم. فما من عناق أو قُبَل أو حتى لمسة يد تمر على سطح الجسد الذي كان سابقا خريطة واحدة من العاطفة المتبادلة ( علاقة أم / إبن Relation mére / enfant ). ودون أن تعلم من أين أتى ابنها (لوكهارت) وإلى أين هو ذاهب، تقول له: أنت لن تعد إلى ما كُنت عليه! وأمام وجه والدته المُنهك وبرودة مشاعره كشخص (مريض إحساس)، لم تطاوعه العبارات لافتعال نقاش حميمي معها، ليُلقي نظرة على دُمية باليه راقصة، تؤدي حركات دائرية ومتكررة. فكان تعليق والدته على إهتمامه بالدمية وهي بين يديها، أن قالت له: إنها تحلم. فتعجب قائلا لها: ولكنها ترقص ؟ فردّت عليه: “لإنها لا تعلم بأنها تحلم”.

هي تلك إذن الحقيقة العمياء  للسرد، أو ذلك العالم الذي سيقابل فيه هذا الخيال بوصفه حقيقة معاشة داخل المصحة. فالناس عندما تحلم  لا تعي أنها تحلم، بل تعيش حُلمها كحقيقة واقعية/خيالية. ويتسرب هذا الخلق “للطّيف الرمزي” إلى المشاهدين الذين يتفاعلون مع صور وأصوات ولقطات الفيلم. يُجبرنا الأمر هنا الإشارة إلى وظيفة الدال الخيالي Le signifiant imaginaire الذي يقنّع في الاستعادات المتكررة للصوت المُعبّر عنه في نغمة موسيقية من صنيع  “بنيامين والفيش” Benjamin Wallfisch، تأتي بين الفينة والأخرى لترسم الحلقة المفرغة والحالات الشبيهة بالتنويم المغناطيسي hypnose لدى أهل المصحة. وقد أدى أيضا وظيفة الحرص على تنشيط وإيقاظ صور من المخاوف والهواجس الكامنة في العقل الباطن، تتخطى مستوى الاستقبال السمعي-البصري أو عتبة المُدرك العقلي المفهوم.

تُوسِّع هذه الأحجية من ألغازها في صُور مُقبلة ستجمع بين البطلين “لوكهارت” والفتاة “هانا”. وحيث سيصير كل شيء شبيه بعالم الدمى. فتارة سترمز الدمية إلى الحلم وهي في يده (كنزيل تمكنت منه أوهام المصحة) وتارة سترمز إلى اليقظة وهي في يدها، كفتاة عرفت صفعة وعي متأخرة، بعد أن كانت في الواقع هي الدُّمية التي لم تستيقظ سوى مؤخرا من حياتها الحالمة على إثر الإحساس بالبلوغ. فنجدها تربط بين دهشة اكتشافها لجنسانيتها الأنثوية بلحظة اكتشافها لحقيقة ذاتها المسجونة في مكان مجهول وبين مخالب طبيب بيدوفيلي يرعاها منذ الطفولة. فمن الحوض الدائري العريض الذي كانت تطوف حوله في عزلة تامة عن الجنس الذكري، إلى توديع العذرية والافتضاض الذاتي  لبكارتها في مرحاض الحانة الذي ملأته بمناديل دمها المجفف من نزيف رحِمها.

يصوغ المخرج متاهة بصرية في الفيلم لكي ينقل لنا ذهانات لوكهارت أو بالأحرى افرازات ما يعكسه عقله الباطن في عالم الشهادة الحسية (الحريق، الغزال المقيد بالأسلاك، غرف الحمّام، تساقط الأسنان، مشهد الكائن المختلط وهو يباشر الجنس المهبلي على الفتاة “هانا” المُقيّدة في حوض الماء، بينما يتجمع حوله رجال ونساء، يُرتلون تعبيرات طقوسية. هذيانات حُلمية تتكون بالأساس من هلوسات بصرية تتمحور في الغالب حول مواضيع حيوانية مُرعبة. وهي سرعان ما تتشابك فتختلط بأفكار مثل التحول الجسماني والجنسي وبمواضيع صُوفية.

