مقالات

صنفان من الإبستمولوجيا الاجتماعية (جولدمان ضد فولر) – صلاح إسماعيل

إذا تأملت في الإبستمولوجيا الاجتماعية، تدرك صنفين من الفكر يقوم بينهما صراع شديد، نشأ مع نشأة هذا الفرع ولم تهدأ حدّته إلى الآن. أحدهما هذا الذي نجده قريبًا من الإبستمولوجيا التقليدية كما هو الحال في كتابات ألفين جولدمان  (   – 1938) ومن سلك سبيله. والآخر هذا الذي نجده قريبًا من دراسات العلم والتكنولوجيا كما هو الحال في كتابات ستيف فولر (  – 1959) ومن قصد قصده. وعرضت عليك في مقالة سابقة تعريف الإبستمولوجيا الاجتماعية، ونشأتها، وموضوعاتها. وتأتي هذه المقالة لتلقي ضوءًا على الاختلاف بين هذين الصنفين.

1- تحديد المفاهيم

الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة) فرع من الفلسفة يدرس طبيعة المعرفة البشرية وإمكانيتها، وأنواعها، ومصادرها، وحدودها، وقيمتها. والإبستمولوجيا الاجتماعية فرع من الإبستمولوجيا، أما حدّها فهي دراسة مفهومية ومعيارية للأبعاد الاجتماعية للمعرفة. وهناك طريقتان متنافستان في دراستها، إحداهما طريقة جولدمان، وهي الإبستمولوجيا الاجتماعية التحليلية، والأخرى طريقة فولر، وهي الإبستمولوجيا الاجتماعية النقدية. طريقة جولدمان تحليلية لأنها تنتمي إلى التقليد التحليلي المعرفي حتى وإن اتسمت بالتوسع والتطوير والتجديد. وطريقة فولر نقدية لأن أخص ما تمتاز به هو الجانب النقدي للإبستمولوجيا التحليلية عامة وطريقة جولدمان وأنصاره خاصة.

عندما يقارن فولر موقفه بموقف الإبستمولوجيا الاجتماعية التحليلية. يجد أنها أخفقت في أن تحرز تقدمًا مهمًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى فهمٍ أدنى لممارسات المعرفة الفعلية، والدور المتقلص للفلاسفة في البحث المتقدم باستمرار، والتركيز على الاحتفاظ بالوضع الراهن للإبستمولوجيا. Fuller 2012: 267)) وفي الوقت نفسه، ينظر جولدمان إلى عمل فولر وأتباعه بوصفه لا ينتمي إلى الإبستمولوجيا الحقيقية: “وخلاصة القول أن العمل الذي يسمى أحيانًا في العلوم الاجتماعية والإنسانية “إبستمولوجيا اجتماعية” يحق للإبستمولوجيين إنكار أنه الوضع الشرعي للإبستمولوجيا الحقيقية”. (Goldman 2012: 252)

والشيء اللافت للنظر أن هذا الخلاف ولد مع ولادة الإبستمولوجيا الاجتماعية بوصفها مجالًا للبحث، وكان ذلك في أكتوبر من عام 1987 عندما خصصت مجلة تركيبSynthese  عددًا لهذا الموضوع.

2- الإبستمولوجيا التقليدية

تتشكل صور الإبستمولوجيا الاجتماعية وأنواعها من خلال موقفها من الإبستمولوجيا التقليدية. ولذلك يحسن بنا أن نرسم صورة موجزة لهذه الإبستمولوجيا ثم ننظر كيف يتم الخروج عليها في حالة، وكيف يتم توسيعها في حالة أخرى، وكيف يتم المحافظة عليها مع قليل من الإضافة في حالة ثالثة.

استخدم الفلاسفة التحليليون في دراسة الإبستمولوجيا منهجهم المفضل وهو التحليل المفهومي conceptual analysis لمصطلحات مثل معرفة ودليل وتفسير واستدلال. وانتهي هذا التحليل إلى تقديم أوصاف صورية محضة للمعرفة. وتعتمد هذه الأوصاف على تحديد طبيعة الدليل التجريبي، وتحديد الخطوات الاستدلالية التي ننتقل بها من هذا الدليل إلى معرفة عامة عن العالم.

ويمكن التعرف على صورة هذه التحديدات من خلال الوقوف على النموذجين الأساسيين في التسويغ: نزعة الأسس ونزعة الاتساق. تسلم نزعة الأسس بمستوى أساسي من الملاحظات الخالصة، وتستمد منها نظريات عن طريق الاستقراء. والإدراك التجريبي في هذه الحالة أشبه شيء بالهرم القائم على قاعدة من معطيات الملاحظة والذي يتناقص تدريجيًا كلما اتجهنا إلى القمة التي تشمل خلاصة المعطيات في صورة نظريات عامة. أما نزعة الاتساق فلا تسلم بمعطيات الملاحظة الخالصة، وتؤكد أن كل المعطيات مثقلة نظريًا. وتعتمد الروابط الاستدلالية في نزعة الاتساق على فكرة اتساق الاعتقادات بعضها مع بعض لتأليف شبكة متماسكة. ومن ثم يكون نموذج الإدراك وفقًا لنزعة الاتساق هو نموذج شبكة من الاعتقادات.

