ماذا لو كان أكبر وهمٍ ورثناه عبر القرون هو انتظار شخصٍ يأتي ليحلَّ مشكلاتنا بدلًا منا؟
ماذا لو كان المخلِّص الذي ننتظره قد جاء بالفعل، وأدَّى رسالته كاملة، وترك لنا النور والطريق، ثم انشغلنا نحن بالبحث عن مخلِّصٍ جديد؟
لماذا يفترض كثير من الناس أن الأرض تخلو من أولياء الله وأهل الصلاح حتى يظهر شخصٌ استثنائي ينقذ العالم؟
ولماذا نبحث دائمًا عن الإمام الكامل، والمرشد الكامل، والقائد الكامل، والعارف الكامل، ونحن نعيش في دنيا جعلها الله دار نقصٍ وابتلاء؟
هل يمكن أن يكون انتظار المخلِّص في بعض صوره هروبًا من المسؤولية، وتعليقًا للأمل على المستقبل بدلًا من العمل في الحاضر؟
وهل يمكن أن تكون آيات الله قائمةً بيننا الآن، ودلائل هدايته مبثوثةً حولنا، وأهل الخير منتشرون في الأرض، لكننا نعجز عن رؤيتهم لأننا نطلب صورةً صنعتها أوهامنا؟
هذه أسئلة تستحق التأمل.
فربما كانت المشكلة في الطريقة التي اعتدنا أن نبحث بها عن النور، لا في غيابه.
إن آيات الله قائمةٌ في الأرض ما دامت السماوات والأرض، وأبواب الهداية مفتوحةٌ في كل زمان، وأسباب التذكير بالله حاضرةٌ في حياة الناس. فقد جرت سنَّة الله أن يبقى في كل عصرٍ من يذكِّر به، ويدلُّ عليه، ويشهد للحق بلسانه أو عمله أو حاله.
والحقيقة موجودة، وأهل الصلاح موجودون، وآيات الله مبثوثة في الأنفس والآفاق، غير أن كثيرًا من الناس يبحثون عنها في الصور التي رسموها مسبقًا، ويبتعدون بذلك عن الصورة التي تتجلى بها حكمة الله.
﴿سَنُريهِم آياتِنا فِي الآفاقِ وَفي أَنفُسِهِم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلَم يَكفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ شَهيدٌ﴾
وحياة الدنيا من اسمها دنيا؛ فهي دار نقصٍ وابتلاء، وموضع اختبارٍ لا كمالٍ مطلق. ولذلك فإن السعي وراء إنسانٍ يُحتكر فيه الحق كله، أو يُصوَّر للناس بوصفه المخلِّص الأوحد، أو المرشد الكامل الذي لا يخطئ، يفتح بابًا واسعًا للفتنة والالتباس.
ومن أخطر آثار سوء فهم فكرة المخلِّص الموعود أنها نقلت مركز ثقل الإنسان من داخله إلى خارجه. فبدل أن يسأل: ماذا أصلح في نفسي؟ وماذا أقدّم للعالم؟ وماذا يريد الله مني اليوم؟ صار ينتظر حدثًا خارقًا أو شخصيةً استثنائية تغيّر الواقع نيابةً عنه.
ومع مرور الزمن تحولت هذه العقلية عند بعض الناس إلى انتظارٍ دائم، فأصبح العمل والإصلاح والنهوض غايات مؤجلة، إلى أن يأتي ذلك المخلِّص المنتظَر.
ولذلك استُغلّت هذه الفكرة عبر التاريخ من جماعاتٍ وحركاتٍ وأيديولوجياتٍ مختلفة؛ فكلما اشتد شوق الناس إلى المخلِّص، ظهر من يقدّم نفسه أو جماعته أو مشروعه بوصفه الطريق الحصري إلى الخلاص. وهكذا صار انتظار المخلِّص أحيانًا بابًا للتجنيد والاستقطاب وصناعة التبعية، عوضًا عن أن يكون باعثًا على العمل والنهوض وتحمل المسؤولية.
والقرآن في جوهره يعيد الإنسان إلى مسؤوليته الفردية وعلاقته المباشرة بالله، ويذكّره أن أبواب الهداية مفتوحة في كل لحظة، وأن التغيير يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في الخارج.
وفي معنى قريب، تنسب بعض كتب التراث إلى الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قوله:
»وتظنُّ أنك جرمٌ صغيرٌ
وفيك انطوى العالمُ الأكبر«
فأعظم ما سرقته أوهام الانتظار من الإنسان وعيه بما أودعه الله فيه من طاقاتٍ وأسرارٍ وقابليةٍ للهداية والنهوض. ظل ينظر إلى الخلاص شيئًا يأتيه من الخارج، مع أن بذوره زُرعت في قلبه منذ البداية.
يبدأ الطريق إلى الله من اللحظة التي يستيقظ فيها الإنسان على حقيقة نفسه، ويستجيب للنور الذي بين يديه، ويأخذ مكانه في عمارة الأرض وخدمة الخلق والسير إلى الله.
فالحرية، في عمقها، تحررٌ من الأوهام التي تستعبد العقل والقلب، ومن الخوف الذي يشل الإرادة، ومن التعلقات التي تحجب الإنسان عن ربه. وهي أوسع من معناها السياسي أو الاجتماعي المباشر.
وأعظم الحرية أن يتحرر الإنسان من عبودية كل شيءٍ سوى الله؛ فلا يستعبد فكره شخصٌ، ولا جماعةٌ، ولا أيديولوجيا، ولا انتظارٌ دائمٌ لمخلِّصٍ يأتي من الخارج لينوب عنه في أداء رسالته.
والعبد لله وحده هو الإنسان الأكثر حرية؛ لأنه لا ينتظر إذنًا من أحد ليهتدي، ولا يمنح أحدًا حق الوصاية على روحه، ولا يؤجل مسؤوليته بحجة انتظار زمنٍ أفضل أو شخصٍ أفضل.
ومن هنا يصير التحرر من أوهام الانتظار جزءًا من التحرر إلى الله، وعودةً إلى جوهر الدين.
لقد اكتملت الرسالة بخاتم الأنبياء سيدنا محمد ﷺ، وبقي من بعده نور الوحي، واجتهاد العلماء، وبصائر الصالحين، وتجارب أهل الحكمة والخبرة. أما نحن فنعيش في زمن تتعدد فيه أبواب الهداية والعمل، ويكون لكل إنسانٍ نصيبٌ من المسؤولية والعطاء في المجال الذي أقامه الله فيه.
﴿وَنُريدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذينَ استُضعِفوا فِي الأَرضِ وَنَجعَلَهُم أَئِمَّةً وَنَجعَلَهُمُ الوارِثينَ﴾
والقدوة في الخير تمتد إلى جميع مجالات الحياة: فهذا قدوةٌ في العلم، وذاك قدوةٌ في التربية، وآخر في الرحمة والإصلاح، وآخر في الطب أو التعليم أو خدمة الناس. وكلهم محتاجون إلى من يكمل نقصهم، ويصحح أخطاءهم، ويذكرهم بالله.
ومن المعاني الجديرة بالتأمل أن الهداية مستمرة في الأرض، وأن الله ما زال يقيم في عباده من يهدي إلى الخير ويصلح في الحياة. فكما أن هناك من يدل الناس إلى الخير في الدين، هناك من يدلهم إلى الخير في العلم والتعليم والرحمة والإصلاح والطب وسائر أبواب النفع.
ومن هذا الوجه يمكن للإنسان أن يتأمل معنى الهداية بوصفها حضورًا متجددًا في حياة البشر؛ فكل من هداه الله إلى خيرٍ ونفعٍ للناس، وجعله سببًا للإصلاح في مجاله، يحمل نصيبًا من هذا المعنى.
فربما هدى الله إنسانًا إلى أسرار طاقةٍ نظيفةٍ ورخيصةٍ ترفع عن الناس أعباءً هائلة، وهدى آخر إلى حلولٍ مستدامةٍ لوفرة الغذاء السليم، وهدى آخر إلى اكتشافاتٍ طبيةٍ تنقذ ملايين الأرواح، وهدى آخر إلى وسائل إصلاحٍ اجتماعيٍ أو تعليميٍ تغيّر حياة أجيالٍ كاملة.
وتأمل قوله تعالى:
﴿وَنَجعَلَهُم أَئِمَّةً وَنَجعَلَهُمُ الوارِثينَ﴾
فجاء التعبير القرآني بصيغة الجمع: أئمة ووارثين، في إشارة تستحق التأمل؛ إذ ترسم صورةً لوراثةٍ جماعيةٍ للأرض، يقوم بها صالحون ومصلحون وأهل هدايةٍ في ميادين متعددة، وتتجاوز اختزال الإصلاح في شخصٍ واحد.
وحين تتكامل هذه الهدايات، وتتآزر جهود أهل الخير في ميادينهم المختلفة، يقترب العالم خطوةً من تحقيق معنى الاستخلاف ووراثة الأرض للصالحين، ويتراجع الفقر والجهل والمرض والظلم.
فلعل وراثة الأرض للصالحين تتحقق بتكامل جهود أهل الهداية والخير في شتى الميادين، حتى تتحول الهداية إلى عمران، والرحمة إلى أنظمة، والعلم إلى وفرة، والإيمان إلى نفعٍ عامٍ للناس.
وهذا المعنى يذكّر بما ورد في بعض الروايات والتراث الإسلامي عن زمنٍ يعمّ فيه العدل والرخاء حتى يبحث الناس عمّن يقبل الزكاة فلا يجدون. وسواء فُهم ذلك على ظاهره أو على سبيل الإشارة، فإنه يرسم صورةً لعالمٍ تنتصر فيه الهداية والرحمة والوفرة على أسباب الفقر والحرمان.
فالأرض عامرةٌ بمن يهدي الله بهم إلى الخير، كما هي عامرةٌ بأوليائه وأهل النور والصلاح. تختلف الأسماء والميادين، ويبقى الجامع بينهم أنهم هُدوا إلى الله، ويهدون إلى ما فيه صلاح الخلق.
أما القدوة العظمى التي اجتمعت فيها الهداية والرحمة والبيان والكفاية، فهي سيدنا محمد ﷺ؛ النبي الذي بشَّرت به الرسالات، وإمام الأنبياء والمهتدين، والرحمة التي أرسلها الله للعالمين، والمرجع الأعلى للهداية بما جاء به من وحيٍ وبيان.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا صَلّوا عَلَيهِ وَسَلِّموا تَسليمًا﴾
ومن لم يكتفِ بمحمدٍ ﷺ قدوةً كبرى، ولم يسلّم للنور الذي جاء به، ظلَّ يبحث في الناس عمَّن يملأ فراغه، ويؤكد أوهامه، ويمنحه يقينًا جاهزًا؛ فينتقل من تعلّقٍ إلى تعلّق، ومن شخصٍ إلى شخص، ومن دعوى إلى دعوى، حتى يزداد تيهًا وحيرة.
ومن هنا تظهر مشكلة كثيرٍ من الناس: إنهم يبحثون عن مرجعٍ بشريٍّ مطلق، والمطلوب منهم أن يقتدوا بالنبي الذي اكتملت به الرسالة، وأن ينتفعوا بعد ذلك بأهل الحكمة والخبرة والصلاح دون أن يمنحوهم مقام الوصاية على الأرواح أو الخلاص المطلق.
ومن جعل محمدًا ﷺ إمامه الأعظم وقدوته الكبرى، عرف قدر الناس، وانتفع بخيرهم، دون أن يرفع أحدًا إلى مقامٍ لم يجعله الله له.
ولذلك ينبغي أن نأخذ الحكمة حيث وجدناها، وأن نستفيد من أهل الخير جميعًا، دون أن نرفع أحدًا فوق منزلته، أو نجعل بيننا وبين الله حجابًا من الأشخاص. فالمرشد الصادق يدلُّك على الله، ولا يحوّل وجهة قلبك إلى نفسه.
إن أولياء الله وأهل الصلاح موجودون في كل مكانٍ وزمان، لكنهم يتجلّون في صورٍ متعددة، ولباسٍ مختلف، ومدارس متنوعة. منهم من ينتمي إلى شرائع ومذاهب وتقاليد مختلفة، ومنهم من يعمل في ميادين شتى من العلم والإصلاح والخدمة والرحمة.
﴿إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَالَّذينَ هادوا وَالنَّصارى وَالصّابِئينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُم أَجرُهُم عِندَ رَبِّهِم وَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ﴾
وما يجمعهم في النهاية هو صدق التوجه إلى الله، ومحبة الخير لعباده، وخدمة الإنسانية بما استطاعوا، قبل الاسم والشعار والانتماء.
فحيث وجدت رحمةً صادقة، وعدلًا، وإحسانًا، ونفعًا للخلق، ودلالةً على الله، فثمَّ أثرٌ من آثار أهل الله.
ومن أبصر هذه الحقيقة اتسع قلبه، وعرف أن آيات الله حاضرة، وأن أبواب الهداية مفتوحة، وأن النور أقرب إلينا مما نتصور ﴿وَلَقَد كَتَبنا فِي الزَّبورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحونَ﴾.
ورأى أن نور الله أوسع من أن يُحتكر، وأن رحمته أكبر من أن تُحصر في شخصٍ أو جماعةٍ أو زمان.
وعرف أن انتظار المخلِّص قد يطول قرونًا، أما الاستجابة للنور فبإمكانها أن تبدأ الآن.
وأن السؤال الحقيقي ليس:
متى يأتي المخلِّص؟
بل:
متى نتوقف عن انتظاره؟
ومتى نستجيب للنور الذي جاء بالفعل؟
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




