ترجمة: غيداء العبودي
ملخص
إن الأشخاص الذين يعيشون في ظل خلفية اجتماعية مملوءة بالأفكار الأبويّة والسلطة الذكورية، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، إذا لم يتمكنوا من الحفاظ على البناء المعرفي للنسوية، قد يصبحون بسهولة أشخاصًا غير واعين بالمركزية الذكورية.
أظن مثل كثير من الناس أن تجاهل الحركة النسوية وسوء فهمها يعد خسارة كبيرة لبقاء وتطور الحضارة البشرية على نحو متناغم، النسوية هي مفهوم ونظام فكري بدأ ينتشر تدريجيًّا في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها من الدول في نهاية القرن الثامن عشر، وتطور تدريجيًّا في مختلف المجالات الأكاديمية في منتصف وأواخر القرن العشرين، ومع دخول القرن الحادي والعشرين، في الوقت الذي ركزت فيه معظم دول آسيا على السعي لتحقيق الحضارة المادية والاقتصادية التكنولوجية، وتحسين حياة عامة الناس، إلا أن الأوساط الأكاديمية، التي تسعى إلى امتلاك مختلف أنواع المعرفة وتهدف إلى تحسين جوانب الحق والخير والجمال جميعها، تحمل كثيرًا من الإهمال وسوء الفهم والرفض، بل وحتى المقاومة تجاه الحركة النسوية، ومن الضروري تجنب إهمال الحركة النسوية وسوء فهمها في مناهجنا الجامعية وتطبيقات التدريس.
عمومًا، الإهمال وإساءة الفهم لا يكون بالضرورة مقصودًا، بل على الأرجح بسبب انعدام التقييم المسبق لأصل الأفكار والدوافع، وعدم القدرة على رؤية تأثيرها أو الاهتمام بها أو عكسها، ومن ثم، فإن الرفض ليس بالضرورة بدافعٍ سيئ، بل على الأرجح ينبع من القيود الذاتية والاختلالات المكتسبة، وانعدام الأمان والثقة بالنفس، والتشبث بالعادات اليومية، وانخفاض القدرة على التحسين الناتج عن الخيال، وسوء الحكم الحقيقي بشأن كيف وأين ينبغي تركيز الاهتمام، لذا، مع بدء فهم كيفية تقديم الخطاب النسوي، عليك الإشارة إلى أنه تحت تأثير هذه الردود، إذا لم نرغب في فهم النسوية أو قياس المقالات النسوية بمعايير موضوعية غير عادلة قبل إبداء التعليقات، فلن تحقق النسوية تأثيرها المرجو، ما يسهل سوء فهمها، وهذا لا ينطبق على الحركة النسوية فحسب، بل ينطبق أيضًا على الأشياء التي يتجاهلها كثير من تعليمنا ويسيء فهمها.
إن كثيرًا من الأفكار المطروحة في هذه المقال هي نتاج أعمال سابقة وليست أفكاري الخاصة، إذا كان ثمة أي شيء يمكن احتسابه جديدًا، فإنه بالتأكيد من انطباعاتي التي اكتسبتها خلال تسع سنوات من دراستي في الولايات المتحدة (1997-2006م)، وست سنوات من العودة إلى تايوان للعمل في البحث والتدريس، بناءً على هذه الأسس ووجهات النظر، جمعت بعض النقاط الرئيسية التي قد تسمح للمثقفين الناطقين باللغة الصينية بحل سوء فهمهم بشأن الحركة النسوية على نحو عقلاني، وطرح المطالب النسوية التي أؤمن بها.
ما النسوية؟
استُخدم مصطلح “النسوية” لأول مرة في عام1860 وفقًا لقاموس أكسفورد، ويعني: “الدفاع عن مطالب وحقوق المرأة”، نشرت الكاتبة البريطانية ماري وولستونكرافت عام 1792م كتابها “دفاعًا عن حقوق المرأة”، الذي يُعد العمل المؤسس للحركة النسوية، وعادةً ما يعد هذا الكتاب بداية النقاش حين الحديث عن الكلاسيكيات النسوية، صحيح أن ثمة كثيرًا من المفكرين في التاريخ [2] شرحوا النسوية بدرجات مختلفة، إلا أن لماري وولستونكرافت أهميتها التاريخية في ذلك.
يمكن البدء بفهم النسوية من مستوى معرفي بسيط جدًّا، كتعريفات القواميس أو شروحات الكتب المدرسية، كما يمكن أن تكون الشروحات ووجهات النظر من مختلف التخصصات مفيدة كذلك، من الناحية الواقعية، يمكن لتجارب النساء المختلفة في مناطق متعددة، بالإضافة إلى عملية تطور التاريخ العالمي، أن تقدم معرفة حقيقية أيضًا، إنني أخطط لطرح فهمي الخاص للنسوية بناءً على خلفيتي المهنية في الفلسفة السياسية البريطانية الأمريكية والفلسفة النسوية، كما آمل أن أساهم في تشكيل رابط بين المفاهيم المثالية للبشر والحياة الاجتماعية الواقعية من خلال هذا الفهم للنسوية، كما أحاول أيضًا تحقيق هدف أدنى: حتى لو لم يتفق القراء مع مواقفي النسوية ومحتواي المحدد، فإنهم على الأقل سيكونون قادرين على إدراك أهمية الأفكار النسوية وربطها بالحياة اليومية في ظل نظام ديمقراطي حر من دون صراع، ما يسمح للنسوية بإظهار التأثير المناسب الذي كان من المفترض أن تحدثه.
يقدم النص الآتي شرحًا مرتبًا، أولًا لتوجيه الراغبين في التعرف إلى النسوية، ثم يوضح مواقفي الخاصة بالنسوية، أود في البداية التفريق بين كثير من المفاهيم والمصطلحات التي غالبًا ما تُناقش مع النسوية لتجنب الالتباس والخطأ، النقطة التوضيحية الأولى هي أنه على الرغم من أنني أرجو بشدة أن تكون النساء المميزات (النساء المميزات، والنساء المتميزات، والنساء القويات) نسويات، إلا أن الحقيقة هي أنهن لسن بالضرورة كذلك، قد تعد النساء العظيمات في تاريخ تايوان والصين، مثل نووا وتشانغ آه، شخصيات أسطورية خرافية، ولا شك أن وانغ تشاو جون، وبان جاو، ووو زي تيان، ومازو قدمن مساهمات عظيمة، ولكن حتى إذا كانت شعوبهن وأحداثهن قد أنتجت آثارًا مماثلة للنسوية، إلا أن ذلك لم يكن قصدهن المباشر، ومن المنطقي افتراض أن مفاهيم الحركة النسوية وأفعالها، وخاصة الدعوة إلى المساواة بين المرأة والرجل، تتجاوز خيالهن وتوقعاتهن على نحو كبير، ويعود السبب في تسمية الأجيال اللاحقة لهن بالمميزات هو تكريمهن بوصفهن نساءً متميزات بناءً على معايير التميز التي حددها الرجال، فقد تم تقييمهن وفقًا للمعايير التي وضعها الرجل للنساء.
ثانيًا، لا يمكن للمرأة المميزة إلا أن تكون امرأة، ويمكن أن يكون الرجال مناصرين للنسوية [3]، ثمة كثير من النساء المميزات حاليًا اللواتي يُحتسبن نسويات أيضًا، وثمة أيضًا من يخترن منهن تجنب دعم النسوية، تمامًا كما يختار كثير من الرجال تجنب دعم النسوية، على الرغم من أن الرجال قد يتفقون مع الأفكار النسوية، إلا أن قلة منهم على استعداد لتسمية أنفسهم بالنسويين، هل يمكن للرجال أن يكونوا نسويين؟ لنتذكر أن جون ميل، الذي عاش في القرن التاسع عشر (ترجمه يان فو باسم ميل)، كان رجلًا بريطانيًّا تنويريًّا يُعرف الآن بأنه فيلسوف، ليبرالي ومنفعي اشتراكي، وقد نادى بحرية المرأة ودعا الرجال إلى التخلي عن امتيازاتهم، متفوقًا بذلك على ما يفعله كثير من الرجال المتنورين في القرن الحادي والعشرين [4]، من يمكنه أن يكون نسويًّا؟ أي أحد، سواء كان امرأة أو رجلا أو غيرهما، في الحقيقة، إن المواطنين الملتزمين بالقانون جميعًا الذين يعيشون في مجتمعات ديمقراطية معاصرة، بغض النظر عما إذا كانوا مصنفين رجالًا أو نساءً في بطاقات الهوية، سواء أدركوا ذلك أم لا، يعدُّون شبه نسويين ببساطة لأنهم يتمتعون بحقوق وواجبات متساوية منحها لهم النظام الديمقراطي، ولأنهم يدعمون الدستور الديموقراطي الذي يضمن علاقات متساوية لأفراد المجتمع جميعًا، والسبب في أن بعض الناس لا يدركون هذه الحقيقة هو أنهم لا يفهمون معنى الديموقراطية.
ثالثًا، إن النساء والرجال الذين نشؤوا في مجتمعات تقليدية تحت ظل المركزية الذكورية (androcentrism) لا يشاركون المعايير الذكورية فحسب، بل أيضًا يحددون ويصممون جوانب حياتهم اليومية وفقًا لتلك المعايير، إن الأشخاص الذين نشأوا وعاشوا في مجتمع يعج بأفكار السلطة الذكورية الأبوية، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، إذا لم يتمكنوا من الحفاظ على بناء معرفة نقدية نسوية، فمن السهل أن يصبحوا مركزيين ذكوريين على نحو غير واعٍ، ويقللون من شأن النساء من دون وعي، ويمارسون الهيمنة الاجتماعية، ويطيعون عادةً السلطة الطبيعية للآباء والمسنين تجاه الأجيال الأصغر سنًّا، ويتمسكون بآليات اجتماعية تقليدية للسيطرة على بناء المعرفة المتعلقة بالحب و العلاقات الإنسانية ، لا يزال من الشائع في حياتنا اليوم أن المرأة لا تعد ذات قيمة إلا إذا كانت مميزة وفقًا للمعايير الذكورية، وأصبحت القوالب الجندرية قواعد غير مكتوبة تُعمق ويُعَادُ تطبيعها باستمرار، ومن ثم يتمتع الأشخاص ذوو السمات والتوجهات المختلفة بمساواة وهمية، ولا يزال مصطلح “النسوية” يشير إلى أولئك اللواتي صُنفن في عصور مختلفة كالساحرات، والنساء القويات، والنساء اللواتي يشبهن الرجال، والعفاريت، والنساء المتمردات.
باختصار، النساء المميزات لسن بالضرورة نسويات، على الرغم من أننا نتوقع منهن أن يكن كذلك، النساء البارزات يمكن أن يكنّ فقط من النساء، في حين يمكن أن يكون الرجل نسويًّا، من دون فهم واضح للنسوية، فإن الأشخاص الذين لا يميزون بين الجنسين، والأشخاص الذين يميزون بين الجنسين، وحتى الباحثون في مجال التمييز بين الجنسين، من المرجح أن يستنسخوا الممارسات التقليدية غير الملائمة التي تفتقر إلى المفاهيم النسوية، وبناءً على ذلك، أود أن أشرح أكثر وأوضح الشروط الشكلية الثلاثة للنسوية: أولًا: تدعم النسويات أن المرأة لا يجب أن تخضع للرجال بسبب جنسها (المساواة بين الجنسين)، ثانيًا، تعمل النسويات على إعادة فهم قيمة المرأة وتأكيدها وممارستها (مستقلة عن المعايير الذكورية)، ثالثًا، تكرس النسويات جهودهن لتحسين رفاهية النساء جميعهن (التغلب على الاختلافات في الطبقات، والأعراق، والعمر، والقدرات، والمظهر)، شخصيًّا، أظن أن من يتمتع بهذه الشروط الثلاثة يعد نسويًّا، إن كثيرًا من الأشخاص الذين يُعدون نسويين لا يستوفون إلا أحد الشروط المذكورة أعلاه، لذا فهم ليسوا نسويين، يقول البعض إنه ما دام مستوفيًا أحدَ الشروط الثلاثة فهو يعد نسويًّا، لكنني أظن أن تطور النسوية بهذا النمط لن يسير في الاتجاه الصحيح، هذا إذا ما لم تركد النسوية في مستنقع.
بعد الحديث عن الشروط الشكلية للنسوية، ربما نستطيع أولًا تلخيص المحتوى الجوهري للنسوية في النص الآتي، باختصار، يتكون المجتمع من نصف رجال ونصف نساء، وتأمل النسويات أن تكون المعرفة البشرية والحياة الاجتماعية غير منحازة إلى أي من الطرفين، كي لا يعاني أي منهما من حياة اجتماعية غير عادلة أو يفقد الفرصة ليكون نفسه الحقيقية، إن من الصعب التحرر من التصنيفات والمعايير الذكورية في المجتمعات الحالية، لذا تأمل النسويات أن يُقبل الرجال والنساء ويتعلموا مفهوم النسوية في المجتمعات الذكورية ليصبح سائدًا، ويساعد الجميع على التحرر من القيود غير العادلة التي تفرضها الهوية الجنسية وآلياتها، أما بالنسبة إلى الرؤية المستقبلية، فهي مجتمع ينتمي إليه أفراده ويسمح للجميع بأن يكونوا على سجيتهم بحرية.
آفاق عظيمة
أدى تراكم الأبحاث في مختلف المجالات باستخدام النسوية بوصفها منهجية في الولايات المتحدة قبل نهاية القرن العشرين، إلى تقديم نتائج بحثية صححت الأخطاء وطرحت أفكارًا جديدة في كثير من المجالات التقليدية، ليس ذلك فحسب، بل أدى أيضًا إلى إنشاء مجالات بحثية جديدة مثل الاقتصاد النسوي، والطب الجندري، والفلسفة النسوية، وغيرها، نص بيان المهمة والهدف لمجلة الدراسات النسوية الأكاديمية (Feminist Studies)، التي تأسست عام 1972م، هو: لقد أثبتت الحركة النسوية أن الأبحاث المتعلقة بالنساء لم تعد محض مشاريع لسد الثغرات البحثية، بل للنسوية القدرة الأساسية على إعادة تشكيل طريقة رؤيتنا للعالم، كما نأمل ألا يقتصر الأمر على شرح تجارب النساء، بل أيضًا إلى تغيير وضعهن وظروفهن، فيمثل الفكر النسوي بالنسبة إلينا تحولًا في الوعي والأشكال الاجتماعية وأساليب العمل [7].
حين أفكر في أن “النسوية لها القدرة الأساسية على إعادة تشكيل طريقة رؤيتنا للعالم”، أجد نفسي دائمًا غارقة في التفكير الشامل والمدمر للذات… وحين أفكر في حجم العمل المطلوب لدفع وتحقيق هذا الأفق العظيم، فإنه لا يمكن تقديره.
النسوية نمط من أنماط الليبرالية
كيف يمكن تحقيق آفاق عظيمة؟ إن التعريفات المحدودة المبنية على الإنجازات التي حققها السابقون وفي نطاق ما هو ممكن هو هذا: تقدم النسوية في المقام الأول نوع من الموارد الفكرية الليبرالية -التحرر والاستقلالية والمساواة، وضد الطبقية والمعايير المزدوجة، وضد الظلم- للأشخاص من هوية جنسية معينة.
وعلى الرغم من أن التعريف الذي طرحته ليس جديدًا، إلا أننا حين نتأمل تاريخ الحركة النسوية، نجد أن هذه الرؤية تعكس مبدأين رئيسيين؛ شرح مفهوم الحرية من خلال الحقوق، وتحديد حدود الحرية من خلال المساواة، بوصف كتاب “دفاعًا عن حقوق المرأة” الذي كتبته ماري وولستونكرافت في أواخر القرن الثامن عشر نقطة انطلاق، طالبت الموجة الأولى من الحركة النسوية بالانتقال من عدم وجود حقوق مدنية للنساء إلى الحصول على حقوق، كما طالبت الموجة الثانية من الحركة، التي كانت نقطة انطلاقها كتاب سيمون دي بوفوار “الجنس الآخر” في منتصف القرن العشرين، بالنضال من أجل انتقال النساء من مجرد الحصول على الحقوق إلى الحصول على حقوق الرجال نفسها، وبدأت الموجة الثالثة من الحركة في أواخر القرن العشرين، إذ أصبحت النسوية أكثر وعيًا بحقيقة الاختلافات العرقية والاجتماعية بين النساء، وطالبت بضمان المساواة الحقيقية بين الرجال والنساء، ماذا عن الموجة الرابعة للحركة؟ بناءً على الملاحظات التجريبية والاستنتاجات المنطقية، تتطور موضوعات مطالبات هذه المرحلة على التحول نحو مفهوم الجنس/ الجندر الجديد (أو إلغاء الجنس) وتطويره، وإعادة تنظيم آليات العمل التقليدية للجنسين في المجتمع، وهياكل السلطة ومعالجة لأدوار كلا الجنسين.
كما هو موضح أعلاه، فإن النسوية تحتوي على العناصر الأساسية للمساواة والحرية التي استُكشفت وبُحثت بعمق من قبل كثير من المجالات الأكاديمية الأخرى، ولكن وجب تأكيد أن النسوية تهتم أيضًا بالموضوعات التي غالبًا ما تتجاهلها المجالات الأخرى، وتولي اهتمامًا مباشرًا للمعرفة والقيم والسلطة والعلاقات المرتبطة بالجنس/ الجندر، ليس من الصعب تخيل أن ثمة كثيرًا من المجالات التي تستحق الاستكشاف في مجال النسوية بوصفها مجالًا ناشئًا، مقارنة بالمجالات السائدة الأخرى التي كانت موجودة منذ العصور القديمة، والتي تتعلق بكيفية قبول النسوية واستخدامها، وهو ما لا يمكن مناقشته في هذه المقالة القصيرة، سيقدم النص الآتي بعض المفاهيم الأساسية، والتي قد تكون مصادر للتفكير والعمل للقارئ.
بعض المفاهيم الأساسية للتحليل التي تستخدمها النسوية
بعض المفاهيم الأساسية التي عادة ما تستخدمها النسوية للتحليل والنقد:
أولاً: التفريق بين الجنس/الجندر البيولوجي والاجتماعي والثقافي، باختصار، إن الجنس الاجتماعي هو المعنى الاجتماعي والثقافي للجنس، والمعنى الجسدي للجنسين، وغالبًا ما توجد أماكن لا يمكن للأشخاص المعنيين أو الآخرين تحديدها أو تفسيرها فيما يتعلق بهويتهم أو أوضاعهم الاجتماعية، بالتفكير في الأمر للحظة، فقد كان المجتمع البشري يحتوي دائمًا على نساء ورجال منذ العصور القديمة بغض النظر عن المنطقة، إلا أن أسلوب الحياة، والتطور، والمعنى، والوضع الاجتماعي للمرأة الصينية في القرن الثالث عشر، والمرأة التايوانية في القرن الحادي والعشرين مختلف تمامًا.
ثانيًا: التفريق بين الاختلافات الجنسية الجندرية والاختلافات الفردية، في الواقع، ليس من الصعب ملاحظة أن العبارات الشائعة: “أنتن النساء…” غالبًا ما لا تكون دقيقة كالجُمل التي تبدأ بـ “أنت كشخص…”، وقد يرغب البعض في إيجاد وظائف مناسبة للنساء، ولكن إذا فكرنا في الأمر بموضوعية، سنكتشف أن الخصائص التي يعدها الجميع سمة للنساء، غالبًا ما تتناقض مع الخصائص الفعلية التي تمتلكها بعض النساء أو التي يرغبن في تطويرها.
ثالثًا: الفجوة الوصفية والمعيارية في التطبيق، إذا اختفى الفرق بين الوصف الطبيعي للحقائق والمعايير المكتسبة في سياق السرد والتعليق، فستُفقد أهمية التركيز على النقد بسهولة، وفي النهاية لا تتوافق المعايير الطبيعية الوصفية مع المعايير الاجتماعية المعيارية دائمًا، ومع ذلك، حين ندمج الجانب المعياري في سياق وصف الحقائق وتظهر أهمية النقد، لا يزال من الضروري الانتباه إلى ما إذا كانت معايير النقد نفسها سيئة أو غير مناسبة، عادةً ما تأتي الأخطاء في المعايير النقدية من الحقد اللاواعي، والصور النمطية، والتحيز، والمصالح الفاسدة، واتباع المصالح الشخصية وغيرها.
رابعًا: أوجه التشابه بين القضايا الجنسية/ الجندرية والعرقية والإثنية، إن التمييز الجنسي (أو ما يُسمى التحيز الجنسي)، والعنصرية (التمييز العنصري)، موجودان في المجتمع البشري، وكلاهما خطأ يجب القضاء عليه في المجتمعات المتحضرة، وعلى الرغم من أن كلًّا منهما يهتم بموضوعات مختلفة (الجنس والعرق)، إلا أن طرائق التمييز بينهما تتشابه في نواحٍ عديدة، مثل الأسباب، وآليات التنفيذ، والأضرار النفسية الناتجة عنها، وما إلى ذلك.
خامسًا: اختيار الكلمات المتعلقة بالجنسين والجندر، لقد اكتشفت الأبحاث المتعلقة بالجنسين منذ مدة طويلة أن مفهوم الجنسين لا يشمل ولا ينطبق كاملًا بوصفه مفهوم الجنسين، فحين يشير مصطلح “الجنسين” إلى الذكور والإناث، الرجال والنساء، والهوية الجنسية، والمغايرة الجنسية، للتعامل بين الرجال والنساء، فإن مفهوم الجنس يتجاوز كثيرًا التقسيم التقليدي السائد بين الجنسين والمغايرة الجنسية، فمثلا، استبدلت الأفكار المحدودة عن الجنسين بتعدد الهوية الجنسية مجتمع LGBTQQA، وأدرجت القضايا الجنسية المهملة منذ مدة طويلة في مختلف جوانب الحياة اليومية، كاللغة، والمعرفة، والقيم، والعلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية، ما يتناسب مع المتطلبات المفاهيمية للخطاب.
سادسًا: العمى الجندري (عدم التمييز بين الجنسين)، والوعي الجندري، ومفهوم المساواة بين الجنسين، على تقدم البشرية الذي يحاول محو الأمية والتغلب أيضًا على الأمية المتعلقة بالجنس/الجندر، لإدراك وظيفة الجنس، يتطلب الحياد والموضوعية القدرة على رؤية الاختلافات بين الجنسين والوعي بها، وبالإضافة إلى الوعي، يجب على المرء أيضًا أن يعرف كيفية شرح الاختلافات بين الجنسين، أي أن يكون لديه مفهوم المساواة بين الجنسين، وضمان أن يحصل كل جنس على مكانه المناسب، بالإضافة إلى ذلك، فإن أحد المفاهيم الرئيسية التي تنتقدها النسوية هي التحيز الجنسي والتمييز على أساس الجنس، أي هيكل السلطة الذي يشير إلى تفوق الذكور ودونية الإناث والمعاملة غير العادلة، والثاني هو المركزية الذكورية، التي تعني احتساب الخصائص الذكورية أو الرجولية بمنزلة خصائص بشرية أو طبيعة بشرية، والثالثة هي الهيمنة الذكورية، أي تبجيل آراء الرجال وقيادتهم [9]، من بين الثلاثة، تعرض التحيز الجنسي والتمييز على أساس الجنس إلى كثير من الانتقادات، إلا أن تأثير الهيمنة الذكورية والمركزية الذكورية منتشر وقوي جدًّا، ما يجعل الناس غير مدركين ومحاصرين، وتشمل الأفكار المتعلقة بالمركزية الذكورية: المجتمع الذكوري، والذكورة المفرطة، والشوفينية الذكورية، والاستبداد، والنظام الأبوي، هل المركزية الذكورية خاطئة؟ يمكن مقارنة هذا الخطأ بخطأ بعض الأشخاص الأنانيين والنرجسيين الذين يعاملون الآخرين على نحو غير عادل ويتجاهلون حقوقهم المستحقة، أو الإساءة إلى البيئة والكائنات الأخرى ضمن إطار المركزية البشرية، بالإضافة إلى أن خطأها يكمن في قمع وتقليص مساحة وجود الكائنات الأخرى وتطورها، حين تُوضع معايير المجتمعات البشرية وتُطوَّر لتكون شاملة للجميع، غالبًا ما تُهمَّش خصائص النساء وقيمهن واتجاهاتهن، على الرغم من أنهن يشكّلن نصف المجتمع. ولم تحظَ هذه الخصائص قط بالتأثير المتساوي أو بالتقدير اللائق، إذ جرى تقبّل المركزية الذكورية في المجتمعات التقليدية باعتبارها أمرًا طبيعيًا وبديهيًا منذ الولادة. غير أنّ التنوير والديمقراطية الحديثة يفرضان علينا إدراك أن المعايير ينبغي أن تكون عادلة، طويلة الأمد، وقابلة للتطبيق على الجميع، مع مراعاة الفروق الفردية.
الليبرالية والنسوية
بالإضافة إلى الجنس/الجندر، فإن وضع المرأة بلا شك هو محل اهتمام مباشر ومهم للنسوية، كما أنني أود تحليل وضع المرأة باستخدام منظور التحرر الليبرالي، فمن منظور التحرر الليبرالي، تسعى النسوية إلى تحرير الناس من المركزية الذكورية، ومع ذلك، كان التطوّر البشري قبل ثلاثمائة سنة لا يزال في مدة العمى الجنسي، وقد كان المجتمع في ذلك الوقت خاضعًا إلى سيطرة الرجال، ولم تكن ثمة مفاهيم نسوية واضحة، ولذلك فإن أهداف التحرير التي استهدفتها الليبرالية التقليدية وناقشتها مباشرةً كانت مخصصة للرجال، وعلى الرغم من أن بعض السياقات تذكر كلمة “الإنسان”، إلا أنها في الواقع تشير إلى الرجال فقط، وتعد النساء ضمن المجموعة التي ينتمي إليها الرجال، ذلك لأن النساء في ذلك الوقت لم يكن لديهن هوية مدنية، سواء في المجال العام أو الخاص، ولم يكن لديهن المكانة نفسها المتساوية مع الرجال، بل كن تابعات لهم وحتى يُحتسبن ضمن ممتلكاتهم، لذا كان التحرر بالنسبة إلى النساء غير مباشر.
اشتملت مراحل تحرير النساء من الرجال في تلك المرحلة على تحول نظام الدولة من الإقطاعي إلى الديموقراطي، والتحول من الجهل إلى المعرفة الموضوعية، والتحول من السلطة الإلهية إلى الإنسانية، لنقدم بعض الأمثلة المحددة؛ حررت الجمهورية الديمقراطية الناشئة بعد الثورة الفرنسية عام 1789م الشعب من الطبقات الإقطاعية، ولم تعد الطبقة الأرستقراطية تحتكر منصب الحكم، وأصبح الجميع يتمتعون بمكانة متساوية، كما أدى التقدم العلمي إلى نشر كتاب “أصل الأنواع” لتشارلز داروين عام 1859م، الذي حرر المعرفة الإنسانية من الهيمنة الدينية في العصور الوسطى، مميزًا إياها عن معرفة الإله، بالإضافة إلى ذلك، جاءت الحرب الأهلية الأمريكية و”إعلان تحرير العبيد” الذي أصدره أبراهام لينكولن عام 1862م، والذي حرر السود من سيطرة البيض، ما أدى إلى نهاية العبودية، وتمتع الناس من أعراق مختلفة بالمساواة.
بما أن الأهداف المباشرة التي حررتها الحركات والأفكار المذكورة أعلاه كانت في الواقع موجهة نحو الرجال، فيمكننا القول إن النسوية التي نشأت في أواخر القرن الثامن عشر استهدفت النساء بوصفهن أهدافًا مباشرة للتحرير، فقد رَمَت الموجة الأولى من الحركة النسوية إلى تحرير المرأة من تبعيتها للرجل، وبفضل جهود النسويات، لم يعد المجتمع الأعمى جنسيًّا موجودًا، وعلى الرغم من تأخرهنّ، إلا أنهن تقدمن أكثر ممن سبقهن من الليبراليين التقليديين، فحاولن تحرير الناس جميعًا، بما في ذلك غير الرجال، لقد أثبت تطور الحركة أن هدف التحرر النسوي حتى الآن هو تحرير الناس جميعًا، أي تحرير الجميع من المركزية الذكورية، كي يتمتع الناس جميعًا بالمكانة نفسها بغض النظر عن الجنس والاختلافات الجنسية.
إن الأقوال ومحاولات الإصلاح لتحرير المرأة من قبضة الرجل، وتحرير كليهما من الأفكار والمجتمع الذكوري، ستؤدي حتمًا إلى صراعات بين الناس من مختلف الجنسين، وتولد سوء الفهم، والإقصاء، والوصمة، والتنوير، وإعادة التعريف، وإلغاء التعريف، وهذه الأمور جميعها تنبع من حقيقة أن لكل شخص تجربة مشتركة متجذرة، فمنذ لحظة الولادة، يُدرّب الشخص ويُعامل بناءً على خصائصه الجسدية، خصوصًا الجسدية الجنسية/الجندرية، كما تُحدّد هويته الجنسية، لا داعي للحديث أكثر، فالمركزية الذكورية ليست مقتصرة على الرجال، فالنساء، مثل الرجال، يمكن أن يكنّ ممارسات للتحيز الجنسي وقد يكنّ أيضًا ضحايا له، وما نحتاج إليه حاليًّا هو قدرة الجميع على التحكم بنفسه، وتجنب التصنيفات الخاطئة، مع مراعاة إمكانية التحسين، قدّمت النسويات كثيرًا من المساهمات بعد جهود دامت مئتين أو ثلاثمئة سنة، كما تعرضن إلى عدد لا يحصى من الهجمات الرجعية المتعمدة من أصحاب المصالح الخاصة، والتحديات والمعاناة من الأشخاص الطيبين الذين لا يقصدون الأذى.
حتى اليوم، لا تزال التحيزات ضد الحركة النسوية قائمة بأنماط مختلفة، ولم تنجح حركة التحرير على نحو مكتمل بعد، ربما يمكننا القول إنه ما دامت لم تُحل مشكلات التحرير التي تواجهها النسوية، فإن الليبرالية لا تزال قادرة على تزويد النسوية بما كان ينبغي لها أن توفره في الماضي؛ التحرير الحقيقي، أي التحرر من المركزية الذكورية.
مواجهة النساء بجدية – توضيح معنى “النسوية”
يبدأ نقل الأفكار السليمة بتصحيح الذات ومحو السمعة السيئة، يمكن تشبيه الفكرة النسوية بالعقلانية والتجريبية، لأنها مجموعة من الأنظمة الفكرية التي لا تنوي الوقوع في الخلافات الأيديولوجية، كما أنها ليست عقائدية أو نمطية أو مصنفة، تُستخدم كلمة “المرأة” في النسوية: أولًا، لتوضيح تجربة المرأة وقيمتها وشرحها والاعتراف بتجربتها بوصفها كائنًا، ثانيًا، معارضة القمع المستمر للمرأة والجنس من المجتمع الذكوري، وثالثًا، البحث عن الجنس/ الجندر الذي لا يتعرض للقمع.
إن الرجال والنساء كما يحددهما المجتمع الذكوري لا يمثلون المعاني الجنسية والجندرية والعلاقات بين الجنسين المناسبة التي تعتقدها النسوية، وفي حين تعيد النسوية تعريف معنى الجنس والجندر والعلاقات بين الجنسين، فإنها أيضًا تؤكد وتعترف بالمرأة، وترفض إهانة الرجال والنساء، إلى جانب السعي من أجل تحقيق المساحة المتساوية للمرأة، وتنمية قدرتها على تطوير ذاتها، ومنحها الفرصة للتحدث عن تجاربها، تسعى النسوية أيضًا إلى تعريف تجربة المرأة، ومع ذلك، فإنها تواجه مشكلة أخرى، وهي أنه قبل قبول النسوية على نطاق واسع في المجتمع، لم نكن نعرف ما هو الذكر وما هي الأنثى، أي أن الطبيعة البشرية كانت خالية من مركزية الذكور، وكما ذكر سابقًا، هذا أمر لا مفر منه، إن الاختلاف الجنسي حين الولادة هو أقدم اختلاف عرفناه، أما الاختلاف الجندري فهو تفسير البشر لهذا الاختلاف، وهو الأساس الذي يُبنى عليه تطوير الأدوار والانتماء والتوقعات، ولكن ما الخصائص الجنسية الخاصة بكل رجل وامرأة؟ ما زالت هذه الخصائص خاضعة بأكملها إلى فكرة المركزية الذكورية في المجتمع الحالي، حيث تُغرس وتُطور أدوار الرجل والمرأة منذ الولادة، وتُستخدم الأدوار الذكورية والأنثوية الحالية بوصفها نماذج للتعلم، وتُطبق هذه الأدوار في أثناء عملية النمو، مع وجود التوجيه الجندري والعقوبات والمكافآت المنتشرة في كل مكان، وفي نهاية المطاف، تصبح الخصائص والمعاني الحقيقية لـ “الأنثوية” و”الذكورية” غير واضحة لكل جسد فردي.
لقد جعلتنا الحركة النسوية ندرك تدريجيًّا بأن فكرة الطبيعة البشرية تميل إلى التحيز للرجال وتجاهل النساء، ولكن في الحقيقة، يتكون البشر من الذكور والإناث ويتكاثرون من خلالهم، كما أن الإنسانية والأفراد تحتوي على خصائص الذكور والإناث، ومع ذلك، فإننا لا نزال نتمسك بكثير من الأفكار والعادات التي لم تخضع إلى النقد، والمتعلقة بالجندر، لقد أشار التنوير النسوي والدراسات على مدى المائتي أو الثلاثمائة عام الماضية إلى أنه ليس ثمة صفات أنثوية وذكورية متكافئة تمامًا، وأن الصفات الجندرية ما هي إلا تفسيرات بشرية لتقسيم المهام، لا يحتاج الإنسان المعاصر إلى اتباع هذه التصنيفات أو تطوير هويات أنثوية أو ذكورية متكافئة، كما يجب أن تخضع الأدوار الجندرية إلى التقييم على أي حال، ما الذي ينبغي أن يستند إليه الجندر؟ ثمة طريقتان للإجابة عن هذا السؤال: الطريقة الأولى هي أننا بحاجة إلى مواجهة النساء مباشرةً، والابتعاد عن الموروثات المتعارف عليها، والبدء مجددًا مع التركيز على وضع النساء وتجاربهن في المركز، أما الطريقة الثانية فهي أننا بحاجة إلى مواجهة النساء مباشرةً، والابتعاد عن الموروثات المتعارف عليها، والبدء مجددًا مع التركيز على العدالة الاجتماعية في المركز، والطريقة الثالثة، …… تحتاج هذه الطرائق إلى تطوير الأشخاص الخبراء ذوي النوايا الحسنة، أما بالنسبة إلى تنفيذها ونتائجها، فيجب أن يكون لكل شخص الحرية في ذلك استنادًا إلى احترام حرية الأفراد واستقلالهم، على أي حال، فإن التعليم التقليدي للجنسين في مختلف البلدان يعتمد على أفكار جوهرية بسيطة عن الأدوار الجندرية المقابلة للأنثى والذكر، والتي لم تعد فرضية صحيحة من الناحية النظرية.
كيف يواجه الأشخاص ذوو الهويات والخصائص الجنسية والجندرية المختلفة النسوية؟
كيف يمكننا البدء في مواجهة النسوية في مجتمع يُساء فيه فهمها وتُرفض فيه؟ كما ذكرنا سابقًا، فإن الرغبة في البدء في فهم النسوية هي شرط أساسي لكثير من الأمور الإيجابية، ومع ذلك، حتى لو كنا على استعداد لفهم النسوية، فثمة عواقب حقيقية، سنحاول هنا الإجابة على سؤالين شائعين.
أولًا، هل النسوية مخيفة؟ يبدو أن تحوّل الرجال إلى جانبٍ أكثر ليونة، والنساء إلى الأكثر صلابة، أمر مخيف بالنسبة إلى البعض، سواء خِفتَ أم لم تخف، فالخوف موجود في قلب الشخص الذي يشعر به، وليس في الشيء الذي نخاف منه، فضلًا عن ذلك، فإن الشيء المخيف قد لا يمتلك بالضرورة الصفات التي يراها الخائف مخيفة، كما أن المعايير التي يحكم بها الخائف ليقرر الصفات المخيفة قد لا تكون مناسبة.
ثانيًا، هل يمكن للرجال أن يناصروا النسوية؟
لقد رتب بي خنغ دا الأسباب الخمسة التي ذكرتها راوين كونيل، والتي تدفع الرجال إلى التوقف عن الدفاع عن النظام الأبوي: أولًا، حتى لو كان الرجال مستفيدين من نظام القمع، فإنهم لا يزالون قادرين مع وجود هذا القمع، ثانيًا، للرجال علاقات خاصة تربطهم بالنساء (بما في ذلك الزوجة، أو الحبيبة، أو الأم، أو الأخوات، أو الزميلات)، وهم أيضًا يأملون أن تحظى هؤلاء النساء بحياة جيدة، وخاصة من أجل الأطفال، ثالثًا، ثمة اختلاف بين الرجال، وقد يتضررون من النظام القائم حاليًّا، رابعًا، تتغير العلاقات بين الجنسين باستمرار، ومن المستحيل أن يتمسك الرجال بالقيم القديمة إلى الأبد من دون تغيير، خامسًا، لا يزال هؤلاء الرجال يملكون ضميرًا، وعواطف، وأملًا، وقدرة على المشاركة، وهم فقط في انتظار أن يتم إيقاظهم، [10] وبصفتهم أشخاصًا يتحلّون بروح العدالة، فإن استجابتهم لنداء “فعل الصواب” يمكن أن يمنحهم أيضًا شعورًا بالراحة التي تتوافق مع ضميرهم وحسهم الأخلاقي.
كما نؤكد مرارًا وتكرارًا أن المواطنين الرجال لا ينبغي لهم الاستمرار في التقيد بالتلقين الجنسي الصارم المرهون بالمجتمع الذكوري، لأن التصنيف النسوي للنساء لا يتوافق مع الفهم التقليدي للهوية الذكورية الذي لا يقبل الوصف المؤنث، ما يؤدي إلى شعور بالغرابة، كما يمكن للرجال أن يكونوا مناصرين للنسوية بناء على اتفاقهم مع الأفكار النسوية.
أود أن أستعرض بإيجاز بعض فوائد وإنجازات النسوية من الماضي حتى الحاضر، على أمل أن أوضح للناس بأنها ليست ثعبانًا سامًّا أو وحشًا، بل هي دواء مر.
متى تكون النسوية ضرورية؟
يمكن تحديد متى تكون النسوية ضرورية من خلال تحديد أهدافها، أظن أن هدف النسوية هو الاستقلال الحقيقي لكل فرد من دون أن تحكمه القيود الجندرية، تحديدًا، متى تكون النسوية ضرورية؟ في المراحل المبكرة من انتشار الحركة النسوية، كثيرًا ما سمعنا أن القضايا التي كانت تتصدى لها تمثلت في: المكانة الاجتماعية المتمثلة في تبعية المرأة، وحرمانها من الإرادة الحرة، وانعدام المساواة بين الجنسين في السياسة، والقانون، والتعليم، واستبعاد النساء من سوق العمل، والعنف الجسدي الذي يمارسه الرجال، والتنمر اللفظي ضد النساء، وانتشار المواد الفاسدة، والنظر إلى المرأة باعتبارها سلعة، وتفشّي ظاهرتي التحرّش والاعتداء، وحرمان الفتيات من حقهن في الحياة منذ المهد، مثال آخر هو: حين يتولى الرجال السلطة ويضعون السياسات العامة المتعلقة بالإنجاب وتربية الأطفال في المجتمع، في حين يتركون الأعباء اليومية للعناية بالأطفال للنساء، أو لو كنت رجلًا، وطلب مني مديري أن أتصرف برجولية أكثر، بعد تقدم الوعي الجندري، تبين أن النسوية أصبحت مفيدة في هذه السياقات، مثلًا، حين تقول ابنة أختي البالغة من العمر ست سنوات إنها سمينة جدًّا، حين يكافح الناس من مختلف البيئات والطبقات الاجتماعية من أجل حقوقهم الأسرية والإنسانية المشروعة، وحين يواجه كثير من الشباب عزوفًا أو صعوبات في الزواج والإنجاب وتربية الأطفال وتكوين الأسر… في السنوات الأخيرة ، أدرك الناس أن النسوية يجب أن تظهر في سياقات أكثر غموضًا وعمقًا، مثلًا حين تعمل آليات جندرية في الحياة اليومية، أو في الأفعال، أو في العلوم والمعرفة، أو الأبحاث، أو حتى في النقاشات العامة، ولكن يبدو أن معظم الناس لا يرونها، وحين يُقاس أداء الشخص بناءً على هويته الجنسية، وتُحدد هذه المعايير وفقًا للقيم الذكورية، أو حين نعتاد التفكير من منظور ذكوري ونظن أن ما نعرفه عن الرجال والنساء هو ما يُسمى بالذكورة والأنوثة.
تتعامل النسوية على نحو خاص مع القضايا المتعلقة بالنساء والفتيات والجنس/ الجندر، كما أن القضايا جميعها التي تتناولها النسوية هي أمور يواجهها الرجال والنساء في الحياة اليومية، لأن الإدراك الجنسي، والهوية الجنسية، والعلاقات، تؤدي دورًا في حياتنا اليومية، وكغيرها من الأنظمة الفكرية، فإن النسوية ليست مستقلة تمامًا، ومن دون هذا المفهوم، يُصبح الفكر منحازًا ويفقد شموليته، ومثل غيرهن، إذا أرادت النسويات إحداث تأثير إيجابي، فعليهن أن يفهمن النسوية بدقة، ويُحسنّ استخدامها، ويتعاونّ مع الآخرين بروح منفتحة وتقدمية، إن العلاقة التعاونية الخاصة بين النساء والرجال، أو بين الجنسين، تختلف عن العلاقات بين الطبقات الاقتصادية؛ إذ إن الأشخاص من طبقات مختلفة لا يحتاجون إلى العيش تحت سقف واحد، أو إلى مشاركة الخبرات والعمل معًا، كما أنها تختلف عن العلاقات العرقية أو الإثنية، لأن الأفراد من أعراق مختلفة لا يعتمدون على بعضهم بعضًا في إنجاب الجيل التالي، أو على الحفاظ على استدامة المجتمع، ولكن على أي حال، ومع تطور العصر والمجتمع، فقد استُبدلت كثير من الأسباب القديمة التي كانت تُرسم بها الحدود بأفكار ومفاهيم جديدة، كما أن المجتمعات البشرية تتجه على نحو متزايد نحو علاقات أكثر تنوعًا، وحين حدوث تضارب في المصالح، سواء جرى التعامل معه بالتعاون أو بالمنافسة، فإن استلهام المبادئ النسوية يجعل من الأرجح استبدال منطق الربح والخسارة الصفري إلى موقف مربح للطرفين مع توزيع عادل.
الرجال بحاجة إلى الانفصال عن المركزية الذكورية كالنساء تمامًا، لقد تطورت الحركة النسوية لتشجع الجميع على التحرر من قيود المركزية الذكورية بأشكالها جميعًا، وسعت لأن يكونوا أفرادًا أحرارًا ومتساوين، فلا يمكن إلا للأحرار والمتساوين إعادة فهم وترتيب ما يسمى بالذكورية والأنثوية والإنسانية، حين تؤدي النسوية دورها المناسب وتتجاوز آلام التحول، فلن يكون كل فرد حرًّا فحسب، بل إن العلاقات بين الجنسين ستكون عادلة ومتناغمة، وستصل المعرفة والفكر الإنساني إلى منظور شامل كليًّا، إن الرؤية التي جلبتها النسوية يمكن أن تتمثل في جعل المناهج أكثر صدقًا وخيرًا وجمالًا، إذ يتمتع الجميع بحياة عائلية سعيدة، ومجتمعات متناغمة، وبيئات عمل ودية، ورعاية اجتماعية عادلة، وسلام عالمي، واستدامة صحية للكائنات جميعها والبيئة، ربما يقول البعض إنه حين يأتي ذلك اليوم وتُنجز المهام المرحلية واحدة تلو الأخرى، فلن يحتاج العالم إلى النسوية بعد الآن.
قبل أن يأتي ذلك اليوم، ما معنى قبول النسوية؟ باختصار، أظن أن السبب في ذلك هو أن النسوية تركز على الحرية والمساواة، وحين يقبل شخص ما النسوية، يبدأ في هذه الرحلة: مواجهة معنى الأنثوية، والتحرر من البنية الجسدية التي بُنيت تحت الفكر الذكوري، والتخلص من القيود الجندرية، وتطور الحياة هو رحلة لتصبح نفسك، لتصبح إنسانًا حرًّا ومتساويًا.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