وتستطيع أن تدرك مصدرين لهذه الإبستمولوجيا التحليلية. يظهر أحدهما على المستوى النظري والمنهجي وهو الأولية a priorism، ذلك بأن هذه الإبستمولوجيا تهتم بالتحليل المفهومي الذي ينتج نماذج مجردة ومثالية لا تتعامل مع الإدراك الفعلي إلى حدٍّ كبير. ويظهر الآخر على مستوى تحقق الإدراك البشري وهو الفردية individualism. فالإدراك هنا فاعلية عقلية فردية.

وعندما يفسر الإدراك بوصفه فاعلية لوضع تمثيلاتنا العقلية الفردية في نظام، فإن ما يكون مطلوبًا لنجاحه هو مجرد عقلية أو طريقة معينة في التفكير. وهذا شيء يأتي بلا كلفة، ويكون مستقلًا عن أية تجهيزات مادية. وحتى عند تغيير تركيز الإبستمولوجيا من الإدراك العادي اليومي إلى العلم، كما هو الحال مع الوضعية المنطقية والعقلانية النقدية عند كارل بوبر، فإن التوصيات المعيارية لا تزال شعارات مجردة، من دون أية اقتراحات تتعلق بإنجاز مادي أو منظم للإدراك. رأى الوضعيون المنطقيون أن الأمر هو مسألة تثبيت مفاهيمنا العلمية في أساس تجريبي قوى، والذي هو على نطاق واسع مشكلة تعريف صحيح. وهذا واضح في كتاب كارناب البناء المنطقي للعالم. وفي أعمال بوبر تأتينا النصيحة بوضع تخمينات جريئة نخضعها لاختبار صارم. ويتعامل كارناب وبوبر بمبادئ مجردة، من غير اعتبار لعمليات تحقق للإدراك عينية مؤسسية بتكاليفها العملية اللازمة. (Collin2013:  83)

وتستطيع أن تضع قائمة لملامح الإبستمولوجيا التحليلية التقليدية على النحو التالى : (Goldman 2012: 249-250)

  • الفاعلون الإبستمولوجيون هم الأفراد.
  • تركز الإبستمولوجيا على دراسة التقييم المعرفي أو المعيارية المعرفية، وتمثلها مفاهيم التسويغ، والعقلانية، والمعرفة. وتطرح أسئلة من قبيل: كيف يستطيع الأفراد اكتساب المعرفة والاحتفاظ بحالات اعتقادية مسوغة أو عقلانية؟
  • المقاييس العامة للتسويغ والعقلانية لها صحة عامة وموضوعية.
  • الأفكار الأساسية لبلوغ الهدف الإبستمولوجي، المعرفة والتسويغ، إما أنها تستلزم الصدق، أو ترتبط به ارتباطًا وثيقًا. ويجب أن تكون القضية المعروفة صادقة، والاعتقادات المسوغة صادقة.
  • الصدق مسألة موضوعية، ومستقل عن العقل على نطاق واسع.
  • المهمة الأساسية للإبستمولوجيا التقليدية هي الفحص النقدي لصنع القرار المتعلق بالاعتقادات : تبني اعتقادات المرء، أو الاحتفاظ بها، أو تعديلها.

وبعد التطور الذي طرأ على الإبستمولوجيا في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، رأى الإبستمولوجيون الكبار أن حدود الإبستمولوجيا أصبحت خلافية، ويرسمها مفكرون مختلفون بطرق مختلفة. وهنا طرح وليم ألستون سؤالًا: هل الإبستمولوجيا الاجتماعية حقيقية؟ ورأى أن قدرًا كبيرًا من مادة كتاب جولدمان المعرفة في عالم اجتماعي 1999 “سوف يرفضها كثير من الإبستمولوجيين المعاصرين بوصفها إبستمولوجيا غير حقيقية”. Alston 2005: 5)) وسوف يحيلون هذه الإبستمولوجيا الاجتماعية المسماه هكذا إلى علم الاجتماع أو علم النفس الاجتماعي أو العلوم الاجتماعية الأخرى، أو ربما إلى أصولها الفلسفية.

3- تصورات الإبستمولوجيا الاجتماعية

أراد جولمان أن يقنع الفيلسوف التقليدي بأن الإبستمولوجيا الاجتماعية جديرة بأن تعد حقيقية. ولبيان جدارتها، ميز ثلاثة تصورات لها: )1) النزعة التعديلية revisionism، و(2) النزعة المحافظةpreservationism ، و(3) النزعة التوسعية expansionism. والرأي عند جولدمان أن النزعة التعديلية يجب ألا تصنف بوصفها إبستمولوجيا حقيقية لأنها تتخلى عن معظم أو كل افتراضات الإبستمولوجيا التقليدية. وعلى العكس، يرى أن النزعتين المحافظة والتوسعية خليقتان بأن تكونا فرعين أصيلين من الإبستمولوجيا. والاختلاف بين المحافظة والتوسعية أن المحافظة تظل على مقربة وثيقة من النماذج التقليدية، على حين تغامر التوسعية بوضع أسس جديدة وتقديم إضافات كثيرة.

