ترجمة: بشائر حدادي
إذا كان على الناس أن يعيشوا في العلن، وإذا كان مغزى الحياة يتحدد من خلال المجال العام، فلا يمكننا أن نتوقف عن دعم ومعارضة الأحداث أو الأفراد أو الجماعات، ولا يمكننا أن نتوقف عن الحكم، وعلى النقيض من ذلك، فإنَّ السؤال عن فائدة الدعم والمعارضة، يُعَدُّ خطوةً أبعد من ذلك، إذ لا ينبغي لنا أن نظن أنَّ أي أهمية عامة يجب أن تتحقق في الواقع، فالدعم والمعارضة ليسا خاصين في ذاتهما، حتى لو لم يكن لهما أي نتائج ملموسة، إلَّا أنهما ما زالا يحملان طابعًا عامًّا ويصبحان دعمًا للحياة.
وبطبيعة الحال، في مواجهة الحالة غير الفعالة، إذ تعجز الحقيقة عن إظهار قوتها، سوف تكون ردود فعل الأشخاص من ذوي الطبائع المختلفة خارج المجال العام؛ فمن أجل الدفاع عن المعنى والقيمة أو إعادة بنائهما أو الهروب إلى المصالح الشخصية، أو التعبير عن “العدمية الإيجابية” النيتشوية أو حتى الانتحار، نرى ذلك كلَّه استجابات منطقية للطبيعة البشرية، ولكن المفتاح هو ما إذا كانت هذه الاستجابات تحاول وضع الحياة خارج نطاق المجال العام، ومن ثم الوقوع في نزع الطابع السياسي عنها.
ولنتحدث على نحو أكثر تطرفًا، إن مسألة المعنى والقيمة تسقط في نهاية المطاف على حافة الحياة والموت، والسؤال الأصعب هنا هو إذا كان الشر منتشرًا بكثافة إلى هذا الحد، فكيف نستطيع أن نتعايش معه في العالم نفسه؟ فضلًا عن ذلك، كيف ينبغي لنا أن نعيش بحيث لا نكون مدينين بشيء مثل أولئك الذين ضحوا بأنفسهم؟ وكيف ينبغي لنا أن نعيش لنكون مؤهلين لوراثة ديْن من مات ومتابعته في المستقبل؟ لذا يتعين علينا أن نعيش حياة نظيفة، وفي الوقت نفسه نفي بالتزاماتنا، والتي لا تشمل مسؤولياتنا فحسب، بل أيضًا مسؤوليات الموتى.
وفي مواجهة الحد الفاصل بين الحياة والموت، من الضروري أن نفهم كيف يحل الناس المشكلات حين لا يكون لديهم مخرج، المنطق الشائع هو أنه إذا لم يتمكن الرب من حلها علنًا، فسوف أحلها سرًّا بالانتحار، وإذا لم أتمكن من هزيمة العدو، فإنني أفضل ألّا أتعايش معه في العالم نفسه، لكن أساس هذا الإصرار لا يزال هو أنني أستطيع الهروب من هذا العالم إلى عالم آخر يسامحني ويتسع لي، فإذا لم ينزل الرب لإنقاذي فسوف أصعد بنفسي.
أي يبدو أنه ما دام لم يكن للحياة معنى فمن حق الإنسان أن يطلب ما يريده من الرب بالموت، ولكن إذا كان هذا الشيء الجيد موجودًا حقًّا، فما فائدة السياسة إِذَن؟ وإذا كان الموت بهذه السهولة حقًّا، ففي أي مكان يمكن أن يرتكز معنى الحياة؟ وإذا كنت تتصور أن العدو يمكن هزيمته بهذه السهولة، فأنت تتبع ديوجين -الذي يقال إنه تغلب على الإسكندر- ولكن في نظره لم يعد ثمة فرق بين الحياة في برميل، والموت.
وهنا نرى أن التمييز بين الشؤون العامة والحياة الخاصة سوف يتجسد في نهاية المطاف من خلال التوتر المصيري بين الحياة والموت، قال سقراط: “استمر أنت في العيش، وسوف أموت أنا، والرب وحده يعلم من هو على حق”، وهذا التوتر لا يمكن حله بسهولة، إن العيش في الخطيئة في الخفاء هو نوع من النفاق الأخلاقي، وهو سلبي إلى الحد الذي يجعله يتحول إلى قاعدة صارمة، فإذا لم يعد العيش في الخفاء ممكنًا، فحتى الموت في الخفاء لن يكون له أي تأثير، (يمكنك تقليد بنيامين بقوله: إذا سيطر العدو على سياسة الأحياء، فحتى الموتى لم يعودوا في أمان).
الانتحار بالتأكيد هو أولًا وقبل كل شيء مسألة خاصة بالمنتحر، إلَّا أنه سيظهر أيضًا بوصفه حدثًا، بالنسبة إلينا نحن الأحياء، فإن الشيء الأكثر أهمية هو بُعده العام، فالكتابة بعد انتحار شخص آخر هي تعبير عن موقف المرء تجاه “خطأ” لا يمكن إصلاحه (على افتراض أننا نعترف بأن الانتحار خطأ -ليس خطأ فرد معين، بل خطأ عام)، المهم هو كيفية مواجهة “الحقيقة التي لا يمكن أن تهزم الخطأ”، أحيانا نرى أن الحقيقة عاجزة جدًّا في هذا العالم إلى درجة أن المؤمنين بها لا يمكنهم إثبات صحتها إلَّا بارتكاب الأخطاء، أي من خلال الانتحار الخاص، والتعبير عن احتجاجهم من خلال البعد العام للانتحار، في ظل هذا الفهم، على الرغم من عدم إمكانية استرجاع الحياة التي يقال إنها “خطيئة”، وعلى الرغم من أنه أمر مؤسف، فإنه لا يزال بعيدًا عن أن يجعلنا يائسين، لأن الاحتجاج الذي يعبر عنه لا يزال قائمًا في هذا العالم، وفي هذه الحالة، سيظهر المجال العام من تلقاء نفسه، حتى لو كان لا يزال خفيفًا مقارنة بالحقيقة، ولكن إذا كان بإمكانه هزيمة الأخطاء في هذا العالم، فحتى أخف الأشياء ستُظهر ثقلها.
لقد تحدثت على تويتر عن الفرق بين المتفائل والمؤمن بالتفاؤل؛ فالمتفائل لن ينتحر، ولكن المؤمن بالتفاؤل يظل متفائلًا، حتى لو انتحر، وهذا يوضح القيمة الأداتية للحياة ويوضح لنا إمكانات أخرى، وهي إن كان في وسع الحياة أن تكون غير مقيَّدة بنوع معين من المسؤولية الأخلاقية، فإن الانتحار لن يكون خطأ بأي حال من الأحوال، أما عن الانتحار المعاصر فقد أعجبني أكثر الأمثلة عليه، الطالب لين جوان هوا المتحدث باسم تحالف المدارس الثانوية الشمالية خلال الحركة المناهضة للمناهج الدراسية في تايوان، والذي انتحر احتجاجًا على مناهج التعليم، وقبل أن يتخذ أي إجراء، قال شخصيًّا إنه سوف يستخدم الانتحار لخلق حادثة واستخدامها”نقطة قوة” لمساعدة زملائه في المظاهرات على المناهج الدراسية، وهو ما يعكس حقا الإرادة العملية للقيام بكل ما يلزم لتحقيق الفوز بأي وسيلة ضرورية، بوصف الانتحار وسيلةً لممارسة المسؤولية الأخلاقية بدلًا من أخلاقيات الإيمان، وليس أمرًا يستطيع الإنسان العادي تحقيقه.
وبسبب طبيعة الحياة الفريدة، ينسب الانتحار إلى المعتقدات الأخلاقية ومن الممكن أن تكون فاسدة وعدمية، (حتى انتحار جيانغ شولين يُنظر إليه في أحسن الظروف بوصفه مأساة مثالية ذات مغزى، ليس بوصفه نتيجة سلبية للمعتقدات الأخلاقية)، إذ يظهر هذا التباين القيمة الثمينة لأفعال لين جوان هوا، فمن خلال حادثة التضحية، أظهر قوة الحياة والقوة الحقيقية للبشر، وهي القوة الكافية لتجاوز القيود المتأصلة لأخلاقيات البقاء.
ومن هنا نستطيع أن نتعلم الدرس الآتي: إذا لم تستطع العيش سياسيًّا فمت سياسيًّا، وفقط في مواجهة هذا التفاني يمكن حل التوتر بين الحياة والموت، لذلك أظن، حتى لو مُت فسوف يعيش “نحن” من أجلي في هذا العالم، وعلى النقيض من ذلك، إذا كان الهروب من هذا العالم فعالًا حقًّا، فإن هذا يعادل القول بأن المنتحر يموت فقط ليتمكن من الاستمرار في العيش، العيش في عالم آخر، وبهذا المعنى فإن الهروب بالانتحار مفارقة.
لا بد أن نستسلم للحقيقة، والواقع أن هذا الاستسلام قوي إلى الحد الذي يجعلنا لا نظن أن الحقيقة لا تستطيع أن تستقر في الحياة الخاصة إلَّا في لحظة انتحارها الخاص، ولا تستطيع أن تنتصر إلَّا في لحظة انتحارها الخاص، وعلى الرغم من أن الإمكانات التي يحتويها هذا العالم لا تكفي لفصل الحياة عن الافتقار إلى المعنى، فإنه لا يزال يخلص إلى هذا الاستنتاج، فإذا كان في وسع الإنسان أن يموت من أجل انتصار الحقيقة في هذا العالم، فإن حالته الجسدية لن تشكّل عقبة أمام إجابته على سؤال المعنى، ولذلك، لا بُدَّ أن نتبع هذا المنطق، إذا كان سؤال كيفية العيش في هذا العالم يعادل سؤال كيفية وجود الجسد، فإن تبني أخلاقيات المسؤولية هو الجواب الوحيد عن هذا السؤال.
ولكن من ناحية أخرى، فإن الناجين يواجهون صعوبات خاصة بهم، وأكثر ما نراه هو أنهم ينخرطون في مناقشات أخلاقية خفية عن تفاهة الشر في كل مكان، فقط من أجل الفوز بحق إنقاذ أنفسهم أمام ضمائرهم، وأنا شخصيًّا، بصفتي كاتبًا آخر يتحدث هنا، لا أستطيع أن أضمن أنني لن أكون ضعيفًا، والسؤال هو ما الذي قد يحميه هذا الضعف؟ يبدو أننا حتى الآن ما زلنا نتمتع بحق الاختيار، وحرية التقدم والتراجع بين العام والخاص، وهذا النوع من الحرية فريد من نوعه بالنسبة إلى الإنسان المعاصر، والذي يترك لهم دائمًا مخرجًا في هذا العالم، ولكن كما تشير مبادئ الليبرالية، فإن هذا المخرج، تصميم يهدف إلى حماية الحرية الفردية بتقييد السلطة العامة، لا يزال في ذاته يوفر لهم السياسة، وبهذا المعنى يمكن أن تتسع لحياة خاصة بأكملها.
أستطيع أن أدافع عن الضعف دفاعًا سلبيًّا، فكما أن الانتحار لا يستطيع زعزعة التفاؤل إطلاقًا، فإن الضعف لا يستطيع زعزعة أخلاق المسؤولية، والضعف الذي لا رجعة فيه، كالانتحار الذي لا رجعة فيه، يكشف هشاشة الجسد، هذا العالم قاسٍ بشدة إلى درجة أن العيش في ذاته يشكل صعوبة للجسد، لكن المفتاح هو أن ندرك أنه بغض النظر عن مدى صعوبة العيش، فإن العيش “في ذاته” ليس مهمًّا، المهم هو أن نعيش بمسؤولية في ظل قسوة هذا العالم، هذا لا يعني العيش “في ذاته” ولا الموت هربًا من المشقة، فنحن لا نعيش من أجل الأمل الموجود فحسب “وهو أمر سهل جدًّا”، بل ننتظر أملًا غير موجود بعد، نحن لا نعيش من أجل آمال موجودة “وهذا أمر سهل جدًّا”، لكننا نعيش في انتظار أمل ليس موجودًا بعد، كما لو كنا ننتظر حدوث شيء ما، فالعيش بهذه الطريقة هو مسؤوليتنا النهائية.
آمل فقط أن يمنحنا الوقت فرصة لإثبات شخصيتنا.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




