إن التقدم السريع في تكنولوجيا المعلومات أفرز تطبيقات قادرة على القيام بكل شيء، من الإجابة عن أسئلة برامج المسابقات إلى قيادة السيارات، غير أن تحقيق الاستفادة الحقيقية من هذه التقنيات المتطورة باستمرار يتطلب من الشركات اعتماد عمليات ونماذج أعمال جديدة.
إريك برينجولفسون وأندرو مكافي
في السنوات القليلة الماضية، كان التقدم في تكنولوجيا المعلومات — في أجهزة الكمبيوتر والبرمجيات والشبكات — سريعًا ومفاجئًا إلى درجة أن العديد من المؤسسات والمنظمات والسياسات والعقليات الحالية لم تعد تواكب هذا التطور. كنا في السابق واثقين إلى حد كبير من معرفتنا بنقاط القوة والضعف النسبية لأجهزة الكمبيوتر مقارنة بالبشر، إلا أن الحواسيب بدأت تغزو مجالات لم تكن متوقعة، ولهذا الأمر آثار بالغة الأهمية على المديرين والمؤسسات.
ومن أوضح الأمثلة على الزيادة الهائلة في قوة الحوسبة، يمكننا مقارنة كتاب نُشر عام 2004م مع إعلان صدر عام 2010م، الكتاب هو “تقسيم العمل الجديد” (The New Division of Labor) للاقتصاديين فرانك ليفي وريتشارد مورنين، ويحتوي على وصف مستفيض للقدرات المقارنة بين الحواسيب والعاملين من البشر.
في الفصل الثاني من الكتاب، المعنون “لماذا لا يزال للبشر أهمية”، يعرض المؤلفان طيفًا من مهام معالجة المعلومات، وفي أحد طرفي الطيف توجد التطبيقات المباشرة للقواعد المعروفة. مثل هذه المهام -كإجراء العمليات الحسابية- يمكن أتمتتها بسهولة، لأن الحواسيب بارعة في اتباع القواعد.
أما في الطرف الآخر من طيف التعقيد، فهناك مهام التعرف إلى الأنماط، حيث لا يمكن استنتاج القواعد. يضرب كتاب “تقسيم العمل الجديد” مثالًا على ذلك بقيادة المركبات وسط حركة المرور، ويؤكد أن هذه المهمة لا يمكن أتمتتها:
“إن سائق الشاحنة… يعالج تدفقًا مستمرًّا من المعلومات [البصرية والسمعية واللمسية] من بيئته… ولو أردنا برمجة هذا السلوك، فيمكننا البدء بكاميرا فيديو ومستشعرات أخرى لالتقاط المدخلات الحسية، غير أن تنفيذ انعطافة يسارية أمام حركة المرور القادمة ينطوي على عوامل كثيرة بحيث يصعب تخيل اكتشاف مجموعة القواعد التي يمكنها محاكاة سلوك السائق…
إن صياغة المعرفة البشرية وإدراجها في البرمجيات، باستثناء الحالات ذات البنية الشديدة، هي مهمة بالغة الصعوبة في الوقت الراهن… ولا تستطيع الحواسيب بسهولة أن تحل محل البشر في [وظائف مثل قيادة الشاحنات]”.¹
وقد دعمت نتائج أول تحدٍّ وهو “داربا الكبير” (DARPA Grand Challenge)، الذي أُقيم عام 2004م، استنتاج ليفي ومورنين. كان التحدي يتمثل في بناء مركبة ذاتية القيادة قادرة على اجتياز مسار بطول 142 ميلًا عبر صحراء موهافي، أما الفريق “الفائز” فلم ينجح في قطع أكثر من ثمانية أميال قبل أن يفشل.²
غير أنه بعد ست سنوات فقط، تحولت القيادة الواقعية من مثال على مهمة لا يمكن أتمتتها إلى مثال على مهمة أُتمِتت بالفعل، ففي أكتوبر 2010م، أعلنت شركة Google (جوجل) عبر مدونتها الرسمية أنها عدّلت ست سيارات من طراز Toyota Prius (تويوتا بريوس) حتى أصبحت مركبات ذاتية القيادة بالكامل، وقد قطعت أكثر من ألف ميل على طرق الولايات المتحدة دون أي تدخل بشري على الإطلاق، وأكثر من 140 ألف ميل مع تدخلات طفيفة فقط من الشخص الجالس خلف المقود، بالإضافة إلى البيانات التي جمعتها جوجل مسبقًا عن الطريق. (ولمراعاة قوانين القيادة، أبقت جوجل شخصًا خلف عجلة القيادة في جميع الأوقات).³
كان ليفي ومورنين محقين في أن القيادة الآلية على الطرق المأهولة مهمة بالغة الصعوبة، وأن بناء حاسوب يمكنه أن يحل محل الإدراك البشري ومطابقة الأنماط في هذا المجال ليس أمرًا يسيرًا؛ ليس سهلًا، لكنه ممكن، وهذا التحدي يُواجه اليوم.
إن خبراء جوجل لا يتجاوزون التحديات التي ذكرها ليفي ومورنين، بل يواجهونها مباشرة؛ فقد استخدموا كميات هائلة من البيانات التي جُمعت لصالح Google Maps (خرائط جوجل) وGoogle Street View (عرض الشوارع في جوجل) بالإضافة إلى مستشعرات خاصة لتوفير أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الطرق التي تسلكها سياراتهم، وبوجه خاص، تجمع مركباتهم كميات ضخمة من البيانات الفورية باستخدام معدات الفيديو والرادار وأجهزة الاستشعار البصرية عن بعد (LIDAR) المثبتة على السيارة، وتُغذى هذه البيانات إلى برنامج يأخذ في الحسبان قواعد الطريق، ووجود ومسار وهوية جميع الأجسام القريبة، وظروف القيادة، وغير ذلك. ويتولى هذا البرنامج التحكم في السيارة، وربما يوفر مستوى من الوعي والانتباه وسرعة الاستجابة يفوق ما يمكن لأي سائق بشري تحقيقه. وحتى الآن، لم تتعرض مركبات جوجل سوى لحادث واحد، حين صدمتها سيارة أخرى من الخلف في أثناء توقفها عند إشارة المرور.
إن ابتكار سيارات ذاتية القيادة ليس بالأمر السهل، ولكن في عالم تتوفر فيه بيانات دقيقة وفيرة، ومستشعرات قوية، وسعة تخزينية ومعالجة ضخمة، أصبح الأمر ممكنًا، وهذا هو العالم الذي نعيش فيه اليوم؛ عالم تتحسن فيه قدرات الحواسيب بسرعة مذهلة، فتنتقل من كونها ضربًا من الخيال العلمي إلى واقع يومي، ليس في مدى عمر الإنسان، بل خلال بضع سنوات فقط.
يعطي ليفي ومورنين مثالًا آخر على قدرة بشرية يصعب على الآلات تقليدها، وهي التواصل المعقد، فالتواصل المعقد يقتضي التحاور مع إنسان، لا سيما في مواقف معقدة أو عاطفية أو غامضة. لقد برمجت عملية التطور البشر على أداء هذا الأمر بسهولة فائقة، غير أن برمجة الحواسيب للقيام بالمثل أمر بالغ الصعوبة، وقد تحقق الإنجاز بالنسبة لكثير منا عندما بدأنا باستخدام المساعد الشخصي “سيري” (Siri) من شركة أبل. فـ”سيري”، وهو تطبيق يعمل على أحدث أجيال هواتف “آيفون” (iPhone)، يفهم الكلام البشري بدرجة كافية تجعله قادرًا على تلبية طيف واسع من الطلبات اليومية، من قبيل: “أين أقرب محطة وقود؟” إلى “رجاءً حدد موعد غداء مع سيرجي”. ويحقق ذلك من خلال الربط مع مجموعة متنوعة من قواعد البيانات العامة والخاصة، كما أن “سيري” يحل الاستفسارات الغامضة بالاستناد إلى السياق، بل ويضفي شيئًا من الشخصية والدعابة عند الحاجة. ونتيجة لذلك، باتت كثير من المهام على “آيفون”، مثل تحديد موعد أو إيجاد مطعم، أيسر عند استخدام اللغة الطبيعية مقارنة بالتنقل بين القوائم وكتابة النصوص.
تظهر سيارة غوغل ذاتية القيادة (Google driverless car) مدى التقدم السريع والبعيد الذي أحرزته قدرات التعرف الرقمي إلى الأنماط في الآونة الأخيرة، أما “سيري” من أبل، فيوضح مدى التقدم الذي تحقق في قدرة الحواسيب على الانخراط في تواصل معقد، وهناك تقنية أخرى طُوِّرت في مركز أبحاث “واتسون” (Watson) التابع لشركة “آي بي إم” (IBM)، وتُدعى “واتسون”، وهي تظهر مدى القوة الكامنة في الجمع بين هاتين القدرتين، ومدى التقدم الذي أحرزته الحواسيب مؤخرًا في ميادين كان يُعتقد أنها حكر على البشر وحدهم.
“واتسون” هو حاسوب فائق صُمم للمشاركة في برنامج المسابقات التلفزيوني “جيوباردي!” (Jeopardy!)، إذ يُطلب من المتسابقين الإجابة عن أسئلة في طيف واسع من المواضيع غير المعروفة سلفًا. وفي كثير من الأحيان، تتضمن هذه الأسئلة تلاعباً بالألفاظ وأنواعًا أخرى من اللعب بالكلمات، ما يجعل من الصعب تحديد ما يُسأل عنه بالضبط أو كيفية تركيب الإجابة. وباختصار، فإن إجادة لعبة “جيوباردي!” تتطلب القدرة على الانخراط في تواصل معقد. أما طريقة لعب “واتسون”، فهي تعتمد أيضًا على كميات هائلة من مطابقة الأنماط، فقد زُوِّد الحاسوب بمئات الملايين من الوثائق الرقمية غير المترابطة، بما فيها الموسوعات وغيرها من المراجع، وأخبار الصحف، والكتاب المقدس. وعندما يتلقى سؤالًا، يبدأ “واتسون” فورًا بمحاولة فهم المطلوب (باستخدام خوارزميات متخصصة في التواصل المعقد)، ثم يبدأ باستجواب جميع هذه الوثائق للبحث عن الأنماط ومطابقتها أملًا في إيجاد الجواب.
وما ينتج في النهاية سريع ودقيق إلى حد يعجز معه حتى أمهر اللاعبين البشر عن مجاراته، ففي فبراير من عام 2011م، شارك “واتسون” في مسابقة متلفزة ضد اثنين من ألمع المتسابقين في تاريخ البرنامج. وبعد جولتين من اللعب عُرضتا على مدى ثلاثة أيام، أنهى الحاسوب المنافسة بمبلغ يزيد على ثلاثة أضعاف ما جمعه أقرب منافسيه من البشر. وقد أقر أحد هؤلاء المنافسين، كين جينينغز (Ken Jennings)، بأن التقنيات الرقمية قد استولت على اللعبة، وكتب تحت إجابته الأخيرة في المسابقة: “أما أنا فأرحب بأسيادنا الجدد من الحواسيب”.
فمن أين جاء هؤلاء “الأسياد”؟ وكيف تحول الخيال العلمي إلى واقع تجاري بهذه السرعة؟ هناك مفهومان أساسيان لفهم هذا التقدم اللافت: الأول هو “قانون مور” (Moore’s Law)، وهو معروف جيدًا؛ إذ هو تعميم لملاحظة أبداها غوردون مور (Gordon Moore)، الشريك المؤسس لشركة “إنتل” (Intel) لصناعة المعالجات الدقيقة، ففي مقال نُشر عام 1965م في مجلة “إلكترونيكس” (Electronics)، لاحظ مور أن عدد الترانزستورات في الدوائر المتكاملة ذات التكلفة الدنيا كان يتضاعف كل اثني عشر شهرًا، وتنبأ بأن هذا المعدل من التحسن سيستمر مستقبلًا، وعندما تحقق ذلك بالفعل، وُلد ما يُعرف بـ”قانون مور”.
وقد عدلت التقديرات اللاحقة الفترة الزمنية اللازمة لحدوث هذا التضاعف؛ أما الفترة الأكثر قبولًا اليوم فهي ثمانية عشر شهرًا، وقد طُبِّقت صيغ مختلفة من “قانون مور” على التحسن مع مرور الوقت في سعة أقراص التخزين، ودقة الشاشات، وعرض النطاق للشبكات، ومؤخرًا استهلاك الطاقة. وفي هذه المجالات وغيرها من حالات التحسن الرقمي، يحدث التضاعف بسرعة وانتظام.
ويبدو أيضًا أن البرمجيات يمكن أن تتقدم بسرعة توازي على الأقل سرعة تقدم الأجهزة، على الأقل في بعض المجالات. فقد حلل عالم الحاسوب مارتن غروتشيل (Martin Grötschel) سرعة حل مسألة معيارية في التحسين بوساطة الحواسيب خلال المدة من 1988م إلى 2003م، وقد وثق تحسنًا بلغ ثلاثة وأربعين مليون ضعف، عزاها إلى عاملين: معالجات أسرع وخوارزميات أفضل مدمجة في البرمجيات، فقد تحسنت سرعة المعالجات بمقدار ألف ضعف، غير أن هذا التحسن تضاءل أمام الخوارزميات التي أصبحت أفضل بثلاثة وأربعين ألف مرة في المدة نفسها.
أما المفهوم الثاني المتعلق بفهم التقدم الحديث في الحوسبة، فهو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بـ”قانون مور”، ويستمد جذوره من قصة قديمة عن الرياضيات أعاد إحياءها المبتكر والمستشرف المستقبلي راي كورزويل (Ray Kurzweil) لتناسب عصرنا الحاضر. وفي إحدى روايات القصة، يعرض مخترع لعبة الشطرنج اختراعه على حاكم بلاده، فيُسر الإمبراطور باللعبة إلى درجة أنه يسمح للمخترع بأن يحدد مكافأته بنفسه، فيطلب الرجل الذكي كمية من الأرز تُحدد كالآتي: توضع حبة أرز واحدة على المربع الأول من رقعة الشطرنج، وحبتان على الثاني، وأربع على الثالث، وهكذا بحيث يتضاعف عدد الحبات في كل مربع عن المربع الذي قبله.
يوافق الإمبراطور، معتقدًا أن هذه المكافأة ضئيلة للغاية، لكنه سرعان ما يلاحظ أن التضاعف المستمر يؤدي إلى أرقام هائلة للغاية، ينتهي الأمر بالمخترع بالحصول على 264-1 حبة أرز، أي كومة تفوق جبل إيفرست حجمًا. وفي بعض روايات القصة، يستاء الإمبراطور بشدة من خداعه حتى إنه يأمر بقطع رأس المخترع.
في كتابه الصادر عام 2000م بعنوان “عصر الآلات الروحية: عندما تتجاوز الحواسيب الذكاء البشري” (The Age of Spiritual Machines: When Computers Exceed Human Intelligence)، يشير كورزويل (Kurzweil) إلى أن كومة الأرز ليست استثنائية في النصف الأول من رقعة الشطرنج:
فبعد اثنين وثلاثين مربعًا، يكون الإمبراطور قد منح المخترع نحو أربعة مليارات حبة أرز، وهذا مقدار معقول -يعادل محصول حقل كبير تقريبًا- وقد بدأ الإمبراطور يلاحظ الأمر.
ومع ذلك، كان الإمبراطور لا يزال إمبراطورًا، وكان المخترع لا يزال محتفظًا برأسه، ولكن حين انتقلا إلى النصف الثاني من رقعة الشطرنج، بدأ أحدهما على الأقل يواجه المتاعب.
يركز كورزويل على أن التضاعف المستمر وغيره من أشكال النمو الأُسِّي (exponential growth) خادع لأنه يبدو في البداية غير ملحوظ، فالنمو الأُسِّي في بدايته يشبه النمو الخطي المعتاد، لكنه في الحقيقة مختلف تمامًا، ومع مرور الوقت -ومع الانتقال إلى النصف الثاني من رقعة الشطرنج- يربك النمو الأُسِّي حدسنا وتوقعاتنا، إذ يتسارع متجاوزًا كل نمو خطي، لينتج أكوامًا من الأرز بحجم جبل إيفرست، وحواسيب قادرة على إنجاز مهام كانت مستحيلة سابقًا.
فأين نحن اليوم في تاريخ استخدام الحواسيب في الأعمال التجارية؟ هل وصلنا إلى النصف الثاني من رقعة الشطرنج؟ بالتأكيد، لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بدقة، لكنّ حسابًا بسيطًا -وإن كان طريفًا- يفضي إلى نتيجة مثيرة، فقد أضافت الإحصاءات الاقتصادية الحكومية الأمريكية فئة “تكنولوجيا المعلومات” (information technology) كنوع من الاستثمار التجاري في عام ١٩٥٨م، لذا فلنجعل ذلك عام البداية، ولنأخذ فترة التضاعف وفق قانون مور (Moore’s Law) وهي ثمانية عشر شهرًا. إذًا، اثنان وثلاثون ضعفًا تأخذنا إلى عام ٢٠٠٦م، وإلى النصف الثاني من رقعة الشطرنج. ويمكن عدُّ الإنجازات مثل سيارات جوجل ذاتية القيادة (Google’s autonomous cars) والحاسوب الفائق واتسون (Watson) بطل برنامج “جيوباردي!” (Jeopardy!) أمثلة أولى على نوع الابتكارات الرقمية التي سنشهدها مع تقدمنا أكثر في النصف الثاني؛ في المرحلة التي يجلب فيها النمو الأُسِّي نتائج مذهلة، وستشعر جميع المهام والوظائف والصناعات تقريبًا بتأثير هذه النتائج. ويبرز الاقتصاديان سوسانتو باسو (Susanto Basu) وجون فيرنالد (John Fernald) كيف أن توافر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT) الرخيصة يسمح بالابتعاد عن نمط الأعمال المعتاد:
إن توفر رأس مال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الرخيص (cheap ICT capital) يمكّن الشركات من استخدام مدخلاتها الأخرى بطرائق مختلفة جذريًّا وتزيد الإنتاجية. وبهذا، يمكن للحواسيب ومعدات الاتصالات الرخيصة أن تعزز سلسلة متنامية من الابتكارات التكميلية في الصناعات التي تستخدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
لاحظ أن الحواسيب تزيد الإنتاجية ليس فقط في قطاع التقنية العالية، بل في جميع الصناعات التي تشتري وتستخدم المعدات الرقمية. وفي أيامنا هذه، يعني ذلك جميع الصناعات؛ حتى القطاعات الأمريكية ذات التقنية المنخفضة تاريخيًّا مثل الزراعة والتعدين تنفق الآن مليارات الدولارات سنويًّا على التحول الرقمي.
لاحظ أيضًا اختيار الكلمات لدى باسو وفيرنالد؛ فالحواسيب والشبكات تفتح أمام الشركات مجموعة متزايدة من الفرص، فالتحول الرقمي (Digitization)، بعبارة أخرى، ليس مشروعًا واحدًا يوفر فوائد لمرة واحدة، بل هو عملية مستمرة من الهدم الخلاق؛ إذ يستخدم المبتكرون التقنيات الجديدة والراسخة لإحداث تغييرات عميقة على مستوى المهمة، والوظيفة، والعملية، بل وحتى على مستوى المنظمة نفسها، وهذه التغييرات تبني بعضها فوق بعض، بحيث تزداد الإمكانات فعلًا باستمرار. (ومع ذلك، لا يعني هذا أن التقدم السريع الحالي في الحوسبة يعود بالنفع تلقائيًّا على الجميع؛ ففي الواقع، في كتابنا الإلكتروني الأخير “سباق ضد الآلة” (Race Against the Machine)، نؤكد أن التغير السريع في التقنيات الرقمية يخلق مشكلة خطيرة للمجتمع، إذ يُترك ملايين الأشخاص خلف الركب، يواجهون إما ركودًا في الدخل أو البطالة).
المنافسة باستخدام الآلات
ماذا يعني ذلك للشركات -وللعاملين فيها، ولطريقة تنظيم العمل- عندما تستطيع الآلات أداء المهام بشكل أفضل من البشر في عدد متزايد من المجالات؟ عند التفكير في هذا السؤال، من المفيد أن نتذكر أن فكرة منافسة البشر للآلات ليست جديدة؛ فهي جزء من الفولكلور الأمريكي نفسه، ففي أواخر القرن التاسع عشر، انتشرت أسطورة جون هنري (John Henry) مع تأثيرات الثورة الصناعية المدفوعة بالبخار في كل صناعة ووظيفة تعتمد على القوة البشرية. إنها قصة منافسة بين مثقاب يعمل بالبخار وجون هنري، العامل القوي في السكك الحديدية والعبد السابق، لمعرفة أيهما يستطيع حفر ثقب أطول في الصخر الصلب. يفوز هنري في هذا السباق ضد الآلة، لكنه يخسر حياته؛ إذ تؤدي جهوده الجبارة إلى انفجار قلبه. ولم يتحد البشر المثقاب البخاري مباشرة مرة أخرى.
تعكس هذه الأسطورة القلق الشعبي آنذاك بشأن احتمال أن تجعل التكنولوجيا العمل البشري غير ضروري. لكن هذا لم يحدث فعليًّا مع تقدم الثورة الصناعية، فمع تطور وانتشار الطاقة البخارية في الصناعة، ازدادت الحاجة إلى العمال، لا العكس. ولم تعد الحاجة إلى القوة البدنية الخام (كما كان جون هنري)، بل إلى مهارات بشرية أخرى: جسدية مثل الحركة والمهارة والتنسيق والإدراك، وذهنية مثل التواصل، ومطابقة الأنماط، والإبداع.
تُظهر لنا أسطورة جون هنري أنّ الإنسان، في كثير من السياقات، سيخسر في نهاية المطاف السباق المباشر أمام الآلة. غير أنّ الدرس الأوسع الذي تقدمه الثورة الصناعية يشبه إلى حدّ كبير سباق السرعة في “إنديانابوليس 500” أكثر من قصة جون هنري؛ فمع مرور الزمن، يخلق التقدم التكنولوجي فرصًا يتسابق فيها الناس باستخدام الآلات. عندئذٍ، يمكن للبشر والآلات أن يتعاونوا في سباق لإنتاج المزيد، وللاستحواذ على الأسواق، وللتفوّق على فرق أخرى من البشر والآلات. ولا يزال هذا الدرس صالحًا ومهمًّا حتى اليوم، إذ باتت الآلات تتفوّق في أنواع متزايدة من المسابقات الذهنية المباشرة، وليس الجسدية فحسب. وكما هو الحال في الثورة الصناعية، نعتقد أن الأمور ستصبح أكثر إثارة حين يبدأ مزيد من الناس في المنافسة باستخدام هذه الآلات القوية الجديدة، بدلًا من التنافس ضدها.
يقدّم لنا الشطرنج مثالًا رائعًا على ذلك، ففي عام 1997م، خسر غاري كاسباروف، أعظم أستاذ شطرنج في تاريخ البشرية، أمام “ديب بلو” (Deep Blue)، وهو حاسوب فائق التخصص بلغت قيمته عشرة ملايين دولار، قام فريق من شركة IBM ببرمجته. وقد كان هذا الحدث آنذاك مثار اهتمام واسع، إلا أنّ ما هو أقل شهرة أن أفضل لاعبي الشطرنج في العالم اليوم ليسوا حواسيب، وليسوا بشرًا فقط، بل إن أفضل لاعبي الشطرنج هم فرق من البشر يستخدمون الحواسيب.
في المباريات التي يتواجه فيها البشر مع بعضهم بعضًا، تُعدّ الاستعانة بالحاسوب غشًّا، وبالمثل، في مسابقات الشطرنج بين الحواسيب (نعم، هذه المسابقات موجودة أيضًا)، يُعدّ تدخل الإنسان غشًّا كذلك، غير أن مسابقات “اللعب الحر” (freestyle) تتيح أي تركيبة بين البشر والحواسيب، وكما يلاحظ غاري كاسباروف نفسه بشأن إحدى هذه المسابقات:
سيطرت فرق الإنسان والآلة معًا على حتى أقوى الحواسيب، فلم يكن بمقدور آلة الشطرنج “هيدرا” (Hydra)، وهي حاسوب فائق التخصص في الشطرنج مثل “ديب بلو”، أنْ تُجاري لاعبًا بشريًّا قويًّا يستخدم حاسوبًا محمولًا ضعيفًا نسبيًّا. لقد كان الجمع بين الإرشاد الاستراتيجي البشري والدقة التكتيكية للحاسوب أمرًا ساحقًا.¹⁴
أما الفائز الإجمالي في تلك المسابقة، فلم يكن يضم أفضل اللاعبين البشر ولا أقوى الحواسيب. بل، كما لاحظ كاسباروف، كان يتألف من:
اثنين من هواة الشطرنج الأمريكيين يستخدمان ثلاثة حواسيب في الوقت نفسه.
لقد مكّنتهما مهارتهما في توجيه حواسيبهما و”تدريبها” على تحليل الأوضاع بعمق كبير من التغلب فعليًّا على الفهم الشطرنجي المتفوق لخصومهم من الأساتذة الكبار، وكذلك على القدرة الحاسوبية العظمى للمشاركين الآخرين. لقد كان الإنسان الضعيف + الآلة + عملية أفضل، متفوقًا على الحاسوب القوي وحده، بل، والأكثر إثارة، متفوقًا على الإنسان القوي + الآلة + عملية أدنى.
وهذا النمط لا يقتصر على الشطرنج وحده، بل يسري في قطاعات الاقتصاد شتى، ففي الطب، والقانون، والمالية، والتجزئة، والتصنيع، وحتى الاكتشاف العلمي، يكمن مفتاح الفوز في السباق ليس في منافسة الآلات، بل في تحقيق النصر باستخدامها، فبينما تتفوق الحواسيب في المعالجة الروتينية، والحسابات المتكررة، والدقة الخالية من الأخطاء، وتزداد كفاءةً بسرعة في التواصل المعقد ومضاهاة الأنماط، فإن لها ثلاث نقاط ضعف: فهي تفتقر إلى الحدس والإبداع، وقد تكون شديدة الهشاشة في البيئات غير المؤكدة أو غير المتوقعة، وتضل طريقها إذا طُلب منها العمل خارج نطاق محدد سلفًا ولو بقليل. (انظر: “المهارات التي ستظل مطلوبة”). ولحسن الحظ، فإن الإنسان يتفوق تحديدًا في المجالات التي تضعف فيها الحواسيب، ما يخلق شراكة واعدة وجميلة.
تعزيز الابتكار المؤسسي
كيف يمكننا تطبيق استراتيجيات “الإنسان + الآلة” الرابحة؟ الحل يكمن في الابتكار المؤسسي؛ ابتكار هياكل تنظيمية جديدة، وعمليات ونماذج أعمال تستثمر التقنيات المتقدمة باستمرار ومهارات الإنسان. وتتطلب مثل هذه الاستراتيجيات أكثر من مجرد أتمتة الوظائف القائمة دون إعادة التفكير فيها فعليًّا، فمجرد استبدال الآلات بالعمل البشري نادرًا ما يضيف قيمة كبيرة أو عوائد مرتفعة؛ بل يؤدي فقط إلى تحسينات تدريجية في الإنتاجية. وبدلًا من ذلك، ينبغي للمديرين ورواد الأعمال التفكير في تطوير نماذج أعمال وعمليات جديدة تجمع بين العمالة البشرية والتكنولوجيا متزايدة القوة لصنع القيمة. وقد بدأت بعض الشركات بإظهار كيفية التسابق بفعالية مع الآلات، وكيفية الجمع بين نقاط القوة النسبية للبشر والتقنيات الرقمية لتحقيق نتائج تجارية جيدة. وفيما يلي نماذج ذكية من الطرائق التي تدمج بها الشركات بين قدرات الإنسان والآلة:
١. إنشاء عمليات تجمع بين سرعة التقنية وبصيرة الإنسان. فعلى الرغم من التقدم المذهل الذي أحرزته الحواسيب مؤخرًا في التعرف إلى الأنماط، فإنها لا تزال عاجزة عن استيعاب أمور مثل ما سيرغب فيه المراهقون من أزياء في المستقبل القريب. ومع ذلك، لا يزال كثير من تجار التجزئة في مجال الأزياء يحاولون التخطيط لمجموعاتهم قبل وقت طويل، مستندين إلى نماذج مبنية على مبيعات سابقة للتنبؤ بالاتجاهات والطلب في المستقبل. لكن سلسلة متاجر “زارا” (Zara)، التابعة للشركة الإسبانية “إنديتكس” (Inditex)، تتبع نهجًا مغايرًا تمامًا؛ فبدلًا من الاعتماد على الخوارزميات لتحديد ما سيباع لاحقًا، تعتمد “زارا” على قدرات مديري متاجرها المنتشرين حول العالم لاستشراف الاتجاهات الناشئة في مجتمعاتهم وقواعد زبائنهم. ويحصل هؤلاء المديرون مرتين أسبوعيًّا على نموذج إلكتروني يبيّن جميع القطع المتوفرة، فيملؤونه ويرسلونه، ليحصلوا على الملابس المطلوبة خلال يومين، كما يُستشار مديرو المتاجر بانتظام حول الاتجاهات التي يلاحظونها، حتى تواصل الشركة إنتاج الملابس التي يشعر الشباب بالحاجة إلى اقتنائها. إن اجتماع بصيرة الإنسان مع سرعة التقنية يجعل “زارا” أكثر استجابة ومرونة من منافسيها بكثير.
٢. دع البشر يبدعوا، واستخدم التكنولوجيا لاختبار أفكارهم.
مثال آخر على الجمع الفعال بين مهارات البشر والتكنولوجيا هو الطريقة التي استخدمت بها سلسلة مستلزمات المكاتب “ستابلز” (Staples) تطبيقًا طورته شركة “أفينوفا” (Affinnova)، وهي شركة برمجيات واستشارات مقرها والتام، ماساتشوستس، عند تحديد التغليف الجديد لخط إنتاجها من أوراق النسخ. فالبشر أكثر إبداعًا بكثير من الحواسيب، لكنهم غالبًا ما يكونون سيئي التقدير في معرفة أي من أفكارهم جيدة، أو كيف يمكن دمجها بأفضل صورة. لذا ظهرت الآن برمجيات قادرة على اختبار استجابات العملاء للأفكار المختلفة بسرعة ودقة، وتحديد المجموعة المثلى منها؛ فقد ابتكر الناس عناصر تغليف منتجات “ستابلز” -مثل الألوان والشعارات والرموز وغير ذلك- ثم أجرت البرمجيات استطلاعًا عبر الإنترنت لاختيار أفضل توليفة.
٣. استثمر تكنولوجيا المعلومات لتمكين أشكال جديدة من التعاون والتجارة بين البشر.
توفر الآلات أيضًا طرائق جديدة وجذرية لعمل الناس معًا لحل المشكلات العلمية، فعلى سبيل المثال، لعبة “فولديت” (Foldit) هي لعبة اجتماعية طُوِّرت في جامعة واشنطن، وتستقطب مئات الآلاف من اللاعبين الذين يتنافسون في طي الجزيئات والتلاعب بها. ومؤخرًا، نسب باحثو جامعة واشنطن إلى هؤلاء اللاعبين الفضل في كشفهم لبنية فيروس شبيه بالإيدز.
كما أن الإنترنت كان أرضًا خصبة بشكل خاص لظهور أسواق ونظم بيئية جديدة تجمع بين قدرات البشر والآلات، فهو على سبيل المثال يسهل عمل “الشركات متعددة الجنسيات الصغيرة” (micro-multinationals)؛ وهي شركات صغيرة تتعاون مع العملاء والموردين والشركاء عالميًّا لإنشاء القيمة وتقديمها. وعلاوة على ذلك، فإن منصات مثل “إيباي” (eBay)، و”آيتونز” (iTunes) التابعة لشركة آبل، ونظام تشغيل “أندرويد” (Android) من غوغل، وسوق “أمازون دوت كوم” (Amazon.com) قد حفزت آلاف الأشخاص على كسب رزقهم من خلال بيع منتجات جديدة أو محسنة أو ببساطة غريبة أو أرخص لقاعدة عملاء عالمية. وتدير التكنولوجيا معظم عمليات التوفيق بين المشترين والبائعين، وآليات المعاملات، بل وأحيانًا قرارات التسويق والتسعير. أما بالنسبة للسلع الرقمية، فيمكن حتى أتمتة التوزيع والتسليم، ففي أسواق “آيتونز” و”أندرويد”، تستثمر التكنولوجيا الإبداع البشري لجعل إيصال “الذيل الطويل” (long tail) من المنتجات المتخصصة الجديدة ممكنًا، وهي منتجات لم يكن ليصل معظمها إلى الأسواق الواسعة لولا ذلك.
٤. استخدم بصيرة الإنسان لتطبيق تكنولوجيا المعلومات —والبيانات الناتجة عنها— لابتكار عمليات أكثر فعالية.
كانت شركة “أشورانت سوليوشنز” (Assurant Solutions)، التي تبيع تأمينات الائتمان ومنتجات حماية الديون، تملك بالفعل مركز اتصال حُسِّن تشغيليًّا، حيث يُوجَّه المتصلون تلقائيًّا إلى ممثلي خدمة العملاء ذوي الخبرة في المنتج الذي يستفسر عنه العميل. ولكن عندما استعانت الشركة برياضيين وخبراء حسابات لدراسة البيانات التي يولدها مركز الاتصال، اكتشفوا أن بعض الممثلين يحققون نجاحًا أكبر مع أنواع معينة من العملاء لأسباب غير واضحة. وعن طريق توجيه المكالمات تلقائيًّا إلى ممثلي خدمة العملاء الأكثر احتمالًا لتكوين علاقة جيدة مع هؤلاء العملاء، أفادت “أشورانت سوليوشنز” بأن معدل نجاح مركز الاتصال لديها قد تضاعف تقريبًا ثلاث مرات.
٥. بعد أن يطور الناس عمليات جديدة ومحسنة، استخدم تكنولوجيا المعلومات لنشر تلك العمليات.
أصبحت كثير من الصناعات تعتمد في جوهرها على البرمجيات، وبذلك، باتت التكنولوجيا تسهل تكرار ليس فقط المنتجات الرقمية المبتكرة، بل أيضًا العمليات التجارية المبتكرة، فعلى سبيل المثال، عندما طورت سلسلة الصيدليات “سي في إس” (CVS) عملية محسنة لطلب الأدوية الموصوفة لصيدلياتها، ضمَّنت العملية ضمن نظام تكنولوجيا معلومات مؤسسي، ونظرًا لأن العملية كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتكنولوجيا، استطاعت “سي في إس” أن تضمن التزام كل موظف وصيدلي بالعملية الجديدة بدقة كما صممت، ما أدى إلى رفع درجات رضا العملاء من ٨٦ إلى ٩١. والأهم من ذلك، أن “سي في إس” استطاعت نشر هذا الابتكار بسرعة إلى أكثر من ٤٠٠٠ موقع فعلي. وفعليًّا، فإن هذا الابتكار الواحد في العملية أحدث أثرًا اقتصاديًّا مضاعفًا بأربعة آلاف مرة بسرعة ودقة، لأنه كان جزءًا من تكنولوجيا قابلة للتكرار بسهولة، ويختلف هذا عن الإجراءات الورقية البطيئة والمعرضة للأخطاء أو تلك المعتمدة على التدريب التي كانت تُستخدم لنشر العمليات قبل عقد من الزمان.
الابتكار التركيبي
عندما تكون الأعمال قائمة على البيانات الرقمية بدلًا من الذرات، غالبًا ما تضيف الابتكارات الجديدة إلى مجموعة الابتكارات المتاحة لرواد الأعمال اللاحقين، بدلًا من استنزاف الموارد كما كان يحدث مع المعادن أو الأراضي الزراعية في الاقتصاد التقليدي، وغالبًا ما تكون الأعمال الجديدة إعادة تركيب لأعمال سابقة، فعلى سبيل المثال، أنشأ طالب من معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) في أحد فصولنا تطبيقًا بسيطًا على “فيسبوك” (Facebook) لمشاركة الصور. ورغم قلة تدريبه الرسمي في البرمجة، استطاع أن يطور تطبيقًا قويًّا ويبدو احترافيًّا في بضعة أيام باستخدام أدوات قياسية، وخلال عام واحد، تجاوز عدد مستخدميه المليون، وقد تحقق ذلك لأن تطبيقه استند إلى قاعدة مستخدمي “فيسبوك”، التي استندت إلى شبكة الإنترنت العالمية (World Wide Web)، والتي اعتمدت على بروتوكولات الإنترنت (Internet protocols)، والتي بدورها استفادت من الحواسيب الرخيصة التي أتاحها قانون مور (Moore’s Law) والعديد من الابتكارات الأخرى. لم يكن بإمكانه أن يخلق قيمة لمليون مستخدم دون وجود هذه الاختراعات السابقة، ونظرًا لأن عملية الابتكار تعتمد كثيرًا على الجمع وإعادة الجمع بين الابتكارات السابقة، فكلما اتسع وتعاظم مخزون الأفكار والأفراد المتاحين، زادت فرص الابتكار.
لسنا في خطر نفاد التركيبات الجديدة التي يمكننا تجربتها، حتى لو توقفت التكنولوجيا عن التطور اليوم، فإن أمامنا طرقًا لا حصر لها لتشكيل التطبيقات والآلات والمهام وقنوات التوزيع المختلفة لابتكار عمليات ومنتجات جديدة، أكثر مما يمكننا استنفاده على الإطلاق.
إليكم توضيحًا بسيطًا: لنفترض أن العاملين في شركة صغيرة يدوّنون مهام عملهم؛ مهمة واحدة على كل بطاقة. فإذا كان في الشركة 52 مهمة فقط، بعدد أوراق اللعب في رزمة قياسية، لكان هناك 52! طريقة مختلفة لترتيب هذه المهام. (الرمز 52! هو اختصار للعبارة 52 × 51 × 50 × … × 2 × 1، والتي يساوي حاصل ضربها أكثر من 8.06 × 10^67، أي ما يقارب عدد الذرات في مجرتنا)، وهذا العدد يفوق بكثير عدد حبات الأرز في النصف الثاني من رقعة الشطرنج، أو حتى في رقعة شطرنج ثانية أو ثالثة. إن الانفجار التركيبي (combinatorial explosion) هو واحد من الوظائف الرياضية القليلة التي تتجاوز في نموها الاتجاه الأسي (exponential trend).
لا يستطيع أي مخطط مركزي أن يتخيل -فضلًا عن أن يدرس ويقيّم- جميع المنتجات والعمليات الجديدة الكامنة في كل التركيبات الممكنة للعناصر الأساسية التي يمكن تكوينها لإيجاد قيمة في اقتصاد اليوم الرقمي. ربما تكون معظم التركيبات ليست أفضل مما لدينا بالفعل، لكن بعضها سيكون كذلك بلا شك، وقد يكون جزء صغير منها بمنزلة “ضربات موفقة” (home runs) تنتج عنها قيمة هائلة. إن التجريب المتوازي من قبل ملايين رواد الأعمال والمديرين المبتكرين هو أفضل وأسرع وسيلة لاكتشاف التركيبات من اللبنات الاقتصادية التي ستحدث فرقًا إيجابيًّا، ولا يزال معظم إمكانات الاقتصاد الرقمي في الابتكار التركيبي (combinatorial innovation) غير مستغل بعد.
المراجع
1. F. Levy and R. Murnane, “The New Division of Labor: How Computers Are Creating the Next Job Market” (Princeton, New Jersey: Princeton University Press, 2004).
2. J. Hooper, “From DARPA Grand Challenge 2004: DARPA’s Debacle in the Desert,” June 4, 2004, www.popsci.com.
3. S. Thrun, “What We’re Driving At,” October 9, 2010, http://googleblog.blogspot.com.
4. Levy and Murnane, “The New Division of Labor.”
5. To be precise, Jeopardy! contestants are shown answers and must ask questions that would yield these answers.
6. J. Markoff, “Computer Wins on ‘Jeopardy!’: Trivial, It’s Not,” New York Times, Feb. 17, 2011.
7. G.E. Moore, “Cramming More Components Onto Integrated Circuits,” Electronics, April 19, 1965, 114-117.
8. M. Kanellos, “Moore’s Law to Roll on for Another Decade,” February 10, 2003, http://news.cnet.com.
9. K. Greene, “A New and Improved Moore’s Law,” Technology Review, September 12, 2011.
10. President’s Council of Advisors on Science and Technology, “Designing a Digital Future: Federally Funded Research and Development in Networking and Information Technology,” December 2010, www.whitehouse.gov.
11. R. Kurzweil, “The Age of Spiritual Machines: When Computers Exceed Human Intelligence” (New York: Penguin Books, 2000).
12. S. Basu and J. Fernald, “Information and Communications Technology as a General-Purpose Technology: Evidence From U.S Industry Data,” Working Paper Series 2006-29, Federal Reserve Bank of San Francisco, San Francisco, California, 2006.
13. Railroad construction crews in that period blasted tunnels though mountainsides by drilling holes into the rock, packing the holes with explosives and detonating them to lengthen the tunnel.
14. G. Kasparov, “The Chess Master and the Computer,” New York Review of Books, February 11, 2010.
15. Ibid.
16. F. Khatib, F. DiMaio, Foldit Contenders Group, Foldit Void Crushers Group, S. Cooper, M. Kazmierczyk, M. Gilski, S. Krzywda, H. Zabranska, I. Pichova, J. Thompson, Z. Popovi´c, M. Jaskolski and D. Baker, “Crystal Structure of a Monomeric Retroviral Protease Solved by Protein Folding Game Players,” Nature Structural & Molecular Biology 18 (2011): 1175-1177.
17. M.V. Copeland, “The Mighty Micro-Multinational,” Business 2.0, July 1, 2006.
18. M.S. Hopkins and L. Brokaw, “Matchmaking With Math: How Analytics Beats Intuition to Win Customers,” MIT Sloan Management Review 52, no. 2 (winter 2011): 35-41.
19. A. McAfee and E. Brynjolfsson, “Investing in the IT That Makes a Competitive Difference,” Harvard Business Review 86 (July-August 2008): 98-107.
i. S. Lohr, “For Today’s Graduate, Just One Word: Statistics,” New York Times, Aug. 5, 2009.
—————————-
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومجلة MIT Sloan Management Review).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