ترى النزعة التعديلية أن التصور التقليدي للإبستمولوجيا مضلّل ولا يمكن الإبقاء عليه، ولا بد من أن يخلفه مشروع يكون اجتماعيًا بصورة شاملة. وإن شئت أن تضع ذلك بعبارة مجازية فقل إن التعديليين يهدمون منزل الإبستمولوجيا التقليدية ويقيمون لأنفسهم منزلًا فكريًا جديدًا تمامًا. ويأتي أنصار هذه النزعة من علماء الاجتماع والفلاسفة معًا. أما التيارات الرئيسة التي تمثل هذه النزعة فهي ما بعد الحداثة postmodernism، والتفكيكية deconstractionism، والبنيوية الاجتماعية social constructionism، والنسبية relativism، والدراسات الاجتماعية للعلم social studies of science.

ومن الخير أن تنتبه معي إلى ملاحظتين. فأما أولاهما فهي أن الكتاب في هذه التيارات نادرًا ما يستخدمون لافتة الإبستمولوجيا الاجتماعية، باستثناء ستيف فولر ومارتن كوش الذي يستعمل تعبيرًا مقاربًا هو الإبستمولوجيا الجماعية .communitarian epistemology وأما الثانية فهي وجود مصطلح آخر يقف إلى جانب “الدراسات الاجتماعية للعلم” أحيانًا ويأتي بديلًا عنه أحيانًا أخرى ألا وهو دراسات العلم والتكنولوجيا science and technology studies. ويستخدم المصطلح الأخير بمعنى واسع ليشمل الاتجاه الكامل للدراسة التجريبية في العلم الذي ظهر في أوائل السبعينيات من القرن الماضى وجاء معارضًا للفلسفة التقليدية الأولية والعقلانية للعلم. وظهرت المحاولات الأولى من هذا الاتجاه تحت اسم علم اجتماع المعرفة العلمية، وكانت الصورة المبكرة المؤثرة هي البرنامج القوى في مدرسة أدنبرة strong programme of the Edinburah. ثم دخلت التكنولوجيا ضمن موضوعات البحث. وتندرج كتابات فولر ضمن هذا المعنى الواسع لدراسات العلم والتكنولوجيا. ويدخل قليل من الفلاسفة مثل رورتي في النزعة التعديلية أيضًا، وذلك عندما صرح بموت الإبستمولوجيا، واقترح بديلًا غامضًا عنها في صيغة محادثة الجنس البشري. وأصبحت المهمة الفكرية هي الاحتفاظ بالمحادثة دائرة بدلًا من اكتشاف الصدق الموضوعي. صحيح أن رورتي تراجع عن بعض هذه الأفكار في آواخر حياته، واعتبر أنها غير ملائمة، ولكن تأثيره في السياق التاريخي الذي ننظر فيه كان قويًا ولا سبيل إلى غض الطرف عنه.

ويقدم فولر مجموعة من الأفكار حول طبيعة الإدراك البشري. تبدأ بالرأي القائل إن الإدراك البشري يتجسد في تركيبات مادية تتخذ صورًا منوعة منها المخ والجسم البشري، والكتب وأجهزة الكمبيوتر، والأدوات والوسائل المادية، والتنظيمات الاجتماعية وصور الحكم. ولا يمكن اكتشاف أثر المشكلات المترتبة على هذا الإدراك بصورة أولية. ومن ثم لا بد من التخلي عن التأمل الفلسفي الخالص والرجوع إلى التجربة. وعندما نتخلى عن المقعد الفلسفي ونسلك طريق صاحب الإبستمولوجيا الطبيعية، سرعان ما نكتشف أن هذه الصور المنوعة من تجسيد الإدراك ذات طبيعة اجتماعية وليست ممتلكات فردية. ومن ثم فإن الإبستمولوجيا إلى جانب كونها طبيعية وليست تأملية، فإنها لا بد من أن تكون اجتماعية أيضًا.

إن المعرفة العلمية القائمة على علوم النانو، والبيولوجيا التخليقية، وتكنولوجيا الكمبيوتر هي التي غيرت الإنسانية إلى الإنسانية الحالية. وتستكشف الإبستمولوجيا الاجتماعية عند فولر تغير الأبعاد الاجتماعية للمعرفة العلمية والإنسانية معًا، بالإضافة إلى تأثير أحدهما في الآخر. (Remedios and Dusek 2018:1)

ويمكن إيجاز الأفكار الأساسية في النزعة التعديلية على النحو التالي:

  • البنيوية الاجتماعية: لا توجد وقائع في العالم، وإنما هي من إبداعات العلماء واختلاقاتهم.
  • البرنامج القوي في علم اجتماع العلم: لا توجد قواعد للعقلانية متحررة من السياق أو فوق ثقافية.
  • النسبية الإبستمولوجية: لا توجد حقائق موضوعية حول التسويغ.

إن الصورة المتطرفة من الإبستمولوجيا الاجتماعية التعديلية هي البنيوية الاجتماعية. وهي متطرفة لأنها تنكر ما يثبته العلم والحس المشترك؛ إذ تتمسك بأن العالم لا يحوي حقائق أو وقائع. ولا توجد وقائع في الخارج بحيث يكتشفها الباحثون، وإنما هي أمور يختلقونها.