ويُشار إلى أن الاختلاط الذهني (أو الحالة الحُلمية) يتّسم عادة بتشويش للوعي، مصحوب بحالة فكرية مُشابهة للحُلم. لقد عمد المؤلف توظيف طريقة وحشية قريبة من البداوة وتشغيل صور حيوانية مُنافية للحالة الطبيعية للمرء، بُغية التّعبير عن أشياء مُختلّة و فظيعة، تتكوّن بشكل حشوي رهيب، كمشهد رؤية “لوكهارت” لقيئ وأمعاء البقر، الثعابين البحرية في الحوض المائي أو رؤيته مرة أخرى الغزال المعطوب في حادثة السير وهو يتجول في غرف الحمّام (…) الخ. وبعد الاسترسال في حلقات ذهانية، تصبح معاناة “لوكهارت” باهتة من خلال التكرار. بحيث نراه يستمر في مواجهة نفس الإدراكات، ليتم الكذب عليها أو توجيهها بشكل خاطئ. فيجد نفسه يعود من حيث بدأ. لقد تم إغلاق المصيدة عليه إلى حدود الساعة ونصف من زمن الفيلم.

يُعبّر الطابع الذُّهاني للحبكة عن نفسه في جنون مُتفاقم لا يتبع خطوطا متماسكة في سرد القصة تماما، وذلك يعود بالأساس إلى سيره  في اتجاهات مشوشة كثيرة. فمثلا من مشهد لعلاج ضرر أسنان “لوكهارت” إلى مسرح للاحتجاز والتعذيب واقتلاع لسنه وذهابه للتبليغ عند مخفر الشرطة المتواجد بالمكان. لكن، وبعيدا عن أن يكون هذا الانقلاب في الأحداث مُجرد استرجاع لذاكرة الهتك بالجسد الحافل بها تاريخ السينما، نلحظ كيف اتخذ السن دلالته القضيبية (السن كعضو جنسي في الفترة الحليبانية والحياة الجنسية الطفلية). كما لو أن مدير المصحة ينتزع منه الرغبة القضيبية أو الإسقاط التحويلي تُجاه الفتاة “هانا”، بعدما أدرك ارتباطه العاطفي بها. “هانا” التي تعتبر بالمناسبة ابنة “فولمر” وزوجته المستقبلية طبقا لإستيهاماته، وتخطيطه لعُرسه منها بدافع الحفاظ على نقاء السلاسة.

سيتقمص “لوكهارت” دور المخلّص من الظّلال في حركة حماسية شكلت تهديدا سافرا لمركز “فولمر” رئيس المُستشفى وضابط الإيقاع حتى في أبسط تفاصيله. وهو عندما سيدخل فجأة على الأثرياء الرأسماليين الجاهلين وهم يتناولون العشاء بشكل جماعي وطقسي للغاية في صالة رقص كبيرة تُشبه برورتيه لأناس البلاط في القرن السابع عشر. ويدعوهم بكل شجاعة إلى الاستيقاظ من وهمم، لأنهم لا يعانون من شيء في الحقيقة، محذرا إياهم بالتوقف عن شرب الماء. من هذا المخيط (المسلك) يبدأ الفيلم أخيرا في رسم أنواع الروابط الاجتماعية التي ينسجها أفراد المصحة، ولو أنها مغشوشة وهشة كأجنحة الطيور الصغيرة. لم يبرح “لوكهارت” مكانه حتى احتشد عليه جميع من في الصالة، وبدت اللقطة، وهم قادمون بروية إليه، كما لو أن دقائق تفصله فقط على أن يصبح وليمة عشاء، وتمزق أطرافه بالكامل، مثل أفلام الزومبي، التي بمجرد ما يكتشف المتحولون إلى خليقة مشوهة إنسانا ما على قيد الحياة لا يُشبههم. تشتد عليهم حُمّى إهلاكه، ليتصّير بعدها مثلهم وينضم إلى الجماعة (القطيع) ويحصل التطابق. وهو ما لم يحصل إثر نجاته.

يبدُو أن المخرج فيربنسكي وأيضا كاتب السيناريو جوستان هايت (من سابق كتاباته فلم «طريق الثورة» Revolutionary Road) وكأنهما يُدليان ببيان حول التملك الشبيه بمصاصي الدماء les vampires الذي لا تزال الذاكرة الثقافية لأوروبا تملّكه على العديد من الأمريكيين الأغنياء والأقوياء. فمن بين الصور الرمزية التي تُشكّل همزة الوصل بين العالم الرأسمالي وعالم المصحة، هي طبيعة “المكان” المُختار للتّصوير في حدّ ذاته. فكما لو أن المخرج في اختياره وترتيبه لهذا المكان الذي يحفل بذاكرة دموية لا إنسانية من القتل والتعذيب والحرق والاحتجاز على يدِ البارون مالك المنطقة، يُحوِّل هذا الأخير حياة زُواره الرأسماليين داخله إلى نُسخة أخرى تستديم أو تستعيد أرواح أشباح المكان. العملاء الرأسماليون كأشكال حديثة لمصاصي دماء. لقد أحاطت هذه الاستعارة بين سلطة المكان وسلطة الرأسمال بشكل فريد وذكي لا تُخطئه فطنة.

  1. العالم المُمكن كأفق لما وراء الشاشة

صحيح أن السرد يرسم طريقا لخلاص الرأسماليين من مُعانتهم، من خلال لحاقهم بالمصحة التطبيبية، لكنه ذات الحين يبرز وهم illusion هذه التجربة. فهذا العالم الموازي للعالم الواقعي، ليس بديلا لرعاية حماقات الرأسماليين ونزوعاتهم التعويضية، الإبدالية، بل هو أكثر استيلابا وقبحا، يحدث أن يكون فيه الوهم من وصفات العلاج، أي من مواصفات الحقيقة المعكوسة، أما هي في ماهيتها، فتتجرّد من كل لبوس : عقلي – منطقي – وجودي أو أخلاقي، فهي جزء من المُستحيل الذي لا يمكن بلوغه، مثل كل خطاب يُمكن أن يُحمل على العافية. غير أن هذه التجربة لم تكن وهمية أو تخيّلية بالكامل، لأن الفيلم ينحاز في وقت ما إلى إظهار فعالية علاجات الطبيب فولمر على مريضه “لوكهارت”. لقد كان هذا الأخير يُعاني من “عقدة الذنب” (بعيدا عن طابعها الديني المسيحي الصرف) والتي لم يكن يجد لها تفسيرا يُخرجه من ضيق الرؤية واستعباد الآلة الرأسمالية. ذلك أن العقدة بطبيعتها لا تنشط فوق سطح الوعي، وإنما هي دانية في أسفل طبقات اللاوعي وأصول الحياة النفسية.

على إثر الزّج به في “غرفة الحرمان الحسي” وهي تجربة تعود بصاحبها إلى مرحلة الحياة الجنينية، و تُراهن على الاستشفاء من خلال مُكون الماء والحصر الكلي للجسد مع التنّفس فقط بواسطة أنابيب اصطناعية، سيستعيد “لوكهارت” ذكرى منسيّة ومكبوتة في تخوم لاواعيه، تتعلق بانتحار والده، الذي رآه في صغره، يقوم برمي نفسه من فوق الجسر على الطريق السيّار، نتيجة ضُغوط نفس النظام المُرهق عليه، و الذي لم يختر السُّقوط وإنهاء حياته، إلا وهو يحمل في يديه حقيبة تكاد تختزل من الناحية الرمزية العُلبة الذهنية للعقل الرأسمالي المُضطرب. وبعد كبته، أي نسيانه المقصود لهذا المشهد الأليم الذي اكتفى فيه بالنظر لنهاية والده من مقعد السيارة، مشلولا بالكامل جراء حدّة الصدمة اللامتوقعة الحدوث في كذا زمان ومكان، مكّنه العلاج من استرجاع تفاصيل الواقعة الأليمة واكتشافه ما كان يعرف ويجهل بذات المعرفة التي يعرف، نظرا لعمل آلية المُقاومة. بل هو الحدث الذي أوقد ثورته على النظام الرأسمالية. لكأن عبور شبح الأب le fantôme du pére المنتحر إلى وعي الابن الضال، من حرّره من أسر النظام الرأسمالي القاتل.

