تعوّد على تقدير إنجازاتك والابتهاج بها كلها؛ صغيرها وكبيرها، وستُحسِّنُ بذلك صحتك النفسية وحبك لذاتك.
بقلم: ليون غاربر | ترجمة: إلهام حسين
معلومات مُهمّة
لعل العُجب أعظم الخطايا السبع المُمِيتة، فإذا زاد فخر الإنسان بنفسه ألقى بظلاله على فضائل الفلسفة -تأمُّل الذات والتفكير النقدي والعناية بالمجتمع وشعور الإنسان بمحدوديته وقابليته للخطأ- إلّا أنّ هناك أسبابًا وجيهة لزيادة الشعور بالفخر؛ فهو يتناسب طرديًا مع الرضا بالحياة والسعادة، وعكسيًا مع الاكتئاب والقلق.
تخيل عالمًا لم يفخر فيه ألبرت أينشتاين بنفسه وظنّ أنّ نظرياته ُوُضِعتْ عبثًا، هل كان له دون فخره بمنجزاته أن يمتلك الدافع للمثابرة وتحقيق المزيد؟ فما الاكتشاف والإبداع إلا جانب واحد من عملة النجاح، أما الجانب الآخر فيتمثل في إيمان المرء بمنجزاته، وسأعرض عليك في هذا الدليل أسبابًا تُبعد عنك الخوف من الفخر، وأُقدِّم لك أدوات تُعِينك على زيادة الشعور به.
يختلف الفخر عن حب الذات
لا يتعلق هذا الدليل بتحسين شعورك تجاه نفسك (أي: حب الذات). يُمكِن أن نُفكِّرَ في الفخر -على مستوى ضيق- بأنّه البهجة التي نحسّها عند أي إنجاز فردي أو جماعي، فأنت تفخر بنفسك أو بفريقك عند الفوز في مباراة، وإذا شعرتَ بالانتماء لفريق أو لبلد لا تنتمي إليه حقيقة فإنّك تفخر “بالنيابة” لإنجازات هذا الفريق أو البلد، أمّا حب الذات فيتعلق بالتقييم العام للذات.
لا شك أنّهما أمران مُرتبِطان ارتباطًا وثيقًا، فبعض منا يموت ويحيا مع كل إنجاز أو فشل، ممّا يُسبِّب تقلبات هائلة في مستويات حب الذات، ففي اضطراب ثنائي القطب مثلًا -المعروف سابقًا باسم الاكتئاب الهوسي- وفيه تتابع فترات من المزاج السيِّئ وفترات من الطاقة الهائلة، يُعاني المصابون بهذا الاضطراب من شعور متذبذب بالذات، فيطيرون فرحًا لإنجاز عادي ويشعرون بأنّهم عظماء، بينما تُؤدّي بهم خسارة العادية إلى الشعور بالانهزام وتحقير الذات، ممّا يُؤدّي إلى نوبات من الابتهاج أو الاكتئاب تبعًا لذلك.
لكنّ معظم الناس يُكوِّنون شعور حب الذات عبر تجميع إنجازاتهم وخسائرهم المهمة، فإنّني مثلًا أفخر بلعبي الحسن في مباراة كرة سلة، ثم إذا واصلتُ اللعب بمهارة سأستنتج أنّي لاعب كرة سلة ممتاز، وهذا سيُغذِّي حبي لذاتي. وفي الواقع، لا يُمكِن للإنسان الوصول لمستوىً عالٍ من حب الذات دون الشعور بالفخر للحظة من اللحظات.
لماذا يُحكم على الفخر أنّه خطيئة أو دلالة على النرجسية
في الثقافة العامة يحصل خلط بين مفهومي الفخر وحب الذات، وبين حركة حب الذات التي ظهرت في الثمانينيات والتسعينيات بقيادة السياسي وعالم النفس المُبتدِئ “الكاليفورني جون فاسكونسيلوس”. أثمرت موجة حب الذات التي انتشرت في تلك الحقبة عديدًا من الندوات والكتب والبرامج وفشلت فشلًا ذريعًا. وفقًا للصحفي الأمريكي “جيسي سينغال” من مجلة “ذا كات The Cut” عام 2017م: “غُذِّيتِ الإثارة بموجة مستمرة من “البُحُوث” التي زعمت تأكيد نظرية فاسكونسيلوس بأنّ حب الذات [المنخفض] هو السبب الأساس لأكثر الصعوبات الفردية والمجتمعية، وكانت أغلب هذه البُحُوث قولية أو مُتدنِّية الجودة”. ولسوء الحظ فإنّنا بمحاولة إقناع كل طفل بتميُّزه نجحنا في خلق ثقافة لا تَميُّز فيها، وأوضح علماء النفس ومن ضمنهم: “روي بوميستر” Roy Baumeister أنّ حركة حب الذات أساءت الفهم؛ فليس حب الذات المُصطَنع هو الدواء الشافي، لكن كما كتب سينجال: “إنّ لدى الناس الموهوبين أو الأذكياء أو الناجحين مستويات عالية من حب الذات بسبب صفاتهم الإيجابية وإنجازاتهم”.
باختصار، يستند حب الذات الحقيقي إلى صفات حقيقية، وإلى تقييم الإنسان العادل لنقاط قوته وضعفه وإنجازاته، لكن -لسوء الحظ- فقدت حركة حب الذات مصداقيتها وتأثيرها بتجاهلها للواقع.
يظنّ عملائي عند التفكير في الفخر أنّه لا شك يُؤدّي إلى النرجسية، فيمتنعون عنه خوفًا من الغطرسة والمبالغة في تقدير مهاراتهم، فهم يخشون من أنّ الفخر يعني التّبجُّح أو ما هو أسوأ. خاصّة في المسيحية، يدل الفخر على شخصية مُذنِبة، وإذا تصفّحتَ وسائل التواصل الاجتماعي فستجد كثيرًا من أمثلة الترويج الذاتي، ولعلك أيضًا تُعِدُّ هذا من النرجسية.
لكنّ الفخر يختلف عن النّرجِسيَّة المرضية (التشخيص النفسي العلمي هو اضطراب الشخصية النرجسية) ترتبط النرجسية بإحساس مُبالَغ بأهمية الذات. فمثلًا: لا تعني النَّرجِسيَّة أن تفخر بنفسك لحصولك على علامة ممتازة في أحد الاختبارات، بل أن تفخر بنفسك لافتراضك بأنّك أذكى إنسان في أي مكان تدخله، ولكن بإمكانك أن تشعر بالفخر دون المبالغة في تعميم قيمتك الذاتية؛ كأن تُدرِك تفوُّقك في مادة الرياضيات، لكنّك تعي أيضًا ضعفك في اللغة، يُمكِن أن يُسمَّى الفخر المبالغ فيه نرجسية، لكنّ نوع الفخر الذي يُدرِك معه الإنسان حدوده ليس اضطرابًا مرضيًا، يتلاشى الخوف من تحوُّل الفخر إلى نرجسية عندما نُدرِك إمكانية التحكم فيه.
ميَّزَ علماء النفس الأمريكيون “جيسيكا تريسي وريتشارد روبينز وزملاؤهم” بين “الفخر الأصيل” وهو الفخر المُستنَد إلى إنجازات محددة حُقِّقتْ بجهد، و “الفخر الاستعلائي” المُستنَد إلى تقييم ذاتي عام متكلف. يعتقد تريسي وروبينز أنّ الفخر الاستعلائي مبالغة في التعميم يرفع فيها الفخر المحدود إلى مرتفعات شاهقة، وهذا يُشبِه ما يحدث عند المُصَاب بالاضطراب ثنائي القطب عندما يتقلب تقديره لذاته مع كل محاولة ونتيجة، فبدلًا من أن يرى النرجسي أنّه لاعب كرة سلة ماهر، يعتقد أنّه أعظم لاعب على الإطلاق، وفي كثير من الأحيان عندما يُفكِّر الناس في أنّ الفخر أمر سيِّئ فإنّهم يُفكِّرون في هذا النوع المُتغطرِس.
الفخر ضروري للصحة النفسية
ماذا لو قلتُ إنّ الفخر -الصنف الأصيل تحديدًا- مفيد بل ضروري بجرعات صغيرة؟ وإنّنا دونه نتوقف عن الاهتمام بأنفسنا؟ الفخر هو البهجة بمعرفتك أنّك أنجزتَ شيئًا تُعِدُّه قيّمًا، وعادة -لكن ليس بالضرورة- يُعِدُّه المجتمع قيّمًا، نرى الفخر عند طالبة حسَّنتْ درجاتها في مادة الرياضيات، وفي أمٍّ نجحت في تهدئة صغيرها، أو في لاعب كرة قدم فاز فريقه في المباراة النهائية، نجد الفخر في العادي والاستثنائي، والأهم من ذلك كلّه أنّ الفخر يُساعد في بناء أساس للصحة النفسية، يميل الناس عادة لتخيُّل حياة مليئة بالفخر، لكنّهم لا يُفكِّرون في شكل الحياة دونه.
عندما كنتُ طالبًا جامعيًّا درستُ مادة لا تُنسى عن الفلسفة القديمة، وأثناء محاضرة عن الغطرسة، قال أستاذنا الذي كان بارعًا للغاية في هذا المجال: إنّ الفخر ناشئ عن خطأ في التفكير، فهو يعتقد أنّ الفخر يعني القناعة، والقناعة تعني الرضا عن النفس، فلو سمحت لنفسك بالشعور بالفخر فلن تُنجِز أي شيء في المستقبل، قضيتُ سنوات من عمري خانقًا شعوري بالفخر مُتمسِّكًا بهذه الحكمة الظاهرية، وكلما شعرتُ بأقل قدر من البهجة تذكّرتُ حكمة أستاذي، فأُذكِّر نفسي بالإنجازات الكثيرة التي حقّقتُها، ثم تَحوّلَ الفخر عندي إلى لوم الذات، ولوم الذات إلى اكتئاب.
يرتبط العجز عن الفخر بالنفس في الواقع بعدد من الاضطرابات المرضية؛ إذ يتضمن اضطراب الاكتئاب الحاد شعورًا بالفراغ والعجز عن الشعور بالبهجة لأي إنجاز كان، ويرى المُصابون باضطراب الشخصية الحدّيّة (ويتضمن: التفكير في الأمور بين حدّين؛ أبيض أو أسود، وشعورًا مهزوزًا بالهوية، ومُشكلات مُزمِنة في التنظيم العاطفي) أنّهم أناس سيِّئون وعديمو القيمة، ويميلون إلى التقليل من إنجازاتهم إما بإنكارها تمامًا أو بنسبتها للظروف، أما اضطراب الوسواس القهري فيتميز بانعدام الثقة في النفس، ممّا يُعِيق الشعور بالفخر.
وعلى العكس من ذلك، يُعزِّز السماح للنفس بالشعور بالفخر حب الذات، ويزيد التحفيز والأمل، وهي أمور ضرورية لتقوية رغبتنا في الحياة ومنحنا أسبابًا جزئية تُعينُنا على تحمُّل أعبائها، عندما نشعر بالفخر لإنجاز ما تتولد لدينا رغبة في إعادته، ويعيننا الفخر على بناء سلالم نجاح شخصية، فإذا حقّقتَ شيئًا مهمًا مثل: كتابة مقال، يمكنك أن تُحاوِل بعدها إنجاز مهمة أصعب مثل: كتابة فصل في كتاب، وأخيرًا يمنحنا الإحساس بالفخر كفاءة ذاتية أو فهمًا لقدراتنا؛ فبإدراكك لأهمية منجزاتك السابقة تشعر بالقدرة على مواجهة المُشكلات المستقبلية.
Top of Form
خطوات عملية
تحد معتقداتك وافتراضاتك المُعيقة
إنّ الخطوة الأولى لزيادة الشعور بالفخر هي: تَحدّي المعتقدات والافتراضات المُعارضة له، ومن إحدى الطّرائق التي أُساعِدُ بها مرضاي على فعل ذلك هي: أن أطلب منهم أن يسألوا أنفسهم عددًا من الأسئلة عن الفخر، ثم أناقش معهم إجاباتهم، وفيما يأتي بعض الأسئلة التي أطرحها، والمُحفِّزات التي استعملتُها أثناء المناقشة:
هل ستضعف حوافزي نتيجة شعوري بالرضا والفخر؟
وفقًا للأبحاث المُتعلِّقة بمفهوم “حلقة المتعة” hedonic treadmill فإنّ الإجابة هي: لا؛ إذ تُشير الأبحاث إلى أنّ الإنسان بطبيعته يملّ من إنجازاته ويسعى لغيرها، فمع أنّنا نميل إلى الاعتقاد بأنّ إنجازًا سيمنحنا حالة من السعادة الدائمة، إلّا أنّنا في الواقع نملّ من كل ما نملك، حتى ذكرياتنا ونجاحاتنا، وبالنظر إلى طبيعتنا البشرية نلحظُ أنّ الوصول إلى الركود نتيجة ضعيفة الاحتمال، فمن المُحتَّم أنّك بعد أن تحتفل بنجاحك ستسعى لبلوغ نجاحٍ آخر.
من الجدير بالذكر أنّ الأبحاث المُتعلِّقة بعناصر الشخصية الخمس الكبرى تُشير إلى أنّ السمات الشخصية الرئيسة تتغير تغيُّرًا طفيفًا خلال حياة الإنسان، فلو كنتَ طموحًا مُندفِعًا حيّ الضمير، فمن المُرجّح أنّك ستبقى كذلك؛ سواء أسمحتَ لنفسك بالفخر بمنجزاتك أم لا.
هل يعني الشعور بالفخر أنّي إنسان سيِّئ أو نرجسي؟
يخشى بعض الناس من أنّ الفخر ذنب، ولعلك أنت أيضًا تشعر بالذنب عندما لا تكون مثالًا للتواضع، تُغذِّي بعض الديانات هذه النزعة عبر تبنِّي نظرة ثنائية للإنسان؛ فهو إما صالح أو طالح، لكنّي أتساءل: هل منا من هو صالح صلاحًا كاملًا؟ أرى أنّ بمنع نفسك من الشعور بالفخر تطلب منها بلوغ مستوى مستحيل، كما يحصل في الفلسفة الدينية خلط بين الفخر والكبرياء؛ فيُعدُّ الفخر تصوُّرًا خاطئًا لمكانة الإنسان في علاقته بالإله، تُعلِّمنا وجهة النظر هذه أن نبقى مُدرِكين لعبوديتنا لله، لكنّ الفخر الأصيل الذي أشجعكم على الشعور به لا علاقة له بالألوهية، ولا يعني التطاول على الله؛ فالفخر الذي نتكلم عنه لا يُرادِف الغرور.
هل تجاهلتُ إنجازًا شخصيًا لاعتقادي أنّه لا يُضاهي إنجازًا آخر؟
يستعمل الناس الذين يُواجِهون صعوبة في الفخر بإنجازاتهم كشَافًا معرفيًا يُعرَف باسم “استبعاد الإيجابي” ويتضمن ذلك أن يُعطيَ الإنسان نفسه أسبابًا تُقنعه بأنّ الشيء الحسن الذي فعله ليس حسنًا في الواقع، ويحدث ذلك غالبًا بمقارنة الإنجاز بإنجازات أخرى يرى أنّها تفوقه؛ فبدلًا من الاحتفاء والفخر بتقييم إيجابي في العمل مثلًا تشعر بالخيبة؛ لأنّك لم تَحُزْ لقب أفضل موظف كما فعلتَ قبلًا، إذا كنتَ تُفكّر في إنجازاتك بهذه الطريقة من المفيد التفكير في الصورة الشاملة، فإذا قارنتَ إنجازك بالأعلى منه، قارِنْه بالأقل منه أيضًا، سواء من إنجازاتك أم إنجازات الآخرين، عندما تُفكّر في النطاق الأعم من الإنجازات المُحتَملة سيقع إنجازك في مكان ما بين ربط خيوط الحذاء ومنع كارثة نووية، ولا ضير في الاحتفاء به أينما وقع.
هل أحرم نفسي من الفخر بسبب توقعات غير معقولة؟
يُعدُّ الناس الذين يُعانون من عقدة كمال مُؤذِية أنّ الكمال في المجالات جميعها هو الإنجاز الأعظم؛ أي أنّهم يحرمون أنفسهم من أي شعور بالفخر حتى يتحقق ذاك المستحيل، قد تعتقد أنّ هذا الهدف عقلاني. في حالتي مثلًا: إذا كنتُ معالجًا نفسيًا جيدًا في بروكلين، أليس من المعقول أن أكونَ كذلك أيضًا في تايلاند؟ إلّا أنّ الكمال يعتمد على السياق أكثر ممّا يبدو أول الأمر، لكم يروق لنا أن نتفوق في المجالات جميعها، لكن على غرار مبدأ الشك لهايزنبرج، الذي ينص على استحالة معرفة مكان الجسيم وسرعته في الوقت نفسه بدقة، فإنّنا إذا تكيفنا مع أحد مجالات العالم نبتعد عن التفوق في مجال آخر، لا وجود للكمال المطلق في الواقع، والكمال الذي يستحق السعي إليه كمال نسبي، فكّرْ في التكيف التطوري: عندما يتطور مخلوق عبر قرون فينمو له الفرو حتى يُصبِح جسمه مُلائِمًا لبيئة باردة بدل الحارة، وهكذا تقودنا غرائزنا للضياع عندما نُطارد الكمال كونه غاية نهائية، احتفل بدلًا من ذلك بإنجازاتك الصغيرة المُتواضِعة واعتز بها؛ لأنّها تستحق الاحتفاء، مثل: الحصول على علامات ممتازة، أو ممارسة الرياضة عندما لا تشعر بالحماس، أو التّعامُل بِنُضج مع خلاف ما.
استعمل السفر العقلي عبر الزمن لرؤية الأمور من وجهة نظر أخرى
الآن، بعد أن تحدّيتَ بعض أفكارك ومعتقداتك المُعيقة للفخر والنجاح، إليكَ تمرينًا محددًا يُعِينك على تقدير منجزاتك، وهو مبني على صعوبة مُلاحظة التقدم الذي تُحرِزه على المدى القصير. لذا؛ اسأل نفسك إذا كانت نفسك في الماضي -قبل خمس سنوات أو حتى في العام الماضي- فخورة بما أنت عليه الآن، تخيل نفسك الصغيرة تُفكّر فيك اليوم، هل ستكون فخورة بك؟ هل ستتفاجأ لمعرفة أنّها ستكبر وتُصبح أنتَ في النهاية؟ هل خُيّل إليها أنّها ستُحقِّق ما حقّقتَه كلّه؟ عندما ترى نفسك بعينيها هل تُعجب من نفسك؟
أُراهِن أنّ نفسك في العام الماضي مذهولة بما أنت عليه اليوم، وأنّكَ اليوم ستُذهل بما ستُصبِح عليه في العام القادم. إضافة إلى ذلك، عندما تنظر إلى الحياة بوصفها عملية وليست وجهة، ستفقد الرغبة في الوصول إلى نهاية سحرية، وستُدهش من مراحل تطورها.
كثيرًا ما أطلب من مرضاي التفكير في تطور الكائنات، والتساؤل عمّا إذا كانوا يعتقدون أنّ الأنواع تتكون بسرعة أو بالتدريج، إذا فكّرتَ في النجاح بالطريقة نفسها -كعملية تدريجية وليس إنجازًا مفاجئًا- سيسهل عليك التفكير في حياتك عمومًا بإيجابية، ذكّرْ نفسك أنّ التطور يحدث تدريجيًا، تتكيف الكائنات مع بيئاتها عبر آلاف السنين، فَلِمَ لا تصبر على نفسك؟
ألقِ نظرة واقعية على قدواتك
فكر في شخص يُعجِبُكَ، سواء أكان رياضيًا، أم موسيقيًا، أم سياسيًا أم شخصًا عاديًا حتى، واسأل نفسك كم من الوقت احتاج حتى يُصبح محطّ إعجاب. في معظم الأوقات عندما نُقارِن نقع في مُغالَطة مقارنة التفاح بالبرتقال، فنُقارِن أنفسنا في مرحلة التقدُّم التي وصلنا إليها مع الناس الذين حقّقوا ما نتمناه فيخيب أملنا ونفقد فخرنا بأنفسنا، لكنّها ليست مقارنة عادلة؛ لأنّ قدواتنا لم يتحوّلوا فجأة لما هم عليه الآن.
فكر في حياة قدوتك واسأل نفسك كم من الوقت استغرق حتى يُصبِح ناجحًا، هل تمتلئ قصته بالتقدم والتراجع؟ وهل يصف كل سرد تطوري تقدُّمًا بطيئًا؟ تذكر أنّ النجاح إذا كان لحظيًّا وسهل التحقق فلن يستمتع به الإنسان كثيرًا، فعادة ما يحلو طعم النجاح إذا عظُم النضال لتحقيقه.
انظر لحياتك نظرة شاملة
فالحياة بلا فخر كئيبة؛ أن تحيا للنجاح دون أن تستمتع به، وإذا كنت كذلك لعلك تتساءل: “ولِمَ هذا كلّه؟”.
إذا توقّفتْ احتياجاتك الأساسية على النجاح المستمر فلعلك تعيش في ظروف قاسية، لكنّ هذا لا ينطبق على أغلبنا، على الأقل ليس في الدول الآمنة المزدهرة،. لكنّ كثيرًا منا يُعدُّ المزيد من النجاح ضرورة، فنتجاهل الحسنات ونُركّز على المساوئ مُتذكِّرين سنوات الأسى، ونُعطِي أنفسنا أسبابًا كثيرة تعلّق سعادتنا بتغير الظروف. لذا؛ انظر لحياتك نظرة شاملة وتأمّلْ في محاسنها الحالية، وليس في المستقبل بعد أن تُحقِّقَ كذا وكذا، بل الآن، ومثلما نمتلك القدرة على مسامحة أنفسنا، لدينا القدرة على الفخر بأنفسنا الآن، تمر عليك خلال سني حياتك لحظات كثيرة يتحتم عليك أن تختار فيها -ولو تلقائيًا- ما إن كنتَ ستسمح لنفسك بالشعور بمشاعر معينة، ولعلك اعتدتَ رفض الفخر، لكن بإمكانك تغيير رأيك وتقبله، لدى أكثر الناس جوانب عظيمة في حياتهم، منجزات حقّقوها، وناس يُحبّونهم. أتمنّى منك التركيز على هذه الأمور والفخر بها، فكر مثلًا في مدى صعوبة الحصول على ترقية في العمل، أو الحفاظ على علاقة زوجية، ومقدار الجهد الذي بذلته لتحقيق هذه المساعي.
حدّد أُطُرًا زمنية تشعر فيها بالفخر
إذا خفتَ من الركود، أعطِ نفسك مهلة زمنية: سأفخر بهذا الإنجاز أسبوعًا واحدًا، ثم أُحاوِل تحقيق إنجاز آخر، هذا مهم لمن يُعانِي من التفكير الثنائي (إما أبيض أو أسود) ويعتقد أنّ الفخر مُنحَدر يؤدي إلى الكسل. يُعينك تحديد مدة زمنية للفخر على الاعتراف بمحدوديته، ولك الحرية الكاملة في اختيار الحد المناسب، إضافة إلى ذلك إذا رغبتَ في التحسُّن أكثر ورأيتَ أنّ الفخر ليس مُحفِّزًا كافيًا، فكِّرْ في احتفال خارجي يتناسب مع حجم الإنجاز؛ فمثلًا لو حقّقتَ علامة ممتازة في الامتحان فكّرْ في الجهد الذي بذلته أثناء الدراسة، واسأل نفسك عن حجم الاحتفال المناسب لهذا الجهد، ثم اسمح لنفسك بالاستمتاع إلى جانب المدة المُحدَّدة للفخر.
دوّن إنجازاتك
خصِّصْ مُفكِّرة تُدوِّن فيها إنجازاتك: متى حقّقتَها ومتى لم تُحقّقها حتى. إنّ الاحتفاظ بسجل لإنجازاتك المتوسطة والعظيمة سَيُحفِّزك لتحديد أهداف مستقبلية، ويمنحك الثقة اللازمة لتخطي الإخفاقات. (لا ضرورة لتدوين الأهداف الصغيرة لأنّها كثيرة في العادة). ستُعينك المُفكِّرة على تقدير كم إنجازاتك وتُذكِّرك بما تبقّى عليك إنجازه في المستقبل، وستُعِينك إخفاقاتك المُوثّقَة على التواضع؛ فالنرجسية لا تسمح بالاعتراف بالفشل، لذا؛ تزداد فائدة هذا التمرين إذا خشيتَ أن يقودك الفخر إلى النرجسية.
بإمكانك مُشاركة مُدوَّنتك مع الآخرين إذا أردتَ آراء مختلفة، أو شككتَ في أنّ أمرًا يستحق الفخر به، لكن، تذكّرْ إذا صعب أمر عليك سواء صعب على غيرك أم لا عليك أن تفخر بتحقيقه، وحتى لو فشلت في تحقيق أمر مرة بعد أخرى افخر بنفسك بالمحاولات كلّها التي بذلتها؛ فزيادة القدرة على التحمُّل هدف لا يقل أهمية عن أي إنجاز خارجي؛ لأنّ قوته باقية، فلعلك لا تُصبِح بطلًا إلى الأبد، لكنّ قدرتك على التحمل سترافقك طوال عمرك، وهذا لا يعني أنّ عليك ألا تستسلم أبدًا، فمن الأفضل أحيانًا تغيير المسار، ولا عيب في ذلك.
النقاط الرئيسة- كيف تزيد شعورك بالفخر
- يختلف الفخر عن حب الذات: فالفخر يتعلق بالرضا عن منجزات فردية أو جماعية محددة، ويساعد في بناء أساس لحب الذات الذي يُعرَف بأنّه شعور عام بقيمة الذات.
- يُنظر للفخر نظرة مُجحِفة غالبًا، فيُرى أنّه خطيئة أو نرجسية: لا يجب الخلط بين الفخر الأصيل المبني على المنجزات القائمة على مجهود فردي أو جماعي وبين الغطرسة؛ وهي شعور نرجسي بالتفوق العام الفطري على الآخرين.
- الفخر الأصيل مهم للصحة النفسية: فالعجز عن الشعور بالفخر سمة مشتركة في العديد من المُشكلات النفسية مثل: الاكتئاب الحاد أو اضطراب الوسواس القهري.
- تحد معتقداتك وافتراضاتك المُعيقة: لن يُقلّل الفخر بإنجازاتك من دوافعك، ولا يجب أن يرتبط بالمثالية في الظروف جميعها.
- استعمل السفر العقلي عبر الزمن لاكتساب وجهة نظر جديدة: تصعب رؤية التقدم والإنجازات عندما تنظر إليها عن كثب ولفترة زمنية قصيرة، تخيل بدلًا من ذلك نظرة نفسك في الماضي قبل سنة أو أكثر لنفسك الآن.
- انظر لقدواتك نظرة واقعية: يُقلّل تقديرك غير الواقعي لمن يُعجِبك من فخرك بمنجزاتك، تذكر أنّ قدواتك مروا بانتكاسات قبل نجاحهم، وأنّهم رُفضوا من قبل كذلك.
- ألقِ نظرة شاملة على حياتك: إنّ تعليق سعادتك بالنجاحات المستقبلية أمر غير مُستَدام، فكر في محاسن حياتك الحالية وافخر بها.
- حدّد أُطُرًا زمنية تشعر فيها بالفخر: إذا خفتَ من الركود؛ أعطِ نفسك مُهلَة زمنية مثل: “سأشعر بالفخر لمدة أسبوع واحد”.
- دوّن إنجازاتك: سيُحفِّزك تدوين إنجازاتك على وضع أهداف مستقبلية، ويمنحك الثقة الكافية للتغلُّب على العقبات.
آمل أن أكون قد أقنعتك بقيمة الشعور بالفخر الأصيل، ومنحتك طرائق تزيد فيها من فخرك بنفسك، لكن، من المهم ألّا تبالغ في تمارين الفخر هذه، وتُعلّق قيمتك الذاتية على الإنجازات الخارجية كبيرها وصغيرها.
ميّزَ عالم النفس الأمريكي ألبرت إليس -مُطوّر العلاج العقلاني الانفعالي السلوكي- بين قبول النفس المشروط وغير المشروط، فيرى أنّ قبول النفس المشروط يُعادِل ما ندعوه حب الذات، وأنّه يعتمد دائمًا على عوامل خارجية مثل: الجمال والذكاء أو الإنجازات، وفي الجانب الآخر فإنّ قبول النفس غير المشروط يعتمد على قرار الإنسان أن يُحبّ نفسه، بغض النظر عن صفاته وإنجازاته ورأي المجتمع فيها.
أكّدَ إليس على استحالة إثبات القيم الخارجية فلسفيًّا، وعلى قدرة كل إنسان على تقبُّل نفسه كما هي، وقال إنّ لا معنى للجمال والذكاء والإنجازات إلّا عند الناس، أمّا الكون عديم الشعور فلا يُعِير اهتمامًا لهذه الصفات أو لنا، وبما أنّ القيم ذاتية وليست جوهرية في الكون، يرى إليس أنّ علينا أن نُقرّر تقدير أنفسنا كما نحن الآن، وحذّرَ من أنّ الفشل في ذلك يُؤدّي -حتمًا- إلى الاكتئاب والقلق.
فلا أحد قادر على النجاح المستمر، لا أحد قادر على أن يكون الأجمل دائمًا أو الأذكى أو النسخة الأكثر نجاحًا من نفسه، إذا سعينا سعيًا مستمرًا لبلوغ هذا المعيار فسنقود أنفسنا للبؤس؛ بسبب الفشل الحتمي، أو بسبب مقارنة أنفسنا بمن هو أعلى منا، أو القلق الدائم من استبدالنا بمن هو أفضل منا، في الواقع إذا وقعنا فريسة للعقلية المثالية فسنجد دومًا أسبابًا تجعلنا نرى أنفسنا أقل من المستوى المطلوب، تخيل أنّكَ مثلًا طالبٌ ألمعيّ في كلية الطب، وأنّ معدل ذكاء الطلاب جميعًا فيها مرتفع، ودرجاتك ممتازة في الاختبارات، لكنّها عادية مقارنة بأقرانك. النجاح باختصار أمر نسبي.
لذا؛ في كل مرة تُقيّم نفسك بناء على أداء أو صفة، يُذكِّرك إليس أنّك بهذا اخترتَ أن تبتعد عن تقدير نفسك لقيمتك الذاتية، وينصحك أن تُؤكِّد قرارك كل مرة بممارسة قبول الذات غير المشروط، وفي كل مرة تُفكّر فيها أنّ الفشل في شيء يُقلّل قيمتك، أو أنّ تعرُّضك للرفض يجعلك مكروهًا تحد معتقداتك وافتراضاتك الأساسية التي تقف وراء هذه الأحكام القاسية.
إنّ القدرة على الاختيار والاعتراف بقيمتك الذاتية في مُتناول يدك؛ إذا لم يكن للقيمة الموضوعية وجود -ونحن لا نعتقد بوجودها؛ لأنّ الكون لا يُعطِينا إيّاها صراحة- فبإمكاننا تذكير أنفسنا بأنّنا قادرون على تقدير أنفسنا كما هي، لا لشيء سوى رغبتنا في ذلك.
مصادر إضافية
يُقدِّم بودكاست سيلف وورك مع عالمة النفس الإكلينيكي الأمريكية “مارغريت رذرفورد” بحثًا رائعًا في حب الذات والمثالية، يُرشِدنا إلى تحسين شعورنا تجاه أنفسنا.
تُقدِّم أيضًا عالمة النفس الوجودية الهولندية “إيمي فان ديورزين” عبر قناتها على اليوتيوب حكمًا جمّة حول العار وانخفاض حب الذات.
في كتاب (Transcend: The New Science of Self-actualization 2020) لعالم النفس الأمريكي سكوت باري كوفمان بحث رائع عن تقبُّل الذات عبر التطور والنمو الذاتي.
في كتاب (Pride: The Secret of Success 2016) لعالِمة النفس الأمريكية “كيسيكا تريسي” مقدمة ممتازة عن أنواع الفخر المختلفة، وأهمية الفخر الأصيل للنجاح والعافية.
في كتاب (The Myth of Self-esteem: How Rational Emotive Behavior Therapy Can Change our Life Forever 2005) يُفرِّق ألبرت إليس بين قبول النفس المشروط (أي: قرار حب النفس بناء على الإنجازات الخارجية) وبين قبول النفس غير المشروط، وهو قرار حب النفس كما هي، ويقول فيه إنّنا نملك دومًا القدرة على الفخر.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة سايكي).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




