مقالات

التسامح: الدلالات اللّغوية والجذور التاريخيّة والمضامين المعاصرة – حسني إبراهيم

يرتكز المجتمع الإنساني على دعائم اجتماعية وثقافية وأخلاقية، تعمل على بقائه واستقراره وتسهم في تطـوره، وتمثل القيم الاجتماعية والثقافية واحدة من أهم تلك الركائز، حيث تمثل المنهل الذي يستمد منه أفراد المجتمع شروط وجودهم ومعايير تفاعلاتهم الاجتماعية، ويعدّ التسامح  Toleranceواحدًا من أهم القيم الإنسانية التي تسهم بإيجابية في بقاء المجتمع وتطوره.

وقد نشأ مصطلح التسامح في سياق ثقافة مختلفة وظروف تاريخية متباينة؛ ولأسباب اجتماعية وثقافية لم تمرّ بها كل المجتمعات الإنسانية، ثم انتقل هذا المصطلح إلى مناطق وسياقات ثقافية مغايرة حكمتها ظروف تاريخية مختلفة، فقد انبثق مبدأ التسامح أساسًا من عصر التنوير الأوروبي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وتكاملت صياغته الفلسفية على أيدي فلاسفة التنوير الكبار: جون لوك، فولتير، وبيركلي وغيرهم. (أشرف عبد الوهاب 66:2005)

         التسامح: الجذور اللغوية:  

إن المتأمل في جذور الدلالات اللغوية لمصطلح التسامح يجد فيها اختلافًا كبيرًا بين اللغة العربية واللغات الأوروبية، وبوجه خاص في اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ويرتبط ذلك الاختلاف في جزء منه بالبنية اللغوية من جهة، وبالسياق التاريخي الحضاري الذي برز فيه المصطلح من جهة أخرى.

ففي اللغة العربية، نجد في المعجم الوسيط (سمَحَ) – سمْحًا، وسماحًا، وسماحة: لان وسهل. ويقال: سمح العود: استوى وتجرد من العقد، وانقاد بعد استصعاب، وسمح فلان: بذل في العسر واليسر عن كرم وسخاء، ويقال سمح له بحاجة يسرها له. و (سمُح) – سماحة وسُمُوحة: صار من أهل السماحة فهو سمْح. وسميح. و (أسمح): سمح ويقال أسْمَحَتْ نفسُه ذلت واطاعت وانقادت، (سامحه) بكذا، وفيه وافقه على مطلوبه، وسامحه بذنبه: عفا عنه، ويقال في الدعاء سامحك الله. (سمَّح): سَمَحَ. أي صار سيرًا سهلًا، وسمّح الشئ جعله لينًا سهلًا، ويقال سمِّح الرمح وغيره: لينه وثقفه، وسمَّح فلانًا ساهله، و (تسامح) في كذا: تساهل. و(تسمَّح) فيه تسامح، و(السماح) التسامح والتساهل. ومنه بيع السماح وهو البيع بأقل من الثمن المناسب. (المعجم الوسيط 447:2004)

ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أنّ كلمة “التسامح” في اللغة العربيّة القديمة لم تعرف الدلالات الحديثة التي يحيل إليها المصطلح في الوقت الراهن، فهذه الكلمة لم تتجاوز – كما بينا منذ قليل – معاني التساهل واليسر وغضّ النظر عن غير المرضيّ، لكنّنا نجد ما ينهض بهذه الدلالات – وبنسب متفاوتة – موزّعًا بين عبارات ومصطلحات أخرى، مثل “الوفاق، المسامحة، التسالم، العدل، التفهّم، التحابّ”. وهي تمثّل الجهاز الاصطلاحي الذي اعتمدته الخطابات الاجتماعيّة والفلسفيّة الرامية إلى تشريع الاختلاف والتأليف بين المجموعات البشريّة في الحضارة الإسلامية. (ناجية الوريمي 2016: 10  – 11)

ويذهب محمد أركون ( 1928 – 2010 ) إلى أنه على الرغم من أن النصوص الكبرى للفكر  العربي الإسلامي كانت تتضمن البذور الأولى لفكرة التسامح، وتدل على الطريق المؤدي إليه بالمعنى الحديث للكلمة، يتجلى ذلك عند أعلام هذا الفكر مثل الحسن البصري والجاحظ و الكندي والتوحيدي والمعري، إلا أننا لا يمكن أن نتحدث عن التسامح  كممارسة شائعة في البيئة الإسلامية؛ بسبب البُنى الاجتماعية السائدة  والأطر الفكرية المهيمنة، فقد كابدت المجتمعات الإسلامية أوضاعًا صعبة منذ القرن الثالث عشر الميلادي، فمنذ ذلك الوقت شهدت عمليات فرز واضحة للجماعات العرقية والثقافية والنخب الحضرية والطبقات الشعبية، وأقيمت من ثم الجدران  والحواجز  بينها. (محمد أركون 1995: 113- 114)

وخلافًا لموقف أركون، جاء موقف محمّد عابد الجابري موسّعًا دائرةَ التسامح لتشمل تيّارًا كاملاً هو التيّار القدريّ والإرجائيّ في بداية الدولة العربيّة الإسلاميّة. فقد ظهر هذا المفهوم – حسب رأيه- في فكر أوائل المتكلّمين “القدريّة والمرجئة”، ومثّل محورًا قائما بذاته من محاور اهتماماتهم الفكريّة، وذلك من خلال مسألة “الإيمان” ذلك أنّ عدم تكفير هؤلاء المتكلمين لمرتكب الكبيرة، يعكس هامشًا واسعًا من التسامح، وقع فيه الفصل بين الإيمان والعمل. إنّ العمل لا يبطل الإيمان، حتّى وإن تعلّق الأمر بارتكاب معصية أو بعدم القيام ببعض الواجبات الدينيّة. . . . ويصل الجابري إلى استنتاج مفاده أنّ “الجيل الأوّل من المثقّفين في الحضارة العربيّة الإسلاميّة راح يدافع عن مفهوم للإيمان قائم على الاعتدال والتسامح، مفهوم ليبراليّ إذا جاز استعمال هذه الكلمة في هذا السياق”، ويقدّم الجابري فكر ابن رشد باعتباره “قمّة التسامح”، يقول: “ويبلغ التسامح قمّته في موقف ابن رشد من آراء المخالفين والخصوم، حينما يلوم الغزالي على كونه لا يحاول أن يتفهّم موقف الخصم، بل يحكم بفساده دون اعتبار المقدّمات التي أدّت إلى هذا الموقف. (ناجية الوريمي 9:2016)

وفي اللغة الإنجليزية هناك مقابلان لكلمة تسامح، الأولTolerance  والثاني Toleration، يشير الأول إلى استعداد الشخص لتحمل معتقدات وممارسات وعادات تختلف عما يعتقد فيه، أما المعنى الثاني فيشير  بدرجة أكبر إلى التسامح الديني، فهو يعني السماح بوجود الآراء الدينية وأشكال العبادة المناقضة للمعتقد السائد. وتاريخيًا كان مصطلح Toleration هو السائد في القرن السادس عشر  في مواجهة الحروب الدينية التي شهدتها أوروبا، ولذلك تميز مفهوم التسامح في ذلك الوقت بالصبغة الدينية، كان مجرد سلوك فاضل، مما يفترض ضمنا عدم وجود مساواة بين طرفي التسامح، وبذلك يعني المفهوم تسامح الأعلى مع الأدنى، أما مصطلح Tolerance  فلا يفترض هذا التدرج، بل يعني المساواة بين كل الأطراف، وتبعًا لذلك يعني التسامح احترام المختلف مهما كان مصدر اختلافه، وبذلك تحول التسامح من مفهوم ذي طابع هرمي يقوم على تفضيل طرف على طرف إلى حق لكل البشر .(أشرف عبد الوهاب 67:2005)

وقد اشــتق مصطلح Tolerance من الفعل اللاتيني tolerare الـذي يعـني التحمل، أي تحمل الأفكار والرؤى وأنماط الحيـاة المتباينة والاعـتراف بها. وكون الشـخص متسامحًا يعنى إدراكـه للاختلافات وقبولها في الحياة اليومية، وتعد وجـهة نظر الشـخص متسـامحة إذا قبل الشـخص معتقدات الآخرين وأنماطهم السلوكية رغم اختلافها عن معتقداته وأنماط ســلوكه الخاصة. (Miloloža, Ivana et.al. 2014: 291)

