في حديث ودي، سألتُ أحد الروائيين: «هل تتذكر شخصيات رواياتك المدخنين؟». صمت قليلًا، وتمهّل في الإجابة، وأخذ يستذكر شخصياته الروائية. كان هذا التمهل وذلك الاستدعاء كفيلَين بأن يلفتا انتباهي ويجعلاني أفكّر طويلًا في سلوكيات وعادات الشخصيات الروائية بشكل عام، وكيف أن الروائيين حين يكتبون شخصياتهم فإنهم يمنحونها ملامح جسدية ونفسية، ويبتدعون لها أيضًا سلوكيات وعادات تنسجم مع معطيات تلك الشخصية.
ولأن هذا السؤال شغل تفكيري وأخذ حيّزًا من اهتمامي، فقد قررت أن أتتبع حضور عادة التدخين كسلوك شخصي عند الشخصيات الروائية. وليس ذلك من أجل إعلاء شأن هذه العادة السلوكية المضرّة التي تحرص كل المنظمات الصحية والهيئات على محاربتها والحد من حضورها، وإنما هو رصد وتتبع لملامح هذه العادة كما تظهر في النصوص الروائية، حيث ترتبط بخصوصية سردية تُفرزها التباينات الملازمة لها، إذ تكشف في حضورها عن العديد من الالتباسات الاجتماعية، وتستدعي معها دلالات زمانية ومكانية. فقد تحضر كجسر للتواصل الإنساني، أو تصبح علامة اجتماعية/ثقافية، وفي حالات مختلفة مرآة للتحوّلات الزمنية والفضاءات المكانية.
وفي هذا الشأن، يظهر تباينٌ في سلوك الشخصيات، سواء على الصعيد الاجتماعي أو النفسي أو المرضي. وينتج عن حضور عادة التدخين مشاهد ومواقف تلعب أحيانًا دورًا كبيرًا في مسار أحداث الروايات.
لقد تجنبتُ الاستشهاد بالروايات التي كان فيها وجود السجائر لا يتجاوز وصف الشخصيات المدخنة بعبارة: «أشعل سيجارته» أو «كان يدخن سيجارته». وحاولتُ أن أركّز على المشهدية السردية التي تنتج عن استحضار السجائر في النص، وعلى علاقتها بالشخصية أو بأحداث الرواية بشكل عام، وأيضًا تناولتها في بعدها الاجتماعي والنفسي وعلاقتها بالمرض، وغيرها من المظاهر السردية المتباينة.
في عدد من الروايات، لا تأتي السيجارة كحضور عابر أو عادة يومية بل تتحوّل إلى عنصر فاعل يتخلل نسيج الحكاية ويمنحها بعدًا آخر، وقد يكون للسجائر حضورٌ ودورٌ يتجاوز مجرد إشعال البطل لسيجارته، ففي رواية «حفيدة السيد لين» للكاتب الفرنسي فيليب كلوديل، تتشكّل علاقة عميقة بين الرجل العجوز اللاجئ (السيد لين) والسيد بارك عبر الصمت والمشاركة الإنسانية، وتلعب عادة التدخين دورًا محوريًا في هذا التقارب بين الشخصيتين. فالسيد لين، الذي كان يعيش بارتياب في المكان الغريب ويتجنّب الآخرين، وجد نفسه منجذبًا إلى السيد بارك. وسرّ هذا الانجذاب يكمن في الطريقة التي يدخن بها:
«يشعل السيد بارك السيجارة التي تصدر صوتًا خفيفًا في الهواء البارد. يغمض عينيه، يسحب النفس الأول، يبتسم ثم ينظر إلى الصغيرة التي يشدها السيد لين إلى ركبتيه، ينظر إليها ويبتسم أكثر بابتسامة لطيفة».
شيئًا فشيئًا، أخذ السيد لين يستلطف رائحة السجائر التي تصل إليه من عنبر النوم:
«تصل أحيانًا كمية قليلة من دخان سيجارته إلى منخري الرجل العجوز، فيندهش من استنشاق هذا الدخان ومن إدخاله إلى أعماقه قدر المستطاع. بالطبع ليس لأنه يستسيغ الدخان، فدخان سجائر الرجال الذين في عنبر النوم منفّر، ولكن هذا مختلف، رائحته طيبة».
ولم يكتفِ السارد بوصف الرائحة، بل مضى أبعد حين رسم أثر التدخين على تفاصيل أصابع السيد بارك:
«لقد تلونت أصابع السيد بارك الجسيمة، وخاصة السلاميات الأخيرة منها، باللون الأصفر البرتقالي، وذلك لكثرة شده على السجائر العديدة التي يدخنها بشكل متواصل».
كما يصف شفتيه اللتين أنهكهما التدخين:
«بعد أن كان قد دس سيجارة جديدة بين شفتيه نفسهما، شفتان متعبتان، هذا لا يعني شيئًا ولكنه الواقع. يمكننا القول إن شفتي الرجل متعبتان، مثقلتان بحزن لا يمكن فصله عنهما».
هكذا أصبحت السيجارة جسرًا للتقارب؛ فبفعلها تناغمت الشخصيتان، وغدا السيد لين صديقًا للسيد بارك، بل ورجلًا مدخنًا رغم أنه لم يكن كذلك من قبل. وبرغم أن السيد لين لا يتقن لغة البلاد الجديدة، ولا السيد بارك يتحدث لغته، فقد نشأت بينهما صداقة كان للتدخين نصيب في نسج خيوطها. «يمسك علبتي السجائر بيده؛ يشعر وكأنه ممتلئ بشعور كبير بسبب هاتين العلبتين البسيطتين في الواقع. هو لا يحب هذا النوع، ولا يدخنه أبدًا لأن له رائحة النعناع التي لا يتحملها؛ ولكن ليس لذلك أية أهمية، إذ ينظر إلى العلبتين ثم إلى الرجل العجوز الذي قبالته».
تطور الأمر حتى أصبح السيد لين يقدّم السيجارة للآخرين بنفسه:
«عندما يخرج السيد لين العلبة لكي يقدمها له، يشعر أن هناك دومًا رجفة صغيرة في داخله، شيء لطيف يعصر بطنه قليلًا ثم يصعد إلى حلقه. عندئذٍ يأخذها، ثم يسحب سيجارة. يبتسم للرجل العجوز، يشكره، يفتح العلبة مباشرة».
إذا كانت رواية «حفيدة السيد لين» قد قدّمت نموذجًا لحضور السيجارة وهي تلعب دورًا في نسيج الحكاية، فإننا في المقابل نجد روايتي «الرياض نوفمبر 90» لـسعد الدوسري و«ارتياب» لبدر السماري تقدّمان نموذج البطل المدخن، أو على وجه الدقة المدخن الشره. ومع تقارب هذا النموذج بين أبطال الروايتين، نلحظ اختلافًا واضحًا في الطريقة التي تُقدَّم بها السيجارة ضمن مشاهد النص.
فبطل رواية «الرياض نوفمبر 90»، وهو شخصية مثقفة يعمل مديرًا لمكتب العلاقات العامة في أحد مستشفيات مدينة الرياض، يكتفي المؤلف غالبًا بالإشارة إلى إشعاله السيجارة. وبرغم كثرة المشاهد التي يدخّن فيها، لا يتوغّل النص في وصف طريقة التدخين أو لحظة إشعال السيجارة. هذا الاستحضار العابر يختلف جذريًا عمّا نجده في رواية «ارتياب» لبدر السماري، حيث تُوظَّف السيجارة ضمن مشاهد أكثر كثافة وتفصيلًا، لتصبح جزءًا من ملامح البطل وتكوينه النفسي، بل وعلامة على استنزافه الداخلي.
لكن في المقابل، فإن سعد الدوسري يوظّف التدخين في مواقف ذات أبعاد اجتماعية وايدلوجية مختلفة. واللافت أنّ البطل يدخّن في مكتبه داخل المستشفى، وهو تفصيل قد يُفهم بوصفه خطأً سرديًا يتعارض مع القوانين الصحية، أو إشارة زمنية إلى فترة كان التدخين فيها مسموحًا حتى في المكاتب الرسمية، أو ربما تعبيرًا عن تجاوز شخصي من بطل الرواية في ممارسة التدخين بمكتبه. وحين نتأمل المشاهد التي يرتبط فيها التدخين بالمكان، نلحظ أن السارد خلق إشكالية لهذه الممارسة دون وعي منه. ومن هذه المشاهد الحوار الذي يجمع البطل مع «وليد»، رئيس قسم التشريفات في المستشفى، وهو يشكو من منع التدخين في مكتبه:
ـ هل لديك سجائر؟!
كانت العلبة على طرف الطاولة الآخر.
ناولتها، وأنا أسأله:
ـ ما نوع سجائرك؟!
ـ لا يهم. المهم النيكوتين. نحن لا نستطيع أن ندخن في مكاتبنا تنفيذًا لتوجيهات معالي المدير.
أشعلتُ له السيجارة، ثم جلس.
وفي مشاهد أخرى، يتكرر حضور السيجارة في مكتب العمل:
«وضعتُ كوب القهوة إلى جانب الطاولة والمنفضة التي كنا أنا وإياه نضع سجائرنا عليها».
«أشعلت سيجارتي، ونفثت دخانها على يميني، ثم جلست خلف طاولتي».
هذه المشاهد تمنحنا تصورًا بأن دلالة السيجارة تعبّر عن حالة زمنية بعينها. غير أنّ اللافت للنظر هو العدد الكبير من السجائر التي أشعلها البطل، حيث تتوزع على كل الأماكن: في البيت، في السيارة، في وحدته الخاصة، أو أثناء حواراته مع الآخرين. وربما رأف الكاتب ببطل روايته في النهاية، فكتب له مخرجًا سعيدًا، إذ يتعافى من أزمته القلبية بعد عملية قسطرة كان التدخين سببًا رئيسيًا فيها.
«صار ينقل سماعته من مكان إلى مكان، وهو يطلب مني أن أتنفس بعمق. يضع كفه اليسرى على ظهري، ثم يدقّها بأصابع يده اليمنى. استلقيت مرة أخرى، وأخذ يفحص أصابع قدمي، ثم أصابع يدي.
ـ كم سيجارة تدخن باليوم؟!
ـ في الشهور الأخيرة، صرت أدخن علبة ونصف تقريبًا.
ـ وقبل ذلك؟!
ـ لا أكمل العلبة.
ـ منذ متى وأنت تدخن؟!
ـ منذ أني عشر عامًا».
كما يوظّف المؤلف السيجارة في سياق البعد الأيديولوجي للتدخين في السرد، إذ يرفض أحد الباعة بيع السجائر بدافع تشدد ديني لا علاقة له بالصحة:
«سأل البائع:
ـ أين أجد السجائر؟!
أجابه:
ـ لن تجدها، نحن لا نبيعها».
ويعزز السارد هذا الموقف بمشهد آخر أكثر وضوحًا:
«سمعت على يميني جلبة، فالتفتُّ إليها. كان ثمّة شاب يرتدي ثوبًا قصيرًا وغترة بيضاء، وذو لحية سوداء طويلة، يصرخ في وجه شاب ثانٍ:
ـ أطفئ سيجارتك. قلت لك أطفئها.
كان الشاب الثاني يرتدي جلبابًا مغربيًا، قلب شعر رأسه الكثيف اللامع إلى الخلف، وحلق سالفته على حدود أذنيه.
ردّ عليه محدّقًا، وهو يطالع وجوه الآخرين وكأنه يبحث عن دعمهم:
ـ وهل أنا في غرفة أبيك؟!
مدّ الأول يده محاولًا أن يلتقط السيجارة من بين أصابع الثاني، فسحب أصابعه بعيدًا عنه.
ـ أطفئ هذا المنكر.
ـ اغرب عن وجهي، وإلا حطّمتُ وجهك».
وفي مشهد آخر، يتقاطع الموقف الاجتماعي مع التشدد الديني من خلال أخت البطل التي أصبحت ترفض تدخين زوجها في البيت:
«أخرج علبة سجائره، ثم أشعل واحدة بشغف.
قلت له:
ـ كأنك لم تدخن منذ ستة.
ـ لا أعرف ماذا دها أختك. لقد صارت تصرخ في وجهي بألا أدخن في البيت.
ـ معها حق. أنت تدخن كثيرًا يا عثمان.
ـ وماذا يمكن أن أفعل غير التدخين؟ إنه سلوتي».
ونرصد أيضًا أن المؤلف يستحضر ماركة سجائر محددة في أحد المشاهد لشخصيات عابرة، كإشارة إلى تفضيل تلك الماركة في منطقة جغرافية بعينها. وهو تفصيل سنعود لتفكيكه في موضع لاحق من المقال.
أما في رواية «ارتياب»، فإن التقديم السردي لعادة التدخين يبدو مغايرًا ومختلفًا عن رواية «الرياض نوفمبر 90»، حيث تحضر السيجارة في مشهدية متعددة، سواء في عدد الشخصيات المدخنة في الرواية أو في وصف طريقتها في التدخين، أو حتى في الأثر الذي تتركه السيجارة في علاقات الشخصيات.
وسنلاحظ أن فعل التدخين يخضع لفعل المراقبة من شخصية إلى أخرى؛ لذا كان أول حضور للسيجارة من هذا البعد:
«كان صاحب العينين الذائبيتين ينفث دخانه من منخريه، مثل عادمَي وقود درّاجة نارية انطلقت بسرعتها القصوى».
وعبارة «ينفث من منخريه» تكررت كثيرًا في الرواية. ويتكرر هذا التوجس من الآخر وارتباطه بالتدخين في مشهد آخر:
«كان يودّ إشعال سيجارة في تلك اللحظة، لكنه لم يفعل. سيُجبر على إطفائها حين تحين اللحظة المناسبة للخروج، ولربما تُثير سرعة إطفائه للسيجارة انتباه الرجل الذئبيّ».
ويحضر تصريح بمراقبة تدخين الآخر في العبارة التالية:
«اكتشفتُ الحيلة البائسة لمحسن، فبدأت ألعب لعبتي الخاصة، وامتنعت عن الحديث مثل معتكف. صرتُ أتلّهى بمراقبة جمرة السيجارة. كان دخان سيجارة محسن أكثر كثافة من سجائري».
كما تُخصّ السيجارة أحيانًا بالوصف، مع استحضار حالة البطل وهو يصف تلك المشهدية:
«ضاقت أنفاسك مع انتصاف السيجارة يا أيها الرجل الذئبيّ. طوّحتَ السيجارة في الهواء، فانفصلت الجمرة الصغيرة من عقبها لتنطفئ وحيدة، وحيدةً على الرصيف».
وتظهر ملامح وصف طقوس الشخصية في التدخين في الكثير من المشاهد المرتبطة بحضور السيجارة:
«كان موعد إطفاء السيجارة قد حان، بقيت جمرة صغيرة تتدلّى، ولم يمهلها ذيبان قبل أن يسحقها في المنفضة الستانلس ستيل. قال وهو ينفث الدخان».
وسنجد أيضًا أن الراوي يعزّز حضور عادة التدخين عند شخصياته وهي ترتبط بعادات يومية أخرى، كما يصرّح باسم ماركة الدخان:
«قلّب الجريدة اليومية ولم يجد فيها صورة للملك، فلم يشترِ الجريدة، بل اشترى الحبق وعلبتي “مارلبورو” القلّاب الأحمر، وسكّرًا، وأخذ مبردًا أكبر حجمًا من الذي لديه وكان قد أوصى عليه».
وفي مشهد آخر، وكأنه يكمل الوصف، تصبح هناك ملازمة بين عادة سفّ السكر والتدخين عند ذيبان:
«وأحسّ آنذاك برغبة عابرة للتخلّص من بعضها، لكنه لطالما جاهد ليخمد هذه الرغبة، فتمضي مع سفّ السكر ونفختين من سيجارة».
ويكرّر السارد تلازم سفّ السكر والتدخين عند ذيبان في مشهد آخر، بل ويضيف إليه خوفه من رؤية قضاة المحكمة التي كان يعمل بها:
«لم يحتمل ذيبان الانتظار، وبعد مرور دقائق كان قد سفّ فيها مرتين من السكر، أشعل سجائره تباعًا متجاهلًا قربه من المحكمة واحتمال رؤية أحد الشيوخ له».
وفي مشهد آخر أيضًا، يربط السارد عادة التدخين بعادات ذيبان الأخرى:
«حيث يجلس متربّعًا كل يوم. يكنس النمل الميّت حول جلسته قبل الجلوس، ويسفّ قليلًا من الكَسَر، وبعد ذلك يدخّن سيجارتين، قبل أن يمضي لصلاة الظهر. وبعد الظهر، غداء وقيلولة وأشياء أخرى».
وكذلك في مشهد آخر:
«بقيتَ يا ذيبان عشر دقائق للراحة فوق الصخرة، كنتَ تلهث وتحسّ بالرجفة في يدك، ومع هذا أشعلتَ سيجارة وتناولت المزيد من السكر».
وكما أشرنا سابقًا إلى أن التدخين في الأماكن قد يحمل دلالات زمنية، فإن متعب وهو مسافر كان يدخن في الطائرة أثناء رحلته إلى أمريكا وهذه الممارسة تمنحنا إشارة الزمنية قبل أن يتم حظر التدخين في جميع شركات الطيران الدولية:
«أخرجتُ سيجارة وضربتُ القداحة، فانطلق الدخان إلى الأعلى. لحسن حظكم أيها الركاب أن مؤخرة الطائرة شبه خالية، يبدو أنه موسم الإقلاع عن التدخين. أرخيتُ رأسي على مسند الكرسي ومضيتُ أنفث الدخان فوق رأس الرجل البائس الذي جلس أمامي بصحبة زوجته الأكثر بؤسًا. لم يبدُ عليهم الضجر من التدخين، وبعد دقيقتين من النفخ، لم يكن ثمة شيء آخر قد يشغلني عن تأملهم».
ويستكمل وصف التدخين في الطائرة بعبارة أخرى:
«ذو الشارب الكثّ بجانبي كان في الربع الأول من سيجارته، فلم أجد بُدًّا من إشعال سيجارة مجاراةً له. إنه لشيء تعس أن تجلس بجانب رجل مدخّن في الطائرة».
ومن مشاهد الرواية اللافتة، وصف السارد لحزن ذيبان بطل الرواية على وفاة الملك فيصل رحمه الله، حيث يقدّم حضورًا مكثفًا للسيجارة، لتغدو نديمًا للشخصية في لحظة الحزن المهاب. فيصف الراوي ذيبان وهو يبحث عن الأخبار المتعلقة بالحادثة:
«كنتَ تعلم أن إذاعة لندن لا تظهر في هذه الساعة، ولهذا أشعلت سيجارتك الأولى وبقيت تستمع بخشوع للقرآن».
ثم يصف كيف أشعل سيجارته الثانية:
«عدّلتَ من جلستك بعد السيجارة الأولى وتربّعت. كان حمدان الكرش ينتظر زوجتك لتجمع أغراضها وتمضي معه إلى منزله، فيما كنت تشعل السيجارة الثانية».
ثم ينتقل لوصف السيجارة الرابعة:
«وحين أشعلتَ السيجارة الرابعة، وفيما كانت جمرة السيجارة أطول قليلًا من إظفر، قطعت إذاعة الرياض إرسالَها وتلا المذيع البيان:
“ببالغ الأسى والحزن، ينعى الديوان الملكي باسم صاحب…”».
وعندما عاد متعب من دراسته، حضرت السيجارة في حديثه الأول مع أبيه، لتكون جسرًا تواصليًا بين شخصيات الرواية، لكن هذه المرة بين الأب والابن. وتبدو هذه المشهدية مختلفة عن بقية مشاهد الروايات التي تحضر فيها السيجارة بين الأب والابن، إذ يكتسب الابن شرف المساواة مع أبيه في ممارسة هذا السلوك بحسب تصور متعب:
«سأل أبي أخيرًا بعد فترة صمت طويلة:
خلصت الدراسة؟
نعم يبه.
عاد إلى الشاي، وأشعل السيجارة الثانية، وحين سحقها في المنفضة سأل:
ترجع لأمريكا؟
لا خلاص. أبي أشتغل.
حدث تغيّر طفيف حين أشعل أبي سيجارته الثالثة، إذ ألقى علبة سجائر “مارلبورو” الأحمر في حضني، وأتبعها بعلبة الكبريت. كانت في جيبي علبة دخان وقدّاحة، لكني لم أُوِنِ إظهارها حتى تلك اللحظة. كان أبي بالطبع يمنحني شرفًا آخر ذلك المساء بعد العناق، كان شرف المساواة بيننا للمرة الأولى، وكأنما يغدق في منحي الكثير دفعة واحدة. اعتبرتُ حركته ضوءًا أخضر لإشعال سيجارة أمامه، لعلها تفتح أقفال الحديث بيننا. فتحتُ العلبة بهدوء ونظرتُ نحوه، كان ينظر نحو ظاهر كفّه اليمنى، ويبدو أنه تشاغل عني ليمنحني أريحية إشعال السيجارة، ففعلت. كانت سيجارة تشبه السيجارة الأولى في حياتي».
لكن هذه المشهدية لا تتوقف، بل تعود مرة أخرى بين الأب والابن، ولكن هذه المرة كندماء لا كحالة استجواب كما يبدو من قراءة المشهد ظاهريًا. ومع ذلك سنجد أن الابن يكذب على سؤال الأب لأنه ما زال يشعر بتلك المسافة بينهما:
«فاجأني مجددًا بأن رمى علبة السجائر عليّ، وسألني بعد دقائق صمت طويلة:
كم سيجارة تدخّن في اليوم؟
مش كثير.. تقريبًا نص العلبة.
كنت أكذب، وكان يعلم أني أكذب، ككل المدخنين الذين يحبّون إخبار من يسألهم أنهم على قدر من الانتباه لعدد السجائر التي يدخّنونها. وأنا كذبت لأني كنت أدخّن علبة كاملة في اليوم على الأقل. لكن بصراحة، لا يوجد دافع كبير للصدق مع سؤال مثل هذا».
وتستمر هذه العلاقة بين الأب والابن في مشهد آخر، وتكون السيجارة أيضًا حاضرة:
«أغلق أبي جهاز التليفزيون المعلّق على الجدار المقابل فجأة، وتحرّكتُ من مكاني زحفًا لأقترب منه ولأسكب كأس شاي لي. جلستُ قبالة أبي، وشرعت أرشف من الشاي حتى رمى علبة “مارلبورو الأحمر” في حضني. أشعلتُ سيجارة وابتسمت، وصرتُ متأكدًا أنه يودّ أن يحكي هذا المساء».
وأيضًا في مشهد آخر يتكرر ذات التناغم في تلك العادة:
«أشعل أبي السيجارة فيما كانت المقلاة فِرغًا ممتلئة، فتوقّفتُ كذلك، إذ تذكّرتُ أن جدي مات صباح ذلك اليوم، وأشعلتُ بعد أبي بدقيقة سيجارتي».
إن هذا التوقف الطويل في رواية «ارتياب» جاء لأنها تمثل نموذجًا للروايات التي تُمعن في استحضار السيجارة. وقد تم تقديم بعض المشاهد من الرواية في هذا الجانب وليس كلها، إذ هناك مشاهد أخرى لم نستشهد بها، والتي تناولت عادة التدخين، لتمنحنا تصورًا عن كيف تلعب السيجارة دورًا في السرد، إمّا بتكرار حضورها أو بوضعها كعنصر من عناصر المشهدية، وتكون معبّرة عن دلالات أكبر من مجرد إشعال سيجارة.
وإذا ما انتقلنا من الروايات إلى المشاهد التي تستحوذ فيها السيجارة على تفاصيل مشهد محدد من النص، لتصبح جزءًا رئيسيًا في تكوين المشهدية السردية، فإن هذا ما يتجلّى في رواية «عين الحدأة» لصالح الحمد. حيث يبدأ السارد المشهد بقوله:
«أخرج سلمان علبة السجائر».
ومع تطوّر الحدث، يضيف ملمحًا آخر يرسّخ حضورها:
«قال سلمان، وسيجارته غير المشتعلة تتراقص بين شفتيه».
ثمّ يواصل، رابطًا الفعل بالمكان:
«ثمّ أشعلها، وأشار إلى البرحة التي في الخلف».
وفي امتداد لهذه العلاقة بين الشخصية والسيجارة، يصف السارد كيف غدت أداة للتعبير عن الحركة:
«أشار سلمان بعقب سيجارته».
ولا يتوقف حضور السيجارة عند لحظة التدخين، بل يمتد ليشكّل جزءًا من الفضاء الروائي ذاته؛ إذ يقول السارد:
«ركبا السيّارة. وضع سلمان كاسيتًا لمحمد عبده في المسجّل. كانت مراتب الكابرس الحمر معلّمة بآثار حرق شرارات السجائر، وتكدّست ملابسه وكتبه المدرسيّة في المرتبة الخلفيّة. بدأ وائل يكحّ من الدخان، فأنزل سلمان زجاج النافذة».
وهنا تتحوّل السيجارة إلى شاهد على المكان، وإلى مرآة تكشف الفارق في السلوكيات بين الشخصيتين داخل المشهد. وفي النهاية، ينقل السارد مركزية السرد إلى وائل:
«ظلّ وائل صامتًا يخفي افتتانه. كان يراقب حركة قدم سلمان على دوّاستي البنزين والمكابح، والطريقة التي ينفث بها سيجارته في الهواء، فبدا له أنّ الذي يفصل بينهما هي المسافة بين الرجولة والطفولة».
وهكذا تصبح السيجارة، في هذا المشهد، أكثر من مجرد أداة تدخين؛ إنّها علامة روائية تؤسّس للفارق الرمزي بين شخصيتين، وتربط بين تفاصيل المكان وأبعاد الشخصية.
قد يكون مفضَّلًا عند بعض الروائيين أن تكون السيجارة محور المشهد. ففي هذا السياق استثمر أليساندرو باريكو، مؤلف رواية «أسطورة 1900: مونولوج عازف البيانو في المحيط»، مشهد التنافس الموسيقي في العزف على البيانو بين الأسطورة 1900 وعازف الجاز جيلي رول. يبدأ الوصف حين يشعل جيلي رول سيجارة ويضعها على حافة البيانو، لتغدو شاهدة صامتة على احتدام العزف:
«بقيت السيجارة في محلّها على حافة البيانو، وقد احترق نصفها، لكن الرماد ما يزال معلّقًا عليها، كأنّ الرماد لا يسقط خشية أن يُصدر ضجّة ما. حمل جيلي رول السيجارة بين أصابعه، كانت يداه كفراشتين، سبق وقلت ذلك، أمسك السيجارة، وظلّ الرماد معلّقًا عليها، لا يريد أن يقع. ربّما كان في الأمر خدعة ما، لا أعرف. نهض مبتكر الجاز واقترب من ألف وتسعمائة، وضع السيجارة تحت أنفه، بما فيها من رماد مرتّب، وقال: “حان دوركَ، أيها البحّار”.»
ينتقل السرد بعد ذلك إلى رد فعل ألف وتسعمائة، الذي كان يستمتع بالعرض جديًّا، ليجلس إلى البيانو ويشرع في العزف، قبل أن يفاجئ الجميع بطلب سيجارة وهو لم يسبق له أن دخّن:
«هات سيجارة، هيّا…» «كنتُ مذهولًا لدرجة أنني أعطيتُه السيجارة دون أن أعي شيئًا. أقصد أنّ ألف وتسعمائة لم يكن يدخّن قط. أخذ السيجارة، التفّ، وجلس إلى البيانو».
وبعد سرد طويل من وصف العزف المذهل، يعود الراوي إلى السيجارة التي تتحوّل هذه المرة إلى عنصر في حركة استعراضية مدهشة، إذ يصف لحظة اشتعالها بشرارة انطلقت من أوتار البيانو:
«وخلال ذلك الصمت الرهيب، نهض ألف وتسعمائة، التقط السيجارة، تسلّق فوق لوحة المفاتيح، وقرّبها من أوتار البيانو. قدح شررٌ خفيف، فأعاد السيجارة، فإذا هي تشتعل. أقسم لكم كانت تشتعل حقًا. كان ألف وتسعمائة يُمسكها بيده كأنها شمعة صغيرة. لم يكن يدخّن، ولم يكن يعرف كيف يحمل السيجارة بين أصابعه. تقدّم خطوتين حتى وصل إلى جيلي رول مورتن وأعطاه السيجارة: “خذ، دخّنها أنتَ، فأنا لست طيّب القلب”.»
ولا يكتفي الراوي عند هذا الحد، بل يختم المشهد بتفاصيل بصرية دقيقة تلتقط أثر تلك اللحظة على عازف الجاز، إذ يرصد ارتجاف يده وهو ينفض رماد السيجارة:
«لم يعد يعرف أين يوجّه أنظاره، وحينها بدأت يده الفراشة ترتجف بشدّة، ورأيتُها، ولن أنسى ذلك أبدًا، كانت ترتجف حتى انفصل رماد السيجارة ووقع أوّلًا على بذلته السوداء الأنيقة، ثم تزحلق حتى فردة حذائه اليمنى، الحذاء المطلي بالصبغ الأسود اللمّاع. كان الرماد مثل نفحة دخان أبيض. أذكر جيدًا كيف نظر إلى الحذاء، وإلى الصبغ والرماد، فأدرك ما الذي عليه أن يفعل، فالتفت ومشى».
وإذا كانت السيجارة تستحوذ على مشهد روائي، فإن فضاء السرد يضم أيضًا قصصًا قصيرة كانت السيجارة فيها العنصر الرئيسي في الحكاية. وهذا ما نجده في قصة «حالة تلبّس» ليوسف إدريس، التي تقوم على حدث عادي جدًا: طالبة جامعية تدخن سيجارة خلف مكتب عميد الكلية الذي ينظر إليها وهي تدخن. لكن براعة يوسف إدريس صنعت من تلك اللحظات حكاية عميقة في دواخل العميد الذي يتابع الطالبة بعين تتبدل نظراتها في كل مرة.
في البداية، ينظر إليها بنظرة الطفل الذي نشأ على أن تدخين السيجارة عيب على المرأة. ثم تتلاشى هذه النظرة، ليرى فيها ابنته المحتملة. وبعدها يعود يوسف إدريس إلى دواخل العميد، فيكشف أنه لو لم يكن وحيدًا في المكتب لضغط الجرس وطلب من الساعي أو من أي أستاذ أن يحضرها.
ثم تزول نظرة الغضب لتحل محلها الدهشة: كيف تمسك بعلبة السجائر؟ وكيف تفتح علبة الكبريت وتشعل السيجارة بأصابع مدرَّبة؟ ثم كيف تخرج الدخان من أنفها، وكأنها تفعل بالسيجارة ما لا يفعله هو نفسه، رغم كونه رجلًا مدخنًا؟ ثم يزداد تأمله، فينتقل إلى فمها وشعرها وجسدها، وهي هانئة بلحظتها مع السيجارة.
لكن بعد ذلك تستولي عليه نظرة الذعر: كيف له أن يطيل النظر إليها بهذه الطريقة؟ وسرعان ما تزول هذه الصدمة، ليعود إلى مراقبتها بدهشة رجل ينظر إلى امرأة، لا عميد كلية ينظر إلى طالبة.
ولكي ينجو من هذه المشاعر المتضاربة، يقرر أنه عندما تصل إلى منتصف السيجارة سيدق الجرس ويطلبها ليصدر قرارًا بفصلها. لكن هذه القسوة الإدارية سرعان ما تتلاشى، ويدرك أنها رغبة رخوة غير حقيقية، وأنه لن يفعل شيئًا. بل يعاتب نفسه على ذلك الإحساس الذي كشف عن فجوة في داخله بين الرجل المتأمل وعميد الكلية الواجب عليه اتخاذ قرار.
ثم يصف يوسف إدريس تفاصيل تدخين الطالبة:
«وتوالت الأنفاس، وفي كل مرة تجذب النَّفَس على مهلها وبتلذذ، وكأن شفتيها المضمومتين على فم السيجارة تبتهلان لشيءٍ أو ترشفان شيئًا، رحيق السعادة ربما أو إكسير الحياة. ويسترخي جسدها ويتدغدغ للنَّفَس، ثم تبدأ عملية الإخراج. وتفعل هكذا كله باندماج شامل تام وبلا إرادة، وبطبيعية لا تكلف فيها ولا اصطناع، والأنفاس…».
ومن هذه التفاصيل ينتقل العميد إلى مقارنة بين الجسد الشاب للفتاة وجسده المعلول الذي أنهكه المرض ومشاغل الحياة. وعندما تصل إلى منتصف السيجارة، وهو الوقت الذي حدده للقرار، يجد نفسه تائهًا بين الإعجاب بما تفعله وبين الاشمئزاز، مدركًا أنه، وإن لم ترضَ إرادته، يراقبها بجسده وأنفاسه وعينيه ولسانه الذي بدأ يجف، في انسجام مع طريقتها الآسرة في تدخينها.
ثم تراوده بادرة لاختلاق العذر لها، معتبرًا أن الأمر لا يختلف عن تدخين الرجل، فلماذا يُنظر إليه بمنظار آخر حين تفعله امرأة؟
وعند انتهاء الفتاة من السيجارة، يتجلى يوسف إدريس في وصف المشهد الأخير، وكيف ألهبت النهاية خيالات العميد، وكيف عادت الطالبة إلى واقعها بعد انغماسها في لحظات التدخين وكأنها انقطعت عن العالم. ويكتب هذه الجملة العظيمة في وصف التقاء نظرات الطالبة بنظرات العميد:
«وتكهربت النظرتان بخجل، لا قبَل لأيِّهما به، خجل سريع مغور جارح».
أحيانًا يستحضر الروائي السجائر في روايته استحضارًا عابرًا، لكن هذا الحضور قد يبدو غامضًا أو حتى عبثيًّا، كما وظّفه كنوت هامسون في روايته «الجوع». ففي أحد المشاهد، وبسبب فضولٍ غامض ورغبةٍ في إيجاد مدخلٍ للحديث، يعرض بطل الرواية على رجلٍ عجوزٍ يجلس بجواره سيجارة، رغم أنه ليس مدخنًا. ومن ذكاء هامسون السردي أنه لم يجعل بطله مدخنًا أصلًا، لأن حال تلك الشخصية المادية لا تسمح لها بترف شراء السجائر؛ لذا جاء ذلك المشهد الوحيد الذي ورد فيه ذكر السجائر في الرواية:
«فنظرت في الخلاء، ولكن استحالة التدخل بصفة خاصة في هذه المسألة الغامضة جعلتني من الفضول في شدة القلق، فنقبت في جيوبي لعلي أجد شيئًا أعطيه الرجل فأجد سبيلاً للتحدث معه، فأمسكت يدي دفتر اشتراكات الحلاقة، غير أني أعدته إلى مكانه. وفجأة خطر لي خاطر في نهاية الجرأة، فضربت جيبي الخاوي بيدي وقلت:
ـ أتسمح لي بأن أقدّم لك سيجارة؟
ـ أشكرك، أنا لا أدخن، إذ اضطررت للانقطاع عن التدخين صيانةً لنظري، فقد كنت على وشك العمى. شكرًا لك على أية حال».
الآثار السلبية للتدخين يضعها الروائيون في الحسبان، لذا تصادفنا مشاهد تُصوِّر هذه الآثار وكيفية تفاعل الشخصيات الروائية معها، خصوصًا حين يعيش المدخّن أزمة المرض ولا يتوقف عن تناول السجائر. ولهذا فإن السيجارة قد تكون حاضرة في سياق المرض بقدر ما تكون حاضرة في رسم طبيعة العلاقات بين الشخصيات الروائية بعضها ببعض.
ومن هنا نرصد ما فعلته زينة مع الطلياني في الرواية التي تحمل الاسم نفسه لشكري المبخوت، إذ كانت تُطعمه العسل خوفًا على صحته من إسرافه في التدخين:
«أصبح الطلياني يتذكّرها طيلة اليوم وهو في الجريدة، ويعود بلهفة العاشق إلى البيت يريد رؤية معشوقته. أصبح طعم الحياة مع زينة حلوًا حقًّا يذكّره بعسل “للّا جنينة”. أصبحت زينة تُلْعِقه عسلاً حرًّا من “الكالاتوس” أو البرتقال أو الزعتر البرّيّ كلّ صباح حين ينهض باكرًا، أو تضعه له في فمه. كانت تقول له:
ـ “أنت تدخّن كثيرًا. وليس أنفع للصّدر والحنجرة من العسل”».
وإذا كانت السيجارة جعلت زينة تستبق الأمراض التي تصيب المدخن وتحاول التخفيف من آثارها على الطلياني، فإن السيجارة في «خان الخليلي» هي التي قادت أحمد عاكف لاكتشاف أن نافذة شقيقه رشدي تطلّ أيضًا على غرفة نوال، وأن رشدي في أيام معدودة كان قد أغوى نوال وأصبح هو المعني بوقفتها في النافذة. ثم يرسم نجيب محفوظ في مشهد آخر بُعدًا مختلفًا للسيجارة، هذه المرة مقترنًا بمرض رشدي وما يحمله التدخين من مفارقة قاسية حين يقترن بوهن الجسد واشتداد العلة:
«وأراد أن يدخن سيجارة فوجد علبة السجائر فارغة، فمضى إلى حجرة رشدي ليأخذ منه سيجارة، وكان الباب مواربًا فدفعه بهدوء ودخل، ورأى شقيقه مرتفقًا النافذة شاخصًا إلى أعلى، مستغرقًا حتى إنه بلغ نصف الحجرة قبل أن ينتبه الشاب لمجيئه، فاستطاع أن يرى من موقفه النافذة الأخرى التي يتطلع إليها أخوه، وأن يلمح حال توسطه الحجرة رأس نوال ـ دون غيرها».
لكن مع تداعيات الأحداث في الرواية، وعندما يمرض رشدي ويتكفّل أحمد عاكف بالعناية بأخيه المريض، نجد لحضور السيجارة مشهدًا آخر مؤلمًا، حين رأى أحمد شقيقه المريض بالسل يدخن سيجارة. وقد برع نجيب محفوظ في تصوير موقف الأم من رغبة ابنها المريض في التدخين، كما برع في التعبير عن شخصية رشدي المحبة للحياة، الغارقة في اللهو وتسالي الدنيا، وكيف أن المرض أرهقه وجعل من تدخين السيجارة أمرًا ضارًا وقاتلًا لمن كان في صحته، ومع ذلك يحاول أن يجد لذته في تلك السيجارة الأخيرة:
«من أعطاك هذه السيجارة؟ ماذا تفعل بنفسك؟!»
وألقى على أمه نظرة ملؤها الاتهام، فقالت المرأة تدافع عن نفسها:
«ألحَّ عليّ يا أحمد، ولم ينفع اعتراضي، فما سكت حتى فاز بطلبته».
وقال رشدي دون أن يترك السيجارة:
«لا تؤاخذني يا أخي. نازعتني نفسي إلى التدخين فجأة فلم أستطع مقاومتها».
فقال أحمد بامتعاض شديد:
«ولكن هذا هو الجنون عينه!»
فقال الشاب كالمعتذر:
«سيجارة واحدة لا تؤذي، لكم هي لذيذة! دعني آخذ أنفاسها في طمأنينة».
ودخن سيجارته في سرور عجيب، ثم قال:
«لا تغضب يا أخي، فهي آخر سيجارة، والآن هات ما عندك من الثياب الجديدة».
وفي رواية «جروح الذاكرة» لتركي الحمد سنجد مريضًا آخر ـ صالح ـ يرفض نصائح الطبيب ويقاوم تحذيرات زوجته وخوفها على صحته. كانت السيجارة بالنسبة لصالح، بحسب السارد، خليلته؛ فهو من المرضى العابثين الذين يرون أن التوقف عن التدخين مساسٌ بأريحيّتهم مع الحياة. وفي هذا المشهد لا يكتفي تركي الحمد بوصف أعراض المرض وتعارضها مع التدخين، بل يذهب بعيدًا ليقدّم ملامح من تصوّرات شخصية صالح للمرض وللحياة، ومن رؤيته لمتع الدنيا المتاحة:
«لقد زاد قلقها كثيراً على صالح، منذ أن أخبره الطبيب في آخر فحص أجراه أن نبضات قلبه ليست منتظمة تماماً، ونسبة الكولسترول والجلوكوز في دمه مرتفعة نسبياً، مع ارتفاع طفيف في ضغط الدم، كما أن وظائف الكبد لم تكن كما ينبغي. لم يكن الأمر خطيراً كما قال الطبيب، وكل المطلوب هو تنظيم الطعام، والابتعاد عن التدخين والكحول والطعام الدسم والحلويات ما أمكن.
ولكن صالح لم يكن مواظباً على نصائح الطبيب، بل لم يكن مكترثاً لها على الإطلاق. فلم يكن قادراً على الامتناع عن كبسة لحم الغنم بالسمن البلدي، وإن تنازل قليلاً، فلتكن كبسة بزيت نباتي “والشكوى لله”، كما كان يردد متبرماً. وكانت السيجارة خليلته التي لا يستطيع التخلي عنها، والكأس لذة الدنيا في مثل هذا البلد، كما كان يقول في لحظات النشوة.
وعندما كانت تحذره من مغبة ما يفعل، كان يقول بلهجة ساخرة: “والله حالة. يعني بعد ما أصبحنا قادرين على الحياة، يريدون أن يحرموننا منها. الموت أفضل من هذا الحرمان؟!”. ثم، وهو يزفر بحرارة وينظر بعيداً إلى لا شيء: “توكلي على الرحمن يا أم خالد. لا أحد يموت قبل يومه. لا أحد يموت قبل يومه. ثم يشعل سيجارة ويمتصها بشغف”.
وفي تلميح ساخر عن أنواع السجائر التي يدخنها الرجل والسجائر التي تناسب المرأة يقول صالح ساخر “سجاير حريم يعني”. وهكذا نجد أن هذه التلميحات تعطي دلالتها الاجتماعية وتعكس تفكير الشخصية:
“حاولت معه أن يخفف من التدخين، وهو الذي يدخن أربع علب يومياً، أو أن يدخن تلك السجائر الخفيفة، ولكنه كان يضحك ويقول: “سجاير حريم يعني؟ إذا السيجارة ما كتمت الأنفاس، فهي ليست بسيجارة”. ولا تملك لطيفة في النهاية إلا أن تدعو له بطول العمر والصحة والهداية، وهل بيدها شيء غير الدعاء؟»
إن الشخصيات الروائية المريضة حين تدخن، فإن الروائي يصوّر لنا معاناتها في لحظات التدخين. وتصبح تلك المعاناة أكثر وقعًا عندما يأتي السرد على لسان بطل الرواية نفسه. فبطل رواية «الحالة الحرجة للمدعو ك» لعزيز محمد، رجل مريض لكنه مع ذلك مدخن:
«أجلس في مقاعد الحديقة المخصّصة للمدخنين. سيجارة واحدة، لكن بمجرد إنهائها أبدو كمن دخّن علبة كاملة. أتحامل على أنفاسي المتباعدة وأنهض ببطء».
وسنجد أيضًا في مشهد آخر تدخل الأم في حث ابنها المريض على الإقلاع عن التدخين، بل إنها تساوي بين الكتب والسجائر وتعتبرهما يمثلان ذات الضرر على ابنها:
«أحاول الإقلاع عن التدخين هذه الأيام، وها أنا أشغل نفسي بالكتابة، ولعل هذا أشد ضررًا بالصحة. أمي تقول إنه عليَّ الإقلاع عن الكتب والسجائر، كما لو كانا الشيء نفسه: “إلى متى تنفق نقودك على ما يضرّك؟”. أتجادل معها كأنها هاجمت كياني، وسرًّا أعجب بحذاقتها البسيطة، فالأدب والسجائر هما حقًّا الشيء نفسه، لكن لا رغبة لي بالإسهاب في الشروحات، فلنلتزم بالوقائع. توقّفت عن شراء السجائر، وبصعوبة أقاوم إغراء تناول واحدة من أحدهم بين حين وآخر. ميزة الواجهة الزجاجية للردهة أنها تمنحك فرجة على الساحة الخارجية، حيث يقف الناس ويدخّنون، وهذا عيبها أيضًا إن كنت تحاول الإقلاع. رئتاي لم تعودا شابتين».
ويكرّر بطل رواية «الحالة الحرجة» ذات المقارنة بين المرض والصحة، وكيف يدخل الرجل المريض في مواجهة مباشرة مع الفناء:
«أراقب كبار السن يخرجون للتدخين طيلة اليوم وأتساءل: كيف يفعلونها؟ كيف لا يكون المشهد التالي لإنهائهم السيجارة هو منظرهم وهم يموتون من انقطاع النفس؟ لطالما تساءلت إن كان ثمة وصفة سرية للحفاظ على النشاط، أو عادة صحية بديهية التزم بها الجميع طوال حياتهم، وبطريقة ما لم يَبلغني أمرها».
وفي رواية «ضمير السيد زينو» للروائي إيتالو سفيفو نصادف واحدة من أشهر الشخصيات الروائية المدخنة، التي تعاني عجزها المزمن عن ترك تلك العادة. فقد دخل السيد زينو في أزمة حقيقية تتعلق باختيار توقيت «السيجارة الأخيرة» التي سيعلن من خلالها قطيعته مع التدخين. ولأن هذه العادة توغلت في تفاصيل حياته وأثّرت على جسده، نصحه الطبيب النفسي بأن يقوم بتحليل تاريخي حول انجرافه إلى عادة التدخين، قائلاً له:
“الكتابة يا سيدي! الكتابة! ستشهد على أهميتها عندما تنجح في رؤية نفسك بصورة كاملة”.
وقد استجاب زينو لنصيحة طبيبه، وشرع يبوح بعلاقته الطويلة والمعقدة مع التدخين، منذ أن بدأها. وجاء هذا التداعي السردي محمّلًا بالمفارقات والإشارات الجانبية التي تتجاوز السجائر نفسها، لتكشف أبعادًا عميقة من شخصيته. ولعلها من الحالات النادرة في الرواية العالمية أن يسرد بطل حكايته عن التدخين وعوالمه بهذا التفصيل، كجزء من تاريخ شخصيته الداخلي:
“أعتقد أني أستطيع الكتابة عن التدخين هنا على الطاولة، بدل أن أسترخي على الديوان وأحلم. لا أعرف كيف أبدأ. سأطلب المساعدة من السجائر الكثيرة التي دخنتها والتي تشبه هذه التي في يدي. بل أذكر أني اكتشفت شيئًا كنت قد نسيته، وهو أن السجائر الأولى التي دخنتها لم تعد متوفرة في الأسواق. ففي الأعوام السالفة كان هناك نوع نمساوي يباع في علب صغيرة خُطّت عليها علامة النسر ذي الرأسين. ترى لي في الآونة إحدى تلك العلب، وقد تجمعت فيها وجوه عديدة، تكفي ملامحها لأحد أسماء أصحابها، ولكنها لا تكفي لأكون سعيدًا برؤيتها فجأة. أحاول أن أحصل على المزيد، فأجلس على الديوان. وسرعان ما يحتفي الأشخاص من مخيلتي، ويظهر بعض المهرجين ليسخروا مني، فأعود محبطًا إلى الطاولة”.
رغبةُ الشخصية الروائية في التدخين قد تجسّد انفعالاتِها كرغبةٍ عابرة، سواء في لحظة الفرح أو الحزن، وهذا ما شعرت به «إيما بوفاري» حين اجتمعت بليون. غير أنّ فلوبير لا يجعل رغبة التدخين هي الرغبة الوحيدة عند إيما في تلك اللحظة، بل جاءت مع العديد من الرغبات التي استولت عليها، حتى إنها شعرت أنها مسرفة في كل ما تفعله وما تريد أن تفعله:
«ويا للفورةِ التي اشتعلت يومَ الخميسِ التالي، في حجرتهما بالفندق، حين اجتمعتْ “إيما” بليون! ضحكت وبكتْ، وغنّت، ورقصت، وطلبت شرابًا، ورغبت في أن تدخنَ السجائرَ، ولاحتْ له مسرفةً، ولكنها رائعةً، متألقةَ البهاء.»
لكن فلوبير حين سرّب هذه الرغبة العابرة عند إيما كأنه يريد أن يكشف شيئًا من تناقضاتها. فعندما عادت مع شارل في أول حفلة حضرتها في باريس ووجد حافظة سجائر، قال شارل، الذي فرح بتلك الحافظة، إنه سيدخنهما بعد العشاء، غير أنّها استنكرت عليه فعل التدخين، وكانت إجابته الباردة معبّرة أيضًا عن شخصيته:
«وفيما كان “شارل” يلقي نظرةً أخيرةً على الطاقمِ بعد أن أصلحَهُ، لمحَ بين أقدامِ الجوادِ ـ على الأرض ـ حافظةَ سيجارٍ من الحريرِ الأخضرِ المطرز، يتوسطُها شعارٌ ينمُّ عن أنها لشخصٍ من ذوي الألقابِ، فقال: “إن بها سيجارين، سأدخنهُما بعدَ العشاءِ الليلة”. فتساءلتْ “إيما”: “إذن فأنت تُدخن؟” قال: “أحياناً. عندما تسنحُ فرصةٌ لذلك”. ووضعَ “غنيمتَهُ” في جيبهِ ثم هوى بسوطهِ».
في استحضار السيجارة روائيًا قد يذهب الكاتب إلى تسجيل حالة من التناقض في شخصيته الروائية، وكيف أن فعل التدخين قد يتعارض مع ما تقوله تلك الشخصية. ففي مشهد اقتحام منزل بطلة «حجر الصبر» لعتيق رحيمي، نجد السارد يصف ذلك الرجل المتشدّد الذي يدّعي التديّن وهو يدخن ويتحدث باسم الدين. ونلاحظ أن عتيق رحيمي يصف خروج دخان السيجارة من فم الرجل بالعنف، وهو ما يتوافق مع أفعاله وتصرفاته وأقواله المتشدّدة دينيًا:
«دخان السيجارة يخرج بعنف من فم الرجل الذي يَستمِرّ في التضرّع: “باسم الله!”، يطرد الشيطان، “احفظني من الشيطان!”، يبتلع مِلءَ فمه من دخان السيجارة الذي يخرج مع كلمات مسعورة: “لكن ألا تخجلين من قول هذا؟!”
– مِن قولها أو مِن فِعلها؟
– أنتِ مُسلِمة، أم لا؟!
– أنا مُسلِمة».
وإذا كان عتيق رحيمي قد وصف تدخين شخصيته الروائية بالعنف، فإن محمد حسن علوان في رواية «سقف الكفاية» ينحاز إلى الوصف الشعري، ويأخذه إلى الحالة الحالمة التي ترافق بعض المثقفين عند تدخين السجائر:
«متى يتوقف جرح الرجل عن النزيف؟ ومتى يتوقف هو عن إطفاء سجائره على طريقة مواطنه بلند الحيدري: “سيجارةً في كل جرحِ”؟ أو متى تنتهي السجائر في عُلبة ديار، أو غربة ديار؟ وحده هذا الرجل يعلّمني كيف تطغى الأحزان أحيانًا على حجمنا البشري الضئيل. ».
وقد يكون إشعال أول سيجارة علامةً من العلامات التي يريد الروائي أن يخبرنا بها عن شخصيته. ففي رواية «شارع العطايف»، كانت دلالة هذا الفعل عند ناصر واضحة، سواء في المكان أو في الشخصية المحرّضة على التدخين أو حتى في ردّة فعله:
«دخل هو وفطيس الغرفة المهجورة وأشعل فطيس سيجارة مدّها له، تناولها بكلّ حبور. كانت أوّل سيجارة في حياته. شفط منها شفطتين. أحس بالدوخة ومتعة الاكتشاف».
وقد يجعل الروائي من عادة التدخين أحد طقوس شخصيته، ويذكرها ضمن تفاصيلها وعاداتها. وهذا ما فعله الحبيب السالمي في رواية «روائح ماري كلير»، حيث كان البطل يصف طقوس ماري ويذكر عادة التدخين. لكن المفارقة أن السالمي لم يصف ماري، المسرفة الشرهة في التدخين، سوى مرة واحدة في الرواية:
«قبل أن نقيم معًا كانت ماري كلير تهرع إلى المطبخ منذ أن تفتح عينيها. تتناول فطور الصباح وتدخّن سيجارة أو اثنتين وهي ترتشف قهوتها».
كذلك في «وراء الفردوس» لمنصورة عزالدين نجد أن رشيد له أيضًا طقسه الخاص في تدخين السيجارة:
«اعتاد رشيد الاستيقاظ في الحادية عشرة صباحًا (في الثانية ظهرًا يوم الجمعة)، يدخن سيجارة بمجرد استيقاظه من النوم، بعد نصف ساعة تقريبًا يتناول إفطاره المكون عادة من بيض وفول بالسمن البلدي وجبن قريش وشاي».
والتدخين قد يصبح علامة تعبّر عن الشخصية وعن طباعها. ففي رواية «الوله التركي» كانت بطلة الرواية تصف ذلك الرجل، وكيف راقبت طريقته في نفض السيجارة:
«جلس صاحبُ المحلِّ معنا. كان رجلاً شابّاً، مخمليّ العينين، أزرق المحجرين، وطيّة غاية في النقاء عبر الأهداب. على فمه تعبيرٌ يكادُ يكون طفولياً، يحاول الشاربُ أن يموِّهه؛ قصير الأنف مستقيمه، ساعة بسوار ذهبيٍّ عريض، وخاتمان ثخينان يتناقضان مع يديه الخشنتين والعريضتين اللتين تنفضان السيجارة بحنقٍ في صحنٍ للتخلّص من الرماد».
وسنجد وصفًا آخر مشابهًا لهذا الوصف في رواية «أعلِنوا مولده فوق الجبل» لجيمس بالدوين، حين كان يصف طريقة تدخين “ريتشارد”. وسنلاحظ أن ما يجمع بين طريقتي التدخين في الحالتين هو التوافق بين طريقة التدخين والطباع الشخصية التي تتسم بشيء من الغرابة:
«كان يدخن طيلة الوقت، السيجارة بين شفتيه وهو يجمع الأرقام، وأحيانًا تبقى لتحترق على طاولة المحل بينما يذهب لإحضار البضاعة. وعندما كان يقول صباح الخير أو مع السلامة لشخص دخل أو خرج، كان يقولها دون أن يرفع ناظريه، وبلا مبالاة تكاد تقارب الوقاحة».
أما جون جرايمز، بطل «أعلِنوا مولده فوق الجبل»، الذي يطيل لحظاته في أحلام يقظته ويصنع أمانيه التي تجعله يحلم بحياة أفضل مما كان والده يراه، فإن من ضمن تلك الأماني رغبته في تدخين السجائر، بل وتحديد نوعها:
«كلما رغب. في هذا العالم سيصبح جون، الذي كان، كما يقول أبوه، قبيحًا وأضأل صبي في فصله على الدوام ولا أصدقاء له، سيصبح جميلًا وطويلًا ومحبوبًا في الحال. سيتزاحم الناس لمقابلة جون جرايمز، الشاعر أو عميد الكلية أو نجم السينما؛ سيشرب أغلى أنواع الويسكي ويدخن سجائر “لكي سترايك” في علبتها الخضراء».
كذلك في رواية «غراميات» سنجد هذا الوصف لخابيير مارياس، والذي يمنحنا تصورًا إضافيًا عن تلك الشخصية:
«عاد ليصبح في مستواي نفسه. وضع سيجارة أخرى بين شفتيه، لم يشعلها، صارت تتراقص عندما بدأ الكلام من جديد. لم تكن تخفي فمه، وإنما تُبرزه أكثر».
لكن، في المقابل، نجد حالات تناقض هذا «الامتياز» عن تدخين السجائر والذي يحلم به بطل «أعلِنوا مولده فوق الجبل». وتحديدًا عند الشخصيات غير المدخنة، ففي رواية «على شاطئ تشيسيل» جمع الحب بين «إدوارد» و«فلورنس»، ولكنهما افترقا بعد ساعات قليلة من ليلة الزواج. فقد كانت «فلورنس» تهاب حميمية الجسد، أما «إدوارد» فكان الجاهل الشغوف. كتب إيان ماكيوان روايته بمسحة شاعرية، ومهّد لشخصية فلورنس التي تتهيب الحميميات بأن يجعل عدم تدخين إدوارد إحدى تفاصيل شخصيته التي لا مزايا فيها سوى تلك التفاصيل البسيطة:
«فعليًّا هو الرجل الوحيد الذي لا يدخّن مِن بين مَن التقتهم فلورنس، جواربه جميعها غير متجانسة، ولا يملك سوى ربطة عنق واحدة، ضيّقة وداكنة الزُّرقة، وغالبًا ما يعقدها فوق قميص أبيض. أُعجبت جدًّا بطبعه الغريب، ولكنته الريفيّة الخفيفة، بالقوة الهائلة في يديه، وأجوبته المفاجئة، والاندفاع في حديثه، ولطفه معها، ونظرته إليها عندما تتحدث بحيث تشعر أنه يغلّفها بغيمة حب حنونة من عينيه البنيتين. لم تكن تشكّ لحظة واحدة، وهي في الثانية والعشرين من عمرها، برغبتها في قضاء حياتها مع إدوارد مايهو. كيف يمكنها المخاطرة بفقدانه؟ لم يكن هناك أحد لتتحدّث إليه، ولا تعرف أحدًا آخر تثق به».
كذلك، في رواية «الخيط الرفيع» لإحسان عبد القدوس، يجعل الكاتب من صفات بطله أنه لا يدخن، لذا عُدَّت هذه السمة حالة امتياز يقدّم بها شخصيته للقارئ:
«لا يدخن، ولا يشرب، ولا يسهر، ولا يتردد على مقهى، وكان ينتظره فوق ذلك مستقبل عريض مضمون».
لكن إحسان عبد القدوس يطوّر هذا النموذج الذي لا يدخن بشكل مختلف في عمل آخر، ففي «حتى لا يطير الدخان» سنجد فهمي عبد الهادي رجلًا غير مدخن، إلا أنه يتخذ من تقديم السجائر أسلوبًا للتواصل الاجتماعي وتعزيز تعارفه مع الآخرين:
«كان أول ما يلفت النظر في شخصية فهمي عبد الهادي هو إلحاحه المتواصل عليك حتى تقبل سيجارة يقدمها لك، ثم حرصه على أن يشعل لك السيجارة بولاعة أنيقة يخرجها من جيبه، وهو في خلال الثواني التي يستغرقها في تقديم السيجارة وإشعالها لك يحدثك عن آخر أخبار السجائر، عن ارتفاع أسعارها، أو عن أصنافها الجديدة، أو عن ارتفاع كمية استهلاك السجائر في أمريكا رغم الحملة القومية ضد التدخين، أو… أو… وبعد أن ينتهي من كل ذلك ويعيد علبة السجائر والولاعة إلى جيبه، تكتشف أن عبد الهادي لا يدخن. فإذا أبديت له دهشتك قال وهو يضحك: “إني أكتفي بخدمة مزاج الأصدقاء لأني ولدت بلا مزاج”.»
ويمتد عدم التدخين أيضًا إلى شخصية الجندي في رواية «تأملات في عين ذهبية» لكارسن مكالرز:
«لم يكن الجنديّ وليامز يدخّنُ أو يشرب أو يمارس الجنس أو يقامر. في الثّكنة يظلُّ منعزلًا، فكان يمثّل لغزًا للبقيّة».
أما في رواية «حضرة المحترم»، فإن نجيب محفوظ يحرص على أن يكون عثمان بيومي غير مدخن، وهذا يتوافق مع جدية تلك الشخصية الطموحة التي تريد المجد الوظيفي. لكننا نلاحظ أن عثمان بيومي، رغم رغبته في مدّ الجسور مع كل من يظن أنه سيساهم في صعوده وترقيته، لم يجامل واعتذر عن قبول السيجارة من صاحب السعادة:
«واقتضى العمل الاتصال المباشر بحضرة صاحب السعادة والاجتماع به ساعة كل يوم وأحيانًا ساعتين، حتى حلَّت الألفة بينهما مكان الكلفة. وامتد الاجتماع يومًا أربع ساعات فأمر له بقهوة، وقدَّم له سيجارة، ولكنه اعتذر شاكرًا لكونه غير مدخن».
وفي هذا الجانب، نلاحظ أن الروائيين عندما يقدّمون الشخصية غير المدخنة، وتحديدًا عندما يعلنون عن عدم هذا السلوك في شخصياتهم، فهم غالبًا ما يقرنون ذلك بأن لدى تلك الشخصية نقصًا ما في المهارة الاجتماعية أو في العادات السلوكية. فعدم التدخين لا يُقدَّم كامتياز في السلوك الاجتماعي، بقدر ما يُستخدم كتعبير عن شخصية لديها بعض الاضطرابات السلوكية أو العادات الغريبة.
في «ثرثرة فوق النيل»، يأخذنا نجيب محفوظ إلى استحضار مختلف، فهو لا يصف حالة التدخين، بل يلتقط آثار تدخين «سمارة» وكيف تعامل أنيس مع تلك البقايا رغم وجود الحشرات الهالكة (الهاموش)، وكيف كان مزاجه بين أثرها وبين ما تضوع من النيل من شذى:
«التقط من نافضة عقب سيجارة من السجائر التي دخنتها في أثناء الجلسة، بقي منها الفلتر البرتقالي وعقب أبيض مضغوط، فتأملها طويلًا ثم أعادها إلى موضعها وسط مجموعة من الهاموش الهالك. وتضوع من النيل شذا مائي ذو نكهة أنثوية، وخطر له أن يتسلى بعدِّ النجوم، ولكن أعوزته الهمة».
لكن الروائي أحيانًا لا يتجه إلى الشخصية المدخنة، بل إلى الأثر الذي يتركه فعل التدخين، وكيف تكون ردة الفعل تجاهه. ففي رواية «نساء صغيرات» للوئيزا ماي ألكوت، نجد شخصية «جوزفين» تتأذى من تدخين الشابين، بل وتصفهما بالتفاهة:
«وتملكني الغضب في أول الأمر، ولكني لم ألبث أن استعدت هدوئي، ولم أبال بما سمعت، فالمربية لا تقل شأناً عن الكاتب أو السكرتير، وقد أكون محرومة من الطراز، ولكني راضية بذكائي الذي لا يستمتع به كثيرون. وإذا كان لي أن أحكم على هذين الشابين المتأنقين، اللذين انصرفا وهما ينفثان الدخان، كأنهما مدخنتان، فليس لدي ما أقول سوى أني أكره التافهين!»
وأيضًا عند محمد حسن علوان، كان بطله «حسان» يصف تأفف «غادة» التي كانت تجاوره في السيارة:
«عندما دخنت في السيارة تأففت. فتحت النافذة ليتسرب الهواء».
السجائر في بعض المشاهد قد تأخذ دلالتها كتعبير عن الثقافة التي تنتمي إليها الشخصيات، إمّا بالرفض أو بالقبول. ففي رواية «البحث عن وليد مسعود» لجبرا إبراهيم جبرا، تحضر السيجارة كدلالة اجتماعية ترافق مشاعر الفرح، وتُقدَّم في سياق من الابتهاج لتشارك الآخرين المناسبة:
«وذات يوم دخل علينا وفتح علبة السجاير، وناول أبي سيجارة، قائلاً: “معزومين عندنا عالفرح الليلة”.
ــــــ “مبروك، مبروك!”
ثم خرج، ودخل بيت الجيران وناولهم سيجارة، وقال: “معزومين عندنا عالفرح الليلة”.
ــــــ “مبروك!”
وذهب من بيت إلى بيت، وهو يوزِّع السجاير، ويقول: “معزومين عالفرح الليلة”.»
في رواية «عودة الروح» لتوفيق الحكيم سنجد مشهدًا لا يكشف فقط علاقة المرجعية الاجتماعية بعادة التدخين، بل وبالأسلوب الذي يُطلَب به أيضًا. ففي ذلك المشهد الطويل، الذي يصف فيه الحكيم مرافقة الطفل محسن لفرقة العوالم لإحياء أحد الأفراح، نرى كيف تُصرِّح «نجية» العوادة علانيةً بطلب السجائر، باعتبارها من متطلبات تلك الفرق:
«ـ آي… بالحق ناس مليانين… بس كان واجب يشوفوا خاطرنا بالسجاير المعتبرة، والدخان اللي يشرح القلب…»
وفي المشهد ذاته، نلاحظ كيف أن قائدة الفرقة، أو كما يسميها «الأوسطى شخلع»، تطلب بأدبٍ من أمّ العروس السجائر، ثم تُدخل إشارة طريفة ذات دلالة، عندما أراد محسن أن يُعامَل معاملة الفرقة في الطلبات. عندها أوصت «شخلع» بأن يُقدَّم له كوب من الشربات بدلًا من السجائر:
«ـ من عيني، محسوبتك يا ست هانم! … بس التخت عايز سجاير… وأنا عايزة فنجان قهوة سادة… واسم الله عليه… وأشارت إلى “محسن”.
وأرادت أن تتم عبارتها، فقاطعها الصغير قائلًا:
ـ أنا زي التخت!
فقالت “شخلع” مستنكرة:
ـ سجاير؟… كله إلا كده!… لأ.
والتفتت بسرعة إلى “أم العروس” وهمست في أذنها:
ـ هو اسم الله كباية شربات!».
أمّا في «عصر البراءة»، فإن تقديم السيجارة من امرأةٍ إلى رجلٍ يرتبط بثقافة المجتمع ومشهديته الأرستقراطية. تصف الساردة المقعد وعلبة السجائر الذهبية وألسنة اللهب في المدفأة، ليأتي الإهداء متوافقًا مع رغبتها في إطالة الحديث مع الرجل الذي كانت علاقتها به آنذاك لا تتجاوز مرتبة الصديق:
«وجلست قرب النار وقالت: “إن نستاسيا ستحضر الشاي في الحال”. وأشارت له ليجلس على مقعده ذي المسندين مضيفة: “أراك قد اخترت زاويتك”. ودفعت نفسها للوراء وعقدت ذراعيها خلف رأسها وأخذت تتطلع إلى النار من تحت جفنين ذابلتين وهي تقول: “هذه…” وأخرجت علبة سجائر ذهبية وقدمت له واحدة، وأخذت لنفسها أخرى، وكان في نار المدفأة ما يشعل اللفيفتين من ألسنة اللهب الطويلة. “إذن بوسع الواحد منا أن يساعد الآخر، إلا إنني أكثر حاجة منك إلى العون، فعليك أن ترشدني إلى ما يجب فعله”.»
وفي «دائرة التوابل» لصالحة عبيد، نجد أن ثقافة المجتمع ونظرته للرجل المدخّن تدفع الشخصية إلى الاختباء بعيدًا عن الأعين:
«ذهبت باكية إلى أحمد، الذي كانت تعرف أنه يختبئ في هذا المنزل الكبير كلَّما أراد أن يُدخِّن بعيداً عن عينَي الأب الواسعتَيْن. تقودها نحوه رائحة التبغ واللسعة اللاذعة المنفِّرة، تأمَّلها “أحمد” طويلاً يومَها، وأجابها بهدوء وهو يَمُجُّ سيجارته».
أمّا بدرية البشر، ففي معظم أعمالها تقرن عادة التدخين بالرذيلة الاجتماعية، ما يجعل حضور السيجارة في نصوصها ثابتًا بنمطيةٍ فنيّةٍ متكررة. ففي رواية «هند والعسكر» نقرأ مشهد البطلة وهي تُمثِّل التدخين، وردّة فعل الأم التي رأت في ذلك سقوطًا أخلاقيًا:
«حملت السيجارة كأنني أمثِّل، لكنه تركني أقرِّبها من فمي فابتسم مستغرباً، سحبت نفساً، ثم نفخت فيها فطار رمادها. في هذه اللحظة دخلت أمي. ضحك فهد وكان يريد أن يقول لأمي إنها مزحة، مجرد مزحة. خفتُ، وكدتُ أن أختنق. حملت أمي فردة حذائه المصفوف عند باب الغرفة ورمتني بها، ثم قالت: “يا خسارة تربيتي فيك، ظننت أنك رجل”.»
وتروي عن أخيها فهد:
«وكانت أمي تنتظر عودته، فشمَّت رائحة سجائر في ثيابه. كان التدخين أمراً مريعاً في ذلك الوقت، فضربته».
وفي «غراميات الأعشى» نجد إشارةً إلى الجانب الصحي للتدخين عبر ربطه بالسعال:
«سمعت قهقهة الفتيان في الجانب الآخر وتصفيقهم، وسعال جارنا مسعود الذي يدخّن».
وفي موضع آخر من الرواية تظهر الدعوات بأن يقلع الزوج عن التدخين، فيما تكشف «حسينة» عن لا مبالاتها بالعُرف الأخلاقي، وترى أن المشكلة ليست في التدخين بل في عشق زوجها للمطربة سميرة توفيق:
«زوجها المتأنّق الذي يركب سيّارة بيوك سوداء، هي أحدث السيّارات في الحارة، ويضع أزراراً ذهبيّة في ثوبه، ويدخّن. تتحسّر أمّي كلّما رأته يمرّ من شارعنا حاملاً في يده سيجارة، وتدعو له بأن يهديه الله ويشفيه من هذا الداء. لكنّ حسينة لا يغضبها أنّ زوجها يدخّن، بل لأنه يحبّ سميرة توفيق».
وتستمر بدرية البشر في ربط التدخين بالوصمة الاجتماعية. ففي مشهدٍ من الرواية، يصف «متعب» صديقه «ضاري» «بأسود الوجه» لمجرّد أنه اشتمَّ منه رائحة دخان:
«في المساء حين وصل ضاري المنزل أخرج علبة الدخان من جيبه، وحفر في الركن الأيمن من الباب حفرة ووضع علبة الدخان وسطها ودفنها ثم دخل. اقترب منه متعب وسأله:
– وين رحت؟
ارتبك ضاري وقال:
– كنت أتمشّى.
فاحت رائحة الدخان من ثوبه، أمسك متعب يد ضاري ورفعها نحو أنفه وقال:
– وصرت تدخّن يا أسود الوجه؟
ثم رفعه من أسفل ثوبه وحمله وهو يرفسه، ثم أخذ حذاءً وبدأ يجلده».
وتنتقل بدرية البشر إلى فضائها النسائي، حيث تُقرن التدخين بالجرأة والتعبير عن الذات. ففي مشهدٍ من «هند والعسكر»:
«دخلت علينا جهير. سكتنا. أخرجت شذا سيجارة من حقيبتها وقالت وهي تنفخ في وجه جهير: “يا أختي، السلام سنَّة”. لم تردَّ جهير عليها، رمقتها بنظرة غاضبة، ثم أخذت شيئاً من درجها وخرجت. ضحكتُ عليها وقلت: “شذا توقَّفي، لا تستفزِّيها!”.
– لا تهتمي لأمرها، سبق لها أن اشتكت من سجائري إلى السيدة المديرة، وهم الآن يبحثون لي عن مكتب مستقل».
وفي موقفٍ آخر:
«في بيتها، طلبت إليَّ شذا أن نجلس في المجلس الخارجي الذي يقع في ركن بعيد في حديقة المنزل لكي تدخن بحرِّية، بعيداً عن والدها الذي يجلس في صالة المنزل ويسمع الأخبار من قناة “العربية”.»
أمّا في «الأرجوحة»، فنجد مشهد المرأة المدخِّنة وقد جُعل التدخين فيه علامةً على الهدوء النفسي، ما يعكس أيضًا اختلاف النظرة للتدخين باختلاف الزمان والمكان:
«دخلت مريم الغرفة 616 في فندق كمبنسكي حيث تسكن سلوى. شاهدتها تفرش سجادتها وتصلي. تساءلت في سرها: في أي وقت تصلي سلوى؟ سمعت مريم حنيناً يشبه تكسر أوراق شجر جافة في وحشة قلبها، وتمنت لو استعادت ذلك الإيمان القديم. سمعت صوت همهمات، طارت عيناها نحو الشرفة. كانت عناب تتحدث بالهاتف، وتدخن وأمامها فنجان شاي. في الشرفة بدت الشمس خجلى، ناعمة، تسكب فضتها في صدر الغيم الخفيف، مبتهجة بصباحها السعيد».
وفي «غراميات الأعشى»، يتجلّى التباين الثقافي حين تُقدَّم السيجارة لـ«مزنة» التي تبدّلت شخصيتها مع التحوّلات الحضارية:
«تغيّرت مزنة بعد زواجها، لكنها احتفظت بألقها ومرحها وإقبالها على الحياة وزينتها. لم تعد تشبه نساء سوق النساء القديم. صارت تلبس ثياباً حضريّة، وقصّت ضفائرها، ووضعت في أذنيها أقراطاً من الزمرّد الأخضر. زرتها فقدّمت لي قهوة سوداء، وأشعلت والدة زوجها أمامي سيجارة، قدّمتها لي قائلة: “بتدخّني؟”».
ومن جانبٍ آخر، لدى الروائية منصورة عزالدين العديد من البطلات المدخّنات، وتحضر مشاهد تدخين السجائر في رواياتها بدلالات متفرقة ومتنوّعة. ففي «جبل الزمرد» نلحظ، في مشهدٍ واحد، كيف تُقدَّم السيجارة من زاوية استهجان المرأة الأخرى لتدخين البطلة، بل لانغماسها فيه بنهم، وكأن السرد يسجّل الانطباع من عين المراقِبة:
«ثم أنزلت لمبة الكيروسين المعلقة بمسمار إلى الحائط، أطفأتها بنفخة من فمها: “نور ربنا كفاية”. نظرتْ إلى السيجارة التي أشعلتُها، وأشاحتْ بوجهها بعيدًا. تشاغلتْ بالعبث في ثنيات ثوبها الفضفاض، وإن ظلتْ تتابعني خلسة، وترمق شعري المتناثر بلا انتظام فوق كتفي، وملابسي القصيرة، ونهمي للسيجارة التي أمتصها».
لكننا عندما نتأمل المدخّنات في روايات الروائية منصورة عزالدين، فإننا نجد أن عادة التدخين تُقدَّم غالبًا بعيدًا عن التأزّم الاجتماعي، باستثناء إشارات عابرة كما في «أخيلة الظل»:
«خرجت إلى الشرفة المظلمة لتدخين سيجارة خلسة بعيدًا عن رقابة أمها. أغمضت عينيها منصتة لهدوء الحديقة محاولةً تجاهل الأصوات الآتية من الداخل. سحبت نفسًا عميقًا من سيجارتها، وحبست الدخان في صدرها لثوانٍ. غارقة في عالمها الخاص، لم تلاحظ أنها لم تعد وحيدة في الظلام».
وأحيانًا تأتي مشاهد التدخين في أجواء من الحميمية أو في حالات الوحدة والتذكّر. ففي «متاهة مريم» مثلًا، يرتبط التدخين بلحظة حميمية مع الآخر:
«كانت عارية لا تزال حين أراحت رأسها على صدره، وسحبت منه سيجارة أشعلها لتوّه لتشاركه تدخينها. يخامره الآن شعور أنهما لم يكونا وحدهما تلك الليلة».
وفي «وراء الفردوس» يصبح التدخين تعبيرًا عن الانغماس في لحظة منسية أو عن انكسار داخلي، حيث تُقدَّم البطلة وهي في طور تحوّل داخلي:
«مخدّرة تمامًا، شرعت في تدخين سيجارة أخرى، وحين أنهتها، حملت حقيبتها ودخلت حجرة النوم».
وسنجد أيضًا أن بطلات منصورة عزالدين يلجأن إلى عادة التدخين كعامل مساعد في التهدئة النفسية، كما في «متاهة مريم»:
«أشعلت سيجارتها بيد مرتعشة وبدأت تدخن علَّها تهدأ قليلًا».
أو في «جبل الزمرد»:
«للحظات غلبتني أنايَ الأخرى، فشعرت بالتوتر وبعض الندم لمجيئي إلى هنا، أشعلت سيجارة ثانية علّها تمدني بالهدوء».
وكذلك في المشهد ذاته من الرواية:
«تخللتُ خصلات شعري الفاحم بأصابعي، ثم أشعلتُ سيجارة جديدة. أسندت رأسي إلى ظهر الكرسي مغمضة عيني لثوانٍ وأنا أنفث الدخان لأعلى».
في الرواية العربية ترتبط المشاهد التي تدخن فيها المرأة غالبًا بالاستنكار الاجتماعي لهذه العادة، وفي جانب آخر تُستحضر كدلالة تمرّد للشخصية. وأحيانًا يتجاوز التدخين كونه حضورًا عابرًا ليصبح ملازمًا للشخصية ومعبّرًا عن تحوّلاتها.
في رواية «جروح الذاكرة» لتركي الحمد، تتحول السيجارة إلى شاهد على تحوّلات شخصية «لطيفة». فهي تسرد مواقفها المتناقضة من التدخين وكيف غدت مدمنة عليه:
«سبحان الله. لو أن أحداً أخبرها قبل عشر سنوات فقط أنها سوف تدخن، لما صدقته. فقد عانقت الأربعين من العمر وهي تكره رائحة الدخان، وكم تعاركت مع صالح على هذه العادة السيئة التي تجعل رائحته ورائحة ملابسه، بل رائحة البيت كله “مخيسة”، كرائحة جرذ ميت، بحسب تعبيرها. فقد نشأت في عائلة لا تدخن، بل إن “التتن” كان من “التابو” المحرم في قريتها، مثله مثل الميتة والدم ولحم الخنزير».
وفي مشهد آخر، تستعيد لطيفة ذكرياتها مع التدخين بشجن وتفصيل، بما يعكس كيف جعل السارد من التدخين سندًا نفسيًا لها في مواجهة المرض، أكثر من كونه عادة مرتبطة بالمزاج الشخصي:
«كانت جازمة بأنها لا تتذكر الحلم كله جملة وتفصيلاً. واليوم لم يبقَ في ذاكرتها من بيروت إلا تلك اللحظات… خلال تلك النزهات تعلمت التدخين، ودخنت أول سيجارة في حياتها وهي التي كانت لا تسمي الدخان إلا بالمخيس. أعطتها هيفاء أول سيجارة في حياتها، وكانت سيجارة مارلبورو أحمر. فهي تذكر ذلك جيداً، ولكنها لم تستطبها ولم تدخن بعدها أي سيجارة أخرى إلا بعد عدة أسابيع، ثم أخذت في التدخين اليومي… كانت تحس براحة عجيبة وهي ترى سحب الدخان تصدر كثيفة من صدرها وتتلاشى في الهواء من حولها، فتحس أن أشياء كثيرة خرجت من صدرها مع الدخان، وتلاشت في الفضاء المحيط».
ويمضي السارد ليكشف عن موقف الزوج «صالح» من عادة لطيفة الجديدة. فهو يتأرجح بين محاولته اللطيفة للتقارب معها وبين قناعته الراسخة التي ترفض الفكرة:
«تقدم منها صالح وهو يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، وجلس بجانبها بهدوء، وأخرج علبة سجائره وأشعل واحدة، ولأول مرة يمد يده بالعلبة إلى لطيفة. كان يعلم بطبيعة الحال أنها تدخن، ولكنه كان دوماً يبدي لها امتعاضه من منظرها وهي تدخن… غير قادر على تصور امرأة نجدية تدخن، بل إن تدخين المرأة ارتبط في ذهنه بالمومسات».
أمّا «هيفاء»، الشخصية النسائية الأخرى في الرواية، فقد جعل السارد تدخينها عادة روتينية غير مثقلة بالرمزية:
«وتشعل هيفاء سيجارة أخرى تمتصها حتى منتصفها».
«قالت هيفاء ذلك وهي تمتص آخر نفس من السيجارة».
وفي مشهد آخر: «أشعلت لطيفة سيجارتين، وأعطت واحدة لهيفاء».
وفي بيئة اجتماعية مختلفة، يستحضر محمد النعّاس في روايته «خبز على طاولة الخال ميلاد» تدخين المرأة بطريقة تتناسب مع شخصية ميلاد وعلاقته بزوجته زينب:
«ضحكتْ زينب بعد أن تخلّصت من زرّ الجاكيت، وانغمست في كرسيّها، امتدّت يدها إلى علبة سجائري الموضوعة تحت مسجلّة السيّارة وأشعلت سيجارتها… كانت تفعل ذلك كلّما ركبت السيّارة بعد يوم عملٍ طويلٍ ومؤلمٍ لظهرها، تذوب في الكرسيّ وتنتظر أن ندخل شارعًا شبه مهجور ثمّ تطلب منّي أن أشعل سيجارةً».
أمّا غازي القصيبي في «شقة الحرية» فيرسم صورة مغايرة، حيث تأتي المرأة المدخّنة كشاعرة ومتمرّدة، وتبادر بتقديم السيجارة للرجل، في مشهد يتناغم مع الخطاب الكلاسيكي الذي يربط بين التحرّر النسائي والتدخين:
«جاء الجرسون، وقالت له ليلى ببساطة: ـ اثنين بيره من فضلك. بدت الدهشة على وجه فؤاد. ثم فتحت حقيبة يدها وأخرجت علبة “كنت” وقدّمت له سيجارة، وأشعلتها، ثم أشعلت سيجارتها، ونفثت الدخان. لاحظت دهشته فضحكت: ـ ايش فيك؟ ليكون اخوانجي؟! هل أصبح كلّ الذين لا يدخنون ولا يشربون هذه الأيام من “الإخوانجية”؟
أجابها: ـ لم أتعوّد على السجائر ولا على البيرة. ثم استدرك: ـ إلاّ في المناسبات الخاصة.
ـ وهذه، بطبيعة الحال، مناسبة خاصة؟
ـ بطبيعة الحال!».
والنموذج الآخر لتدخين المرأة، والذي يماثل نموذج «لطيفة» في جروح الذاكرة، هو نموذج «عائشة أحمد عبد الجواد» في الثلاثية. ففي الأجزاء الثلاثة جميعها، شكّلت علاقة عائشة بالسيجارة دلالةً وشاهدًا على تحوّلات شخصيتها. واللافت للنظر أنّ أحمد عبد الجواد، «سي السيد» بطل الثلاثية، لم يكن شخصية مدخّنة. فبرغم سهراته ونزواته واحتسائه الخمر، إلا أنّ نجيب محفوظ لم يجعله يومًا رجلاً يدخّن. وكذلك لم يكن «ياسين» مدخّنًا، وحتى «كمال»، على الرغم من تطرفاته المشتّتة بين الفكر والعشق، لم يمارس عادة التدخين.
وقد يكون هذا الاختيار مقصودًا؛ فلعل محفوظ أراد أن يُظهر «أحمد عبد الجواد» رجلًا انتقائيًا، يتخيّر نزواته كما يتخيّر عاداته، فيفضّل الخمر على التدخين، أو ربما لأن التدخين لم يكن سلوكًا مفضّلًا اجتماعيًا آنذاك، أو لم يكن بعد قد صار عادةً شائعة. غير أنّ ما يلفت الانتباه هو إدخال محفوظ عادة التدخين إلى حياة شخصية نسائية، وهي «عائشة»، وكيفية توظيفه لذلك التحوّل ضمن تطوّرها الحياتي.
فعندما تزوجت «عائشة» من إبراهيم شوكت، وهو رجل من أصول تركية، أصبحت امرأة مدخّنة. وقد قوبل ذلك باستنكار شديد من قبل الست أمينة، ومن خديجة التي رأت أن زوج أختها هو السبب في انجرارها إلى هذه العادة. وهنا يظهر مقصد محفوظ؛ فبما أنّ «عائشة» تأثرت بعادة زوجها، فإن حياتها الزوجية كانت مختلفة تمامًا عن النمط المألوف داخل بيت عبد الجواد. ولو أنّ والدها كان مدخّنًا، لما اتخذ تحوّلها هذا دلالة فارقة أو استثنائية، ولما استحقّت هذه المغايرة التوقف عندها، كما قال «ياسين» متهكّمًا: «عائشة أصبحت شوكية»، في إشارة إلى تشربها بطقوس آل شوكت الأتراك.
لكن تدخين «عائشة» لم يكن محصورًا في هذا الجانب الاجتماعي. فقد مهّد له نجيب محفوظ بلقطة رمزية تتسم بالخجل والتمنّع، حين عرض عليها إبراهيم السيجارة للمرة الأولى:
«قال إبراهيم ذلك وهو يهز رأسه باسمًا أيضًا، ثم أخرج من جيب معطفه الأسود علبة سجائره، ونهض متجهًا إلى أخيه فقدمها له فتناول خليل سيجارة، ودعا عائشة لتتناول واحدة، ولكنها رفضت ضاحكة، وأومأت إلى الباب الذي توارت وراءه خديجة، وهي تقول:
– خلِّ الساعة تمر بسلام».
وفي مشهد لاحق، تستغل «خديجة» إحدى لحظات الخلاف لتشي بأختها أمام والدتهما، ولكن محفوظ لا يكتفي بمجرد الوشاية، بل يجعل خديجة تروي فعل التدخين نفسه بتفاصيله، لتجعل القارئ يرى «عائشة» وهي تدخن:
«إني أعني كل كلمة قلتها… نعم، ها أنتِ تدهشين! أكرر على مسمعكِ أن عائشة تدخن، وأن التدخين صار لها كيفًا لا تملك الامتناع عنه… رأيتها بنفسي وهي تأخذ النفَس وتخرجه من فمها وأنفها، أنفها أتسمعين؟».
وحين ننتقل إلى موقف الست أمينة، نلاحظ مقدار الحكمة في تعاطيها مع هذه الوشاية، على الرغم من قناعتها بأن التدخين عادة قبيحة، وهي تشير إلى أن أحمد عبد الجواد «لم يدخن قط»، لكنها أيضًا تدرك واقع الحياة الجديدة التي دخلتها ابنتها:
«ساد الصمت، وبدت أمينة في حيرة شائكة، غير أنها صممت على خطة التهدئة التي التزمتها، قالت:
– التدخين عادة قبيحة بالقياس إلى الرجال أنفسهم، أبوكِ لم يدخن قط، فماذا أقول عنه بالنسبة للنساء؟! ولكن ما القول أيضًا إذا كان زوجها هو الذي أغراها به؟ إنها لزوجها لا لنا، ولم يبقَ إلا النصح إن كان يُجدي».
وبمرور الوقت، تتحوّل السيجارة من عادة مكتسبة عند «عائشة» إلى رفيقة دائمة، بل وتصبح رمزًا لمكابدات الحزن والوحدة. في أحد المشاهد:
«وأشعلت عائشة سيجارة وأخذت نفسًا عميقًا، وجعلت أمينة ترنو إلى الدخان وهو ينبسط سحابة خفيفة فوق المجمرة، وانبعث من الراديو صوت يغني: “يا عشرة الماضي الجميل يا ريت تعودي”.»
وحين تُفجع «عائشة» بموت ابنها، يظهر التدخين كواحد من طقوس الحزن التي تلجأ إليها النفس اتكاءً على رتابة العادة للتخفف من ثقل المصاب:
«وأخرج إبراهيم شوكت علبة سجائره وقدمها لعائشة، فتناولت سيجارة شاكرة… أما أمها فتقنع بأن تقول في لهجة دعاء: “ربنا يصبرها”.»
وفي مشهد ولادة ابنتها «نعيمة»، نجد السيجارة ملازمة لحالة القلق والاضطراب:
«كانت عائشة تدخن سيجارة في سرعة وقلق، على حين راحت عيناها تجولان في المكان في اضطراب عصبي».
وفي مشهد آخر، يربط محفوظ التدخين باستدعاء الذاكرة وما فيها من أشجان:
«وجعلت عائشة تدخن سيجارتها وتصغي إليه. هذا الغناء الذي كانت تحبه… بل إنها لتتساءل أحيانًا: أكان هذا الماضي حقيقة لا حلمًا؟».
لقد قدّم نجيب محفوظ عادة التدخين عند «عائشة» في مسار متدرّج: من عادة جديدة إلى طقس حياتي، ثم إلى رفيقة حزينة تُستدعى في العزلة وتستبطن الذكرى. ومن فتاة محبّة للغناء والأنس إلى أمّ مكلومة، لم يكن التدخين مجرّد سلوك مكتسَب، بل أصبح رمزًا لانكساراتها ومرآةً لتحوّلاتها النفسية. صارت السيجارة رفيقة لها في لحظات الوحدة واستدعاء الذكريات الحزينة.
قد تأخذ حالة التدخين بُعدًا يجمع ما بين الطرافة وقراءة الذهنية الذكورية في التعاطي مع امرأة جميلة مدخّنة. ففي فيلم مالينا (2000) من إخراج جوزيبي تورناتوري، حين أخرجت مالينا سيجارة، تدافع الرجال المحيطون بها بشكل مبالغ فيه، يتسابقون لإشعالها لها، كلٌّ يحاول أن يكون الأسرع في تقديم الولّاعة أو عود الثقاب.
وهذا التعاضد الذكوري في إشعال سيجارة لامرأة جميلة يلقي بظلاله على بطل رواية هما لغازي القصيبي، الذي رأى امرأة أخرجت سيجارتها واستدارت نحوه وسألته برقة:
«هل لديكم كبريت؟»
لكنه اعتذر لأنه غير مدخّن. غير أن رجلًا كان يراقب المشهد من طاولة بعيدة اقترب من الحسناء وأشعل سيجارتها بعود كبريت. شكرته الجميلة، وتبادلا الحديث، ثم انتقل من طاولته إلى طاولتها، وغادرا المقهى معًا. هذا الموقف جعل البطل يحمل علبة كبريت أينما ذهب، والمفارقة أنّه أصبح مدخّنًا بعد ذلك الموقف:
– هي: تقصد أنّك تحمل علبة كبريت حتى تكون مستعدًا، دائمًا وأبدًا، لإشعال سيجارة امرأة جميلة؟
– هو: نعم.
– هي: وهل حدث أن استخدمت الكبريت لهذا الغرض؟
– هو: لا.
– هي: ولكنك لا تزال تحمل العلبة؟
– هو: ما دامت هناك حياة فهناك أمل.
في لحظة اكتشاف عادة التدخين لدى الابن، استثمرها الروائيون بوصفها مشهدًا كاشفًا. حيث تأخذ المواجهة في المشاهد التي يكتشف فيها الأب تدخين ابنه حيّزًا مهمًّا في هذا السياق، وهي في الغالب لا تتعلّق بفعل التدخين بحد ذاته، بل تُقدِّم من خلال تلك اللحظة ملامح شخصية الأب، كما تُضيء طبيعة العلاقة بين الطرفين.
في رواية السراب لنجيب محفوظ، نجد أن «كامل رؤبة لاظ»، الذي كان يعيش مع أمّه، حين قرر الزواج توجّه إلى والده لطلب مشورته، رغم القطيعة والتباعد الطويل بينهما. وقد تأمل والده باندهاش كما لو أنه يراه لأول مرة:
«ثم تأملتُ بعين الاستغراب الحقيقة الماثلة أمامي، وهي أن هذا الرجل هو أبي الذي أوجدني في هذه الدنيا».
ورغم أن الأب كان مدمناً على الكحول، إلا أننا نراه يسأل ابنه عن التدخين، في مفارقة أراد بها نجيب محفوظ أن يبرز انفصال الأب عن الواقع، بل وسخريته من الأولويات، عندما أجابه كامل بالنفي ورأى أن رغبة الزواج هي من تعيب الفتى، وليس كونه مدخنًا من عدمه:
«وتنبه إليّ وسألني للمرة الثانية:
– ألا تدخن؟
فهززت رأسي سلبًا، فقال في تهكُّم:
– نِعْمَ الفتى أنت! لا عيب فيك إلا أنك ترغب في الزواج!»
أما في رواية طوق الطهارة لمحمد حسن علوان، فنجد مشهدًا يعرض المواجهة ذاتها، حين يعلم الأب بأن ابنه «حسان» يدخن. لكن المؤلف يبالغ في ردة فعل الأب، إذ يسافر من السعودية إلى إيرلندا – حيث يدرس الابن في معسكر صيفي – ليفاجئه هناك ويضربه بعلبة السجائر.
ورغم أن لغة الحوار في هذا المشهد بدت ضعيفة، إلا أننا نلمس فيه المواجهة التقليدية التي ترى في التدخين علامةً على انحراف السلوك وفساد الشخصية بحسب تصور الأب. المثير هنا أن الأب يشتري للابن نفس ماركة السجائر التي يدخنها، رغم أن المعلومة التي وصلته من مشرفة المعسكر كانت فقط أن ابنه يدخن، مما يُضعف منطق السرد:
«جبت لك نفس نوع الدخان اللي يعجبك، كينت أزرق، مو؟»
كما بدا الحوار غير متناسب مع شخصية الأب التي وُصفت سابقًا بأنها صارمة، باعتباره ضابطًا عسكريًا متقاعدًا. وعادةً لا يُعرف عن هذا النوع من الآباء الإطالة في مثل هذه الحوارات:
– خذ البكت ودخّن الآن قدامي!
– لا.
(وتضاعفت غزارة الدموع السائلة من عيني).
– ليه ما تدخن؟ مو كويس التدخين؟
– لا.
– ما تبغى تنبسط وتكيف راسك؟
– لا.
أما الروائي الليبي محمد النعّاس، ففي روايته خبز على طاولة الخال ميلاد، فقدّم مواجهة مختلفة مع الأب، لكنها تنطوي على نفس المحور: اختبار التدخين. فالأب، وهو مدخن، يعرض على ابنه السيجارة كنوع من الامتحان لمعرفة مدى تقبله للأمر:
«أجلسني وأخرج سيجارتين، سلّمني إحداهما. كنت ما أزال مراهقًا وقتها. تردّدت يدي في الإمساك بالسيجارة، وظللتُ أنظر إليها متوخّيًا الحذر، فقال لي:
– هاك، دخّن. أن تدخّن أمامي أفضل من أن تدخّن مع أناس لا أعرفهم.
– لا أحبّ التدخين».
لكن الأب، الذي لاحظ اختفاء السجائر من علبته، لم يقتنع بنفي الابن، فقال:
«والكذب حرام أكثر من التدخين نفسه».
وهنا يعترف الابن بأنه كان يسرق سيجارة من حين لآخر:
«كنت وقتها أسرق بالفعل سيجارةً من علبة سجائره. كان يدخّن سجائر سبورت (أو ما أصبحنا نطلق عليه رياضي)».
ويواصل النعّاس وصف المشهد وتفاصيله الدقيقة:
«أشعلتُ سيجارتي ويدي ترتجف أمامه. كان أبي ذلك الرجل الذي قد يتسامح مع أيّ شيءٍ إلّا الكذب والسرقة. راح يدخّن سيجارته وهو يتأمّل المشهد، ونحن جالسان أمام باب الكوشة».
ما يلفت النظر في هذين المشهدين أن الاعترافات تأتي على لسان الراوي ضمن سياق استذكاري، ما يجعل صورة الأب مرتبطة بما تخلقه الذاكرة من تبجيل أو حميمية. كما أن تحديد نوع السجائر يعطي المشهد واقعية وخصوصية زمنية تعبّر عن زمن المراهقة، وتعزّز صدقية البوح.
أما في رواية شارع العطايف لعبد الله بن بخيت، فنجد نموذجًا مغايرًا، لا لأن الأم هي من اكتشفت أن ابنها «ناصر» يدخن، بل لأن تطور سلوك التدخين حدث بتدرج، وكان يُلاحظ عبر تصاعد الرائحة، ثم الانتقال إلى التدخين داخل المنزل، وأخيرًا التدخين العلني. وقد قابلت الأم ذلك بقدر من التغاضي لا يعود إلى جهلها، بل إلى خوفها من فقدان ابنها الوحيد:
«كانت تأخذ إليه في بعض الأحيان الشاي وتضيف القهوة إذا كان عنده ضيوف. بدأت تشمّ رائحة الدخان في البدء، وكان يتذرّع بزبائنه. لكنها بدأت تشمّ الرائحة داخل البيت، ثم بدأ يدخّن في غرفته، وأخيرًا صارت تشاهده يدخّن وهو داخلٌ أو خارجٌ من البيت. لقد انتهى عصر صراع العادات، فتجاهلت الأمر. كانت تعرف أن أولادًا كثرًا يدخّنون، فاعتبرت ابنها واحدًا من هؤلاء. كان كلّ شيء بالنسبة لها أن يبقى إلى جانبها. عذّبتها فكرة فقدانه».
وتسامحُ الأم في هذا المشهد يذكّرنا بتعاطف الأم في رواية خان الخليلي عندما وافقت على رغبة ابنها رشدي في تدخين سيجارة وهو مريض، بينما نجد الأم في رواية الحالة الحرجة للمدعو ك أكثر شدّة في موقفها من تدخين ابنها وتعاطيه معه. وهكذا فإن مواقف الأمهات لا تأخذ شكلًا واحدًا، بل تعود إلى طبيعة شخصية كل أم، ومدى علاقتها بابنها، وإلى الظروف المحيطة بالمشهد الذي تحضر فيه السيجارة.
ومن المفارقات أيضًا في استحضار السجائر ما نجده في رواية حياة باي لـ يان مارتل، حيث كانت الأم، قبل سفرها وإبحارها في السفينة اليابانية من مدينة بونديشيري في الهند إلى كندا، ترغب في شراء سجائر، برغم أنها غير مدخنة، فقط من باب أن ترافقها تفاصيل من حياتها اليومية التي اعتادتها:
«في اليوم الذي سبق رحيلنا أشارت إلى كوخ لبيع السجائر، وقالت: “دعنا نشتري علبة أو علبتين؟”. رد أبي: “يوجد سجائر في كندا. ولماذا تريدين شراء السجائر، نحن لا ندخن؟”
أجل لديهم تنباك في كندا، لكن هل لديهم سجائر “غولد فلايك”؟ هل لديهم آيس كريم “آرون”؟ هل الدراجات الهوائية تحمل اسم “هيروز”؟ هل التليفزيونات “أونيداس”؟ هل السيارات “أمباسادورز”؟ هل المكتبات “هيغنبوثامبس”؟ أحسب أن أسئلة من هذا القبيل كانت تدور في رأس أمي، حين فكرت في شراء السجائر».
التعريف أو التذكير بأنواع السجائر أو ماركات الولّاعات لا يحضر في كل الروايات، وعندما يُذكر اسم النوع الذي تدخنه الشخصية فإن ذكر الماركة أو النوع قد يأخذ أبعادًا مختلفة. ففي رواية جسور مقاطعة ماديسون لروبرت جيمس، كان روبرت كينكيد يدخن سجائر كاميل ويشعل سيجارته بولاعة طراز زيبو. لكن الملاحظ أن المؤلف كرّر ذكر اسم الماركة ست مرات، وهو تكرار بدا زائدًا عن الحاجة. بل إن المؤلف لا يكتفي بذكر ماركة السجائر، بل يضيف إليها ماركة الولاعة: «أمسك لها الولاعة الـ«زيبو» الذهبية».
وفي حالة أخرى، نرى عند عبده خال في رواية نباح أنه، عندما كان بطله في عدن يبحث عن حبيبته وفاء وصادف أحد الشخصيات هناك، يذكر اسم ماركة السجائر التي يدخنها وهي كمران. وهو اسم متوقع لذلك النوع إذ إنها الماركة الشائعة في تلك المنطقة:
«كان متزاحماً بمياهه كتزاحم سماء عدن بغيومها الثقيلة. وكمن كان ينتظر نفقاً ليعبر منه نحو الضوء، حشر كومة من القات المقطوف في شدقه الأيسر، ومزّ سيجارة (ماركة كمران)».
وفي إطار التصوّر النمطي لشخصية المدخن، سنجد أن الروائي سعد الدوسري في روايته الرياض نوفمبر 90 يذكر، في أحد المشاهد، ثلاث شخصيات سودانية يدخنون إحدى الماركات الشهيرة في السودان:
«كانوا قد فرغوا من فطورهم، وأخذوا يدخنون سجائر بنسون الإنجليزية».
والمفارقة أن المؤلف ذكر اسم الماركة في هذا المشهد العابر، بينما بطل الرواية ـ وهو مدخن شره ـ لم يُصرّح الروائي بنوع سجائره.
وكذلك فإن ذكر نوع السيجارة يقدّم إشارة ما، سواء بالقول الصريح أو بالتلميح. وقد تأخذ ماركة السجائر دلالتها الزمنية، وهذا ما نجده في رواية العدامة لتركي الحمد، عندما يذكر سجائر أبو بس التي كانت شائعة في تلك الفترة:
«أجاب دون حماسة ودون تردد أيضاً. وابتسم راشد ابتسامة واسعة، ومدّ يده إلى علبة “أبو بس” وتناول منها سيجارة أشعلها وأخذ منها نفساً عميقاً، ثم نفث الدخان بطرف فيه إلى سماء الغرفة».
وفي رواية تصطفل ميريل ستريب لرشيد الضعيف، نجد أن البطل يتحدث عن نوع السيجارة التي تدخنها المرأة التي ستصبح زوجته فيما بعد، وكيف أن هذا النوع ارتبط تاريخيًا بيساريي الستينيات وأوائل السبعينيات:
«لم تنظر إليّ بعدما قالت ذلك، بل انصرفت بشكل طبيعي إلى جزدانها تُخرج منه علبة سجائر فرنسية، من نوع “غولواز” بدون فيلتر، كان يدخّن منه يساريو الستينيات وأوائل السبعينيات، ونادراً جداً ما أرى أحداً يدخّن منه اليوم. لكنها حسناً فعلت أنها لم تنظر إليّ بعدما قالت ذلك، لأنني لم أستطع أن أُخفي مفاجأتي».
أما بطل رواية التحوّل لميشيل بوتور فيُشير إلى أكثر من نوع: سجائر ناسيونال وأخرى غولواز. لكن ذكره لماركة غولواز لم يستدعِ تلك الإشارة الرمزية التي ذكرها رشيد الضعيف عن الماركة نفسها.
وقد يأخذ السؤال عن ماركة السيجارة حيّزًا من الحوار بين أبطال الرواية، كما في ليلة لشبونة لإريش ماريا ريمارك:
ـ ما نوع السيجارة هذه التي تدخنها؟ إن رائحتها تشبه رائحة السيجار.
ـ إنها فرنسية؛ وقد جلبت معي بعضًا منها من الحدود الفرنسية، إنها هدية من صديق. تبغ فرنسي أسود.
ومن النادر جدًا أن يُسمي المؤلف ماركات السجائر لأكثر من شخصية، لكن في رواية غياب بلانكا لأنطونيو مونيوث مولينا، نجد أن السرد يذكر بوضوح ماركات سجائر الأم والابنة:
«على الرغم من عدم موافقته على شدّة تهكّمها المعتادة على جميع أقاربها، بدءاً من والدتها، وهي أرملة مهيبة تضع رموشاً مستعارة، وتدخّن سجائر ونستون بالغة الطول، ولا تلقي بالاً لأي شيء باستثناء نفسها».
وعن ماركة سجائر الابنة:
«عندما تعرّف ماريو عليها، كانت بلانكا تشرب ستّ كؤوس ڤودكا أو سبعاً يومياً، وتدخّن علبتين من ماركة كاميل».
للأماكن وللظروف الزمنية تأثيرها في أسلوب استحضار السجائر في المشاهد الروائية. فحالة الحرب تجعل من تدخين السجائر أمرًا له خصوصيته، وهذا ما نلاحظه في رواية لا جديد على الجبهة الغربية للروائي إريش ماريا ريمارك، التي تدور أحداثها على جبهة الحرب. هناك يفرض المكان عاداته وأساليبه، حيث تصبح المقايضة في السجائر بين الجنود جزءًا من يومياتهم:
«لكن الأهمَّ من كل هذا هو وجودُ حصةٍ مضاعفة أيضاً من التبغ. لكل واحد عشر قطع من السيجار، وعشرون سيجارة، وقطعتان من تبغ المضغ، شيء مجزٍ جداً. بادلتُ مع كاتشينسكي تبغَ المضغ بسجائره، لتصبح لديّ الآن أربعون سيجارة. ذلك يكفي ليوم كامل».
وفي مشهد آخر، يظهر الاستغراب من عدد السجائر التي يحصل عليها الجندي:
«ما يلفت النظر أكثر من هذا هو عدد السجائر التي تم توزيعها علينا، فقد أخذ كل واحد منا ثلاثون سيجارة، وهو ما لم يحدث من قبل!».
ثم تصبح السيجارة من الأشياء النادرة التي يتقاسمها الجنود المدخنون:
«يقسم كروب سيجارةً، ويناولني نصفها. يحدثنا تيادن عن طبقهم الوطني، فول مع لحم الخنزير المقدد، ويستنكر أن يتم تحضيرها من دون زعتر بري».
وتغدو السيجارة أيضًا من الأشياء الثمينة التي تُهدى:
«علينا التقدم إلى الخطوط الأمامية كي نحفر الخنادق. مع حلول العتمة تصلُ الشاحنات. نصعد إليها. إنه مساء دافئ، والغسق يبدو لنا كغطاءٍ نشعر تحت حمايته أننا على ما يرام. إنه يربطنا ببعضنا البعض، حتى إن تيادن البخيل أهداني سيجارة، وأشعلها لي».
وتصل أهمية السيجارة إلى حدّ أن تُستخدم كوسيلة للرشوة بين الجنود والممرضين:
«أدفع نفسي بسرعة إلى الوسط بينهما، وأقدّم سيجارةً للممرض. يأخذها. عندئذٍ أسأله: “هل يُسمَحُ لك حقاً أن تعطيه حقنة؟” يتضايق: “إذا كنتم لا تصدقون، فما الذي تريدونه مني -” دسست في يده بضع سجائر أخرى. “أسْدِ لنا هذا المعروف -“».
وحين تسوء الأحوال في تلك الفترة الزمنية، ويواجه الإنسان مصيره المجهول، يصبح وجود السجائر نادرًا إلى درجة أن الجنود يتسولون أعقابها:
«لدرجة أن جميعَ من في الثكنة يقومون به معاً. يقفون عند الشبك المعدني، أحياناً يبتعد أحدهم مترنّحاً، فيحلّ آخر مكانه في الصف بسرعة. معظمهم صامتون، قليل منهم فقط يتسولون عقب سيجارة».
قد تُوظَّف مشاهد السجائر في سياقات أعمق من مجرد وصف تدخينها، إذ تتخلق مواقف لها دلالتها الرمزية التي تعكس طبيعة العلاقة بين الأطراف المتباينة والمختلفة، حيث تبدو السيجارة وما يتعلّق بها (عود الثقاب) أداةً رمزية تكشف عن طبيعة العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر. ففي ثلاثية نجيب محفوظ، وتحديدًا في بين القصرين، نتعرّف على مشهد طريف/محرج يعيشه «ياسين» مع أحد الجنود الإنجليز. فالجندي طلب منه عود ثقاب، بينما ياسين لا يدخن أصلًا، مما اضطره إلى التوجّه إلى بائع الفول وشراء علبة:
«ولكن الجندي طلب عود ثقاب وهو يبتسم ـ أجل يبتسم ـ فذهل ياسين لابتسامته حتى استعصى عليه أن يفهم مراده حتى أعاده. لم يكن يتصور أن جنديًّا إنجليزيًّا يبتسم على هذا النحو، أو أن الجنود الإنجليز يبتسمون كسائر البشر ـ أن يبتسم له أحدهم فيما يشبه الأدب. فاستخفه سرور أربكه حتى لبث جامدًا لحظات لا يُحْرِي جوابًا ولا يُبدي حراكًا، ثم توثب بكل ما فيه من قوة لأداء هذه الخدمة البسيطة لذاك الجندي العظيم المبتسم. ولما كان غير مدخن فلا يحمل ثقابًا، فقد بادر إلى الحاج درويش بائع الفول وابتاع علبة ثقاب، وهرع إلى الجندي مادًّا له يده بها، فتناولها الجندي وهو يقول:
ـ أشكرك».
أمّا في السجون، فقد تتولّد خصوصية أخرى لعادة التدخين، وهو ما يؤكده بطل رواية لاعب الشطرنج لستيفان زفايغ ليصنّف السيجارة ضمن الأشياء التي حُرم منها أثناء فترة سجنه الانفرادي، حيث تصبح رمزًا للحرمان من أبسط متع الحياة:
«لم أجد حواليّ إلَّا فراغًا أنا غارق فيه، وكانوا قد أخذوا ساعتي حتى لا أعرف مرور الوقت، وأخذوا قلمي حتى لا أكتب شيئًا، وأخذوا مبراتي حتى لا أستنزف بها دمي، وكان محرّمًا عليّ أن أجد متعة هينة في تدخين سيجارة».
لذا غالبًا لا تكون السجائر متاحة في كل الأوقات، مما يجعل الحصول عليها أمرًا بالغ الصعوبة، فتغدو مهمة تهريبها من أصعب المهام، وهي المهمة التي يتولاها بعض المساجين. ومن أشهر الأمثلة على ذلك شخصية «ريد» في رواية ريتا هيورث والخلاص من شاوشانك (Rita Hayworth and Shawshank Redemption) لستيفن كينغ، وهي الرواية القصيرة التي تحوّلت إلى فيلم شهير عام 1994 بعنوان الخلاص من شاوشانك (The Shawshank Redemption)، حيث كان «ريد» يزوّد السجناء بالممنوعات:
«أعتقد أنه يوجد شخص مثلي في كل ولاية وكل سجن فيدرالي في أميركا، فأنا الشخص الذي يستطيع أن يوفر لك كل ما تريده وفي الوقت الذي تريده، كالسجائر العادية، أو السجائر المحشوة بالحشيش، أو زجاجة من الشراب للاحتفال بتخرّج ابنك أو ابنتك من الثانوية العامّة، أو أي شيء آخر… وبدون سبب».
وفي رواية شارع العطايف لعبدالله بن بخيت، نصادف حوارًا طريفًا بين السجين «شنغافة» وحارس السجن، يتمحور حول طلب سيجارة:
«ازدادت حاجته إلى السيجارة فنهض مرّة أخرى ونادى بأعلى صوته:
ـ يا جندي يا أخينا.
سمعه حسين مرّة أخرى وردّ عليه:
ـ يا أخي يا شنغافة قلنا لك الرجال مهوب فيه.
فقال دون اكتراث لتوسّلات حسين:
ـ خلي ضابط الخفر يجي.
فقال حسين بحسن نيّة:
ـ أشفيك أنت انهبلت؟
فردّ بلا مبالاة:
ـ أنا لازم أشرب سيجارة.
أخذ يركل الباب في سورة من جنون وهو يصرخ: يا جندي!
وأخيرًا تناهى صوت الضابط:
ـ يا شنغافة يا حيوان، اش تبغى؟».
بعد هذه الرحلة الطويلة من التأمل مع هذه العادة السلوكية، ومن تتبع الاستشهادات والاقتباسات من الروايات، تبيّن كيف أنّ التدخين يرد في النصوص الروائية بوصفه أكثر من مجرّد عادة سلوكية. فهو حضور يتقاطع مع خصوصية مكانية وزمنية، كما يتّصل بتصوّر الروائي عن شخصياته. وحين يضع الروائي عادة التدخين كأحد سلوكيات شخصياته، فإن ذلك يأتي ضمن تصور سردي مقنّن، يتدخل في تفاصيلها من حيث الممارسة، أو التأثير على الصحة الجسدية، أو حتى في سياق القناعات الفكرية والاجتماعية.
كما أنني في هذا المقال استبعدتُ الاستشهاد بالتنويعات في ممارسة عادة التدخين، مثل تدخين السيجار أو سجائر الحشيش أو سجائر اللف، واقتصرت الأمر على تدخين السجائر فقط. وقد تفاجأت بأن عادة التدخين ليست بذات الأهمية في كثير من الروايات، بل إن هناك روايات لم تذكر هذه العادة على الإطلاق، وبعضها استحضرها بشكل عابر جدًا.
وقد لاحظتُ أيضًا أنه لا توجد علاقة واضحة بين الروائي وبين عادات شخصياته الروائية؛ فهناك روائيون مدخنون أعرفهم شخصيًا كان حضور عادة التدخين في رواياتهم محدودًا جدًا، بينما نجد روائيين غير مدخنين قدّموا شخصيات روائية مدخنة وشرهة في التدخين.
وأخيرًا، قد يبدو إشعال سجائر الشخصيات الروائية ليس بتلك البساطة السردية التي يظهر عليها، وإنما هو نتاج حياكة سردية تتطلبها نسيج الحكاية في مختلف أبعادها النفسية والاجتماعية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فهرس الروايات الواردة في المقال:
1. حفيدة السيد لين – فيليب كلوديل | 2. الرياض نوفمبر 90 – سعد الدوسري | 3. ارتياب – بدر السماري | 4. حالة تلبّس – يوسف إدريس (من مجموعة لغة الآي آي) | 5. أسطورة 1900 – أليساندرو باريكو | 6. الجوع – كنوت هامسون | 7. الطلياني – شكري المبخوت | 8. خان الخليلي – نجيب محفوظ | 9. جروح الذاكرة – تركي الحمد | 10. الحالة الحرجة للمدعو ك – عزيز محمد | 11. مدام بوفاري – غوستاف فلوبير | 12. حجر الصبر – عتيق رحيمي | 13. سقف الكفاية – محمد حسن علوان | 14. شارع العطايف – عبد الله بن بخيت | 15. روائح ماري كلير – الحبيب السالمي | 16. وراء الفردوس – منصورة عزالدين | 17. الوله التركي –| أنطونيو غالا 18. أعلنوا مولده فوق الجبل – جيمس بالدوين | 19. غراميات – خابيير مارياس | 20. على شاطئ تشيسيل – إيان ماكيوان | 21. الخيط الرفيع – إحسان عبد القدوس | 22. حتى لا يطير الدخان – إحسان عبد القدوس | 23. تأملات في عين ذهبية – كارسن مكالرز | 24. حضرة المحترم – نجيب محفوظ | 25. ثرثرة فوق النيل – نجيب محفوظ | 26. نساء صغيرات – لويزا ماي ألكوت | 27. البحث عن وليد مسعود – جبرا إبراهيم جبرا | 28. عودة الروح – توفيق الحكيم | 29. عصر البراءة – إديث وارتون | 30. دائرة التوابل – صالحة عبيد | 31. هند والعسكر – بدرية البشر | 32. غراميات الأعشى – بدرية البشر | 33. الأرجوحة – بدرية البشر | 34. جبل الزمرد – منصورة عزالدين | 35. أخيلة الظل – منصورة عزالدين | 36. متاهة مريم – منصورة عزالدين | 37. شقة الحرية – غازي القصيبي | 38. ثلاثية نجيب محفوظ – بين القصرين / قصر الشوق / السكرية | 39. هما – غازي القصيبي | 40. السراب – نجيب محفوظ | 41. طوق الطهارة – محمد حسن علوان | 42. حياة باي – يان مارتل | 43. جسور مقاطعة ماديسون – روبرت جيمس | 44. نباح – عبده خال | 45. تصطفل ميريل ستريب – رشيد الضعيف | 46. التحوّل – ميشيل بوتور | 47. ليلة لشبونة – إريش ماريا ريمارك | 48. غياب بلانكا – أنطونيو مونيوث مولينا | 49. العدامة – تركي الحمد | 50. لا جديد على الجبهة الغربية – إريش ماريا ريمارك | 51. لاعب الشطرنج – ستيفان زفايغ | 52. ريتا هيورث والخلاص من شاوشانك – ستيفن كينغ
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




