مراجعات

أفكر في إنهاء الأمور: متاهة في عقل رجل يسبح وحيدًا في خياله – آية طنطاوي  

بعد شهور من العزلة الاجبارية في البيوت ها هو العالم يلتقط أنفاسه من جديد، وبعد ما يزيد عن ستة أشهر تقدم لنا نتفلكس (I’m Thinking Of Ending Things) واحدًا من أهم الأفلام المنتظرة هذا العام والذي نجح في ألا يتأخر موعد عرضه كحال الكثير من الأفلام. هذا الفيلم الذي تسقبلنا بطلته بقصيدة تقول أبياتها إن “العودة إلى البيت موحشة جدًا”؛ فنتذكر أننا أمام فيلم من كتابة وإخراج شارلي كوفمان الذي يعرف جيدًا كيف يبني جدران عالمه الدرامي من المشاعر الإنسانية التي يغلفها الخوف والوحدة والمشاعر غير المكتملة.

لكن اسمحوا لي أن أخبركم أن هذا المقال سيفسد عليكم أحداث الفيلم، وسيفك الكثير من شفراته الغامضة إذا لم تشاهدوه من قبل، كما أن المقال لا يتطرق إلى رواية الكاتب الكندي لاين ريد المقبتس منها الفيلم والتي تحمل نفس عنوانه.

أنا أفكر في إنهاء الأمور

يبني الفيلم أعمدة قصته في عالمين مختلفين بشكل متوازي، الأول يسرد لنا علاقة قصة فتاة تتعرف للمرة الأولى على أسرة حبيبها، بينما يسرد العالم الثاني الحياة الرتيبة لرجل عجوز هو عامل نظافة في إحدى المدراس الثانوية، ما من شيء يربط العالمين ببعضها سوى قطعات المونتاج التي تمزج بين مشاهد الفتاة وحبيبها التي لا يتوقفان فيها عن الحديث وبين مقتطفات من حياة لذلك العجوز الذي يجر معه أذيال الوحدة والصمت في يوم روتيني معتاد، نشعر أن هذا العجوز غريب الأطوار، وأنه مقحمٌ في قصة الفتاة وحبيبها، لكننا سنندهش عندما ندرك أن تلك الفتاة ورحلتها الطويلة إلى بيت حبيبها هي التي تقتحم حياة هذا العجوز، بالأحرى تقتحم عقله وخياله، بل وتتشكل حكايتها بداخله على مدار زمن الفيلم.

يصنف الفيلم على منصة نتفلكس وعلى موقع IMDB باعتباره فيلم رعب وتشويق، وهو الأمر الذي ترقبه الكثيرين من محبي كوفمان الذي يدخل لأول مرة في صناعة هذا النوع من الأفلام، لكن يبدأ الفيلم وينتهي وبداخلنا شعور غامض بالريبة، أو كما يذكر في الرواية المقتبس منها الفيلم “ستكون خائفًا ولكنك لن تعرف لماذا”.  هناك أنماط عدة لأفلام الرعب أبرزها رعب البيوت، وهو نوع يبنى فيه الرعب على زيارة مفاجئة يحل فيها الأبطال ضيوفًا على بيت جديد يقبع بداخله شبح هو مصدر الرعب لهم، لكن في الفيلم تبدأ زيارة بيت العائلة وتنتهي ولانرى أية أشباح، فأين يكمن الرعب إذًا؟

على مدار الفيلم يتراكم شعور متكرر بالغموض، هناك الكثير من الأمور والمشاعر غير المحسومة، والاخرى الغريبة: أب وأم غريبي الأطوار، العلاقة الفاترة بين جيك وأبويه، القفزات الزمنية المتلاحقة التي نرى فيها الأهل في حالة شيب وشباب مفاجيء؛ كما أن الثلج البيض والألوان الفاتحة تتلاشى تمامًا في النصف الثاني للفيلم بمجرد وصول الحبيبان إلى بيت العائلة، وتغرق صورة الفيلم في الألوان الترابية الداكنة. على جانب آخر لا ننسى العجوز الذي لا نفهم علاقته بقصة الحبيبين، وهذا البيت الذي يوجد به قبو غامض يبدو أنه يخبئ شبح أو لعنة ما أو جثة هامدة، لكننا لا نرى فيه شيئًا غريبًا سوى ذكريات طفولة جيك الكابوسية والتي تشبه ندبة في وجهه يتلافى النظر لها. هناك أيضًا تشويق يحمل ألغاز وأحاجي سنفسره وفقًا للشخصيات على ثلاثة مستويات:

  1. التي تريد أن تحسم الأمور: الفتاة

في الطريق إلى بيت العائلة، بينما الثلج بالخارج يتساقط في نعومة، وصوت ماسحة زجاج السيارة يحدث ارتباكًا ونغمة متوترة على مدار المشهد الطويل بين الفتاة وحبيبها، يتبادل الحبيبان الحديث، لا يتغزلان، لا يتبادلان القبل الحميمة، بل نستمع إلى المونولوجات الداخلية للبطلة التي لا تتوقف ويختلط في حديثها المشاعر الآنية، والأفكار عادية التي تسبح غير عابئة في بحار الفيزياء، الفن، الشعر، السينما، كل الأشياء تتداعى بلا توقف وكأن عقلها ماكينة لإنتاج الأفكار التي لا تتوقف، ما من رابط بين الأفكار التي تقفز فجأة في ذهنها، لكن ثمة شعور أن هذه الأفكار لا تخصها، وأن ثمة رابط خفي بين تلك الأفكار وبين الرجل العجوز الذي يقضي يومًا عاديًا في العمل ويتجول في حياته الرتيبة التي لا يتفوه فيها مع أحد.

تذكرنا مونولوجات البطلة المتلاحقة بتيار الوعي في الأدب، الذي نشأ وبنى جذوره في بدايات القرن المنصرم ويتجلى في أفضل صورة في أدب فيرجينيا وولف، و مارسيل بروست، وجيمس جويس، وغيرهم الكثيرين.. عرفنا التداعي الحر في الطب النفسي، وتجلى في الأدب معلنًا عن غياب الفواصل بين الذات الروائية وأفكارها، فإذا كان الأديب يسرد لنا تفاصيل وأحداث تقع لشخصياته الروائية، فلماذا لا يتعمق في عقلها، أفكارها الداخلية، صراعاتها التي لا تنكشف على السطح، ليس بالضرورة أن تكون صراعات عميقة بل إن الصراعات اليومية البسيطة كتأمل الطقس، الألوان، مشاعر الشخصية أالمضطربة والمتقلبة كعقارب الساعة، كلها أمور تستدعي الوقوف أمامها والبوح بها، هنا يتحول السرد إلى مسارين متوازيين للأحداث والمشاعر، وهذا يجعل الشخصيات أكثر حيوية، وذات بعد إنساني حقيقي، شخصيات من لحم ودم وليست فارغة من الداخل.

في إحدى المشاهد يتحدث الحبيبان عن مسرحية أوكلوهاما الموسيقية، وفي نفس اللحظة نشاهد العجوز ينظف المسرح المدرسي ويراقب الفتيات وهن يؤدين تدريبات على نفس المسرحية محور حديث الحبيبان.

تفرض “الصدفة” نفسها كتفسير سهل لهذا الرابط بين أفكار الفتاة وحياة الرجل العجوز، لكن إذا كنا أمام فيلم لتشارلي كوفمان فما من مجال لتكون الصدفة هي التي تربط هذين العالمين ببعضهما. يمكنني هنا أن أقول ببساطة أن ثمة رابط مقصود بين هذين العالمين، والرابط يكمن حتمًا في عقل كلا الطرفين، العجوز، والفتاة وحبيبها جيك. هذا الفيلم ليس التجربة الوحيدة التي يبني فيها كوفمان قصته في عوالم متخيله داخل العقل البشري، كوفمان مولع بما يدور داخل العقول، تشغله أكثر مما تشغله الأفعال في أرض الواقع، بل إن الحياة عنده تسير في توازي بين العالم الواقعي والعالم بداخل عقولنا في فيلمه الشهير Eternal Sunshine of the Spotless Mind  ينام جيم كاري على الفراش بينما هو يركض بداخل عقله ويخوض رحلة يهرب فيها هو حبيبته كي لا تمحى ذكراها من عقله، وفي فيلمه Being John Malkovich يجد البطل بوابة سرية تسمح له بالقفز والولوج داخل جسد وعقل الممثل جون مالكوفيتش. نحن إذًا أمام صانع أفلام يبني عالمه الدرامي في مساحة خفية تبعد أميالاً عن أرض الواقع وتستقر في العقل، حيث مساحات الخيال تصنع حياة أخرى لأبطال الحكاية.

  1. من يقتفي آثار الخيبة والخيال: العجوز

في المشهد الافتتاحي للفيلم نسمع إلى مونولوجات داخليلة للبطلة على خلفية البيت الذي هو بيت حبيبها، وبعدها نرى العجوز في بيته يتناول الإفطار ويتأهب للنزول إلى العمل، يشبه بيته بيت عائلة جيك، كما أن القبو الغامض الذي يخشاه جيك يحوي شيئين: غسالة تغسل العديد من الملابس والتي نرى أنها ملابس هذا الرجل العجوز، ولوحات قديمة قالت الفتاة إنها رسمتها، نحن إذا أمام أمران لا يخصان جيك، بل يخصان الفتاة وذلك العجوز اللذين لا يوجد أي روابط بينهما، عدا أنها يسكنان في قبو جيك.

لم أذكر حتى الآن اسم الفتاة بطلة الفيلم رغم أنها اكتسبت عدة أسماء طيلة الفيلم (لوسي، لويزا، لوتشيا، إيمز) كان الأمر مربكًا وأنا أشاهد الفيلم، كما أن التبدل الدائم لهويتها ومهنتها وضعني أمام شخصية بلا هوية، هي تارة باحثة فيزيائية، وتارة أخرى شاعرة، وأمام أسرة حبيبها قالت إنها فنانة تشكيلية، بل إنها عرضت لهم عدة لوحات من رسوماتها الخاصة، وعندما تحدث حبيبها عن لقاؤه الأول بها ذكر أنه تعرف عليها في المطعم الذي كانت تعمل فيه نادلة. أربكتني تلك الفتاة التي تحمل عدة أسماء وعدة وظائف، لكن الأمر ببساطة لا يخصها هي، بل بالشخص الذي يشكل هويتها وفي كل مشهد يكسبها صفات مختلفة، بل وفي كل مشهد تتغير تسريحة شعرها، ابتسامتها، الطريقة التي ترتدي بها فستانها وسترتها الشتوية، هذه الفتاة لا تحمل هوية ثابتة، لأنها تتشكل في عقل صانعها، بينما جيك ثابت لا يتغير لأن العجوز يعرف تمامًا هوية جيك، لأن جيك هو ذلك العجوز في حياة متخيلة داخل عقله.

لماذا هذه الحكاية؟

سيتبادر إلى أذهننا الآن لماذا يخلق هذا العجوز تلك العلاقة بالتحديد في رأسه، لماذا يصنع هذه الفتاة ويشكل هويتها وأفكارها وقصة حبها مع هذا الشاب؟

في محاضره ألقى فيها نصائحه في الكتابة الإبداعية قال تشارلي كوفمان: “كل واحد منا يريد أن يفوز لأنه  لا يوجد بيننا من يريد أن يكون وحيدًا، فارغًا، خائفًا”[1]. وإذا ربطنا بين ما قاله كوفمان وبين حياة الرجل العجوز التي لا تحمل مظاهر النجاح فإنه يسعى جاهدًا للفوز بأي طريقه، حتى لو كان فوزًا خياليًا، يفوز كي لا يكون وحيدًا.

تعطينا الفتاة التي لا نعرف اسمها مفتاحًا لما يدور في عقل العجوز، في معرض حديثها مع جيك تقول: “أفكار الأفلام الردئية تريد أن تعيش، تنمو في العقل وتحل محل الأفكار الحقيقية، وهذا يجعلها أفكار خطرة”. وفي مشهد لاحق نشاهد الرجل العجوز في استراحة من عمله يتناول الغذاء ويشاهد في التلفاز فيلمًا رومانسيًا عن قصة حب بين شاب ونادلة في المطعم تنتهي باعترافه بحبه لها على الملأ مما يتسبب في طرد الفتاة من عملها. هذا بالتحديد ما يتغذى عليه عقل مشاهدي الأفلام الرومانسية والذي يُعدّ العجوز واحدًا منهم، الحب الهوليودي الذي يتركنا نحلق ونحلم بعلاقات حب لا توجد إلا في شاشة التلفاز، وهو الحب المسموم الذي لا يحبه شارلي كوفمان بل ويعارضه لأنه لا يشبه الحب في الحياة الواقعية.

في مشهد لاحق في الجزء الأخير من الفيلم يعبر الزمن ويقدم محاكاة لمشهد خطاب  راسل كرو في فيلم A beautiful mind  فنرى جيك يقف ويلقي نفس خطاب راسل كرو وهو يتسلم جائزة نوبل أمام قاعة تكتظ بالحضور، لكن ما يجعل المحاكاة في هذا المشهد ساخرة أن كل الممثلين في المشهد هم شباب يكسوا وجوههم مكياج بطريقة شبه بهلوانية تضفي تجاعيدًا على ملامحهم ليكونوا عجائز كما هو الحال في فيلم  A beautiful mind، في هذا المشهد يتخيل البطل العجوز نفسه –جيك- ويتسلم جائزة نوبل ويلقي خطابًا شاعريًا لحبيبته التي تجلس بين صفوف الجماهير ووجهها أيضًا مغطى بالتجاعيد المزيفة.  يقول كوفمان: “لديّ موقف رافض لرومانسيات هوليوود، لقد كانت مدمرة بالنسبة لي، أن تكبر ولديك مثل تلك التوقعات الخادعة عن الشكل الذي ستكون عليه حياتك، وعلاقاتك العاطفية، لتكتشف فيما بعد أن حياتك لم تكن كذلك، ولا علاقاتك العاطفية، لقد أصابني الأمر بالاكتئاب، وهذا ما حاولت أن أتجنّبه في كتابتي، من أجل ألّا أجلب إلى العالم المزيد من هذه الأفكار المدمرة”. وهو ما يفسر أن تتجول في عقل بطلنا العجوز هذا المشهد الرومانسي من فيلم يخبرنا أن وراء كل رجل عظيم امرأة تحبه، وهو أمر رائع ومثالي لدرجة مؤلمة لبطلنا الذي يعاني الوحدة وقلة زيارات الحب.

ينتهي يوم العمل في المدرسة ويحل الليل على البطل بينما هو مثقل بالحياة، يجر أذيال العمر والزمن الباقي، يراقب الصمت والخيبة، يتعاقب عليه الليل والنهار بلا معنى، هذا العجوز الذي لا حياة لديه قرر أن يعيش في خياله ويأنس بعبور الومن والتجول في أزقة الماضي وذكريات طفولته ليخلق تلك الحكاية التي شاهدناها ونحن نظن أنه هو من يقتحم الحكاية، في حين أنها هي التي تقتحم رأسه وتبنى على مهلِ.

  1. ممسكًا بزمام الرحلة: جيك

ما أسّسته في الجزء السابق من المقال يؤكد على أن الحبيبان الشابان هما من نسج خيال بطلنا العجوز، لكني سأكشف حقيقة أخرى تضع الفيلم في مساحة أكثر إرباكًا في سرد الفيلم.

في رحلة الذهاب إلى بيت العائلة لا يتحدث الحبيبان عن شيء بعينه، لكن الأفكار تتدفق في رأس الفتاة، وبطريقة نتعجب منها ولا نقف أمامها كثيرًا يعرف الحبيب ما يجول في ذهن حبيبته من أفكار، فيجذبها بالحديث عن ما تفكر فيه لتوها، هو لا يسمع ما تفكر فيه، بل نحن من يسمعه، وهي بالتأكيد. يسألها “فيم تفكرين” فتقول بلا تردد: “لا أعرف، مجرد أفكار مبهمة تدور في ذهني”، وكأنها لا تعرف حتى مصدر هذه الأفكار. وهو ما قالته بالفعل في المشهد الأول للفيلم “لم تكن الفكرة نابعة مني بل زرعت في عقلي”.

وفي مشهد لاحق عندما  تقف البطلة أمام صورة فوتوغرافية معلقة لحبيبها جيك في طفولته تقول “هذه صورتي أنا” نرى الصورة تتبدل لنراها صورة جيك في طفولته وصورة حبيبته في طفولتها، ثم نجدها تهبط السلالم وهي تقول “لم أعد أعرف من أكون.. اختلطت عليّ الحدود بيني وبين جيك”. هذا الموقف وإن كان مخيفًا وعابرًا إلا أنه يبدّد شكوكنا ويضعنا أمام فرضية جديدة وهي أن حبيبة جيك هي الوجه الآخر لعملة جيك، وأنها من نسج خياله هو أيضًا.

أثناء رحلة الذهاب إلى أسرة جيك تلقي الفتاة قصيدة ألفتها قبل أيام، هذه القصيدة، التي قال لها جيك إنها تعبر عنه هو، نراها لاحقًا في بيته، بالتحديد في غرفة نومه القديمة، نراها في ديوان لشاعر ما، مما يعني أن هذه القصيدة يعرفها جيك جيدًا، بل إنه يحبها كثيرًا وقرأها مرارًا وجعل حبيبته التي ينسجها من خياله تلقيها عليه وكأنها كتبتها لتوها. وفي مشهد أخر يذكر لها جيك حكاية الشاعر الذي يحبه ويليام وردزورث الذي كتب قصائد لحبيبته التي تدعى لوسي، وهو واحد من الأسماء التي تحملها بطلة الفيلم التي لا اسم محدد لها، إنها مجموعة من الأسماء والهويات التي أراد جيك أن يكونها يومًا ما، أو أراد أن تكون في الفتاة التي يحلم بالوقوع في حبها، هذه الفتاة لا تحاكي فتاة بعينها بل إنها تمزج كل الفتيات اللاتي تمنى أن يكنّ في حياته.

“الدراما النفسية في الفيلم منطوية جدًا على نفسها كأنها تقبع بداخل كرة ثلجية، ومع هزة لطيفة تمطر الحوارات حول الأسئلة الوجودية ذات المزاج الشتوي الدافيء ثم تختفي سريعًا قبل أن تستمتع بغموضها وقتًا أطول”

الناقدة تومريس لافلاي

نحن الآن أمام عدة مستويات من نسج الخيال، خيال يتقاطع مع خيال، عقل تتغذى خيوطه على خيالات عقل آخر، شخصيات تبنى من أوهام وأماني لم تلمس يومًا أرض الواقع. يقول الأديب هاروكي موراكامي في روايته كافكا على الشاطيء: “أكثر من يثير اشمئزازي أولئك الذين ليس لديهم خيال، ممن يسمّيهم ت.إس.إليوت: المجوّفين. من يسدّون هذا النقص في الخيال بأكوام قش خالية من الأحاسيس، حتى أنهم لا يدركون ماذا يفعلون، قساة يقذفونك بالكثير من الكلمات الفارغة ليحملونك على فعل ما لا تريد فعله”.

يعود لنا شارلي كوفمان بواحد من أكثر الأفلام حميمية وصدقًا، فيلم يحلق بلا قواعد وبلا خطة في سماوات الخيال اللانهائية، تلك التي تتبدل فيها الجدران والألوان دون حساب، وتخلق حياة موازية للوحيدين الذين لا حياة لهم، الخيال هو بوابتنا السحرية للهروب من واقع باهت إلى حياة أكثر احتمالاً، حياة يمكن أن نبنيها دون أن يختل نظام الكون، حياة تلامس حدودها أحلام النوم، لكن الفارق أن أحلام اليقظة تعلقنا بخيوط الأمل بينما أحلام النوم تنتهي بعيون مفتوحة تنفض بقايا النوم من الجفون وتتلاشى بمرور الوقت، أحلام النوم تتحكم فينا بينما أحلام اليقظة المتصلة بخيالنا هي مساحتنا الوحيدة للحياة التي طالما حلمنا بها دون أن ننالها.

تفكر الفتاة في إنهاء الامور، أية أمور؟ لا نعرف بالتحديد، ربما علاقة الحب التي تشبه الورطة، وربما وجودها في عقل هذا العجوز، تريد أن تتمرد، أن تنسلخ من خياله، أن تتحول إلى كرة ثلج في شتاء بعيد. لا نعرف بالتحديد، لكن هذا الخيال بحاجة إلى من يطفئه لتنتهي الحكاية التي لا نهاية لها.

 


[1] Inspirational Writing Advice From Charlie Kaufman | On Writing

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق