ترجمة: ديمة الشنبري
توضح الخطابات بشأن الهوية الأوروبية مدى ترسخ مفهوم بناء الاتحاد وحدوده، وكذلك من يُدمَج، أو على العكس، من يستبعد باسم حماية قيم الاتحاد الخاصة.
ترسخت مسألة الهوية في الحياة الديموقراطية في الاتحاد الأوروبي منذ عام ٢٠٠٠م بعد غياب طويل. لا تعد هذه الرغبة في التصريح عن حقيقتنا »نحن الأوروبيين «أمرًا جديدًا، بل كانت حتى الآن تتعلق بشكل أساسي بالعلاقات الخارجية ومكانة “المجتمع الأوروبي” في النظام الدولي، كما يتبين في إعلان عام ١٩٧٣م بشأن الهوية الأوروبية. أما الآن، فهي تشير إلى السعي نحو الأوروبيّة، وذلك بالكشف عن السمات الخاصة بالهوية، مثل (الإرث، والقيم، والعادات، إلخ) التي تعدّ، بحق أو بغير حق، مميزة لما يعنيه أن يكون المرء «أوروبيًّا». هذا السعي موجه إلى الداخل بشكل كبير حول الذات الأوروبية، من حيث علاقتنا “نحن الأوروبيين” تجاه أنفسنا، وكذلك علاقتنا مع “الآخرين”، هؤلاء الأجانب الذين جاؤوا ليستقروا “عندنا”.
من هذا المنظور الهوياتي تحديدًا، يُناقَش، بشكل متكرر وحاد، ما يسمى “بأزمة اللاجئين” و”أزمة المهاجرين”[1]. الرهان الذي يجعل من استقبال المنفيين ودمج المهاجرين يشكل أزمة تتعلق بالموقف الذي ينبغي أن يتبناه الأوروبيون تجاه أولئك الذين يُعدون أجانب، وذلك على صعيدين: كأفراد لا يحملون جنسية الاتحاد، وأيضًا كأشخاص يُنظر إليهم كحاملي هوية مغايرة تضعهم خارج دائرة “النحن”، وذلك على الأقل عند وصولهم.
من وجهة النظر السياسية، تظهر معاملة الاتحاد الأوروبي تجاه الأجانب من خلال مجموعة واسعة من الخطابات والقرارات والتدابير، التي تنظم دخول الأجانب إلى أراضيه واستقبالهم وإقامتهم، لا سيما الاتفاقيات المشتركة والوكالات الأوروبية المخصصة (لإدارة فعالة للتدفقات الهجرية)[2]، بالإضافة إلى السياسات العامة المتعلقة بالهجرة والاندماج والتجنس، التي تظل من اختصاص الدول الأعضاء.
تثير تلك السياسات التي تخضع إلى حد كبير لاعتبارات الهوية منطقها التمييز بين “نحن” و”هم”، تساؤلات عن ديناميات استبعاد “الآخرين”. ومع ذلك، يجب أيضًا فحصها من حيث التجانس الذي أحدثته في المقابل على الـ”نحن”، وهذا هو التساؤل المزدوج الذي أقترح طرحه هنا.
بحثًا عن الأوروبية: تأكيد الحدود بيننا وبينهم
هناك انقسام فلسفي حاد بشأن مسألة استحسان وضرورة تحديد ملامح الاتحاد الأوروبي كمجتمع سياسي، وفقًا لمعايير هوياتية بين أنصار الدفاع الكامل عن “الهوية الأوروبية”، وأولئك الذين يدعون إلى “عدم التعريف” الحاسم لأوروبا. بعيدًا عن كونها نظرية خالصة، فإن هذا الانقسام يُعاد تمثيله على المستوى السياسي، وبشكل مماثل الازدواجية في النقاش بشأن معاملة الأجانب.
إن الرغبة في تحديد وتأمين «أوروبيتنا» أثارت قضايا عملية كانت في قلب الجدل، عندما أعلنت أورسولا فون ديرلاين (Ursula von der Leyen) في سبتمبر ٢٠١٩م عن تعيين مفوض «لحماية نمط الحياة الأوروبي»[3]، وهي مهمة عُدِّلت استجابةً للانتقادات لتعزيز نمط حياتنا الأوروبي. ويتضمن هذا الملف عدة أهداف للعمل العام، التي أدى ارتباطها بعضها ببعض إلى إثارة مخاوف شديدة رغم إعادة تسميته، فارتبط التأكيد العلني “نمطَ حياة” خاصًّا “بنا”، الذي يرتبط بدوره بالدفاع عن “سيادة القانون”، و”المساواة والتسامح والعدالة الاجتماعية”، بإدارة «الحدود القوية» واللجوء والهجرة والأمن، وكل ذلك تحت هدف واضح يتمثل في «حماية مواطنينا وقيمنا».[4]
ومن الناحية السياسية، تندرج هذه الأولوية للمدة بين ٢٠١٩م-٢٠٢٤م في سياق الدعوات القديمة لتزويد الاتحاد بجرعة إضافية (من الروح)[5] أو إعطائه جوهره، حتى يتحقق أخيرًا كمجتمع ذي (قيم مشتركة)[6]. وتهدف مثل هذه الدعوات إلى تعزيز الجوهر الروحي والأخلاقي لدعم المشروع الأوروبي، الذي ينبغي أن يكون في الوقت نفسه (سياسيًّا وثقافيًّا)[7]، ولا تزال تسعى إلى معالجة بعض المشكلات العالقة في بناء الاتحاد الأوروبي، بدءًا من عجز الشرعية الديمقراطية للاتحاد، الذي أثير كثيرًا خلال مراجعة الدستور في عام ٢٠٠٥م، وصولًا إلى عدم الاستقرار الذي بلغ ذروته في الخوف من تفكك الاتحاد الأوروبي، وهو الخوف الذي أصبح ملموسًا في عام ٢٠٢٠م، مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست).
تستند المواقف الفكرية على وجه التحديد إلى الأزمة الوجودية لأوروبا، حيث تدفع بالسعي نحو “الأوروبية” إلى ما هو أبعد بكثير من الأهداف السياسية المذكورة أعلاه، وتطرحها في إطار حضاري ودفاعي بحت. يتمثل التصور الفلسفي هنا في تطبيق مقاربة “جماعتية”[8] على الاتحاد الأوروبي، كونه مجموعة من القواعد والمعايير والمؤسسات القانونية والسياسية تعتمد كليًّا على “مجتمع أخلاقي”، يتشكل من رؤى للخير والعالم خاصة بمجموعة ثقافية معينة. وبمجرد أن تكتمل هذه المقاربة بخطاب عن “تجذير”[9] ما يسمى “بالقيم الأوروبية” في تراث تاريخي وديني محدد، يصبح تعزيز “نمط حياتنا الأوروبي” قابلًا لتمجيد ما يميزنا من “الآخرين” ومن “هذه الفضائل التي تميزنا”[10]، التي يجب أن نفخر بنشرها في جميع أنحاء العالم.[11]
ومن خلال تأكيد أوروبيتنا المشتركة، لا يقتصر الأمر على الاعتراف بالاستثناء الأوروبي فحسب؛ إنما الهدف هو البقاء، اقتداءً بالذين يأخذون على عاتقهم هذه المهمة. وفقًا لشانتال دلسول (Chantal Delsol): “إن الأمر يتعلق بوجود أوروبا نفسها، التي إذا لم تجرؤ على تحديد هويتها أو تسمية خصائصها، فستنتهي بالتلاشي في العدم”[12]. ومن خلال هذا التعريف الأوروبي ترسم الحدود. يربط آلان بيزانسون أوروبا التاريخية بأوروبا السياسية على النحو التالي: “تتوقف أوروبا عند الحدود التي تتوقف عندها في القرن السابع عشر، أي عندما تلتقي حضارة أخرى، ونظامًا سياسيًّا مختلفًا، ودينًا لا يتقبلها”[13].
هذه الطريقة في تحديد أوروبيتنا تختلف تمامًا عن مفهوم الحدود لدى المدافعين عن «عدم التحديد» وعن «تجريد أوروبا من هويتها».[14] فوفق فلسفتهم، تتمثل القضية في التفكير فيما يتجاوز الهوية أو التعريف بأوروبا؛ إذ الفضل الوحيد الذي يمكن منحه لأوروبا، هو تحديد مساحة للتداول الرمزي (يتجاوز نظام الهوية الذاتية والتوتر الناتج عنها)[15]، بدلًا من محاولة حصر الهوية برسم حدود صارمة بين ما هو أوروبي وما ليس أوروبيًّا، ولا يمكن أن يكون كذلك أو لا يجب أن يكون كذلك، فالهدف كما يقترح مارك كريبون، هو تعزيز التعايش مع الآخرين في الداخل والخارج، وتكون مستوحاة من هذه التعددية الأوروبية، فالمبدأ كما طرحه إيتيان باليبار والقائم على تعددية أوروبا[16]، يرتكز على فكرة “أوروبا كأرض حدودية”[17]، حيث تتداخل الحدود وتتحرك باستمرار، فتتوجه نحو ما يتجاوزها ويتعداها.
ومع ذلك، فإن الديناميكية التي دفعتها السياسات الأوروبية بشأن اللجوء والهجرة منذ نحو عشرين عامًا مختلفة تمامًا.
الحكم الأوروبي للأجانب: الاندماج المشروط بالقيم المشتركة
مسألة المعاملة للأجانب تشهد على مستوى السياسات العامة التي تنفذها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي شكلًا من إضفاء الطابع الأوروبي، وهذه المسألة تُناقَش في الأبحاث الاجتماعية تحت اسم “التحول المدني”. يشير مصطلح التحول إلى أنه منذ بداية الألفية الثانية، في العديد من الدول الأوروبية، بما في ذلك تلك التي كانت تُعدّ حتى ذلك الحين متعددة الثقافات، وتتبنى نهجًا متعدد الثقافات إلى حد ما (مثل المملكة المتحدة وهولندا)، طورت سياسات متزايدة الصرامة فيما يتعلق باختيار الأشخاص المسموح لهم بالإقامة الدائمة على أراضيها والانضمام إلى المجتمع الوطني، لا سيما عبر التجنيس. أما الوصف بالمدني، فيشير إلى أن المعايير المادية (مثل الموارد، والسكن، إلخ) تُضاف إليها معايير أخرى لاختيار المستحقين، ومن ثم كشف غير المستحقين، ما يزيد من متطلبات المواطنة الجيدة فيما يتعلق بالسلوك والقيم الشخصية.
تكتفي الدولة عبر تدخلها الأخلاقي بل حتى الانضباطي بغرس صفات شخصية في الأجنبي، تُعدّ ضرورية لنجاحه في الاندماج، ويقع على عاتقه إثبات أنه يطابق قناعاته وسلوكاته، بما في ذلك في حياته الخاصة، مع قيم المجتمع المضيف[18]. وهذا النهج الذي يركز على معيار التوافق الهوياتي، يلقي بمسؤولية الإدماج (أو الاستبعاد) على الأفراد الأجانب وليس على المؤسسات العامة: فإذا فشلوا في تحقيق الاندماج «الأخلاقي» في نهاية «مسار الاندماج»، بل أكثر من ذلك، إذا رفضوا ذلك، يُعدّون بأنهم وضعوا أنفسهم في موقف يؤدي إلى استبعادهم.
هناك تعقيد مصطلحي بين «التحول» و«المدني»؛ فالمصطلح الأول يعني بأن التدابير المعنية في بعض البلدان مثل فرنسا ليس لديها جديد يُذكر، وبالتأكيد ليست في قطيعة مع السياسات السابقة. أما المصطلح الثاني، فيعني بأن الطابع «المدني» لهذه التدابير وآليات الاندماج، أقل وضوحًا بكثير من توجهها الأخلاقي والثقافي، أو باختصار الهوياتي.
وفي هذه الحالة عرف يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) مفهوم الاندماج «الأخلاقي»[19] حسب رأيه لوصف هذه السياسات: «الأخلاقي» هو تصور للاندماج، قائم على ترسيخ توافق ضمني بشأن «القيم» الأخلاقية والثقافية، وكذلك الحفاظ، إن لم يكن تأمين الهوية وأسلوب حياة الأغلبية الناتجة عنها. ويتميز هذا المفهوم عن الاندماج “السياسي” الذي يقوم على مراعاة الجميع القواعدَ القانونية والسياسية والمبادئ الدستورية لسيادة القانون الديمقراطية. وفي حين أن الاندماج “الأخلاقي” يتطلب من الأجانب الالتزام بالقيم الخاصة بمجموعة الأغلبية، فإن الاندماج “السياسي” يتطلب منهم الالتزام بالقوانين ومراعاة قواعد المشاركة والتداول الديمقراطي.
غير أن سياسات الهجرة والاندماج والتجنيس التي تُطوَّر حاليًّا في أوروبا، تستند بالفعل إلى هذا التصور «الأخلاقي» للاندماج؛ فهي تشترط الوصول إلى الـ «نحن» بالالتزام بأساس من «القيم» المعلنة رسميًّا على أنها بالفعل «مشتركة». ويبرز هذا النهج على سبيل المثال في فرنسا، ابتداء من «عقود الاستقبال والاندماج» عام ٢٠٠٦م التي باتت إجباريًّا، يتعهد بها الوافد الراغب في الاستقرار الدائم، ضروريًّا، في فرنسا بتبني «قيم الجمهورية» واحترامها في أفعاله[20]. نجد النهج نفسه فيما يتعلق بالتجنيس، حيث يعدّ «شرط الاندماج» في هذه السياسة سببًا لممارسات إدارية مثل التحقيق والتحقق من مدى عمق وإخلاص التزام الأجانب بما يسمى «القيم المشتركة»، مثل العلمانية والمساواة بين النساء والرجال، وهما القيمتان اللتان تَبرزان بشكل دائم. تُظهر دراسة هذه الممارسات والاجتهادات والقوانين في هذا المجال لا سيما «مقابلات الاندماج»، استهدافًا بشكل خاص للأشخاص الذين ينتمون إلى الدين أو الثقافة الإسلامية، أو من يُنظر إليهم على هذا النحو؛ حيث يُفترض منذ البداية، أنهم مرتبطون بقيم ليست فقط مختلفة، بل معارضة لقيمنا.[21]
ترتكز تلك السياسات، التي يُفترض أنها تحقق الاندماج، على خطاب يحمل في طياته تعارضًا بين “أنظمة القيم”، مشابهًا لصراع الحضارات الذي طرحه سامويل هنتيقتون (Samuel Huntington)[22]، فتشدد الاختلاف الأخلاقي لدى الأجنبي، وتبنى صورة للآخر كونه ينتمي أو يشتبه به أن ينتمي إلى نظام قيم مختلف كل الاختلاف عن نظامنا، ومن ثم قد يتطلب منا الحذر للحفاظ على هويتنا المشتركة، ويتطلب منه أن يطابق هويته مع قيمنا التي يجسدها نمط حياتنا.
استبعاد الآخرين وتجانسهم معنا: مخاطر أوروبا القائمة على القيم المشتركة
يعد اللجوء إلى القيم المشتركة لتعريف الآخرين وتحديد شروط اندماجهم معنا، ليس خاصًّا بسياسات الهجرة للدول الوطنية؛ فالاتحاد الأوروبي الذي رأينا أنه يسعى إلى تأكيد ذاته كمجتمع أخلاقي، استبدل مصطلح المبادئ بمصطلح «القيم» في عام ٢٠٠٩م، ومنذ ذلك الحين يعدّ احترام الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، والحرية، والديمقراطية، والمساواة، وسيادة القانون من القيم التي يقوم عليها الاتحاد (المادة ٢ من معاهدة الاتحاد الأوروبي)، وهي ملزمة لأي دولة ترغب في أن تبقى عضوًا في الاتحاد الأوروبي، حسب المادة ٤٩ حول شروط الانضمام، والمادة ٧ حول العقوبات.
هل نبقى هنا ضمن نطاق تعريف هابرماس (Habermas) حول الاندماج السياسي، أو نتجاوز ذلك إلى الاندماج الأخلاقي الذي يمنح مشروع الاتحاد الأوروبي، وهو تحقيق اندماج متزايد بين الدول والشعوب والمواطنين الأوروبيين، وذلك وفق صيغة المعاهدات، ليصبح وسيلة لحماية الحضارة الأوروبية في مواجهة الآخرين الذين قد يهددونها؟ الفرضية الثانية بالتأكيد ليست إشكالية في نظر أنصار البحث عن الأوروبية، الذين يرون أن مشروع الاتحاد الأوروبي لا معنى له، إلا إذا كان موجهًا بالكامل نحو الدفاع عن جوهر الهوية للحضارة الأوروبية.
على العكس، فإن الانتقال إلى «الاندماج الأخلاقي» كما توحي به الدعوة إلى الاعتماد على «أوروبا القيم» بدلًا من الحقوق أو المواطنة، ينطوي على مخاطر كبيرة لأولئك الذين يرغبون في الحفاظ على الاتحاد ضمن إطار «الاندماج السياسي»، وتكون قائمة على الاحترام الأولوي للمبادئ الديمقراطية، وسيادة القانون، والحريات الأساسية. ومن هنا أيضًا، تأتي المخاوف التي يؤججها الربط الصريح بين «قيم الاتحاد» و«أسلوب الحياة»، كما يجب حمايته من «أخلاقيات أخرى». هناك خطران رئيسان يجب ذكرهما في هذا الصدد.
يتفاقم خطر استبعاد «الآخرين» في المقام الأول، بسبب تعميم سياسات تفرض معيارًا للتوافق الهوياتي على أولئك الذين تسهم اختلافاتهم «الأخلاقية»، سواء كانت حقيقية أو مفترضة، في وضعهم خارج «مجتمع القيم» المتجذر في تقاليد معينة، ولا سيما الأمور الدينية منها. بناءً على هذه الأسس الهوياتية، يعبر التعامل مع الأجانب في أوروبا، وفقًا لـ Étienne Tassin عن التناقض الذاتي لاتحاد يتبنى العقل الفلسفي، وروح العالمية، والثقافة الإنسانية، وسيادة حقوق الإنسان، والاهتمام بالعالم من خلال الانفتاح على الآخرين، لكنه يفشل فشلًا مخزيًا في (اختباره الكوسموبوليتي والديمقراطي)[23]، بعيدًا عن أن يمثل مجرد “ضرر جانبي” لسياسات الهجرة في الاتحاد الأوروبي، فإن عمليات الاستبعاد التي تمس الأجانب تشكل جوهر[24] هذه السياسات. يتبنى Étienne Balibar الموقف نفسه؛ إذ لا يتردد في إدانة وضعية الفصل العنصري التي تؤثر في الهجرة من خارج المجتمع الأوروبي، مشيرًا بذلك إلى عزلة[25] ما بعد الاستعمارية للسكان الأصليين والسكان الأجانب، وكذلك بناء فئة أجانب أكثر من أجانب يعاملون على أنهم مختلفون تمامًا وغير قابلين للاندماج[26].
الخطر الثاني الذي ينشأ عن تمجيدنا «نحن» الأوروبيين الراغبين في الحفاظ على سلامتنا الأخلاقية، يتعلق باحترام التعددية؛ فإذا كان استبعاد الآخرين يتعارض تعارضًا واضحًا مع القيم المعلنة من قبل الاتحاد، فإن الاتجاهات نحو التجانس الناتجة عن تأكيد توافقٍ قويٍّ حول قيم يُعلن أنها دائمًا مشتركة بين الأوروبيين، ليست أقل عرضة لمناقضة المشروع الأوروبي بمعنى -الدلالة والاتجاه-. فإن احترام التعددية، إذا أُخذ على محمل الجد، يقتضي التسامح، بل والاعتراف، بتنوع مشروع في «القيم»، ورؤى في الخير والعالم، ضمن الحدود التي تفرضها الحرية المتساوية والحقوق الأساسية.
هذا الواقع الخاص بالتعددية العقلانية مع الخلافات الأخلاقية الحتمية التي تحركه، هو النتيجة الطبيعية لممارسة السلطة التي تحترم الحريات الفردية[27]. ومع إصرارها على تقاسم القناعات الأخلاقية المتجسدة في نمط حياة ثقافي، فإن «أوروبا القيم» تخاطر بإنتاج تجسيد زاحف لـ «نحن» كأوروبيين، وتكريس هيمنة ثقافة الأغلبية التي تستغل سلطة التعريف المكتسبة تاريخيًّا لتحديد وحدها، وفقًا لمعاييرها الخاصة، ما يجب عدّه الثقافة السياسية الإلزامية للمجتمع التعددي[28].
خاضعًا لتوقعات إعادة إنتاج هوية ذات حدود «أخلاقية»، ينحرف المشروع الأوروبي عن مساره، في نهاية المطاف، سواء فيما يتعلق بإدماج «الآخرين»، أو بإمكانية تكوين «نحن» موحدة «في إطار التنوع».
المراجع
• إتيان باليبار Étienne BALIBAR)) نحن مواطنو أوروبا؟ الحدود، الدولة، الشعب، باريس، لا ديكوفرت
La Découverte))، 2001م.
• مارتن ديليكسه (Martin DELEIXHE)، على حافة الديمقراطية. مراقبة الحدود وسياسة الضيافة، باريس، كلاسيكس غارنييه (Classiques Garnier)، 2016م.
• جان مارك فيري (Jean-Marc FERRY)، شفق أوروبا. فهم المشروع الأوروبي بالمعنى العالمي، باريس، سيرف (Cerf)،٢٠١٠م.
• جوستين لاكروا (Justine LACROIX)، الفكر الفرنسي في اختبار أوروبا، باريس، جراسيه (Grasset)، 2008م.
• جاني بيلاباي، حدد أوروبا؟ “عودة حاسمة إلى البحث عن الأوروبية”، في ماري أوفراي-سيجيت، وجان مارك فيري وأرنولد لوكلير (مدير)، أوروبا. الأزمة والنقد، باريس، مطبعة جامعة باريس السوربون، 2014م، ص. 223-243.
• “خصخصة القيم العامة. المواطنة كقناعة حميمة؟”، في آن موكسيل (دير)، الحياة الخاصة للإدانات. السياسة والعاطفة والحميمية، باريس، Presses de Sciences Po، 2014 م، ص. 39-60.
• إتيان تاسين، “مصير المهاجرين غير الشرعيين”، في لعنة العيش معًا.
هل السياسة محكوم عليها بالفشل؟، باريس، بايارد، 2012م.
[1] حول هذه الصفة، تحت إشراف لورا كالابريس وكلوي غابوريو وماري فينيارد Chloé Gaboriaux et Marie) Veniard)، “الهجرة والأزمة: حدث مشترك صعب”، موتس. لغات السياسة عدد ١٢٩في ٢٠٢٢.
[2] يعد هذا أحد أهداف سياسة الهجرة المشتركة للاتحاد الأوروبي المنصوص عليها، المادة ٧٩ فقرة ١من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي.
[3] حُدِّدت.
[4] موقع المفوضية الأوروبية.
[5] جاك ديلور، خطاب أمام البرلمان الأوروبي، ١٧ يناير ١٩٨٩.
[6] خوسيه مانويل باروزو، “تصالح التنوع في أوروبا موحدة”، خطاب أمام الجمعية المسكونية الأوروبية الثالثة، سيبيو، ٦ سبتمبر ٢٠٠٧.
[7] خوسيه مانويل باروزو، “سرد جديد لأوروبا”، خطاب ألقاه في بوزار، بروكسل، ٢٣ أبريل ٢٠١٣. أكد قائلًا: “يجب ألا نتخلى أبدًا عن أي من قيمنا أو ثقافتنا أو أسلوب حياتنا، أسلوب حياتنا الأوروبي”.
[8] هذا النهج يطالب به بشكل خاص أميتاي إتزيوني.
[9] شانتال ديلسول، “الكونية وعلامة التجذّر”، تحت إشراف: شموئيل تريجانو (Shmuel Trigano)، الكونية وسياسة الهويات، باريس، إصدارات دي لاكلات، ٢٠١٠، ص. ٨٨-٩٧.
[10] تلك إعادة استخدام العنوان الفرعي الذي استخدم في عمله جاك ديويت (Jacques Dewitte)،الاستثناء الأوروبي باريس، ميشالون، ٢٠٠٨.
[11] انظر، على سبيل المثال: جان فرانسوا ماتي، محاكمة أوروبا. عظمة وبؤس الثقافة الأوروبية، باريس، بوف، ٢٠١١.
[12] شانتال ديلسول، “مقدمة. تأكيد الهوية الأوروبية”، تحت إشراف: شانتال ديلسول، وجان فرانسوا ماتي (Chantal Delsol et Jean-François Mattéi)، هوية أوروبا، باريس، بوف، ٢٠١٠.
[13] آلان بيزانسون، “حدود أوروبا”، في المرجع نفسه، ص. ٩٢.
[14] انظر: العمل الجماعي “التفكير في أوروبا عند حدودها: جيوفلسفة أوروبا”، برج إيجيس، نسخة الفجر ١٩٩٣ الذي شارك فيه، من بين آخرين، آلان باديو، وإتيان باليبار، وجاك دريدا، وجان لوك نانسي.
[15] جان لوك نانسي في المرجع نفسه، ص. ١٢-١٣.
[16] مارك كريبون، التعددية في أوروبا، باريس، الجليل، ٢٠٠٦، ص. ١٨-١٩.
[17] إتيان باليبار، “أوروبا كأرض حدودية”، المجتمع والفضاء، ٢٠١٩، المجلد. ٢٧، ص. ١٩٠-٢١٥ ومؤخرًا “أوروبا، أرض الحدود”، في مجلة كوزموبوليتيكس. حدود النوع البشري. كتابات الثالث،
باريس، لا ديكوفيرت، ٢٠٢٢، ص. ٢٠١٩-٢٥٩.
[18] بير موريتسن، وكريستيان ك. جنسن، وستيفن ج. لارين، “مقدمة: نظرية التحول المدني في سياسات التكامل الأوروبي”، العرقيات، المجلد ١٩، العدد ٤، ٢٠١٩، ص ٦٠١.
[19] “يورغن هابرماس (Jürgen Habermas)، الاندماج الجمهوري، باريس، فيارد، 1998، ص 229-234.
[20] ميريام هاشمي علوي وجاني بيلاباي، «عقود الاندماج و”قيم الجمهورية”: “منعطف مدني” فرنسي؟»، المجلة الأوروبية للهجرة الدولية، 2020، المجلد 36، رقم 4، ص 13-33.
[21] انظر: إميليان فارغ وجاني بيلاباي وريجان سيناك (Émilien Fargues, Janie Pélabay et Réjane Sénac) “الاستخدامات المعاصرة “لقيم الجمهورية” في عملية التجنيس الفرنسية”، مجلة الدراسات العرقية والهجرة، 17 مايو 2023: https://doi.org/10.1080/1369183X.2023.221123
[22] صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي صموئيل هنتنغتون Samuel Huntington, Le Choc des civilisations, Paris, Odile Jacob, 1997.
[23] كاميل لويس وإتيان تاسين (Camille Louis et Étienne Tassin) “أوروبا من منظور علاقتها بالآخرين”، المعرفة، عدد 30-31، 2018، ص. 259.
[24] إتيان تاسين (Étienne Tassin) “السياسة العالمية وسياسة الأجانب”، رايسون حاضر، المجلد 201، العدد 1، 2017، ص. 103-104.
[25] إتيان باليبار Etienne Balibar))، نحن مواطنو أوروبا؟ الحدود، الدولة، الشعب، باريس، لا ديكوفرت، 2001، ص. 29.
[26] إتيان باليبار (Etienne Balibar) نحن مواطنو أوروبا؟ الحدود، الدولة، الشعب، باريس، لا ديكوفرت (La Découverte)، 2001، ص. 296.
[27] انظر: جون رولز (John Rawls)، الليبرالية السياسية (1993)، باريس، بوف، 1995.
[28] يورغن هابرماس (Jürgen Habermas)، “من التسامح الديني إلى الحقوق الثقافية”، المدن، رقم 13، 2003، ص. 165.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