وتشير كلمة التسامح في المعاجم الإنجليزية إلى معظم المعاني السابقة، ففي معجم التراث الأمريكي للغة الإنجليزيةThe American Heritage Dictionary of the English Language  على سبيل المثال يعني التسامح القدرة على تحمل المشقة والألم، كما يعني  القدرة على الاعتراف بمعتقدات وممارسات الآخرين واحترامها، وقبول الاختلاف حول معايير معينة، وأن يكون الشخص متسامحًا يعني قدرته على تحمل معتقدات الآخرين وممارساتهم وسماتهم المتباينة. (Soukhanov, Anne 1992: 7481)

     التطور التاريخي للمصطلح:

تاريخيًا، ظـهرت كلمة التسـامح في أوروبا في وقت مبـكر من القــرن الثاني الميـلادي، وذلك في تأملات The Meditations ماركوس أوريليوس (121 – 180 م) الذي عبر عن مضمون التسامح في العبارة التالية: (خُلق البشر من أجل بعضهم البعض، إذن علمهم جيدًا أو تحملهم All men are made one for another, either then teach them better, or bear with them (Doorn, V. Marjoka 2014:2)

والحقيقة أن مصطلح التسامح ومعناه قد ورد في عدة مواضع في كتاب التأملات، ففي الكتاب الأول يقول أوريليوس: ” تعلمت من سكستوس Sextus الأريحية . . . ومفهوم الحياة التي تعاش وفقًا للطبيعة، ووقارًا في غير تكلف، ورعاية مصالح الأصدقاء، والتسـامح تجـاه الجهـال من الناس وتجـاه راكبي رؤوسهم، والتلطف مع الجميع”  ويذكر في الكتاب الثاني : قل لنفسك حين تقوم في الصباح اليوم سأقابل من الناس من هو متطفل، ومن هو جاحد، ومن هو عنيف، وسألتقي بالغادر والحسود والأناني، أما أنا وقد أدركت طبيعة الخير، وعرفت أنه جميل، وبصرت بطبيعة الشر وعرفت أنه قبيح، وعرفت أن مرتكب الرذائل لا يختلف عني أدنى اختـلاف في طبيعته ذاتها، فنحن لا تجمعنا قرابـة الدم والعـرق فقط، بل قرابة الانتساب إلى نفس العقل، ونفس القبس الإلهي، ولذلك فلن يسؤني أي واحد منهم، ولن أسخط عليه، فقد خُلقنا للتعاون شأننا شأن اليدين والقدمين، والجفنين، إن التشاحن والعداوة مناقضان للطبيعة” (ماركوس أويريليوس 2010: 11، 44)

لقد تبنى الفلاسفة فكرة التسامح – النابعة من قرابة الدم وقرابة العقل – من وقت أوريليوس إلى يومنا هذا، كوسيلة للتغلب على الاختلافات العميقة بين الجماعات المتنوعة – خاصة المتباينة دينيًا – في المجتمع. لقد استغرق الأمر وقتًا طويلاً قبل أن تتبنى الديمقراطيـات الحديثة سـياسـة التسامح كسياسة إدارية كما نعرفها اليوم. والحقيقة أن جذور مضمون التسـامح وجـدت في المقاومـة الفعلية للطغيان والقمع قبل فترة طويلة من اكتساب الكلمة رواجها في المعاجم العلمية. (Doorn, V. Marjoka 2014:2)

وعلى الرغم من أن تشكل مفهوم التسامح يرجع إلى مراحل قديمة في التاريخ الإنساني، تؤكد معظم الدراسات التي تناولته من منظور تاريخي أنه لم يتحوّل إلى مفهوم مركزي في الخطاب السياسي والفلسفي والاجتماعي إلا في فترة ما عُرف بالإصلاح الديني التي تلت الحروب الدينيّة والسياسيّة التي اجتاحت سائر البلدان الأوروبية في القرن السابع عشر. (منير الكشو 15:2019)