وزعم البنيويون الاجتماعيون أن هذه الآراء تثبتها الدراسات التجريبية في علم اجتماع العلم. فقد أنفق برونو لاتور وستيفن وولجار عامًا في مراقبة فريق من علماء أحياء الجزيء، ووضعا كتابًا بعنوان حياة المختبر: بنية الوقائع العلمية 1979، جاء فيه: “نحن لا نتصور العلماء … بوصفهم يسحبون الستارة على حقائق معطاة سلفًا ولكن محجوبة، والصواب أن الأشياء (وفي هذه الحالة المواد) تتشكل خلال الإبداع الاصطناعي للعلماء”. (Latour  and Woolgar 1986:128-129)

وهكذا لا توجد وقائع موضوعية في العالم، والعلماء لا يبحثون عن الصدق أو الحقيقية لأنه لا يوجد شيء من هذا القبيل. والمعرفة لديهم لا تستلزم الصدق، وإنما هي كل ما يعتقد فيه. ولكن الفلاسفة والعلماء أثبتوا خطأ هذه الآراء، ودافعوا عن وجهة النظر الكلاسيكية في البحث العلمي بوصفه بحثًا عن الحقائق الأصلية. فالواقعية العلمية تقرر دعاوى إبستمولوجية يأتي على رأسها أن أفضل النظريات العلمية الحالية صحيحة على الأقل تقريبًا، وأن النظريات العلمية تضع دعاوى وجودية بشكل حقيقي. (Goldman 2020: 11; Bunge 2011:411-438)

والصورة الأخرى من الإبستمولوجيا الاجتماعية التعديلية هي البرنامج القوى في علم اجتماع العلم، ويرفض باري بارنز وديفيد بلور العقلانية الموضوعية في الإبستمولوجيا التقليدية، لأنه “لا توجد قواعد للعقلانية متحررة من السياق أو فوق ثقافية.” (Barens and Bloor 1982: 27)والمعرفة عندهما اعتقاد مؤسسي أو تمثيل جمعي تتمسك به جماعة بوصفه مواضعة.

ويذهب جولدمان إلى أن أنصار البرنامج القوى يهدفون إلى فضح زيف السلطة الإبستمولوجية للعلم عن طريق إثبات أن المصالح السياسية والقوة، وليس الدليل الجيد، هي التي تحدد اختيار النظرية. ولكنه يعترض على هؤلاء بحجة أن موقفهم يفند ذاته. ذلك بأن دراسات الحالة التجريبية والتاريخية التي قدمها أنصار البرنامج القوى وضعت من أجل تقديم دليل تجريبي على الزعم بأن المصالح السياسية تفوق الدليل التجريبي وزنًا وأهمية.

ويترتب على النزعة التعدلية جملة من النتائج تأتي في طليعتها النسبية الإبستمولوجية. وتأخذ صيغة الحجة التالية:

  • إذا كانت هناك حقائق مطلقة حول التسويغ، وجب إمكان التوصل إلى اعتقادات مسوغة حولها.
  • ليس من الممكن التوصل إلى اعتقادات مسوغة حول الحقائق التسويغية.
  • إذن لا توجد حقائق موضوعية حول التسويغ.

وتعتمد هذه الحجة على مناقشات أنصار دراسات العلم والتكنولوجيا لكتابات بعض الفلاسفة مثل فتغنشتاين “في اليقين” (Wittgenstein 1969: 608-612)  وكون “بنية الثورات العلمية” ورورتي “الفلسفة ومرآة الطبيعة”. جادل رورتي، مثلًا، بأن أي تسويغ حول حقائق التسويغ سوف يكون دائريًا. وفي محاولة لإثبات هذا، تراه يستشهد بالخلاف التاريخي بين جاليليو وخصمه في الفاتيكان الكاردينال بيلارمين، الذي رفض النظر من خلال تلسكوب جاليليو للحصول على دليل حول بناء السماء. وجادل بيلارمين بأنه يملك دليلًا حول هذه المسألة من الكتاب المقدس وهو أفضل من دليل التلسكوب الذي قدمه جاليليو. وفي مقدور جاليليو وبيلارمين أن يسوغ كل واحد منهما اعتقاده عن طريق الرجوع إلى مبادئه المفضلة للدليل. وينتهي صاحب النسبية إلى التساؤل: كيف يمكن أن يسوغا هذه المبادئ المفضلة؟ ألا يتعين على كل واحد منهما أن يستعين بالمبادى نفسها؟ وإذا حدث ذلك، فهذا وقوع في الدور. وهو هنا بيان الشيء ببيان الشيء نفسه.

وهناك ثلاثة ردود على هذه الحجة على النسبية. فأما الأول: فهو إنكار أن تسويغ الحقائق التسويغية لا بد من أن يكون دائريا. ألا يستطيع الكاردينال بيلارمين محاولة تسويغ مبدأ الدليل من الكتاب المقدس عن طريق الاستعانة بملاحظات سابقة للمعجزات؟ إن قوة مثل هذا التسويغ مشكوك فيها، ولكنه ليس دائريًا بوضوح. وأما الثاني: فهو أن الدور الإبستمولوجي لا سبيل إلى اجتنابه ولكنه لا يقتلع بالضرورة التسويغ الموضوعي غير النسبي. وأما الثالث والمختلف: فهو التسليم بصدق النسبية ولكن ينكر أن تؤدي إلى أي مشروع نسبي متميز بالنسبة إلى الإبستمولوجيا الاجتماعية. كثير من النسبيين هم علماء اجتماع مشروعهم الأساسي هو الدراسة العلمية إما للعلم نفسه أو لجماعات البحث الأخرى. وإذا صحت النسبة الإبستمولوجية، ألا يقوض هذا مشروع القائل بالنسبية؟ ولماذا ندرس هذه المسائل علميًا إذا كان العلم لا يدعي تفوقًا إبستمولوجيًا على مناهج البحث الأخرى؟.   (Goldman 2010: 84)

ولكن يجوز الاعتراض على جولدمان بأن تغيرًا قد طرأ على الإبستمولوجيا التحليلية بحيث لا يمكن القول إنها ترفض النسبية رفضًا نهائيًا. لقد تغير المشهد المعاصر وجرت في نهر الإبستمولوجيا وفلسفة اللغة مياة جديدة، وظهر “عصر جديد” من النسبية كما يسميه كريسبن رايت.  (Wright 2009: 379-390)وإذا اشتركت نسبية العصر الجديد new age relativism في شيء كثير مع نسبية النزعة التعديلية، فربما لا توجد فجوة هائلة كما يصورها جولدمان بين الإبستمولوجيا الاجتماعية التعديلية والإبستمولوجيا التحليلية.

ونسبية العصر الجديد وجهة نظر أيدها بشكل متفرق جماعة من الفلاسفة مثل جون ماكفارلين، وماكس كولبل، وبيتر لاسيرسون. (Lasersohn 2005: 643-686; Kolbel 2005: 53-73; MacFarlance 2005:230) ومفادها أن قيمة صدق المنطوق تختلف باختلاف سياقات التقييم. وهذا المذهب صورة من النزعة السياقية contextualism مع اختلاف أن التركيز يكون على سياق التقييم بدلًا من سياق الاستعمال. وبتطبيق هذا على الإبستمولوجيا، نجد أن نسبية العصر الجديد تقرر أن صدق العبارات المتعلقة بالتسويغ هو مسألة تقييم نسبي.

وانبرى للرد على هذه النسبية بول بوجسيان ورأى أنها في الأساس دعوى دلالية، ولا تعبر عن كل ما تطمح إليه النسبية التعديلية، إذ دعوى النسبية التعديلية أشد قوة وتطرفًا، ويمكن أن تتخذ صورًا مثل العدمية الإبستمولوجية، والصحة المتساوية على حد تعبير بوجسيان في كتابه الخوف من المعرفة: ضد النسبية والبنيوية. وتقول العدمية الإبستمولوجيةepistemic nihilism  “لا توجد وقائع يكون بمقتضاها أحد الأنساق الإبستمولوجية أكثر صحة من أى نسق آخر”. (Boghossian 2006: 73; Boghossian 2008: 413)  وتقول الصحة المتساوية  equal validity:”هناك طرق كثيرة لمعرفة العالم مختلفة جذريًا ومع ذلك صحيحة بصورة متساوية، ولا يزيد العلم عن أن يكون طريقة واحدة منها فقط”. (Boghossian 2006: 2) ويؤكد جولدمان أن زعم الصحة المتساوية يتجاوز أية دعوى دلالية لنسبية العصر الجديد. وحتى مع التسليم بنسبية العصر الجديد، يظل هناك حد فاصل مهم بين الآراء التعديلية وآراء الاتجاه الإبستمولوجي السائد في مسألة النسبية. والرأي الذي يخلص إليه جولدمان من مناقشة الإبستمولوجيا التعدلية التي تقدمها دراسات العلم والتكنولوجيا بصفة عامة هو أنها لا تمثل الوضع الشرعي للإبستمولوجيا الحقيقية.

والإبستمولوجيا الاجتماعية المحافظة هي امتداد للإبستمولوجيا الكلاسيكية، ومن ثم فهي صورة حقيقية من نظرية المعرفة. وإذا عدنا إلى استعارة المنزل، نجد أن الإبستمولوجيا المحافظة ترفض اعادة البناء الكبرى للمنزل أو وضع أسس جديدة له. وترى أن كل ما هو مطلوب للمحافظة على بقاء هذا المنزل وحيويته هو إضافة بعض الطوابق الجديدة. وانسجامًا مع التقليد، تقصر نزعة المحافظة اهتمامها على فهم اتخاذ القرار العقائدي وتقييمه من جانب فاعلين أفراد، ثم تخطو خطوة أبعد من التقليد وتلفت انتباهنا إلى أن الفاعل الإبستمولوجي يحصل على معلومات مفعمة بالحيوية من الفاعلين الآخرين أو دليل على ما يقولونه وما يفكرون فيه. وهنا تظهر في الإبستمولوجيا المحافظة موضوعات مهمة تضاف إلى التقليد يأتي على رأسها الشهادة، واختلاف النظير أو الاختلاف الإدراكي. وأنت ترى أن النزعة المحافظة تجتنب أي ميل للإنفصال عن الإبستمولوجيا الكلاسيكية، وإنما تضيف بعض الفروع الجديدة عندما تركز على أجزاء من نظريات التسويغ والعقلانية تعالج عوامل بين شخصية.

وجدنا أن الإبستمولوجيا الاجتماعية المحافظة أضافت فاعلًا إنسانيًا واحدًا على الأقل يتفاعل مع صانع القرار الاعتقادي، ولذلك فهي تجدد المنزل على استحياء. أما الإبستمولوجيا الاجتماعية التوسعية فهي لا تكتفي بإضافة طوابق جديدة كم فعلت المحافظة، وإنما تسعى إلى وضع أسس جديدة وإقامة جناح جديد لهذا المنزل. ويبحث هذا التوسع في عدة موضوعات من بينها قواعد الكلام عامة وقاعدة التقرير خاصة، ونوع معقد من فاعلية الكلام هو المحاجة. وتبرز هذه النزعة في كتابات جولدمان وفيليب كتشر، مثلًا.