إذا كان التفكير السالب أو النافي هو أهم ما يُميّز الإنسان “الحر الأصيل” الذي يستطيع أن يكون ذاته، والذي يمتلك الجرأة والقوة على أن يقول “لا” في وجه النظام القائم، وأن يرفض أن يُشارك في ممارسة اللعبة المكشوفة التي يضع قواعدها الفاعلون في هذا النظام (الرأسمالي)، فإن مجتمع البُعد الواحد يستهدف أساسا استئصال هذا البعد الداخلي أو البعد النافي الذي يملك القدرة على معارضة النظام الاجتماعي (11). ففي المشهد الأخير سنشهد زيارة مباغتة لأرباب عمله إلى المصحة التي أرسل إليها. لكن عنصر المفاجأة قد تمثل “لعملاء المرض” في انقلاب جذري لحال “لوكهارت” من ذات سيئة (وفقا لما أشرنا له سابقا) إلى ذات مستوعبة لتراجيديا وجودها وطامحة إلى قلب الطاولة على المعتدي والمغتصب، المقنع في ثوب الهادي والمرشد. ولعلّ ما يسعف في استيعاب هذا التحول الفجائي لكينونة البطل، ما تقوله القاعدة الفرويدية: “قبل أن تشكك في سلامة عقلك، انظر أولا إلى الأشخاص المُحيطين بك”.

علاج من أجل العافية هو المثال المذهل لفيلم يعمل في أسلوبه السردي على عدم التمييز بين الإدراك والخيال. ومجاملة، قد يوصف عند النقاد بالمخدر. لأن هذا هو بالضبط ما يعطي أهمية للفيلم، حيث لا تمر العلاقة بين المشاهد والفيلم عن طريق النشاط الدّماغي من تصور معيّن يضع المشاهد أمام ظواهر المظهر المُثيرة للفضول والهلوسة. وبطريقة ما يمكن للمشاهد أن يشعر بأحاسيس سينمائية بحتة عن طريق التنويم المغناطيسي أثناء العرض. إلى جانب تعذّر معرفة ما إذا كانت هذه الصور الملقاة على ناظر الرائي، أهي جزء من الفيلم أم هي ثمرة الخيال والرغبة. رغبة متعطشة لتدمير الموضوع وبنائه في نفس الوقت، نظرا لتولداته من داخل توهمات لاوعي المشاهد.

في لحظات الفيلم الأخيرة، شهدنا كيف اختلطت الصور الهوامية بالوقائع المُصورة، البهجة بالكرب والخراب بالولادة، فلا ندري هل نحن بصدد فلاش باك flash back مُستعاد لذاكرة المكان بعد اندلاع النيران؟ أم محرقة للرأسماليين شبيهة بجريمة الهولوكوست؟ هل الأشخاص يُصلّون طلبا للغفران أم يرقصون، أم هم يأخذون برهة تأملية وهم في بطن جنة الجحيم؟ وبشكل انقلابي خاطف يحدث العجب، و تأتي لحظة التولد الذاتي، الحقيقة مُنتجة من الفوضى. وهو طريقنا للحديث عن العالم المُمكن. إذ بعد وصول الأحداث إلى الذروة (إحباط زواج الطبيب فولمر “بهانا” ابنته، وانقلاب عقدة أوديب: قتل الابنة للأب المنتهك للقانون الرمزي/ زنا المحارم)، سيتجاوز “لوكهارت” سيارات زواره من أرباب العمل التي باغتته على الطريق السيار. ليحمل نفسه ومن معه (حبيته هانا) على المقعد الخلفي للدّراجة، مُنطلقا في رحلة إلى المجهول، وحيث لا وجهة محددة يتّخذها. هي تلك النهاية المُبهمة التي أقفل بها المُخرج عدسة الكاميرا، فينتهي الفيلم بغرابة في عنق خيالي من الغابة، ليبتدأ منها أو معها تفكير ما، تفكير يقع ما وراء الشاشة المنظورة، ويترك أكثر من علامة استفهام!


هوامش

  1. فالمكان كما وصفه طاقم العمل، مُحتفظ بالبرودة التي تصل إلى العظم حتى في فترة الصيف. ومن المفترض أنه أبقى ببعض من ماضيه المُظلم في الجدران. لربما سيجد المشاهدون هذا البرد يقفز مباشرة على الشاشة الكبيرة. فأرض العيادة هي نسخة طبق الأصل من مكان متطابق، احترق منذ عقود في هذه الأرض بالذات – هناك قصة درامية تنطوي على بشاعة محظورة – وهناك مواقف مُتكررة تتمحور حول الانعزالية، وكراهية الغرباء، ونقاء السُّلالات.
  2. كل شيء يزيد من حدة اللغز. حيث حدثت قصة غريبة لبارون مهووس بنقاء نسب عائلته، انتهت بفوضى وقتل وانتقام في هذا الركن الصغير من الجنة السويسرية. 200 عام ستمضي، لتثبت الأسطورة بسرعة أنها مرتكز القصة. قصة مُظلمة مُشبعة بالاستعارات، تبدو فيها القرابة والجشع كأنها خطيئة واحدة.
  3. وهو تعبير يستخدم في الغالب لوصف ممارسة الأنشطة التجارية خارج الاقتصاد الرسمي والإتجار بالسلع غير القانونية، بغرض تحقيق أرباح كبيرة وسريعة أو بيع البضائع بسعر أعلى، لندرة البضائع المعروضة بعد تخزينها سراً.
  4. راجع كتابات الفيلسوف ميشال فوكو حول كيفيات عمل واشتغال السلطة على الحياة النفسية للذوات في مُستواها المجهري (الميكروسكوبي).
  5. Etre humain en systéme capitaliste, l’impact psychologiques du néolibéralisme. Editions yves michel. Ouvrages collectif, 216 pages.
  6. “موليير” في عرضه المسرحي “المريض بالوهم” في القرن 17.
  7. تطلّب أيضا فيلم علاج للعافية المذهل بصرياً وإخراجيا الكثير من الصبر والعِلم لتحقيق المظهر السريري لمنتجع صحي. من هنا نفهم تعيين مُصممة الإنتاج إيف ستيوارت Eve Stewart لهندسة معمارية باهرة بشكل مُخيف في الفيلم، يضيف بُعداً إلى الرُّعب المُحير للعقل في تحسّسه للمَشاهِد. فالألوان والضوء وخاصة الكوادر، قد مثلت ببراعة الشعور بالضيق الروحي للحكاية، ونقلت لنا بحسن فني رفيع أحاسيس المادة. كما أن الطول المذهل للممرات أعطت الفيلم إحساسا بالتاريخ، إلى جانب علامات أخرى تهم الهندسة الخارجية المحيطة بالمكان والديكور. إكساء الغموض بدقة شديدة في لقطات، قام بتأليفها مدير التصوير “بويان بازيلي” بخلقه جوا غير واقعي من خلال تأطير الانعكاسات على الأسطح في الكثير من الأحيان. أنظر:architecturaldigest.com – how a cure for wellness marries horror and beauty in set design.
  8. La société autophage, capitalisme, démesure et autodestruction. Anslem Jappe, La Découverte, 246 pages.
  9. La société autophage, capitalisme, démesure et autodestruction. Anslem Jappe, La Découverte, 246 pages.
  10. سكيب داين يونج، السينما وعلم النفس .. علاقة لا تنتهي، ترجمة سامح سمري فرج، مراجعة إيمان عبد الغني نجم، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ط1، 2015، ص 31.
  11. راجع أطروحة هربرت ماركيوز حول القمع المقبول والمجتمع الرأسمالي.
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق