ترجمة: فتون العسيري
كان روين أوجين يدافع عن الحد الأدنى من الأخلاق، عادًّا أن ما يمكن حظره حظرًا مشروعًا هو إلحاق الأذى بالآخرين، عدا ذلك، فيجب السماح للأفراد بعيش حياتهم كما يشاؤون. فوفقًا له، الأخلاق لا تكون ذات معنى إلا إذا كانت محدودة.
حول: روبرتو ميريل “Roberto Merrill” تحت إشراف باتريك سافيدان “Patrick Savidan“، عن الحد الأدنى من الأخلاق: مقالات لروين أوجين، باريس، Édition Raison publique”“، 2018م. صفحة ٢٦٨، 14 يورو.
“من يمكنه فعل الأكثر يمكنه فعل الأقل”. لا يؤكد تلقي نظرية الحد الأدنى من الأخلاق الذي دافع عنه روين أوجين صحة القول المأثور. غير أن هذا التلقي يُولد نقاشًا مهمًّا ومثيرًا عن الظروف التي يمكن من خلالها أن تخدم المعايير والقيم الأخلاقية مشروعًا سياسيًّا محررًا.
تُوفي الفيلسوف روين أوجين في الرابع من شهر مايو عام 2017م، بعد سنوات من محاربة السرطان، وكتابة كتابه ألف ليلة وليلة “Mille et une nuits“. في هذا العمل الأخير، تقدم تجربته الشخصية مع المرض “كدراما وكوميديا” نقدًا قويًّا ولاذعًا للفضائل التكفيرية المرتبطة عادةً بالمرض وعلاجه في المؤسسة الطبية. فاكتشف بعض الذين خاضوا تجربة مماثلة خطابًا غير تقليديّ عن المعاناة، بل أيضًا صوتًا فريدًا في المشهد الفكري الفرنسي. بالنسبة لأولئك الذين كان يرافقهم هذا الصوت بالفعل، أعاد النقد المزدوج “لتمجيد الألم” والأبوية، إحياء الأسلوب والموضوعات المميزة للمشروع الفلسفي الذي بُني وتُوحد وصُقل تدريجيًّا حول أطروحة أو موقف بات يحمل الآن اسم روين أوجين: الحد الأدنى من الأخلاق. “الإفراط في الأخلاقيات يقتل الأخلاقيات”، عبارة تختصر تلك الأطروحة، وهي عنوان الجزء الأول من كتاب الهلع الأخلاقي “La panique morale” الصادر عام 2004م. لكن ماذا يقصد بذلك بالضبط؟
أساسيات الحد الأدنى من الأخلاق
قد نميل في البداية إلى عدّ الحد الأدنى من الأخلاق نظريةً معيارية أخرى تُضاف إلى النظريات الثلاث السائدة؛ أخلاقيات الفضيلة المستمدة من أرسطو “Aristote“، والأخلاق الواجبة المرتبطة عادةً بكانط “Kant“، والعواقبية، التي تمثل النفعية أشهر نسخة منها. مع ذلك، تبدو طموحاته أكثر تواضعًا؛ فهو يسعى إلى اقتراح طريقة مبتكرة لتصنيف هذه النظريات مع نقيضها الحد الأقصى من الأخلاق، ومن ثم، استقطاب تاريخ الفلسفة الأخلاقية، حيث تعطي تطوراته الأخيرة “انطباعًا بأنه يتلخص في الكفاح ضد الحد الأدنى من الأخلاق[1]“. ونظرًا للروابط الوثيقة بين الأخلاقيات المعيارية والأخلاقيات الملموسة، فإن الأمر يتعلق أيضًا بالتدخل في النقاش العام والتشريعي في القضايا الاجتماعية الأكثر إثارة للجدل اليوم، والتي غالبًا ما تنتهي بخسارة الحد الأدنى من الأخلاق. لذلك، يحمل هذا الحد الأدنى من الأخلاق بُعدين: إرشاديًّا وجدليًّا، تُؤكده حقيقة أنه يتضمن تفسيرًا للنظريات السائدة، أو المؤلفين المرجعيين، حيث يضع أخلاقيات الفضيلة والأخلاق الواجبة في الإطار “المتطرف” ذاته، في حين يَعدّ النفعية أكثر تلبية لمبادئ الحد الأدنى من الأخلاق. ما هذه المبادئ؟
يُعدّ مبدأ عدم إلحاق الأذى بالآخرين أكثر المبادئ الأخلاقية حسْمًا، ويمكن اعتباره الحدَّ الأدنى من الأخلاق. يستمد هذا المبدأ جذوره من الفلسفة السياسية لـ جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill) كما شرحها في كتابه عن الحرية (La liberté) عام 1859م، إلا أنّ جذوره الأقدم تمتد إلى قسم أبقراط (Hippocrate)، كما يظهر أيضًا في نصيحة ميشيل دو مونتين (Montaigne) التي تدعو إلى “تجنّب القسوة”.
يرى أوجين أن هذا المبدأ وحده يمتلك قيمةً أخلاقيةً عالمية، غير قابلةٍ للجدل إذا فُسِّر تفسيرًا دقيقًا، وهو لا يستند إلى أي التزامٍ وجودي أو ميتافيزيقي أو ديني، ومن ثمّ فهو المبدأ الوحيد القادر على إضفاء الشرعية على أحكامنا الأخلاقية بشأن السلوك الفردي، وليس العام فقط. وباختصار، ما دام الأفراد لا يُلحقون الأذى عمدًا ومباشرةً بشخصٍ آخر، فليكن لهم مطلق الحرية في أن يفعلوا ما يشاؤون بأنفسهم وبحياتهم.أما فيما عدا هذا المبدأ، فجميع القواعد الأخرى التي تدّعي تنظيم سلوكنا أخلاقيًّا لا تعبّر سوى عن أعرافٍ اجتماعية وثقافية ذات صلاحيةٍ محليةٍ ونسبية، حتى وإن استحضرت “القوانين الطبيعية” الثابتة لتبريرها. فقد تفسّر تلك القواعد عدم توافق بعض سلوكاتنا هنا أو هناك، لكنها لا تبرّر وصف أصحابها بالظلم.
إن قبول مبدأ عدم إلحاق الأذى بالآخرين يكفي للاعتراف بأن الحد الأدنى من الأخلاق يمثل مفهومًا معياريًّا متكاملًا للأخلاق، ويمكن بالمقارنة مع المفاهيم المعيارية المنافسة، وصفه مجازيًّا بأنه “فقير” أو “انكماشي”. ماذا يعني هذا؟ يمكن تصنيف نظرية أخلاقية تحت هذا الوصف لثلاثة أسباب تتوافق مع العدد نفسه من خصائص الأخلاق: إما أن تلك النظرية تضعف سلطة الأخلاق بتأكيد أنه ربما من المعقول عدم احترام أوامرها دائمًا، وإما أنها تخفف من صرامة الأخلاق بالقول إن مبادئها لا تتعارض جوهريًّا مع رغبات الأفراد أو مصالحهم أو مشاريعهم الشخصية، وإما أنها تحد من نطاق الأخلاق بحجة أن بعض الأفعال البشرية الطوعية تقاوم التقييم الأخلاقي[2] لأسباب منطقية أو مفاهيمية. هذه الطرائق الثلاث لتقليص متطلبات الأخلاق مستقلة. وفقًا لروين أوجين، يتمثل الحد الأدنى من الأخلاق في الطريقة الأخيرة فقط، ويهدف إلى تقليص توسع نطاق الأخلاق.
يُقدم الكتاب الجماعي، الذي شارك في تحريره روبيرتو ميريل “Roberto Merrill” وباتريك سافيدان “Patrick Savidan“، عرضًا ومناقشة نقدية للحد الأدنى من الأخلاق بهذا المفهوم، أي الذي، كما هو موضح في التمهيد، يسعى دومًا إلى «الوقوف إلى جانب أولئك الذين يطالبون بالحق في أن يكونوا أحرارًا». يشارك في الكتاب نحو عشرين كاتبًا وكاتبة ذوي مكانة غالبًا ما تكون دولية، وقد أتيحت الفرصة لكثير منهم للعمل بشكل وثيق مع رُوين أوجين، ولا يتفقون دائمًا مع الوسائل والتبعات الفلسفية للدفاع الجذري عن هذا الحق. في المقالة الطويلة غير المنشورة التي تفتتح الكتاب بعنوان “الأخلاق المفقودة”، يذكر أوجين أن بعض “تداعيات” المبدأ الأساسي لفكره بشأن الحد الأدنى من الأخلاق هي “المثيرة للاهتمام من وجهة نظر فلسفية”، وهي حقًّا مثيرة للاهتمام بوصفها تثير فضولنا، ولكنها أيضًا تزعجنا بالتأكيد، لا سيما أنها تسمح بفهم موقفه الذي يبتعد بوضوح عن المسارات التقليدية للفلسفة الأخلاقية والسياسية ذات التوجه الليبرالي منذ صُدور نظرية في العدالة لجون رولز “John Rawls” عام 1971م. وقد عرض موقفه على شكل استعراض تاريخي مُحفز للغاية. هكذا هو الحال مع ما نسميه “أفضلية العدل على الخير” في مبدأ حياد الدولة الأخلاقي الناتج عنها: تقليديًّا، فإنها تستجيب للمشكلة المعرفية المتمثلة في التباين الذي لا يمكن اختزاله بين مفاهيمنا الخاصة عن الحياة الجيدة. يسندها أوجين إسنادًا صارمًا إلى غياب القيمة الأخلاقية للعلاقة مع الذات مقارنةً بالعلاقة بالآخر، فيستنتج من هذه الأفضلية استنتاجات أكثر حدة وقوة من تلك المسموح بها عادةً، والتي تتعلق بقضايا المجتمع التي تتطلب موافقة الأفراد.
رذائل وفضائل الحد الأدنى من الأخلاق
يتضح أن كتاب “الحد الأدنى من الأخلاق” وإن أصبح كتابًا “بحكم الظروف” تكريميًّا، فهو بعيد عن كونه تملقًا كما كان متوقعًا، ولكنه لم يكن يحترم الفلسفة التي كان يتبعها رُوين أوجين التي تميزت بالتعرض الدائم للاعتراضات والنقاش، بما في ذلك أولئك الذين لا يشاركونه أفكاره على الإطلاق. تختلف الإسهامات، ويتراوح العرض بين تفسير خصوصيات وحيثيات الحد الأدنى من الأخلاق وصولًا إلى الدحض الصريح، مرورًا بإجراء اختبار أو تعديل أو حتى توسيع بعض الأطروحات في اتجاهات أو مجالات لم يستكشفها أُوجين نفسه استكشافًا واسعًا.
الجزء الأول من العمل، بعنوان “واجبات تجاه الذات؟”، هو بلا شك الأكثر نقدًا. فتسعى المقالات الخمس التي تُشكل هذا الجزء إلى استعادة هذه الفكرة التي حرص رُوين أوجين على إظهار التناقض المنطقي فيها، وعدم جدواها المعيارية عندما يتعلق الأمر بتأسيس التزاماتنا تجاه الآخر، وأخيرًا، من آثارها السلبية في إضفاء الشرعية على تبرير الأبوية، وإن كانت الأبوية لا تحتاج بالضرورة إلى افتراض وجود مثل هذه الواجبات كما سيشير ستيفان لومير “Stéphane Lemaire” لاحقًا. أكان من خلال التحليل الظاهري للعلاقة المميزة للمسؤولية التي تربطنا بوجودنا (تشارلز لارمور “Charles Larmore“) أم تجربة المشاعر الأخلاقية السلبية التي توضح سلم إرادتنا (دانيال وينستوك “Daniel Weinstock“)، ودفاعًا عن فلسفة الأخلاق الكانطية ومفهوم الكرامة (آلان رينوت “Alain Renaut“)، أم إعادة قراءة كتب الفيلسوف ميل “Mill” الذي يسمح بالمثالية (ناتالي ميلارد “Nathalie Maillard“) والاعتراف بحدود القوة المعيارية للموافقة (بيتر رايلتون “Peter Railton“)، سنجد في هذا الكتاب ما يغذي الحيرة الإيجابية، التي دعا إليها أوجين نفسه، تجاه الخيار النظري الأكثر استفزازًا وإثارة للجدل للحد الأدنى من الأخلاق.
أما المقالات الأربع التي تكوّن الجزء الثاني من العمل فهي أكثر ملاءمة للخيار المنهجي للحد الأدنى من الأخلاق، والذي يبرر مراجعته على أنه “أخلاقيات تجريبية”. لفهم أصالة هذا الخيار الذي تطرق إليه في كتاب تأثير رائحة الكرواسون الساخن في اللطف البشري “(٢٠١١م) L’influence de l’odeur des croissants chauds sur la bonté humaine“، يجب أن نتذكر أن الفلسفة الأخلاقية، بسبب اهتمامها بالمعايير والقيم، من المفترض ألا تنسجم مع الحقائق والعلوم الطبيعية والاجتماعية التي تهتم بها. إذا كان مبدأ تقسيم العمل هذا قد أصبح غير معمول به اليوم، فيبقى السؤال عما يجب أن تفعله الفلسفة الأخلاقية بالبيانات التجريبية التي تجمعها من علم النفس، أو علم الاجتماع، أو علم الأحياء، أو حتى الأنثروبولوجيا: هل تشجع هذه البيانات على دعم إحدى النظريات الثلاث السائدة أو حتى نظرية الحد الأدنى من الأخلاق ذاتها؟ إن نهج الفلسفة الأخلاقية التجريبية الذي أصبح واضحًا رغم حداثته، بارتباطه بمعضلة العربة الشهيرة، لا يتفق تمامًا مع هذه المسائل، وقد جمعت هذه الإسهامات هنا لإثبات سبب ذلك. ومن ثم، يؤكد مؤلفو هذه المقالات إلى حد كبير الاستخدام النقدي الذي دعا إليه رُوين أوجين، ويجعلون من الممكن تحديد فضيلة معرفية في الحد الأدنى من الأخلاق، وهي وجوب الحذر عند أي ادعاء، سواء أكان مبنيًّا على الخبرة أم العقل، لإيجاد حقيقة أخلاقية بشكل حتمي.
“الأخلاقيات بكل حالاتها”: يشير عنوان الجزء الأخير والأطول من الكتاب إلى محتوى غير متجانس ومربك للوهلة الأولى. فما القاسم المشترك، بين نقطة تفسير “قانون هيوم” (آنا زيلينسكا “Anna Zielinska“)، والدفاع عن حظر سفاح القربى (دينيس مولر “Denis Müller“)، وتبرير النقابات العمالية (نيكولا تافاجليوني “Nicolas Tavaglione“)؟ في الواقع، تُقدم المقالات الإحدى عشرة المُجمعة هنا نظرة عامة على كثير من الموضوعات التي تناولها أوجين عبر أعماله الثلاثين التي نشرها، بدءًا من كتاب ضعف الإرادة “La faiblesse de la volonté” الصادر عام 1993م، وصولًا إلى كتاب التفلسف أو تجربة المحبة”Philosopher ou faire l’amour” عام 2014م. تشهد هذه المقالات، عند جمعها معًا، على التماسك العميق للنهج الفلسفي الذي يضع التحليلات الأكثر تجريدًا للأخلاقيات الفوقية في خدمة الفحص النقدي للنظريات المعيارية أو مفاهيمها الأساسية (مثل مفهوم الاستقلالية الذاتي في مقال كريستين تابوليت “Christine Tappolet“)، وكذلك في خدمة المقترحات الأكثر التزامًا في مختلف مجالات الأخلاقيات التطبيقية، وعلى رأسها أخلاقيات علم الأحياء (فاليري جاتو “Valérie Gateau“). بينما تُقدم مقالة مونيك كانتو سبيربر “Monique Canto-Sperber” توضيحًا مثاليًّا لهذا النهج في مجال الأخلاقيات العامة، يُبدي آخرون تحفظات أكبر بشأن تداعياتها في مجال الإنجاب والأسرة على وجه الخصوص: بوصفه لن يكون قادرًا على وضع قانون حماية كافية للناس والعلاقات التي تربطهم والمؤسسات التي يعتمدون عليها (ماري جيل “Marie Gaille“، كورين بيلوشون “Corinne Pelluchon“). ومن ثم سيكون من الضروري دعم مشروع رُوين أوجين بأنثروبولوجيا فلسفية أو أنطولوجيا اجتماعية قادرة على استعادة نمط الوجود العلائقي وغير المجزأ للموضوعات الأخلاقية، أو بالأحرى تصحيح ما لا يفترضه صراحة -ولسبب وجيه: بموجب قانون هيوم، لا يمكن استنتاج ما يجب أن يكون مما هو كائن- ولكن غيابها قد يغذي التوجهات المعيارية الفردية المؤسفة. ما يُخشى، باختصار، هو أن يؤدي تقليص مجال الأخلاقيات إلى توسيع مجال السوق.
“هل للأخلاق مستقبل؟”[3]
لا شك في أن رُوين أوجين كان سيرد بحماس على الاعتراضات المُثارة هنا ضد الحد الأدنى من الأخلاق، وذلك من أجل “إزالة بعض سوء الفهم” و”تقييم التعديلات التي ينبغي إدخالها عليه”. عام 2007م، أدى نشر كتاب الأخلاقيات اليوم “L’éthique aujourd’hui” إلى ظهور اعتراضات مماثلة، وردت وعُلق عليها في مجلة اللاهوت والفلسفة “la Revue de théologie et de philosophie“، والتي سيتمكن قراء هذا الكتاب من الرجوع إليها لمواصلة النقاش[4]. نقترح المشاركة في هذا النقاش وتناول أحد الاعتراضات بشكل مختصر، أي انتقاد أوجين لخلطه بين الأخلاق والسياسة أو حتى الأخلاق والشرعية. لو كان قد ميز تمييزًا صحيحًا بين هذين المجالين أو وجهتي النظر في العمل الإنساني، لما استنتج بشكل خطأ أن وجود الواجبات تجاه الذات يبرر التقييد المؤسسي لحرياتنا؛ بالمقابل كان سيرى أن السعي نحو تجنب تدخل الدولة في حياتنا الخاصة لا يتطلب إنكار هذه الواجبات. صيغ هذا الاعتراض صياغة صريحة في عدة مقالات من الجزء الأول، كما يظهر تأثيره أيضًا في الجزء الثالث من العمل، عندما يتعلق الأمر بالتشكيك في ترجمة الليبرالية الأخلاقية لأوجين على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.
قد يُظهر الرد الأول أنه إن حدث الخلط، فإنه سيكون أقل قطعية من الخلط بين الأخلاقيات والجماليات، وبين الحكم الأخلاقي وحكم الذوق، والذي وفقًا للفرضية التي اختبرها مارتن جيبرت “Martin Gibert” في هذا الكتاب، سيكون بشكل خاص عمل أنصار الحد الأقصى من الأخلاق. كما تذكر كورين بيلوشون “Corine Pelluchon“، لم يتوقف أوجين قط عن “تتبع” هذا الخلط الذي يُدخل إلى أخلاق نسبية غير مرحب بها، تضع مبدأي الأذى والإهانة في المستوى نفسه، فتجعلنا ننجرف بسهولة نحو محاكاة ساخرة للأخلاق متمثلة في الالتزام الأخلاقي الذي يميل بقوة إلى الأبوية التي تُعرف بأنها ذلك الموقف الذي يسعى إلى “حماية الناس من أنفسهم أو محاولة فعل الخير لهم دون مراعاة لآرائهم[5]“. لأخذ مثال واحد فقط، كما فعل آلان رينو “Alain Renaut“، مثالًا كاشفًا: أمام تعقيد النقاش الذي عارض، منذ الثمانينيات، ما يسمى بالنسويات ” وفي هذا السياق، انقسمت التيارات النسوية في تناول قضايا تتعلق باستغلال الجسد وتمثيله في وسائل الإعلام، بين اتجاهٍ يرى في هذه الممارسات تعبيرًا عن حرية الاختيار الشخصي، وآخر يعدّها شكلًا من أشكال التشييء والإساءة إلى كرامة المرأة.. لا شك في أنه يجب إخضاع نسبة عامل “القرف” في تقييم عدم أخلاقية الممارسات الجنسية الذي يدعمه رُوين أوجين، إلى النقد العقلاني للمعايير والقيم الأخلاقية.
مع أخذ ذلك في الحُسبان، هل يتخلى أوجين بالفعل عن التمييز بين الأخلاقيات والسياسة؟ تبدو صفحات كتاب الأخلاقيات اليوم “L’éthique aujourd’hui“، من بين صفحات أخرى، واضحة: فالحد الأدنى من الأخلاق لا يسعى إلى استيعاب الأخلاقيات في السياسة، بل إلى جلب المبادئ إلى الأخلاق أو “توسيعها إلى الأخلاق نفسها” (ص 192)، أي في المجال الخاص للعلاقات الشخصية التي لا تنظمها الدولة، والمبادئ السياسية والقانونية المُعترف بها بالفعل، على الأقل من قبل المفكرين الليبراليين، بوصفها تلك التي يجب أن تحكم المجال العام للعلاقات بين الدولة والأفراد. إذا كان الحد الأدنى من الأخلاق يستمد مبادئه التوجيهية من المجال السياسي، فلا يمكن إنكار خصوصيتها. وهكذا، بالنسبة لمفهوم “الجريمة بلا ضحية”: فإنه لا يشير إلى فئة محددة من تدخل الدولة والجريمة الجنائية، بل إلى الأفعال التي تُعدّ غير أخلاقية، في حين أن الضرر الوحيد المحتمل لها هو إحداث صدمة لشخص آخر. ومع ذلك، يجب الإقرار بأن الحد الأدنى من الأخلاقيات ينظر أيضًا إلى الجانب السياسي من أجل تحقيق تأثيراتها المرجوة: “إذا كان مشروع الحد الأدنى مقبولًا”، وإذا كان من الممكن من ثم “التخلي عن الأبويّة الأخلاقية”، فقد ينتج عن ذلك “عواقب مثيرة للاهتمام على الأحكام العملية لأولئك الذين يدافعون عن الأبويّة السياسية أو القانونية” (المصدر ذاته)، حيث يصبحون أكثر استعدادًا للتسامح تجاه الأفعال التي لا تتعدى مبدأ عدم إلحاق الأذى بالآخرين. لذلك، لا يزال الاعتراض قائمًا؛ الرغبة في نزع فتيل هذه الأبويّة “من الجذور” ستؤدي إلى شكل من أشكال تسييس الأخلاق، يتمثل في تكييف مجال تطبيقها مع أهداف دولة ليبرالية، ومن ثم استبعاد ما يشكل العادي في حياتنا الأخلاقية، حيث تشغل التأملات والمناقشات بشأن ما نفعله، ونوع الحياة التي نعيشها، والشخص الذي نرغب في أن نكونه أو نصبحه مكانة أساسية؛ وهي مكانة اعترف بها ميل “Mill” وكانط “Kant“، رغم معارضتهما المشتركة للأبويّة السياسية.
نطرح هنا فرضية، مستوحاة من مطالبة رُوين أوجين، مفادها أن التفكير الأخلاقي يجب ألا “يبدأ من الصفر، بل مما هو موجود”، أي من النظريات والحدس الأخلاقي، ولكن أيضًا “المعايير والقيم والمبادئ التي تعد “أخلاقية” في المناقشات العامة” حول ما يسمى بالمسائل “الأخلاقية”؛ ويجب علينا أيضًا أن نضيف الممارسات التي تعدّ أخلاقية أو غير أخلاقية، والمؤسسات التي تشكل وتنقل تلك الممارسات الأخلاقية[6]. مع ذلك، لا بد من الإقرار بأن الأحكام المعنية هنا تحمل طابعًا أخلاقيًّا وسياسيًّا في آنٍ واحد. يدل على ذلك الاستشهاد المكثف بالفلسفة الأخلاقية الكانطية في هذه النقاشات، كما في كثير من الآراء الصادرة عن اللجنة الاستشارية الوطنية للأخلاقيات منذ إنشائها عام 1983م؛ إذ تُستخدم الفلسفة الكانطية، دون التزام صارم بنصوصها، كضمان لمواقف أيديولوجية أو حتى لاهوتية غير مقبولة في سياق مجتمع ديمقراطي وعلماني وتعددي. وجدير بالذكر أيضًا قضية نموذجية في الأخلاقيات التطبيقية، قضية فاكنهايم “Wackenheim” المعروفة أيضًا باسم “رمي الأقزام”. جاء قرار مجلس الدولة الصادر في 25 أكتوبر 1995م، لمنع هذه الممارسة بقوة الشرطة دعمًا لمفهوم جوهري للكرامة. وكما استنكر الفلاسفة والقانونيون، فإننا هنا أمام مثال واضح على إدخال الأخلاق في القانون وإسقاط الأخلاق على السياسة، وهو نموذج للمعالجة المعيارية لمسائل الانتحار بمساعدة الغير، على سبيل المثال، تقديم الدعم الجسدي لذوي الإعاقة أو الحمل بالإنابة.. في هذا السياق من إضفاء الطابع المؤسسي على الحد الأقصى من الأخلاق، فإن تسييس الأخلاق الذي يُنتقد بسببه الحد الأدنى من الأخلاق يبدو كضمان وترياق يحميان حريتنا من وضعها تحت الوصاية.
يعكس باتريك سافيدان بشكل مخلص اهتمامات أوجين في هذا المسألة التي عرضها بشكل رئيس في كتاب “هل تجعلنا الدولة أفضل؟” (2013م) “ ?L’État nous rend-il meilleurs“، حيث ينتقد المحاولات الليبرالية المختلفة للتبرير الأخلاقي لعدم المساواة، وذلك في المقال الطويل الذي يخصصه في نهاية الكتاب لدراسة تأثيرات الحد الأدنى من الأخلاقيات في مجال “العدالة الاقتصادية”. مع ذلك، فإن إضفاء الطابع الأخلاقي على السياسة يتعلق أيضًا بـ”المسألة الاجتماعية” وخاصة مسألة عدم المساواة. الأكثر شهرة هي نظرية “الليبرالية الاجتماعية” المرتبطة باسم جون رولز “John Rawls” الذي سبق ذكره، إذ يعدّ التفاوتات عادلة إذا كانت تصب في مصلحة الجميع، بما في ذلك الأقل حظًّا، من خلال تحسين وضعهم. بالنسبة لرُوين أوجين، فإن مثل هذا التبرير يمنح التفاوتات معنى أخلاقيًّا لا تمتلكه، ومن ثم يجعل ضرورة معالجتها أقل إلحاحًا. من هذا المنظور، يمكن فهم الطموح المزدوج للحد الأدنى من الأخلاق؛ تعزيز مجتمع “أكثر تحررًا من حيث الأعراف الأخلاقية” و”أكثر مساواة من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية”. ولكن، هل يمكن “تبني هذا الموقف دون الخروج عن إطار الحد الأدنى من الأخلاق؟” (ص. 217).
غالبًا ما يُعبَّر عن الاعتراض تعبيرًا أكثر فظاظة في صورة الاتهام “بالليبرالية المفرطة”: إن الموقف “الليبرالي” في الأخلاق، التقدمي أو حتى التحرري بمعنى المصطلح المعمول به في العالم السياسي الناطق باللغة الإنجليزية، سيؤدي بالضرورة إلى رفض الحماية الاجتماعية التي توفرها دولة الرفاهية لصالح آليات “التنظيم الذاتي” للسوق. حتى وإن لم يكن أحدهما بالضرورة يقتضي الآخر، فإن كثيرًا من المؤلفين في هذا المجلد يتفقون على قول إن المفهوم السلبي البحت للحرية -وهو الوحيد الذي يعتمد عليه الحد الأدنى من الأخلاق كمقابل لمبدأ عدم الإضرار بالآخرين- لا يسمح بالتوفيق بين “التساهل” في الأخلاق و”عدم التساهل” في القضايا الاقتصادية والاجتماعية (ص. 246). في أعقاب عديد من الانتقادات التي وُجهت لهذا المفهوم منذ أن صاغه إيسايا برلين “Isaiah Berlin” عام 1958م، يقترح باتريك سافيدان “Patrick Savidan” أن الحد الأدنى من الأخلاق قد يجد “مخرجًا” في نظرية رولز “Rawls” عن العدالة كإنصاف؛ إذ إنها، وفي الواقع، تتجنب فخ التبرير الأخلاقي لعدم المساواة، وتعترف “بأولوية العنصر الاجتماعي” التي يمكن أن تعزز الموارد المعيارية الضعيفة جدًّا للالتزام بمبدأ المساواة الذي يحرك الحد الأدنى من الأخلاقيات. إذا كان لا يزال من الضروري النظر في تحالفاتٍ بديلةٍ ترتبط على نحوٍ أوثق باستراتيجية “الانحياز” لصالح أولئك المعنيين مباشرةً بتغيّر النظامين الأخلاقي والاجتماعي القائمين، فإنّ المقالات المجموعة هنا تكون قد بيّنت، على أيّ حال، أنّ مسألة العدالة تستلزم التفكير في طرائق تشكّل الأخلاق والسياسة أكثر من السعي إلى الحفاظ على استقلال كلٍّ منهما، وهو أمر لا يبدو واضحًا أنه مرغوب فيه أو جدير بالسعي إليه.
للاطلاع:
• Guillaume Durand, Puis-je lancer un nain qui le veut bien?, Éditions M-editer, coll. «Livre’L», 2011.
• Charles Fethe, «The Yuck Factor», Philosophy Now, n°29, 2000, p. 30-32: https://philosophynow.org/issues/29/The_Yuck_Factor.
• Marie Garrau et Delphine Prevaust (dir.), La liberté négative. Usages et critiques, Paris, Hermann, 2018.
• Charles Girard, «Offense & Préjudice. La liberté d’expression selon Ruwen Ogien», Raison publique, 6 février 2018: http://www.raison-publique.fr/article873.html.
• Stéphanie Hennette-Vauchez, «Kant contre Jéhovah? Refus de soins et dignité de la personne humaine» (2004), Raison publique, 13 janvier 2010: http://www.raison-publique.fr/article184.html.
• Emmanuel Renault, L’expérience de l’injustice. Reconnaissance et clinique de l’injustice, Paris, La Découverte, 2017 (2e éd. revue et augmentée), «Introduction».
• Laurie Shrage, «Feminist Perspectives on Sex Markets», The Stanford Encylopedia of Philosophy, 2016: https://plato.stanford.edu/entries/feminist-sex-markets/.
• Jean-Fabien Spitz, «John Rawls et la question de la justice sociale», Études, vol. 414, n°1, 2011, p. 55-65.
[1] R. Ogien, L’éthique aujourd’hui. Maximalistes et minimalistes, Paris, Gallimard Folio, 2007, p. 13.
[2] انظر Samuel Scheffler, Human Morality, New York/Oxford, Oxford University Press, 1992, chap. 2.
[3] هنا نأخذ عنوان مقالة كتبها روين أوجين نشرت عام 2006م من قبل Pleins Feux, Nantes.
[4] R. Ogien, «Commentaires sur les essais», in L’éthique minimale : dialogues philosophiques avec Ruwen Ogien, Revue de théologie et de philosophie, vol. 140, cahiers 2-3, 2008, p. 255-279 : https://rthph.ch/article-de-rthph/commentaires-sur-les-essais/.
[5] R. Ogien, L’éthique aujourd’hui, op. cit., p. 14.
[6] R. Ogien, «Commentaires sur les essais», art. cité, p. 264.
——————-
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة La Vie des Idées).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




