بطاقة قطار بتواريخ باهتة، وورقة تحمل أثر يدٍ مرتجفة، وشريط كاسيت قديم جواره قلم جف حبره..غلاف كتاب مهترئ، وورقة تقديم لجهة ما.. والكثير من الصور. لا قيمة سوقيّة لأي من هذه الأشياء، لأنها لا تعني شيئًا للآخرين، ومع ذلك فهي مشبعة بوهج لحظات عبرت، وانحبست هنا، في هذا الدرج، الذي لا يُعلن عن نفسه كثيرًا، ومع ذلك لا يفقد بريقه أبدًا.
لكلٍّ منّا درجٌه الخاص الذي لا يشبه سواه. درج لا نفتحه كثيرًا، لكنه يعرف متى ينادينا. في لحظة انشغال بالبحث عن شيء ما، تمتدّ يدنا نحو أحد الأدراج – في المكتب، أو المكتبة، أو ربما غير ذلك. نحن نعلم سلفًا أن ما نريده ليس هنا. ومع ذلك، ثمة ما يدفعنا لفتحه. كأن الدرج يهمس لنا في تلك اللحظة تحديدًا، لينتشلنا من لحظة بعينها ويأخذنا إلى زمن آخر.
ثمة لحظة فاصلة تتخلّق في تلك اللحظات: لحظة خروج الزمن من حيّزه المألوف. فما نراه ليس مجرد «غرض قديم»، بل نافذة مفتوحة على بعد آخر من الوجود كان هناك يومًا ما. ليس الأمر مجرد حنين لزمن مفقود أو بحثًا عنه، بل شعور غريب بأننا كنّا هناك، وأن شيئًا فينا ما يزال هناك؛ يتحرّك، ويتنفّس، وينتظر.
ما نكتشفه في تلك اللحظة استدعاء غير مقصود لحالة وجودية كامنة. الأشياء هنا لا تُسرد، بل تدلّ – تشير إلى حياة لم تُكتَب بالكامل، أو انتهت قبل أوانها، أو ربما ظلّت معلّقة في برزخ الانتظار.
ليس أرشيفًا، فالأدراج لا تُنظَّم، ولا تُرتَّب حسب التواريخ. الفوضى فيها ليست عيبًا، وإنما جزءٌ من صدق التجربة. فوضى تُشبه أسلوب الحياة نفسه حين لا يخضع لتمثيل أو لتدوين.
في هذه الفوضى بالذات، يُولد معنى لا يمكن تركيبه مسبقًا. كل غرض يستدعي سياقه. والمفارقة أننا لا نستهدف الدرج في الأساس لنسترجع ما فيه، بل لنبحث عن شيء آخر تمامًا، ثم نجد أنفسنا عالقين في التأمّل، وكأن الغرض الأصلي ضاع في زمن موازٍ.
تلك اللحظة -حين ننسى ما نبحث عنه وننشغل بما لم نكن نقصد- هي لحظة يمكن تسميتها بالانخطاف الوجودي. الزمن لا يعود إلى الوراء، لكنه يتوقّف قليلًا عن المُضيّ. كأن الأدراج تخلق نوعًا من اللازمن ولا يبقى معها سوى شخص وجسم صغير بين أصابعه، يستدعي كامل نفسه في لحظة واحدة.
في بعض البيوت، هناك أدراج تحتوي على كل شيء، ولا شيء. في داخلها نسخة منّا لا تصلح للعرض، لكنها باقية، تتحيّن لحظة المصادفة كي تطلّ برأسها وتُعيدنا إلى أنفسنا.
في هذه الأدراج لا تحتفظ بأشياء ميتة، بل بكائنات حية تنتمي إلى أزمنة متوازية. كل غرض قد يكون بابًا سريًا إلى عالَميْن: العالم الذي عشناه، أو العالم الذي أضعناه. الهدية التي قبلناها تقبع بجوار الهدية التي رفضنا تقديمها. صورة العائلة مُعلقة فوق رسالة الفراق التي لم نرسلها.
في اللحظات التي نفتح فيها هذا الدرج، لا نبحث عن الماضي ولا نندم على المستقبل الذي لم يكن. نحن ببساطة نؤكد وجودنا الكامل، ذلك الوجود الذي يشمل ما فعلناه وما لم نفعله، ما قلناه وما أخفيناه، ما كان وما يمكن أن يكون. نكتشف أننا لسنا مجرد ذكريات، ولا أحلام ضائعة فقط، بل مزيج معقد من الاثنين معًا. درجنا ليس شاهدًًا على ضعفنا، بل دليلٌ على إنسانيتنا الكاملة. فيه نجد جرأة الاعتراف بأننا لم نكن أبداً نسخة واحدة، بل تشكيلة واسعة من الاحتمالات. بعضها تحقق، وبعضها بقي حلمًا، لكن جميعها حقيقي بالقدر نفسه.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




