ترجمة: فتون العسيري
تعدّ هيباتيا الإسكندرية ” Hypatie d’Alexandrie” اليوم واحدة من أشهر نساء العصور القديمة، ولكن على الأرجح، لم تأت هذه الشهرة نتيجة لما أنجزته في حياتها –التي لا يعرفها إلا القليل– بقدر ما هي مرتبطة بقصة وفاتها المأساوية، وبالحاجة المعاصرة لشخصيات بطولية.
تبقى هيباتيا امرأة معاصرة. هذه المرأة عالمة رياضيات، وفيلسوفة، وعالمة فلك، ومعلمة شهيرة من الإسكندرية في القرن الرابع الميلادي، أُعيدت للحياة مرة أخرى منذ عصر النهضة. بعد أن أصبحت شخصيّة رمزية، استُخْدِمت رمزيتها لخدمة قضايا متنوعة مثل التسامح الديني، ومناهضة رجال الدين، والهيلينية الرومانسية، والفلسفة الوضعية، والحركة النسوية، وحتى الدعارة.
إذا كنا نعرف أي شيء عن هيباتيا القديمة، وإذا كانت هذه الشخصية قد استُعيدت بهذه القوة، فإنما يعود ذلك إلى موتها. في ربيع عام 415 م، اختطف رهبان متعصبون هيباتيا من الشارع، وسلخوها وهي حية في كنيسة، ثم قطعوا جسدها إلى قطع وأحرقوه. ظلت ذكراها على مر القرون بسبب نهايتها الفظيعة أكثر من شخصيتها الرائعة، وهالتها غير القابلة للنقاش. شهدت العصور القديمة كثيرًا من النساء الفلاسفة وحتى عالمات رياضيات، ولم تصل إلينا سوى أسمائِهن وحدها في أحسن الأحوال. غير أن الموت العنيف لهيباتيا، والجهات الفاعلة في هذا الاغتيال والسياق الديني والسياسي المشتعل للإسكندرية في الأعوام 412م-415م، سلط ما يكفي من الضوء، بل وأيضًا ما يكفي من الغموض حول هذه الشخصية لإعادة تفسيرها، على مر القرون، وفقًا لاحتياجات كل شخص.
تستوقفنا هذه الشخصية المتعددة الأوجه بطريقتين. أولًا، من خلال وجودها التاريخي، ومن خلال ملامح حياتها ومن خلال أنشطتها العلمية والفلسفية كامرأة في عصرها وبيئتها الثقافية. ثانيًا، من خلال أسباب وآليات توظيفها في جميع التوجهات، وهو ما لا يزال مستمرًا اليوم دون تحفظ. ونجدها حاليًّا في مقدمة النساء المنسيات من التاريخ، اللواتي يعيد مجتمعنا إحياءَهنّ، حتى في أدب الأطفال[1]، وفي المناهج المدرسية[2]. كانت هيباتيا حاضرة بالفعل في الخطابات النسوية في القرنين العشرين والحادي والعشرين، ودُعيت إلى العمل المركب الملتزم حفل العشاء “Dinner-Party” للفنانة الأمريكية جودي شيكاغو في عام ١٩٧٩م، كما جسدت دور البطلة في الفيلم التاريخي الفلسفي آغورا “Agora” للمخرج أليخاندرو آمينابار “Alejandro Amenábar” (٢٠٠٩م)، مما يجعلها شخصية محورية في حياتنا اليومية وفي خطاباتنا. ولكن، كيف وَصَلْنَا إلى تلك الشهرة؟ ولماذا تصلح هيباتيا بشكل جيد للتعبير عن مطالبنا الحالية؟ وما هي المراحل التي تميزت بتوظيفها عبر العصور والأسباب المتعاقبة منذ العصور القديمة؟ وإلى ماذا يشير هذا الاستخدام لشخصية قديمة كمرساة شرعية للخطاب الجدلي، في عصر النهضة كما هو الحال اليوم؟ لكن قبل التطرق إلى تلك الأسئلة، لا بد أن نتساءل عن شخصية هيباتيا التاريخية، وعن ظروف حياتها ووفاتها الوحشية والمثيرة للجدل جدًّا.
الشخصية التاريخية
تاريخ ميلادها غير معروف بشكل مؤكد. ومن المتعارف عليه حاليًّا، أنها وُلِدَت بين عامي 350م و365م. نعرف والدها، ثيون الإسكندري “Théon d’Alexandrie“، عالم رياضيات وفيلسوف وعالم فلك ومدير مدرسة مشهورة تسمى”Mouseion” في إشارة إلى المؤسسة التي كانت “المنارة” العلمية والثقافية للعالم القديم في المدينة نفسها، ومن ناحية أخرى، لا نجد أي إشارة إلى والدتها. لم تكن الشهرة تُنسب إلى الأم في العصور القديمة. لا بد أنها تلقت تعليمًا متميزًا؛ ولم يكن هذا استثنائيًّا تمامًا بالنسبة للفتيات من النخبة الاجتماعية، لا سيما في الإسكندرية، التي تُعد مركزًا ثقافيًّا كبيرًا ومتعدد الأعراق. ولكن ما هو استثنائي، هو أن هيباتيا طورت هذا التعليم حتى أصبح مهنتها ونشاطًا عامًّا.
ينقسم نشاط هيباتيا إلى عدة جوانب. فمن الجانب البحثي، كما نقول اليوم، عَلقت على أعمال رياضية مثل المقاطع المخروطية لعالم الهندسة أبلونيوس البرغاوي “Apollonios de Pergè” في القرن الثاني قبل الميلاد، وعلم الحساب لعالم الرياضيات الإسكندري لديوفانتس “Diophante” في القرن الثالث بعد الميلاد. ربط والدها ثيون “Théon” اسمها بطبعة كتاب المجسطي للعالم كلوديوس بطليموس”[3]“Claude Ptolémée، فعنون الكتاب الثالث من طبعته الذي علق عليها: “تعليق ثيون الإسكندري على الكتاب الثالث من كتاب المجسطي لبطليموس، مراجعة الفيلسوفة هيباتيا، ابنتي”. من الممكن أن هذه الصيغة الغامضة لا تشير إلى تدقيق شرح والدها، بل إلى التصحيحات التي أجرتها هيباتيا على نص بطليموس نفسه، بشأن خوارزميات القسمة البسيطة، التي كانت أساس الحسابات الفلكية في ذلك الوقت.
كانت هيباتيا بلا شك عالمة رياضيات ممتازة، قادرة على إتقان وشرح موضوعات صعبة للغاية. ومع ذلك، لم ينسب إليها أي ابتكارات علمية حقيقية، فهي أقرب ما تكون إلى عبقرية في التحليل والنقل التعليمي. ومن ثم، من خلال تدريسها، على رأس المدرسة الشهيرة التي سيعهد بها والدها إليها، ستطور هيباتيا كل فنها وتكتسب شهرة كبيرة.
لقد احتفظنا بآثار مباشرة لشخصيتها التعليمية الجذابة، وتنوع تعاليمها في المراسلات التي أرسلها سينيسيوس القيرواني “Synésios de Cyrène“، التلميذ السابق لهيباتيا في الإسكندرية، والذي أصبح أسقفًا على بطليموس، إلى معلمته الموقرة. وجدنا في مراسلاتها علاقات الاحترام العميقة والإعجاب والمودة اللامحدودة التي كانت تربط سينيسيوس بها، تمامًا مثل الشباب الآخرين من النخبة الذهبية في الإسكندرية ومن آفاق أبعد، الذين جاؤوا لأجل متابعة تعليمها الخاص. لم تكن هناك أي شابة في مدرستها، وهو دليل واضح، إن لم يكن الأوضح، على أن المستويات العليا من التعليم نادرًا ما كانت تخص الفتيات. أما هيباتيا، وكونها “ابنة المهنة” إن جاز التعبير، فقد كانت تتمتع بوضع متميز واستثنائي تمامًا في هذا المجال. اكتشفنا أيضًا، من خلال مراسلات سينسيوس، تنوع وتكامل تعاليمها التي تطرقت إلى الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، والخاصة بالطاعة ذات النزعة الأفلاطونية، مثل ما تطرقت إلى الرياضيات وعلم الفلك. فكانت المجالات الثلاثة مرتبطة معًا لفترة طويلة، لا سيما في التقليد الأفلاطوني. ومن ثم كانت هيباتيا تقود الشباب الذين كان من المقرر أن يتولوا مناصب عليا في الإمبراطورية، بصفتها شخصية نسائية ذات سلطة فلسفية وعلمية، بقدر ما هي موضوع إعجاب عاطفي أو حتى رومانسي، كما تشير بعض الروايات.
وقد سمحت لها هذه الشخصية الجذابة الخاصة أيضًا بأخذ مكانة مهمة في الحياة العامة بالإسكندرية. كانت تلقي محاضرات عامة، كما يفعل أستاذ جامعي الآن، وكانت تستجيب لطلبات الناس في الأماكن العامة. إنها لم تتولَّ أي منصب رسمي، وهو الأمر الذي كان يشكل تناقضًا في المجتمع في ذلك الوقت، لكنها كانت شخصية عامة معروفة ومعترفًا بها. ويقال إن جمالها لم يكن يضاهيه إلا فضيلتها، وهما صفتان جعلتاها نموذجًا أنثويًّا للفيلسوف أو الحكيم كمرجع ومرشد للمجتمع. وكان ذلك ضروريًّا لتبديد الشكوك التي أثارت مكانتها كامرأة، عزباء، محاطة بشباب يعشقونها. سيؤكد المؤلفون القدامى الذين سيتحدثون بعد ذلك عن هيباتيا بشكل كبير، عذريَتَها ومقاومَتَها المُطْلقة والحازمة تجاه تلاميذها المتحمسين، داعية إلى الحب الأفلاطوني كالشكل الحقيقي والوحيد للحب، الذي لا يرتبط بالغرور، وزوال المظهر، والمادية الجسدية.
التأثير السياسي لهيباتيا
ولذلك؛ كان من الطبيعي تمامًا أن تكون هيباتيا على اتصال وثيق بالحاكم وممثل الإمبراطور في الإسكندرية أوريستيس “Oreste“، ومن ثم كانت منخرطة بشكل وثيق في التوترات السياسية الشديدة، التي تطورت على خلفية دينية وهزت الإسكندرية بين عامي 412م و415م. كان أوريستيس قد اعتنق المسيحية مؤخرًا. في ذلك الوقت، كانت النخب، وخاصة أعضاء مجلس الشيوخ، في الغالب معقلًا لمقاومة المسيحية، واستندت هذه المقاومة إلى مفهوم العلاقة بين الدين والدولة، التي تعود إلى أسس الجمهورية الرومانية، والتي استمرت خلال الإمبراطورية. لا حاجة لمعتقد للحكم، بل هناك علاقة تعاقدية مع الآلهة على أساس ممارسة طقوس صارمة. ولكن عند نقطة التحول في القرنين الرابع والخامس، وخاصة بعد مرسوم ثيودوسيوس الأول” [4]“Théodose Ier، كان اعتناق الديانة المسيحية يساهم في تسريع المسيرة المهنية في مجال السياسة. تجدر الإشارة أيضًا إلى أنه من بين طلاب هيباتيا الذين نعرفهم، كان هناك طلاب اعتنقوا الدين المسيحي ومن لم يعتنقه. إن الثقافة المشتركة “Paideia“، القائمة على التقليد الأدبي القديم، والمختومة بالأفلاطونية الجديدة التي ألهمت حتى آباء الكنيسة، سمحت بتعايش طبيعي بين المسيحيين والذين لم يعتنقوا الديانة المسيحية خاصة في هذه المدينة العالمية والمتعددة الأعراق. وهكذا نظر أوريستيس إلى وظيفته العامة من منظور سياسي، وليس دينيًّا. كان الأمر مختلفًا تمامًا بالنسبة لكيرلس”Cyrille” المحتدم، أسقف المدينة الجديد، الذي استولى على السلطة بالقوة، وخلف عمه الأسقف ثيوفيلوس الذي توفي عام 412م. يمثلان كيرلس وأوريستيس موقفين للحكم متعارضين اعتراضًا جذريًّا ونهائيًّا. كما بدأ توازن القوى بين الطبقات الاجتماعية المتنوعة يأخذ في الظهور. ومن المؤكد أن أوريستيس حظي بالاحترام والدعم من قبل شريحة كبيرة من سكان المدينة الهيلينيين، فهو يمثل النخبة الأرستقراطية، ورؤية معينة للثقافة التقليدية. أما كيرلس، فركز على الفئات المحرومة، بينما كان يقوم بأعمال عنيفة ضد اليهود الذين يعدّهم هراطقة، تمامًا مثل الوثنيين. بدأت التوترات بين المسيحيين ومؤيدي الثقافة التقليدية قبل عشرين عامًا على الأقل، لا سيما حين أمر الأسقف ثيوفيلوس في عام 392 بتدمير معبد السيرابيوم “Serapeum“. لم يقتصر هذا المجمع على عبادة سيرابيس، وهو إله أنشأه جنرال الإسكندر الأكبر بطليموس، في القرن الثالث قبل الميلاد، لأجل توحيد الثقافتين المصرية واليونانية، اللتين جاءتا لتعيشا معًا في الإسكندرية الهيلينستية تحت الحكم المقدوني، وكان أيضًا أحد فروع مكتبة الإسكندرية الكبرى. مع تدمير معبد السيرابيوم، اختفت آلاف من المخطوطات ومن الكتب والشواهد على العلم والثقافة اليونانية والرومانية التقليدية.
هذا الصراع على السلطة بين ممثل الكنيسة كيرلس، وممثل القوة الإمبراطورية أوريستس، الذي يتجسد في الفترة المعنية التي تهمنا بالشاب ثيودوسيوس الثاني “Théodose II“، سوف يشهد تصعيدًا تدريجيًّا. تصعدت الأحداث بعد مصادرة ممتلكات اليهود وطردهم من الإسكندرية على يد كيرلس عام 414م. وصعد أوريستيس، الذي كان حليفهم في هذا الصراع الخفي مع الأسقف، إلى الإمبراطور. أصبحت المواجهة الآن مباشرة. وكانت هيباتيا مقربة جدًّا من أوريستيس، حيث كانت تمد له يد المساعدة وتدعمه وتقدم له النصح، وتحضر بشكل خاص اجتماعاته العامة. أدت شخصيتها الجذابة وحكمتها الشهيرة إلى تفاقم عداء كيرلس، الذي شعر أن ثقل سمعة هيباتيا قد يدفع ليس فقط الإسكندريين من الطبقتين المتوسطة والغنية لصالح أوريستيس، بل وأيضًا الإمبراطور. فضلًا عن شخصيتها الجذابة، استمدت هيباتيا حكمة لا نكران لها من عدم تحيزها في الصراعات السابقة، ومن وجود مسيحيين وغير مسيحيين في دائرة معجبيها الأوفياء.
ثم تسارعت الأمور بسرعة كبيرة. في أثناء أعمال الشغب التي اندلعت بسبب معاملة اليهود، كاد أوريستيس أن يُغتال. تُنسب محاولة الاغتيال هذه إلى جماعة بارابالاني، أي المسعفين، وهي جماعة أخوية مسيحية مسؤولة عن رعاية المرضى ودفن الموتى؛ يُشتبه في أنهم ذراع كيرلس المسلح والمتعصب. قام أوريستيس باعتقال كاهن الأخوية أمونيوس، وعذبه علنًا حتى الموت. مع تفاقم الوضع، سعى مسيحيو الإسكندرية إلى المصالحة بين كيرلس وأوريستيس. واستدعى الحزبان الإمبراطورَ وسيطًا. أدت هيباتيا مرة أخرى دورًا عامًّا مهمًّا في مساعدة أوريستيس؛ حتى اتهمها حزب الأسقف بأنها تعيق المصالحة بين الطرفين. وفي هذا السياق من التوتر الشديد، اغتِيلت هيباتيا.
“العذراء المقتولة”
يروي لنا سقراط القسطنطيني “Socrate le Scholastique” (360-450)، أحد كبار مؤرخي العصور المسيحية القديمة، باقتضاب موت هيباتيا العنيف في مارس 415م، في كتابه التاريخ الكنسي “Histoire ecclésiastique” (السابع، 15):
مجموعة من الرجال الثائرين، تحت قيادة القارئ بيير “Pierre“، تربصوا للمرأة وهي عائدة إلى منزلها، ثم سحبوها ورموها من أسفل مقعد عربتها، وأخذوها إلى كنيسة تسمى قيصريوم؛ ثم خلعوا ملابسها وقتلوها (عن طريق السلخ) بالشظايا [شظايا السيراميك أو الأصداف]، ثم قطعوا جسدها إلى أجزاء، وسحبوا أطرافها إلى مكان يُدعى سيناريون “Cinarion“، حيث أحرقوها.
حققت هذه الوفاة العنيفة لهيباتيا شهرةً لم تحققها النساء العالمات الأخريات اللاتي مُتْنَ بطريقة طبيعية. ومنذ العقود التي تلت ذلك، أصبحت شخصية هيباتيا جزءًا أساسيًّا من التاريخ الكنسي، وقضية في فهم الصراعات الأيديولوجية في ذاك العصر المضطرب والعنيف. وسرعان ما سيُطرح السؤال عن الأسباب الحقيقية لهذا الاغتيال. هل أمر كيرلس بهذا القتل؟ هل هاجم الرهبان المتعصبون هيباتيا لمجرد خدمة مصالحه، ومن دون أوامر مباشرة؟ هل مناصرة الفلسفة والثقافة الهيلينية التقليدية هي من اغتيلت؟ هل كان الهدف من التخلص من هيباتيا هو القضاء على “الوسط” الهش والثمين الذي يربط بين تقاليد الثقافة الهلنستية التي صنعت مجد الإسكندرية، والإيمان الجديد الذي كان في بعض الأحيان متعصبًا؟ هل كان الهدف هو تدمير جسد وسمعة تلك المرأة الحرة والمؤثرة في الساحة العامة؟ يرجح التحليل التاريخي للأحداث الأسباب الحزبية في هذا الاغتيال بدلًا عن الأسباب الدينية والثقافية والمجتمعية. يعود اغتيالها إلى حدٍّ كبير إن لم يكن كليًّا إلى دورها كمستشارة لأوريستيس في صراعه مع كيرلس، الذي كان أساسه هو وساطة الإمبراطور، وشخصيتها المميزة في الحكمة والتواضع، التي كانت من أبرز نقاط القوة الرئيسة لحزب الحاكم. لا يمكن استبعاد الأسباب الأخرى المذكورة، وقد تكون وحشية الاعتداء والعنف الظاهر على جسد المرأة، مؤشرًا على ذلك.
ومع ذلك، فإن الموت العنيف والمأساوي لهيباتيا سوف يؤدي إلى سلسلة مذهلة من توظيفات شخصيتها التاريخية، غالبًا بصرف النظر عن الفروق التاريخية الدقيقة، من أجل دعم قضايا متنوعة للغاية.
عودة هيباتيا من جانب المسيحية والتنوير والرومانسية
كان أول ظهور لشخصية هيباتيا بشكل غير مباشر، ولكنه كان ظهورًا لا يمكن إنكاره. من الواضح أن حياة الأسطورة الذهبية للشهيدة المسيحية القديسة كاترين الإسكندرانية “Catherine d’Alexandrie“، مستوحاة بوضوح من حياة هيباتيا؛ فهي المثقفة البارزة التي استطاعت بمنطقها وحججها إقناع الفلاسفة التقليديين باعتناق المسيحية، والتي أصبحت قديسة شفيعة لمدارس البنات والفلسفة. يعود هذا الانزلاق من شخصية وثنية قُتِلت على يد المسيحيين، إلى شهيدة مسيحية ضحية للعنف الوثني، إلى تسليط الضوء على امرأة مثقفة لا تخشى مواجهة الرجال ذوي النفوذ ولا العلماء علنًا. وربما كان هذا التوظيف أيضًا مدعومًا بالخلط بين ظروف وفاة هيباتيا، والروايات المتعلقة بتعذيب المسيحيين وتقطيع أجسادهم في أثناء الاضطهاد. إذا كان تقديس القديسة كاترين، ومن ثم هذا التبادل أو حتى «التحول» بين الشهداء، يعود إلى القرنين السابع أو الثامن، فلم تُزهر توظيفات شخصية هيباتيا توظيفًا مقصودًا وواعيًا حتى عصر النهضة. اشتهرت بفضل إعادة اكتشاف الأدب اليوناني القديم، مثل نصوص المؤرخين المسيحيين في القرنين الخامس والسادس، مما جعلها تُولد من جديد في أضواء مختلفة، وفق زوايا تختلف باختلاف التركيز على جوانب من حياتها ووفاتها.
تَروي إحدى الحكايات التي يصعب التأكد من صحتها، أن رافائيل “Raphaël” قد أدرج هيباتيا في لوحته الجدارية الشهيرة والمهيبة “مدرسة أثينا” (L’école d’Athènes)، التي كُلِّف برسمها من قِبَل البابا يوليوس الثاني عام 1510م لتزيين قاعة التوقيعات في الفاتيكان “la Salle des Signatures“. من بين أعظم الفلاسفة القدماء الموجودين في لوحة نزاع القربان المقدس “la Dispute du Saint-Sacrement“، تبرز شخصية ذات الملامح الأنثوية في أسفل يسار اللوحة الجدارية، مقارنةً بالفلاسفة الذكور الآخرين الموجودين في اللوحة. كان رافائيل يرغب في تجسيد شخصية هيباتيا كامرأة فيلسوفة، مبرزًا حضورها؛ إذ هي الشخصية الوحيدة التي تنظر باتجاه المشاهد، وترتدي ثيابًا بيضاء ناصعة. لكن يحكى أن البابا قال له: “أزلها، فإن الإيمان لا يسمح لنا بمعرفة أي شيء عنها. بخلاف ذلك، العمل مقبول”. عَدّل رافائيل شخصية هيباتيا لتصبح تمثل شخصية فرانشيسكو ماريا ديلا روفيرا “Francesco Maria della Rovere“، ابن شقيق البابا، الذي كان معروفًا بملامحه الأنثوية أكثر من شهرته في مجال الفلسفة.
تركز الأحداث التي تلت وفاة هيباتيا بشكل أكبر على نهايتها المأساوية، حيث أصبحت رمزًا للتضحية في العديد من القضايا عبر العصور. أخذ الاهتمام المتعدد الأبعاد بشخصية الفيلسوفة الإسكندرانية على يد جون تولاند “John Toland“، المفكر الأيرلندي الحر في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر، الذي كان حلوليًّا ومؤسسًا حركة درويدية جديدة. محملًا كيرلس مسؤولية قتل هيباتيا، يُشيد تولاند بفضائل هذه الروح النبيلة وقدراتها الفريدة، الكامنة في جسدها الجذاب، بهدف زعزعة استقرار الكنيسة الكاثوليكية، وانتقاد تقديس كيرلس بصورة علنية. كان عنوان كتيبه المنشور في عام ١٧٢٠م بليغًا ومعبرًا: هيباتيا أو قصة سيدة فائقة الجمال، وعظيمة الفضيلة، وواسعة العلم، وكاملة في جميع الجوانب: التي قُطعت على يد رجال الدين في الإسكندرية، لإرضاء غرور، ومضاهاة وقسوة رئيسهم الأسقفي، الذي يُسمى عادة، ولكن من دون استحقاق، بالقديس كيرلس[5]. بدأ الخلاف، ووصل الرد الكاثوليكي بالكاد بعد أقل من عام تقريبًا، عندما دافع توماس لويس عن القديس كيرلس في عام 1721م، في كتابه المعنون: قصة هيباتيا، معلمة وقحة للغاية. دفاعًا عن القديس كيرلس وكهنة الإسكندرية ضد افتراءات السيد تولاند[6]. سواء أكانت وقحة أو فاضلة، دخلت هيباتيا بقوة في الجدل الطائفي المحتدم في أوائل القرن الثامن عشر.
أصبحت هيباتيا رهينة في النزاع بين المفكرين الأحرار والكاثوليك، واستُخْدِمت وسيلةً لإثبات دور البطريرك كيرلس والكنيسة الكاثوليكية، سواء بشكل إيجابي أو سلبي. لم تعد هيباتيا تحتفظ بشخصيتها التاريخية؛ فقد أصبح موتها العنيف هو العنصر الوحيد الذي يُؤخذ في الاعتبار، كرمز حزبي.
إن الدعاية التي حظيت بها هيباتيا، تجعلها مُهيأة لتصبح رمزًا للمعارضة ضد رجال الدين، الذي تبناه عصر التنوير بدرجات متفاوتة، واستغل فولتير “Voltaire” هذه الدعاية ليستخدمها في عدة مناسبات للتنديد بالظلامية، في سياق القضايا المختلفة المرتبطة بـ “التعصب” التي تهز فرنسا. فكتب تحديدًا في كتاب مراجعة مهمة لميلورد بولينجبروك “L’examen important de Milord Bolingbroke “:
هل هناك أفظع وأجبن مما فعله كهنة الأسقف كيرلس الذي يسميه المسيحيون القديس كيرلس؟ كانت هنالك فتاة في الإسكندرية اشتهرت بجمالها وذكائها تُدعى هيباتيا، تلقت تعليمها على يد والدها الفيلسوف ثيون، وتولت منصبه من بعده، ونالت الإعجاب لعلمها وحظيت بالتقدير لأخلاقها، لكنها كانت وثنية. قَبض عليها أتباع كيرلس حليقو الرؤوس، ومجموعة من المتعصبين، من المنبر بينما كانت تلقي دروسها، وسحبوها من شعرها، ورجموها بالحجارة، وأحرقوها، دون أن يوجّه القديس كيرلس لهم أدنى توبيخ، ودون أن يدين الإمبراطور المتدين ثيودوسيوس، الذي تلطخت يداه بدماء أهل تسالونيكي، هذا التجاوز الوحشي.
يُستغل مرة أخرى التباين بين وحشية “أتباع كيرلس حليقي الرؤوس” وجمال الجسد، ورقي الفكر، ونقاء أخلاق الفيلسوفة، إلى أقصى حد، لترسيخ النقد اللاذع في جانبه الأكثر ظلامية على المستوى العاطفي.
ستُلهم هذه الجوانب الجمالية وحتى الحسية لموت هيباتيا العديد من الأشخاص. لا يتردد تشارلز ماري لوكونت دي ليسل “Charles Marie Leconte de Lisle” في تأكيد الصفات الأخلاقية والجسدية لهيباتيا في قصيدته الطويلة التي تحمل اسمها: حيث هي “أنفاس أفلاطون “Platon” وجسد أفروديت “Aphrodite” (البيت 63). وإذا كان جسد أفروديت يبدو أكثر إلهامًا للشاعر من أنفاس أفلاطون، فإن الهدف النهائي هو تصور هذا العالم الأنثوي، الجمالي، المضيء، والفاضل، الذي يعكس هذا الماضي الثقافي الضائع، حيث يصور الشاعر هيباتيا كـ “عذراء الهلينية”. وتجدر الإشارة إلى أن هذا النص قد مر بعدة نسخ تختلف قليلًا بعضها عن بعض؛ إلا أنه في النسخة الأخيرة من عام 1874م، سيكون كيرلس، “الجليلي الحقير”، هو المسؤول عن قتلها. في النسخ السابقة، كانت نهاية هيباتيا، ونهاية الهلينية، تُعدُّ مجرد نقطة تحول حتمية في التاريخ، وكأنها نهاية لحقبة من الجمال والنقاء لعالم فاسد وقبيح.
نامي، أيتها الضحية البيضاء، في أعماق أرواحنا،
في كفنك الطاهر وتاجك من اللوتس؛
نامي! فالقبح النجس هو ملك هذا العالم،
وفقدنا طريقنا إلى باروس. (الأبيات ٦٥-٦٨)
ليس من قبيل الصدفة أن يختار موريس باريس “Maurice Barrès” في عام 1888م، (العذراء القتيلة) “La Vierge assassinée” عنوانًا لروايته. إن الأثر الذي تركته أبيات لوكونت دي ليسل ملموس بوضوح. قبل باريس بثلاث سنوات، كان الفنان تشارلز ويليام ميتشل “Charles William Mitchell” قد عبّر عن الفكرة نفسها في لوحاته. فلا شك أن هيباتيا في لوحته هي الإلهة أفروديت، التي استوحاها من لوحة (فينوس) “Vénus” للفنان بوتيتشيللي “Botticelli“. فينوس التي لا تُذكر نهايتها المأساوية إلا من خلال الرعب الذي يظهر في عيون الفتاة العارية أمام المذبح. الشمعدان المقلوب يرمز إلى العنف القادم، بينما شعلة الشمعة تشير إلى الحركة العنيفة لأولئك الذين لا نراهم، وكل ذلك يركز الحزن على الجسد العذري المقدم لجلاديه. في بريطانيا خلال العصر الفيكتوري، لم يكن من الممكن دراسة العري إلا من خلال إطار تاريخي. هذه العذراء (التي ستُقتل قريبًا)، هذا الجسد الجميل الموجه لأبشع أنواع العنف، هي ليست فقط قصيدة للجمال الأنثوي، بل أيضًا احتجاج ضد القيود الأخلاقية المفروضة على الفنانين. لم يُؤخذ في الاعتبار عمر هيباتيا التي بلغت نحو ستين عامًا عند اغتيالها في تمجيد تلك الشخصية التي تم توظيفها! إذ يجب أن تكون وتظل العذراء المقتولة. وعذراء في الستين من عمرها ليست موضوعًا مثيرًا، ولا صورة يمكن التعرف إليها بسهولة.
أما إيماءة الضحية الجليلة نحو الفسيفساء المطلة على المذبح، فهي تعكس إحدى السمات البارزة لشخصية هيباتيا كما صورها تشارلز كينجسلي “Charles Kingsley“، في روايته الصادرة في عام 1853م. بالنسبة لهذا القس الأنجليكاني، كان الهدف انتقاد تيار مسيحي جديد ذي طابع فلسفي وروحي، انتشر بين الطبقات الراقية في المجتمع الفيكتوري. في نظر كينجسلي، هذا التيار يشوّه المسيحية الحقيقية، التي تُعرف بديمقراطيتها وقربها من الناس. تموت هيباتيا كما الفلاسفة الدينيون الذين كان يعارضهم بشدة. على الرغم من أن هيباتيا لا تظهر في دور البطلة لأنها تمثل “الأعداء الجدد” كما وصفها كينجسلي، فإنها في النهاية تنضم إلى الجانب الصحيح في آخر الرواية. إيماءتها نحو المسيح الحاكم للعالم “Cosmocrator” في حنية الكنيسة تمثل توبتها الأخيرة، وهو ما تُؤكده مجازيًّا حركة دوران جسد المرأة التي ستلقى حتفها.
هيباتيا العصر الحديث، سفيرة القضايا العصرية.
من الواضح أن إعادة التفاسير المتعاقبة لشخصية هيباتيا ترتبط بعضها ببعض، من خلال توظيف سمات شخصيتها البارزة بشكل مستمر ولافت. غير أن تلك العذراء المقتولة قادرة على أن تكون رمزًا لعدة قضايا متنوعة. تتبع جميع السمات التي أُضيفت عبر العصور الاتجاه ذاته: زيادة البُعد المؤثر للشخصية، وتعزيز الشحنة العاطفية.
على الرغم من أن القرن العشرين قدم معارف تاريخية تجعل من غير الممكن عدّ هيباتيا ضحية بريئة للعنف المسيحي المتعصب، فإن هذه الفروق في تقييم شخصيتها لم تمنع استمرارية توظيفها، بل على العكس. تمثل هيباتيا راية نضال أندريه فيريتي “Andrée Ferretti” السياسي، وهي الكاتبة والناشطة الاستقلالية في كيبيك التي ذكرتها في كتابها النهضة في الوثنية “Renaissance en paganie” عام 1987م، “كآخر وسيلة لمقاومة تأسيس سلطة مطلقة تستند إلى رؤية هيمنية للعالم”. ستصبح هيباتيا رمزًا لمجلات أو كتب تبرز دور النساء في العلوم، سواء أكن فيلسوفات، أو عالمات بيئة، أو عالمات رياضيات، أو حتى ناشطات نسويات. بعض الأمثلة على ذلك:
Hypatia: A Journal of Feminist Philosophy, (1983–>); Hypatia: Feminist Studies (1984 –>); Hypatia’s Daughters. Fifteen Hundred Years of Women Philosophers (1986); M. Alic, Hypatias Töchter. Der verleugnete Anteil der Frauen an der Naturwissenschaft (1986)[7].
على الرغم من أن معظم استخدامات اسم هيباتيا تشمل أبحاثًا غاية في الجدية، كما في الأمثلة المذكورة، فقد استُخدِم أيضًا كرمز لانحرافات أيديولوجية تفتقر إلى أي أساس علمي. وهكذا، أصبحت هيباتيا أول امرأة متحررة جنسيًّا بفضل ثقافتها. واليوم، يُستخدم اسم هيباتيا “Hypatia” كثيرًا “اسمًا مستعارًا” للمومسات على شبكة الإنترنت.
يولي الفن النسوي هيباتيا مكانة مرموقة؛ فهي واحدة من التسعِ وثلاثين شخصية النسائية التي دعتهن الفنانة جودي شيكاغو في عملها الفني الضخم “Dinner Party” عام 1979م. كل مقعد على هذه الطاولة المثلثة الضخمة التي يبلغ طول كل جانب منها 16 مترًا، يتضمن مفرش طاولة مصمّمًا بشكل شخصي يحمل اسم الضيفة، وأمام كل مقعد يوجد أيضًا صحن مصمم بشكل شخصي يرمز إلى الأنوثة، حيث تعكس التفاصيل الجمالية المختارة شخصية الضيفة الممثلة. من حتشبسوت “Hatchepsout” إلى أيقونات الحركة النسوية الناشئة أو المثليات المناضلات، مرورًا بالإمبراطورة ثيودورا “Théodora“، أو كريستين دي بيسانت “Christine de Pisant“، أو إليونور داكيتين “Éléonore d’Aquitaine“، أو إليزابيث الأولى “Élisabeth 1ère“، فإن المشهد البانورامي واسع، دون أن ننسى شخصيات الهيلينية مثل سافو “Sappho” وأسبازيا “Aspasie” وبالطبع هيباتيا “Hypatie“.
تظهر هيباتيا أيضًا بشكل لائق على الشاشة الكبيرة. في عام 2009م، جعل أليخاندرو آمينابار من هيباتيا الشخصية المركزية في فيلمه أغورا. يصور المخرج السياق المتفجر لمدينة الإسكندرية في أوائل القرن الخامس، بالاستعانة بخبيرين تاريخيين، لكنه لا يتردد في التصرف في تفسير الأحداث التاريخية، وجعل من هيباتيا أيقونة العلم، في طريقها لفهم المدارات الإهليلجية للكواكب في نظام مركزية الشمس، وهي نظرية سيكتشفها كوبرنيكوس “Copernic” بعد قرون. فتصبح هيباتيا معارضة للتعصب الديني الذي يجسده كيرلس وأتباعه. تتجلى الرسالة المعاصرة الكامنة في فيلم آمينابار بكل وضوح من خلال اختيار الممثلين: إذ جميع ممثلي الثقافة الهلنستية، والعلم، والفلسفة هم ممثلون بيض من أصل أنجلوسكسوني؛ بينما كيرلس وأتباعه ذوو بشرة داكنة اللون، ويرتدون ملابس تشبه تلك التي يرتديها المتطرفون الدينيون في الوقت الحالي. وهكذا، تصبح هيباتيا جزءًا من نقاش معاصر جديد حول التطرف، والتلاعب بالحشود، والعولمة، مع مشاهد واسعة تأخذنا إلى الماضي، كل ذلك في إطار تاريخي مُصور بدقة، مما يجعل التوظيف الأيديولوجي لهذه الشخصية القديمة أكثر خداعًا.
تتمكن هيباتيا من دخول العديد من الخطابات المختلفة، سواء من خلال الجمالية المبالغ في مثاليتها كما في أعمال لوكونت دي ليسل، أو من خلال الابتذال الاستفزازي للأعضاء التناسلية الأنثوية في عمل جودي شيكاغو، سواء كانت تلك الخطابات ذات طابع جدلي، أو مطالبي، أو أيديولوجي، أو نقدي. لقد أصبحت رمزًا لعدد كبير من القضايا: فهي الشهيدة الوثنية التي اغتيلت على يد المسيحيين في الإسكندرية، ورمز الصراع الطائفي بين البروتستانت والكاثوليك الذي يتمحور حول شخصية كيرلس، وبطلة مناهضة للكنيسة ضحية النزعة الظلامية، وإلهة جديدة لليونانية الرومانسية المضحى بها على مذبح الزمن، وممثلة الوضعية وضحية انتصار الدين على العلم، ورمزًا لمسيحية ذات طابع فلسفي مبالغ فيه يشكك في مصداقيته، ومرجعية لدور المرأة في العلم، وأيقونة للنسوية، ونموذج للحرية والمقاومة ضد أي سلطة مطلقة، ورمزٌ للعقلانية في مواجهة التعصب… والقائمة تطول. لا شك أن مستقبل هيباتيا سيكون مشرقًا.
هيباتيا، لماذا وكيف نحتاج إلى شخصيات رمزية؟
يبقى السؤال حول الأسباب والخصائص التي سمحت لهيباتيا بالانسجام بسهولة مع خطابات متنوعة بهذا الشكل. يبدأ كل شيء بمعرفتنا بالشخصية التاريخية. نحن نعرف عن هيباتيا ما يكفي لإثارة جميع الاهتمامات: حياتها كامرأة استثنائية من حيث حريتها وشخصيتها الجذابة العلمية والعامة، وعلاقتها مع مدينة محتدمة وفترة مضطربة، شهدت تصادمًا بين مفاهيم متناقضة حول السلطة والثقافة والعقلية الدينية، ووفاتها، بالطبع، التي كانت سببًا في شهرتها، ذلك العنف الأعمى الذي استهدف جسدًا أنثويًّا. كل ما نعرفه عن هيباتيا يعد فرصة لتوظيفها واستغلالها العاطفي. ومن ناحية أخرى، كل ما لا نعرفه ولن نعرفه أبدًا عن هيباتيا، يوفر مساحة ممتعة للحرية في عملية التجريد وبناء الرمزية. تسمح لنا المسافة الزمنية التي بيننا وبين الحقبة التاريخية التي عاشت فيها هيباتيا، وتطورت بالمغالاة وفقًا للاحتياجات، بتسليط الضوء على جانب من جوانب شخصيتها التاريخية الذي يخدم الموضوع الحالي. وتعدّ هذه المسافة التاريخية أيضًا مغريةً، حيث إن اللجوء إلى الماضي والتاريخ بمنزلة ضمان للأصالة وغطاء ثقافي وشرعي. إن استحضار فيلسوفة إسكندرانية ماتت في ظروف مروعة، سيكون له دائمًا تأثير أقوى من قائمة الحجج الديكارتية، بغض النظر عن القضية التي تسعى الشخصية التاريخية إلى خدمتها. إنه فعل تواصلي يعتمد على الصورة التي تُبنى خصيصًا لهذا الغرض، وعلى الخيال المشترك إلى حدٍّ ما بدرجات متفاوتة، ومن ثم يتحرر من أي اعتماد على العقلانية.
إن صناعة الأبطال –البطلات في هذه الحالة– هي عملية بسيطة ومبسطة للغاية. لن تملك أي من الشخصيات البطولية التي بنيناها وما زلنا نبنيها، في الرياضة أو السياسة أو علم البيئة، سماكةً أو عمقًا أو تباينًا أو حتى تناقضاتٍ شخصيةً إنسانيةً حقيقيةً. لا تتماشى الفروق الدقيقة بشكل جيد مع الشعارات. تعتمد صناعة البطل العديد من الحذف والتركيز على نقطة أو نقطتين محددتين، باستخدام عدسة مقربة قوية، تتجاهل النقاط الأخرى.
كرمز لقضية ما، تُقتصر الشخصية التاريخية إلى بعدين، وتُلخص في تباين كنسخة بالأبيض والأسود وفقًا لكل وجهة نظر متعارضة، كما حَدث بين جون تولاند وتوماس لويس بين عامي 1720م و1721م حول شخصية هيباتيا، وكما يحدث حاليًّا مع “الرجال العظماء” الذين نكتشف ماضيهم الاستعماري، وربما حتى العبودي. إن بناء شخصيات الأبطال أو تدميرها يُعد وسيلة للتحدث، وطريقة للتعبير عن الذات، وعن المجتمع، والدفاع عن الفكرة الراهنة. والاعتماد على التاريخ له ميزة مزدوجة؛ إذ يتخلله “فجوات” تاريخية، وتحيطه هالة ثقافية.
فهل مهمة المؤرخ، إذن، هي ملاحقة الشخصيات الرمزية بحجة الأصالة التاريخية؟ هل تتمثل في تحطيم الأحلام، مثل حلم لوكونت دو ليل؟ هل تتمثل في تحطيم الآليات التي تحول الشخصيات التاريخية إلى استعارات؟ لا أعتقد ذلك. إذا كانت الشخصيات التاريخية، مثل هيباتيا، لا تزال تُستخدم اليوم للتعبير غير المباشر عن أنفسنا، وعن قيمنا، وعن مجتمعنا، وعن آمالنا، وعن نضالاتنا، فإنه ليس من دور المؤرخ أن يعيق هذا الزخم. في أفضل الأحوال أو أدناها، يمكننا إعادة تجسيد هذه الشخصيات غير المجسدة، من خلال إعادتها بأفضل دقة ممكنة إلى سياقها، وتطوراتها، وتناقضاتها، وإنسانيتها.
سمحت هيباتيا على مر العصور بالتعبير بشكل مجازي عما لم يكن بإمكان الخطاب العقلاني قوله أو طرحه بفعالية مماثلة. فقدت بذلك بعض التفاصيل الدقيقة، وبعض درجات الألوان، وعمقًا إنسانيًّا، لكنها اكتسبت شهرة استثنائية، لكن هذه الشهرة تختلف تمامًا عن تلك التي كانت تتمتع بها في الإسكندرية نحو عام 400 ميلادي. وجميع العناصر موجودة لتظل هيباتيا مرجعًا ورمزًا لقضايا متعددة. وهذا جيد، طالما أننا ندرك بأنها رمز نبنيه ونتبناه، وليست شخصية نعتقد أنها حقيقية تاريخيًّا.
الملخصات الرئيسية
- P. O. CHOTJEWITZ, Der Fall Hypatia, Hamburg, A.-Maeger-Verlag 2002
- M. DZIELSKA, Hypatia of Alexandria, Cambridge/London, Harvard University Press, 1995
- MAEGER, Hypatia. Die Dreigestaltige– Philosophin, “Kirchenvater”, Heilige, Hamburg, A.-Maeger-Verlag 1999 (19921)
- E.J WATTS, Hypatia. The Life and Legend of An Ancient Philosopher, Oxford, Oxford University Press, 2017.
دراسات حول نقاط معينة
- CAMERON, “Isodore of Miletus and Hypatia: On the Editing of Mathematical Texts”, Greek, Roman and Byzantine Studies 31, 1990, p. 103-127
- M. A. B. DEAKIN, “Hypatia and her Mathematics. The American Mathematical Monthly 101, 1994, p. 234-243
- E. EVRARD, « À quel titre Hypatie enseigna-t-elle la philosophie ? » Revue des Études grecques 90, 1977, p. 69-74
- CHR. LACOMBRADE, « Hypatie, Synésios de Cyrène et le patriarcat alexandrin », Byzantion 71, 2001, p. 404-421
- E. LAMIRANDE, « Hypatie, Synésios et la fin des dieux. L’histoire et la fiction », Studies in Religion / Sciences religieuses 18, 1989, p. 467-489
- J. ROUGE, « La politique de Cyrille d’Alexandrie et le meurtre d’Hypatie », Cristianesimo nella storia 11, 1990, p. 485-504.
[1] ظهرت هيباتيا على غلاف مجلة “Astrapi” العدد 966، الصادر في 15 مارس 2021، ضمن قائمة عشرين امرأة غيّرن العالم.
[2] على سبيل المثال، نظمت جامعة لوزان هذا العام، بالتعاون مع المدارس الثانوية في مدينة لوزان (سويسرا)، مشروعًا يقدمه طلاب تتراوح أعمارهم بين 14 و15 عامًا عن النساء البارزات في مجال العلوم، حيث كانت هيباتيا شخصية محورية من العصور القديمة اليونانية، وعُرضت نتائج هذه الأعمال في معرض عام ضمن إطار أنشطة الجامعة.
[3] عمل مكتوب في الإسكندرية في القرن الثاني الميلادي، يُعد (Megistè > في العربية “المجسطي”) “أعظم” مجموعة للمعارف الرياضية والفلكية، ويشمل بشكل خاص نظرية هندسية لحركات الكواكب، ظلت المرجع في الغرب والعالم العربي حتى ظهور النموذج الشمسي لكوبرنيكوس.
[4] عقب صدور مرسوم يُعرف بمرسوم تسالونيكي (380)، الذي جعل المسيحية النيقية (مجمع نيقية عام 325) دين الدولة الرسمي، ضد المذهب الأريوسي، أُغلقت المعابد الوثنية، ودُمر بعضها أو تحولت إلى كنائس. ولتطبيق هذه التوجيهات التي أصدرها الإمبراطور ثيودوسيوس، منع أسقف الإسكندرية ثيوفيلوس الوصول إلى المعابد الوثنية، وخصوصًا دمر معبد سيرابيون عام 391.
[5] هيباتيا أو تاريخ امرأة جميلة جدًّا، وفاضلة، ومثقفة ومكتملة في كل جانب: التي مُزقت بواسطة رجال الدين في الإسكندرية، لإرضاء غرور، ومضاهاة وقسوة رئيسهم الأسقفي، الذي يُسمى عادة، ولكن من دون استحقاق، بالقديس كيرلس
[6] قصة هيباتيا، معلمة وقحة للغاية. دفاعًا عن القديس كيريلوس ورجال الدين في الإسكندرية ضد الافتراءات التي وجهها السيد تولاند.
[7] هيباتيا: مجلة الفلسفة النسوية (1983م –>)، هيباتيا: دراسات نسوية (1984م –>)، بنات هيباتيا: خمسة عشر قرنًا من الفلاسفة النساء (1986م)، أليس، بنات هيباتيا: الجزء المنفي للنساء في العلوم الطبيعية (1986م).
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