4الصدق والواقعية

ويمكن أن نحدد الأن بعض نقاط الخلاف الجوهرية بين جولدمان وفولر. يرى جولدمان أن كل المسائل الأخلاقية والسياسية تقع خارج نطاق الإبستمولوجيا الاجتماعية، على أساس أنها لا ترتبط بالصدق أو الحقيقية، وهذا لا يعني أنها غير شرعية. خذ مثلًا المسائل المتعلقة باتخاذ القرار السياسي، والقيم الداخلة في صنع هذا القرار، تجد أنها موضوع لتأمل فلسفي في الفلسفة السياسية والأخلاق المعيارية. ولكن فولر يرفض ذلك، ويتحرك بين الإبستمولوجيا والفلسفة السياسية والنظرية الاجتماعية انطلاقًا من الاهتمام الإيديولوجي لدراسات العلم والتكنولوجيا والذي يفسح المجال لهذه الاهتمامات الاجتماعية الواسعة.

ولكن إلى جانب هذ الخلاف بين فولر وجولدمان حول تقسيم مجال الإبستمولوجيا الاجتماعية، هناك نزاع حول مسائل أكثر عمقًا مثل الصدق والواقعية. خذ الصدق أولًا. تجد أن جولدمان يشن هجومًا عنيفًا على أنصار دراسات العلم والتكنولوجيا ويتهمهم بالخوف من الحقيقة.

ونزعة الحقيقة veritism عند جولدمان تجد تطبيقًا داخل الإبستمولوجيا الفردية والاجتماعية أيضًا. ذلك بأن الإبستمولوجيا الاجتماعية التحليلية تدرس الممارسات الاجتماعية في حدود تأثيرها في قيم صدق اعتقادات الفاعلين. ويهاجم جولدمان كل طرائق البحث الخائفة من الحقيقة التي تتكلم عن الاعتقادات المؤسسية من دون تقديم شروط للصدق والتسويغ. وفي دراسات العلم والتكنولوجيا، المعرفة العلمية ليس لها زعم متميز للصدق، والعلماء ليسوا أوصياء على المعرفة الموضوعية، وإنما يستأجرون الأمخاخ للمصالح الخاصة وجماعات الضغط.

ولكن فولر يرفض ادعاء الخوف من الحقيقة فيما يتعلق بموقفه الخاص. وهناك من يؤيد فولر ورفاقه في هذه المسألة. يرى كولن أن هذا الادعاء يتعذر تسويغه. لأنه رغم أن أنصار دراسات العلم والتكنولوجيا يخفون شكوكًا حول فكرة الصدق ويجتنبون استعمالها بصفة عامة، فيبدو أن ما يعارضونه ليس الصدق من حيث هو كذلك وإنما يعارضون تصورًا محددًا له، أعني الصدق بوصفه تناظرًا. وفهم أنصار دراسات العلم والتكنولوجيا هذا التصور أحيانًا فهمًا فظًّا بوصفه يستلزم أن العبارات الصادقة تكون مماثلة للواقع. وعبر لاتور عن هذا النقد الذي يبدو أنه موجه فقط ضد التناظر كما فسرته التجريبية البريطانية الكلاسيكية، حيث جرى تصور الصدق بوصفه مسألة تشابه بين الواقع والأفكار في عقولنا. وهذا تصور لا صلة له بنظريات التناظر في الصدق التي قدمت بعد التحول اللغوي في الفلسفة في القرن العشرين، مثل آراء أوستن في الصدق.

ويرى كولن أن هناك افتقارًا إلى المحبة التفسيرية من جانب جولدمان الذي نراه يظهر شيئًا من التقدير للفلاسفة التحليلين الذين يقترحون نظريات في الصدق تخالف الاتجاه السائد مثل اقتراح بعضهم نظرية الاتساق، أو النزعة التفريغية أو فكّ التنصيص، على أساس أنها نظريات تستحق الدراسة وأصحابها شركاء في مناقشة جادة. يقول كولن كان في مقدور جولدمان إعادة تفسير فلاسفة ما بعد الحداثة للصدق بوصفه تعبيرًا عن الاهتمامات التي تدفع البحث عن تصورات جديدة للصدق. كان من الممكن توسيع المجاملة نفسها لتشمل بعض أنصار دراسات العلم والتكنولوجيا أيضًا، فربما تبدو مواقفهم أقل عبثية في عيون الإبستمولوجيين التحليلين إذا أعادوا تفسيرها في حدود تصورات بديلة للصدق.  (Collin 2013 90-91; Collin 2011: 167)