ويعتقد كثير من الباحثين أن مؤسس المذهب البروتستانتي المعروف (مارتن لوثر) Martin Luther (1483 – 1546) هو أول من استخدم مصطلح التسامح في العصر الحديث، وذلك في حدود عام 1541، وذلك عندما ربط التسامح بحرية الاعتقاد، والإيمان، والضمير، وتزامن ذلك مع انبثاق النزعة الإنسانية لدى مجموعة من اللاهوتيين المسيحيين الذين أثروا بقوة في إصلاح الكنيسة الكاثوليكية، مثل إراسوموس Erasmus ومونتان Montan، و دي لوسبيتان De Lospital . (أشرف عبد الوهاب 2005: 69)

وفي خضم القرن السادس عشر المضطرب  بدأ المؤلفون في أوروبا استخدام كلمة التسامح في منشوراتهم للاحتجاج على محاكم التفتيش والاضطهاد الواقع على من يوصفون بالزنادقة أو المهرطقين، كان سيباستيان كاستيليو Sebastian Castellio (1515-1563) أحد المفكرين البارزين في عصره الذين دافعوا علانية وبقوة عن التسامح الديني والسياسي، انشغل “كاستيليو” بالتسامح الديني وانطلق من قضية أساسية وهي أن من يصدر حكما على معتقدات الآخرين يعني أنه يحل محل الله، ويرى كاستيليو أن اضطهاد غير المتدينين يؤدي إلى قلاقل واضطرابات، ولذلك فقد كانت دعوته للتسامح بمثابة دعوة للاستقرار والتعايش السلمي، وعلى مدار القرن الثامن عشر لم يتجلّ فقط النضال من أجل الحرية الدينية، وإنما ظهر النضال من أجل التسامح العلماني ومعارضة الدين بطريقة سلمية. (Doorn, V. Marjoka 2014:2 – 3)

وقد ساهم فلاسفة عصر التنوير الكبار سبينوزا، وروسو، وفولتير، وجون لوك في إثراء المفهوم، وتوسيع حقول استعماله.  حيث كتب سبينوزا (1632 – 1677) في الفصل الأخير من رسالته في اللاهوت والسياسة: “إن أسوأ موقف توضع فيه الدولة هو ذلك الذي تبعث فيه إلى المنفى بالشرفاء من رعاياها وكأنهم مجرمون، لا لشيء إلا لأنهم اعتنقوا آراء مخالفة لا يستطيعون إخفاءها، وكتب روسو (1712 – 1778) في العقد الاجتماعي: “يخطئ أولئك الذين يفصلون بين اللاتسامح المدني واللاتسامح الديني، فهذان النوعان لا انفصام بينهما. إذ من المتعذر العيش بسلام إلى جانب من نعتقد أنهم هالكون. (صالح شقير وساطع رضوان 2014: 142)

إن الدين يظل – في رأي سبينوزا – مسألة شخصيّة: فكل مواطن بوصفه عضوا في الجماعة السياسية – وكذا الأمير – يحقّ له ممارسة الدين الذي يختار؛ إذ التديّن شأن شخصيّ. فلا دين الملك يُلزم المواطنين، ولا دين المواطنين يُلزم الملك. إن رسالة اللاهوت والسياسة تؤكد الفصل الكامل بين الفلسفة واللاهوت، وتعلن عن استقلالهما المتبادل. (منير الكشو 21:2019)

وفي ذات السياق كتب جون لوك (1632 – 1706) “رسالة في التسامح” باللغة اللاتينية في منفاه في هولندا دون كتابة اسمه في عام 1689 وكان التسامح الديني لب اهتمامه، حيث أكد أنه ليس من حق أحد أن ينتهك باسم الدين الحقوق المدنية، أو أن يقتحم الأمور الدنيوية، ويستلزم التسامح الديني ألا يكون للدولة دين؛ إن خلاص النفوس من شأن الله وحده، كما أن الله لم يفوض أحدًا في أن يفرض على الآخرين دينًا معينًا. (جون لوك 1997:7)

ودعا “لوك “في كتابه إلى القضاء على بنية التفكير الأحادي المطلق، وروح التعصب الديني المغلق، وإقامة الدين على العقل، وبناء منظومة حقوق تؤسس لمفهوم التسامح تعتمد مبدأ الفصل بين دور الكنيسة ودور الدولة, ومبدأ المساواة في الحقوق بين جميع الطوائف الدينية. ويقول جون لوك في الكتاب:”يجب أن تتخذ الكنائس من التسامح أساسا لحريتها، وأن تعلم أن حرية الضمير حق طبيعي لكل إنسان يخصها كما يخص المنشقين عنها، وأن لا إكراه في الدين سواء بالقانون أو بالقوة. (صالح شقير وساطع رضوان 2014: 142)

إن الحقبة التي شهدت بزوغ التسامح العلماني في أوربا (1650 – 1750) والتي يسميها البعض التنوير الجذري radical enlightenment هي التي مهدت الطريق لتأسيس النظم الديموقراطية الليبرالية في أوروبا، كما نعرفها اليوم، ومن الجدير بالذكر، أنه في حالات كثيرة لم تكن تسوية النزاعات الدينية هي فقط التي عززت فكرة التسامح، وإنما الحاجة إلى تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والديني ساهمت أيضا في ذلك.   (Doorn, V. Marjoka 2014:3)

الرؤى المعاصرة:

واستنادًا لهذا الموروث التاريخي الحضاري، جاءت التعريفات المعاصرة للمصطلح، فتعرف منظمة اليونسكو التسامح بأنه: الاحترام والقبول والاعتراف بالتنوع الثري بين ثقافات العالم، واحترام الأشكال المتباينة في التعبير، وتقدير الصفات الإنسانية لدينا، ويتعزز التسامح بالمعرفة والانفتاح والتواصل وحرية الفكر والضمير والمعتقد. إن التسامح هو الانسجام في سياق التباين، وهو ليس واجبًا أخلاقيًا فقط، وإنما هو أيضًا التزام سياسي وقانوني، وفضيلة تسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب. (Unesco, 1995: 71)

ووفقًا لمواثيق الأمم المتحدة، يعرف التسامح بأنه الاعتراف والاحترام المتبادل، مراعاة الحقوق والحريات لجميع الناس، دون تمييز على أساس الخصائص الاجتماعية والطبقية والدينية والإثنية أو غيرها من الصفات.

ويرى بعض علماء التربية أن التسامح هو كلمة السر في نبذ العنف والتخلي عن العدوان، ويتجلى في قدرة الفرد على إدراك أن آراء الآخرين، وطرائقهم في الحياة، وأنماط سلوكهم، والعديد من سماتهم الأخرى تختلف عن سماته وطرائقه هو، ومن ثم يعترف بها دون مواجهة أو اعتراض. ( Mitin, Sergei et.al. 2017:1194)

ويتمثل مفهوم التسامح في وجهين: فهو (قيمة) حينما ينظر إليه من وجهة النظر الاجتماعية، و(فضيلة) حينما، ينظر إليه من جانب الفرد الذي يمارسه، (فبوصفه قيمة ليس التسامح ذا قيمة فحسب، بل هو قيمة في ذاته، فلا يمكن أن يُستبدل بأشياء تفوقه أهمية ومنفعة ولا يمكن أن يكون له ثمن، وأن يُبادل أو يقايض بقيم أخرى مثل الأمن أو المنفعة سواء أكانت فردية أو عامة دون أن يفقد صفته كقيمة.   وبوصفه فضيلة فالتسامح هو الجُهد الذي يقوم به الفاعل الأخلاقي المُتسامح لتحقيق مُقتضى السلوك القويم الذي لا يكون مجرّد تطبيق لقاعدة سابقة عن الفعل ذاته ولا استجابة لأمر متعال، وإنما هو الفعل الذي ينشد خيرًا يتحدّد من خلال جهده الذاتي، وهو تحقيق لذات تسترشد بأنوارها الخاصة للتعرّف على المعيار القويم للسلوك المتبصّر) (منير الكشو 2019: 5)

والحق أن مصطلح التسامح لم يعد قاصرًا في الوقت الراهن على التسامح نحو التنوع الديني فقط، بل اتسع ليشمل التوجهات السياسية المتباينة، وقضايا مثل التنوع العرقي، النوع الاجتماعي، المثلية الجنسية، الموت الرحيم euthanasia والإجهاض. ويبقى القاسم المشترك أن أهمية التسامح تظهر عندما تكون المعتقدات مثيرة للجدل، والعلاقات بين الجماعات متضاربة.   (Doorn, V. Marjoka 2014:3)

وبالتالي يعد التسامح فضيلة مدنية وضرورة أخلاقية واجتماعية، خاصة في المجتمعات التي تتسم بالتنوع السياسي، والديني، والطائفي، ولذلك فإن وجود التسامح لا يعد ضرورة لازمة للمجتمعات التي تعاني من نزاعات أو صراعات فحسب، بل إن وجوده يعد ضرورة لازمة لكل المجتمعات حتى في أوقات السلم عندما يكون المجتمع ذا مكونات اجتماعية متباينة. (علي مراد وفاتن رزاق 1:2012)

وهكذا أضحى التسامح مفهومًا مهمًا وضروريًا للتعايش بين البشر، وأصبح فضيلة وقيمة إنسانية رفيعة تتبناها المنظمات الاجتماعية والسياسية، والهيئات الدولية لتحقيق السلام والرفاهية للمجتمع الإنساني، وساهم العلماء في تخصصات علمية شتى في بلورة مفهومه وتحديد أبعاده المختلفة.

ونخلص في النهاية إلى أن ثمة ضرورة اجتماعية وأخلاقية وسياسية لبث ثقافة التسامح وقبول الاختلاف ونبذ التعصب والتطرف بين فئات المجتمع وخاصة الشباب منه، وبالتالي ينبغي أن يتم وضع خطط علمية لنشر تلك الثقافة وتنميتها ومحاصرة كل صور التعصب والتطرف واللاتسامح، وتصحيح المفاهيم والأفكار المغلوطة التي تحاول بعض قوى التطرف بثّها بين فئات المجتمع فيما يتعلق بالتسامح وقبول الاختلاف، ولا شك أن سيادة ثقافة التسامح وحضورها تمثل الحاضنة الاجتماعية والثقافية لكل برامج التنمية الاجتماعية والاقتصادية، فالمجتمع المتسامح هو المجتمع الأكثر انفتاحًا على التغير والتطور في كافة المجالات.

 

 


 

المراجع:

  • أشرف عبد الوهاب (2005) التسامح الاجتماعي بين التراث والتغير، سلسة التراث والتغير الاجتماعي، الكتاب الثاني عشر ، مركز البحوث والدراسات الاجتماعية – كلية الآداب، جامعة القاهرة.
  • جون لوك (1997) رسالة في التسامح، ترجمة منى أبو سِنة، المجلس الأعلى للثقافة، المشرع القمي للترجمة، القاهرة.
  • صالح شقير وساطع نسيب رضوان (2014) تفعيل مفهوم التسامح فلسفيا، مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية، سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية، المجلد 36، العدد. 5.
  • علي مراد وفاتن رزاق (2012) التسامح في بعض الحضارات الشرقية، المجلة السياسية والدولية، الجامعة المستنصرية، بغداد، العدد 22.
  • ماركوس أوريليوس (2010) التأملات، ترجمة عادل مصطفى، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة.
  • مجمع اللغة العربية (2004) المعجم الوسيط، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة.
  • محمد أركون (1995) من فيصل التفرقة إلى فصل المقال: أين هو الفكر الإسلامي المعاصر، ترجمة هاشم صالح، بيروت- لندن، دار الساقي، بيروت – لندن.
  • منير الكشو (2019) مفهوم التسامح: صعوبة التعريف وتحولات الواقع، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الرباط.
  • ناجية الوريمي (2016) في مفهوم التسامح، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الرباط.
  • Miloloža, Ivana et.al. (2014) Tolerance for Disagreement for Students, International Conference on Education Reform and Modern Management (ERMM) Atlantis Press, Zagreb, Croatia.
  • Mitin, Sergei et.al. (2017) Value and Meaning Attitudes as a Factor of Forming Tolerant Ethnic Consciousness in the Multicultural Milieu of a Higher Education Institution,  Eurasian Journal of Analytical Chemistry, Vol. 12, No.7.
  • Soukhanov, Anne (ed.) (1992) The American Heritage Dictionary of the English Language, Houghton Mifflin, Boston.
  • Van Doorn, Marjoka (2014) The nature of tolerance and the social circumstances in which it emerges, Current Sociology, Vol. 62, No. 6
  • Unesco, General Conference (1995) Declaration of the Principles of Tolerance, 16th of Novemeber 1995.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق