ألف لودتكهوفريتز كرامر Alf LÜDTKE et Fritz KRAMER
ترجمة: هيا السعدي
مراجعة: محمد بن علي الزهراني
أجرى فولفغانغ سوفسكي، مؤلف كتابي “رسالة عن العنف Traité de la violence“ و”عصر الرهبة L’ère de l’épouvante” مقابلة مع أحد علماء الأنثروبولوجيا والمؤرخين، إذ يشرح لماذا يفضّل التحليل خارج السياق للتكوينات والبنى الخاصة لأعمال العنف بدلًا من البحث عن أسبابه.
صدر المقال الأصلي باللغة الألمانية: فولفغانغ سوفسكي Wolfgang Sofsky، وفريتز كرامر Fritz Kramer، وألف لودتكهه Alf Lüdtke، “أشكال العنف – أفعال وصور Gewaltformen – Taten, Bilder”، الأنثروبولوجيا التاريخية – الثقافة والمجتمع والحياة اليومية Historische Anthropologie – Kultur, Gesellschaft, Alltag, العدد رقم ١٢، ٢٠٠٤م، ص ١٥٧-١٧٨، لُخّص النص ليُترجم، وأُضيفت مقدمة، وملاحظات توضيحية من المترجمين فرانزيسكا هايمبورغر Franziska Heimburger، وسونيا غولدبلوم Sonia Goldblum، وسيسيل لافيرني Cécile Lavergne، وأنطون بيردونسين Anton Perdoncin، (منسّقو العدد رقم ١٩ لمجلة تراسيه Tracés ”وصف العنف Décrire la violence“، التي يمكن الاطلاع عليها على موقع المجلة على الإنترنت: http://traces.revues.org/index4659.html).
أجرى فولفغانغ سوفسكي -كاتب وعالم اجتماع- مقابلة مع المؤرخ ألف لودتكه، وعالم الأنثروبولوجيا فريتز كرامر، عن أطروحاته، والمنهجية التي دافع بها عن اثنين من أبرز أعماله؛” رسالة عن العنف[1]” و”عصر الرهبة”[2]، يرفض سوفسكي البحث عن مسببات العنف، ويُفضّل بدلًا منها وصف أشكال بنى العنف (القتال، والتعذيب، والإعدام، والمجزرة) التي تتميز بمنطقها وديناميكياتها الخاصة، ومن وجهة نظر سوفسكي، فإن الوصف يمرّ بإخراج أشكال العنف من سياقاتها، بغرض استخلاص السمات البنيوية الشاملة لأنماط العنف وأفعاله.
وعلى الرغم من أن أعمال فولفغانغ سوفسكي المبكرة -التي لم تترجم حتى اليوم إلى اللغة الفرنسية- ركزت على مسائل السلطة والقوة[3]، لا سيما في عالم العمل، إلا أنه تحول لاحقًا، تحت تأثير نصوص حنة أرندت Hannah Arendt، إلى البحث في مفهوم “النظام الشمولي” عبر دراسة عالم المعسكرات الاعتقالية l’univers concentrationnaire[4]، إذ لم يكرس سلسلة أعماله بشأن علم اجتماع العنف إلا في وقت لاحق، إذ بدأ رويدًا رويدًا تناول هذا العلم من منظور عام[5]، ثم تاريخي وسياسي[6]، ومنذ عام ٢٠٠١م، ترك مناصبه التدريسية في علم الاجتماع التي شغلها في غوتنغن Göttingen، وإرفورت Erfurt، ليُسخّر نفسه كاملًا لأبحاثه ومنشوراته، ونُشرت الترجمة الفرنسية لكتابه الأخير[7] الذي كان عن العلاقة بين الرّقابة، والحرية، والديمقراطية، في بدايات عام ٢٠١١م.
صُنّفت أعماله حول العنف ضمن الإطار الأكاديمي الذي جدّد المقاربات الاجتماعية للعنف في ألمانيا. ففي ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، ركّزت أغلب دراسات علم الاجتماع على تحليل عنف الدولة، وعلى ممارسة احتكار العنف الجسدي المشروع، انطلاقًا من المنظور الويبرِي (wébérienne)، إلى جانب الاهتمام بـ العنف البنيوي.
غير أنّ التحول الأول في هذا الحقل برز خلال الثمانينيات، حيث اتجه التركيز نحو تحليل العنف الفردي، وظواهر الفوضى والانحراف والتطرف. أما التسعينيات في ألمانيا، فقد تميّزت بـ عودة العنف المعادي للأجانب، ما حفّز الباحثين على دراسة العلاقات بين الشباب والعنف من جهة، وبين وسائل الإعلام والعنف من جهة أخرى. وفي الفترة نفسها، أعاد عدد من الباحثين، من بينهم سوفِسكي (Sofsky)، قراءة نصوص كلاسيكية لكلٍّ من ميشيل فوكو (Michel Foucault)، ويوهانس بوبيتز (Johannes Popitz)، وإلياس كانيتي (Elias Canetti)، مستفيدين من مقارنتها مع حقول أخرى، ولا سيّما الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا، في سبيل اقتراح برنامج بحثي جديد. وقد عبّر هؤلاء عن اعتراضهم على الدراسات التقليدية للعنف، متهمين إيّاها بأنها انشغلت بتحليل الأسباب على حساب تحليل مناهج وأفعال العنف ذاتها، وكذلك العلاقة بين الحداثة والعنف.
إذن، لا غرابة في أن يتخذ الحوار بين فولغانغ سوفكسي ومحاوريه الاثنين منحًى معرفيًّا ومنهجيًّا، إذ يُعدّ المؤرخ ألف لودتكه[8] إحدى الشخصيات البارزة في “تاريخ الحياة اليومية Alltagsgeschichte”، وهو التيار التأريخي الذي تشكّل بغرض بحث وتفسير انصياع الطبقة العاملة للأنظمة الاستبدادية (النازية خصوصًا)، والذي كان يعد أرشيفًا للممارسات، لا سيما تلك التي في العمل[9]، ولقد أصرّ ألف لودتكه مرات عدة خلال المقابلة على أهمية البحث الدقيق في الممارسات التي يتكشّف فيها العنف، وهو الجانب الذي تغاضى عنه سوفسكي متعمّدًا، كما أبدى عالم الأنثروبولوجيا فريتز كرامر[10] اعتراضاته على لودتكه بشأن أهمية دراسة ممارسات الأطراف الفاعلة المنخرطة في آليات العنف وتصوراتها، كما شكّك في النطاق العالمي لتصنيفات سوفسكي التحليلية، وتساءل عن وضع المفاهيم المستخدمة من سوفسكي (مثل الاستعارات، والنماذج المثالية، إلخ).
تتسم استراتيجيات سوفسكي في الكتابة بمحاولة إغراق القارئ في العنف الموصوف، والنتيجة أنها تكون ذات أسلوب كتابي ديناميكي قد يعده البعض فظًّا، إذ يستخدم صورة الصيد مثالًا لشرح كيفية حدوث المجزرة بعد المعارك حين يحدث الاشتباك في المطاردات، ولكن هذه الكتابة “التصورية”، هي أيضًا كتابة خيالية تمحو الحدود بين الكتابة الاجتماعية والكتابة الروائية، لتجعل القسوة والعنف الشديد ملموسين للقارئ، وأخيرًا، تنخرط كتابته مع ذكرى العنف التي تلعب فيها العلوم الاجتماعية دورًا رئيسًا؛ إذ تعتمد استراتيجيات الكتابة المقبولة على العلاقة الأخلاقية التي تربط المجتمع المتلقي بذاكرة الظواهر قيد الدراسة. عندما انتقد سوفسكي في تحليله لمعسكرات الاعتقال النازية أكثر أشكال الإبادة الجماعية إنكارًا وتسترًا، وتجاوز مسألة تأنيب الضمير أمام صمت السكان، والجرائم التي ارتكبها الجيش الألماني، اتُّهم بانعدام الأخلاقية وبالافتتان المرضي بالعنف، وهي طريقة ملائمة لإبعاد كتاباته عبر تشويه سمعتها. ومع ذلك، تظلّ هناك حاجة ملحّة إلى إيجاد لغة قادرة على وصف العنف، وعلى التعبير عن الظواهر التي تبلغ حدَّ عدم الاحتمال، تلك التي تعمل عند تخوم الجسد، وحدود الحياة والموت (انظر تعليقات ألف لودتكه أدناه). فغياب هذه اللغة يعني، منذ البداية، الاستسلام للتصور السائد القائل بعدم إمكانية فهم العنف المتطرف.
[1] وولفغانغ سوفسكي، رسالة عن العنف، باريس، غاليمار، ١٩٩٨م. النص الأصلي الألماني: وولفغانغ سوفسكي، رسالة عن العنف Traktat über die Gewalt، فرانكفورت لدى ماين Frankfurt am Main، س. فيشر S. Fischer، ١٩٩٦م.
[2] وولفغانغ سوفسكي، عصر الرهبة. جنون قاتل، إرهاب، حرب L’ère de l’épouvante. Folie meurtrière, terreur, guerre، باريس، غاليمار، ٢٠٠٢م. النص الأصلي الألماني: وولفغانغ سوفسكي، عصر الرهبة. جنون قاتل، إرهاب، حرب Zeiten des Schreckens. Amok, Terror, Krie، فرانكفورت لدى ماين، س. فيشر S. Fischer، ٢٠٠٢م.
[3]وولفغانغ سوفسكي، الثورة واليوتوبيا, ملاحظات حول نظرية التحرر في الرأسمالية المتقدمة Revolution und Utopie. Bemerkungen zur Emanzipationstheorie im fortgeschrittenen Kapitalismus. فرانكفورت لدى ماين، دار نشر ماكول فيرلا Makol Verl , 1971م: وولفغانغ سوفسكي، نظام المواقف الاجتماعية. دراسات حول نظرية طرق وهياكل التجربة الاجتماعية والتفاعل Die Ordnung sozialer Situationen. Theoretische Studien über die Methoden und Strukturen sozialer Erfahrung und Interaktion, أوبلادن Opladen, ويستدي Westdt, فيرلا, 1983م: رينر لوفلر Reiner Loeffler, وولفغانغ سوفسكي, السلطة, العمل والإنسانية: حالات أمراض العمل المنظمة Macht, Arbeit und Humanität: zur Pathologie organisierter Arbeitssituationen, غوتينغن Göttingen, دار نشر يورغن كروم Jürgen Cromm 1986م.
[4] وولفغانغ سوفسكي, منظمة الإرهاب. معسكرات الاعتقال L’organisation de la terreur. Les camps de concentration“، باريس، دار نشر كالمان ليفي Calmann-Lévy، 1995م. النص الأصلي الألماني: Die Ordnung des Terrors. Das Konzentrationslager,فرانكفورت لدى ماين, س. فيشر,1993م.
[5] رسالة عن العنف,مرجع ذكر سابقًا.
[6] عصر الرهبة. الجنون القاتل والإرهاب والحرب، مرجع ذكر سابقًا.
[7]وولفغانغ سوفسكي، المواطن الزجاجي. بين المراقبة والاستعراض Le citoyen de verre. Entre surveillance et exhibition، باريس، دار نشر لارنه L’Herne، 2011م. النص الأصلي الألماني, Verteidigung des Privaten: Eine Streitschrift,München ميونيخ: دار نشر س.هـ.بيك C. H. Beck، 2007م.
[8] يدرّس في جامعة غوتنغن Göttingen وجامعة إرفورت d’Erfurt، وهو مؤلف كتاب “ديس أوفيرز دانز لالمان القرن العشرين. Des ouvriers dans l’Allemagne du XXe siècle” وكتاب بعنوان الحياة اليومية للريكتاتوريين Le quotidien des dictatures، باريس، L’Harmattan هارماتان، 2000م.
[9] يُنظر على وجه الخصوص Alf Lüdtke En route pour les ténèbres? ألف لودتكهه،” في الطريق إلى الظلمات؟ Expérience de l’altérité et reconstitution historienne تجربة الآخرين وإعادة البناء التاريخي”، في أ. أربوريو وآخرين، في A. Arborio et al (eds.) ،Observer le travail. التاريخ والإثنوغرافيا والمقاربات المشتركة Histoire, ethnographie, approches combinées، باريس، La Découverte الاستكشاف، 2008م، ص 185-200.
[10] أثمرت أعماله الميدانية في غينيا الجديدة وكينيا والسودان والهند عددًا من المنشورات التي لم تترجم إلى الفرنسية، بالإضافة إلى مجموعة من المقالات الألمانية الأنثروبولوجية منها: فريتز كرامرFritz Kramer، “مؤلفات في الأنثروبولوجيا Schriften zur Ethnologie، سوركامب فيرلاغ Suhrkamp Verlag “، Frankfurt am Main فرانكفورت أم ماين، 2005م.
——————-
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة La Vie des Idées).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