والمسألة الأخرى التي تفصل بين الإبستمولوجيا الاجتماعية التحليلية والإبستمولوجيا الاجتماعية النقدية تتعلق بالتصور الأنطولوجي للواقع، أو اختصارًا: مسألة الواقعية. جولدمان واقعي يقبل الوجود المستقل للعالم الطبيعي وإمكانية اكتشاف حقائق موضوعيىة حول الواقع. ويعترف الواقعيون العلميون بوجود ملامح للعالم مستقلة عن العقل وقوانين حول العالم الطبيعي، ولكنهم يعترفون أيضًا بإمكانية معالجة الطبيعة وتحويل الواقع إلى مصنوعات مادية. أما أنصار دراسات العلم والتكنولوجيا فهم من البنيويين واللاواقعيين. تراهم يتلزمون بنوع من البنيوية المعرفية، وينكرون وجود معايير عالمية لاختيار النظرية تتجاوز الثقافات وتكون عابرة للتاريخ، ويقترحون بدلًا من ذلك أن العوامل المجتمعية هي التي تحدد النظرية الغالبة في الخلاف العلمي. وهكذا يكون العلم بنية اجتماعية. وهذه البنيوية الأنطولوجية لا تقرر أن النظريات العلمية بنى اجتماعية فحسب، وإنما تقرر أيضًا أن موضوعات هذه النظريات تكون كذلك، بمعنى أنها لا توجد في ذاتها وإنما يتم ابتكارها ودعمها من خلال ممارسات مجتمعية.

ويرفض فولر الواقعية العلمية: “يبدو أن اللاواقعية ستكون هي الحل النهائي لمشكلة الواقعية.” Fuller 2002: 98)) ولكنه يجمع بين اللاواقعية النظرية حول الطبيعة والواقعية حول المجتمع. رغم أن عالم اجتماع المعرفة لاواقعي حول الكائنات التي يقدمها الفيزيائيون، فإنه ليس في حاجة إلى أن يكون لاواقعيًا حول الكائنات الاجتماعية أيضًا. وذهب إلى هذا الرأي أيضًا في كتابه التالي فلسفة العلم والساخطون عليها.

وفي مقالة “الإبستمولوجيا الاجتماعية الوصفية مقابل التعديلية” يغذي فولر الخلاف بين هاتين الصورتين. ويرى أن الإبستمولوجيا الاجتماعية التحليلية محافظة أو وصفية بمعنى أنها ترغب في تسويغ العالم كما يوجد، في حين أن الإبستمولوجيا الاجتماعية النقدية التعديلية تدرس كيفية بناء جوانب واقعية ومستقبلية بديلة. وهي لاواقعية بمعنى أنها تعالج الواقع بغية مقاومته والتغلب عليه بدلًا من قبوله ومحاكاته.

وتتضح نزعة فولر اللاواقعية الأداتية في كتاب صغير بعنوان العلم، يحاول فيه إثبات أن العلوم تدعي امتلاك مداخل متميزة إلى الواقع، ولكنها تسيء تفسير تاريخها الخاص، وتعجز عن أن تسلك وفقًا لمثل العقلانية الخاصة بها. (Fuller 1997: 1-9; 1993; 2007; 2015)

وعندما دخل الإبستمولوجيون التحليليون في نزاع مع خصومهم من النقديين ظنوا أنهم سيفوزون في المعركة بسهولة. وفاتهم أنه يوجد داخل معسكرهم من يتبنى مواقف ليست ببعيدة عن مواقف خصومهم. فهناك الأداتيون الذين ينكرون أن النظريات العلمية لها قيم صدق، والبراجماتيون الذين يتخلون عن نظرية التناظر في الصدق، والفوضويون الإبستمولوجيون الذين يرفضون فكرة الصدق تمامًا. تجد ذلك عند توماس كون ولارى لودان. حاول كون إثبات أن فكرة الصدق المستقلة عن نظرية هي فكرة غير متسقة، وسعى لاودان إلى تعريف التقدم العلمي عن طريق القدرة على حل المشكلة في التقاليد العلمية.

وتجد أيضًا داخل فلسفة العلم التحليلية بعض المواقف التي تسعى إلى استيعاب استبصارات البنيويين مثل مواقف باس فان فراسين ورونالد جيير. (Fraassen 1980; Giere 1999; 2006) يرى جيير، مثلًا، أن النظريات العلمية لا تشير مباشرة إلى العالم الواقعي وإنما تشير إلى نماذج تصلح كوسائط بين الواقع ونظرياتنا، التي تعتبر بمثابة مجموعة من القوانين العامة في صيغة رياضية. وهذه النماذج ليست أوصافًا دقيقة للواقع، وإنما تتضمن كل أنواع الصياغة المثالية، والاختيار وغير ذلك مما يدخل في صنع العلماء.

 

5خاتمة

هذه هي الاختلافات بين المدرستين الكبيرتين في الإبستمولوجيا الاجتماعية ألخصها في النقاط التالية :

  • سعت المدرسة التحليلية إلى إبعاد المسائل الأخلاقية والسياسية من مجال الإبستمولوجيا الاجتماعية، وهي في ذلك تنسجم مع الفلسفة التحليلية في جانبها الأكبر الذي كان يبقى العلم منفصلًا تمامًا من السياسة. أما المدرسة النقدية فترى أن العلم يسمح بأن تتخلله الاهتمامات الاجتماعية الواسعة والتحكم الاجتماعي.
  • تصر المدرسة التحليلية على أن الصدق مسألة موضوعية وتنظر إليه بوصفه هدفًا للبحث والمعرفة، على حين ترى المدرسة النقدية أن المعرفة العلمية لا تملك زعمًا متميزًا للصدق، والمعرفة لا تستلزم الصدق، والصدق مؤسسة اجتماعية. وقل شيئًا كهذا عن نزاع المدرستين حول العقلانية.
  • تسلم المدرسة التحليلية بواقعية ميتافيزيقية، في حين تؤكد المدرسة النقدية على اللاواقعية.

ولعل الدراسات المقبلة تسعى إلى تضييق هوة هذا الخلاف، والبحث عن صور التعاون بين المدرستين حتى تتحقق الفائدة منهما.

 

 


المراجع

 

Alston,William. 2005. Beyond “Justification”: Dimensions of Epistemic Evaluation, Ithaca NY: Cornell University Press.

Barens, Barry and David Bloor. 1982. “Relativism, Rationalism, and the Sociology of Knowledge,” in Rationality and Relativism. Eds. M. Hollis and S. Lukes, Cambridge, MA: MIT Press, pp. 21‐ 47.

Boghossian, Paul. 2006. Fear of Knowledge: Against Relativism and Constructivism, Oxford: Oxford University Press.

Boghossian, Paul. 2008. “Replies to Wright, MacFarlance and Sosa,” Philosophical Studies 141: 409‐432.

Bunge, Mario. 2011. Knowledge: Genuine and bogus. Science & Education 20: 411– 438.

Collin, Finn. 2011. Science Studies as Naturalizes Philosophy, Dordrecht: Springer.

Collin, Finn. 2013. “Two Kinds of Social Epistemology,” Social Epistemology Review and Reply Collective 2 (8): 79‐104.

Fuller, Steve. 1993. Philosophy of Science and Its Discontents, 2nd ed. New York: The Guilford Press.

Fuller, Steve. 1993. Philosophy, Rhetoric and the End of Knowledge. Madison: University of Wisconsin Press.

Fuller, Steve. 1997. Science. Minneapolis: University of Minnesota Press.

Fuller, Steve. 2002. Social Epistemology. Bloomington: Indiana University Press.

Fuller, Steve. 2007. New frontiers in Science and Technology Studies. Cambridge: Polity.

Fuller, Steve. 2012. “Social Epistemology: A Quarter‐Century Itinerary. Social Epistemology 26 (3‐4): 267‐83.

Fuller, Steve. 2015. Knowledge: The Philosophical Quest in History.London: Routledge.

Giere, Ronald. 1999. Science Without Laws. Chicago: University of Chicago Press.

Giere, Ronald. 2006. Scientific Perspectivism. Chicago: University of Chicago Press.

Goldman Alvin I. 1979. “ A Causal Theory of Knowing,” in George S. Pappas and Marshall Swain (eds.), Essays on Knowledge and Justification, pp.41‐60.

Goldman, Alvin I. 1979. “What is Justified Belief?,” in Pappas, George (ed.), Justification and Knowledge, pp. 1‐23.

Goldman, Alvin I. 1994. “Epistemic Folkway and Scientific Epistemology,” in Kornblith, Hilary (ed.), Naturalizing Epistemology, pp. 291‐315.

Goldman, Alvin I. 1986. Epistemology and Cognition, Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press.

Goldman, Alvin I. 1989. “Precis and Update of Epistemology and Cognition”, in Marjorie Clay and Keith Lehrer (eds.), Knowledge and Skepticism, Boulder, San Francisco, London: Westview Press, pp. 69‐87.

Goldman, Alvin I. 1994. “Naturalistic Epistemology and Reliabilism,” in Midwest Studies in Philosophy, Vol. xix, edited by Peter A. French, Theodore, E. Uehling, Jr, and Howard K. Wettstein, Notre Dame: University of Notre Dame Press, pp. 301‐320.

Goldman, Alvin. 1999. Knowledge in a Social World. Oxford: Clarendon Press.

Goldman, Alvin. 2002. Pathways to Knowledge: Private and Public. Oxford: Clarendon Press.

Goldman, Alvin. 2010. “Social Epistemology,” in Jonathan Dancy, Ernest Sosa, and Matthias Steup, eds., A Companion to Epistemology, Second edition, West Sussex: Wiley‐ Blackwell, pp.82‐93.

Goldman, Alvin and Dennis Whitcomb. 2011. Social epistemology: Essential Readings. Oxford: Oxford University Press.

Goldman, Alvin I. 2012. Reliabilism and Contemporary Epistemology: Essays, Oxford, New York: Oxford university Press.

Goldman, Alvin I. 2020. “The What, Why, and How of Social Epistemology,” in Miranda Fricker, Peter J. Graham, David Henderson, and Nikolaj J. L. L. Pedersen, eds. The Routledge Handbook of Social Epistemology , New York and London: Routledge, pp.10-20.

Lasersohn, Peter. 2005. “Context Dependence, Disagreement, and Predicates of Personal Taste,” Linguistic and Philosophy 28: 643‐686.

Latour, Bruno and Steve Woolgar 1979/1986. Laboratory life. Princeton: Princeton University Press.

Latour, Bruno. 1987. Science in Action. Cambridge, Mass.: Harvard University Press.

MacFarlance, John. 2005. “The Assessment Sensitivity of Knowledge Attributions,” in T. Szabo Gendler and J. Hawthorne, eds. Oxford Studies in Epistemology, vol.1, Oxford: Oxford University Press, pp.197‐233.

van Fraassen, B. C. 1980. The Scientific Image, Oxford; Oxford University Press.

Wittgenstein, Ludwig. 1969. On Certainty, eds. G. E. M. Anscombe and G.H. von Wright.Trans D. Paul and G. E. M. Anscombe. Oxford: Basil Blackwell.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق