ترجمة: ربى القحطاني
شهدت حياة لايبنيتز جهدًا دبلوماسيًّا حثيثًا بذله في سبيل إرساء السلام في أوروبا. لم تَشِخ آراء لايبنيتز حول قانون الحرب ومشروع السلام الدائم للقس سانت بيير؛ يعيد فيلسوف التفاؤل إلى أحلام السِّلمية توازنها.
بين حُروب الأمس واليوم: من كييف إلى هانوفر
ذكرت حنة آرندت (Hannah Arendt) في كتابها (الحقيقة والسياسة، Vérité et politique): “وإن أقرينا بحق كل جيلٍ في كتابة تاريخه الخاص، فنحن نرفض الاعتراف بحقه في تغيير الحقائق بما يتلاءم مع منظوره الخاص. لا نقبل المساس بالحقائق”[1].
لإيضاح الفرق بين “الحقائق” والتأويلات التي قد تُستَمد منها، تستشهد آرندت بإجابة كليمنسو (Clemenceau) عندما سُئل عن رأيه فيما قد يعتقده مؤرخو المستقبل، بشأن المسألة الحساسة المتعلقة بمن يقع على عاتقه مسؤولية اندلاع الحرب العالمية الأولى: “في الحقيقة، لا أعلم أي شيء عن ذلك، ولكنني متيقنٌ من استحالة قولهم إن بلجيكا هي من اجتاحت ألمانيا”.
ما عسى مؤرخو المستقبل أن يقولوا بشأن الأسباب التي أدت إلى الحرب القائمة بين روسيا وأوكرانيا؟ يمكننا الإجابة بصياغةٍ أخرى، مستلهمين من كلمات النِّمر[2]: “لا نعلم أي شيء عن ذلك، ولكننا متيقنون من استحالة قولهم إن أوكرانيا هي من اجتاحت روسيا في الرابع والعشرين من فبراير”، التذكير بهذه الحقيقة البدهية ليس على الإطلاق أمرًا عبثيًّا، فهو لا يمنع سلفًا نقاشًا خصبًا حول سياقِ وتتابعِ الظروف المعقدة التي تؤدي إلى وقوع حدثٍ ما، بل يؤطر مساحة التأويل.
أخذت هذه الحرب صورة اعتداء دولة (روسيا) على دولةٍ أخرى (أوكرانيا)، وإن كانت الدوافع التي يبرر بها المعتدي اجتياحه بالكاد تكون مُقنِعة، على العكس تمامًا، فإن ممارسة المعتدى عليه لحقّه في الدفاع عن نفسه -والذي تضمنته المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة في حالة “الاعتداء المسلح”- لم يعترض عليها أحد. فمن جانب، قُوبل أحد الطرفين بالاستهجان عندما استغل قانون الحرب، والآخرِ قوبل بالإقرار على مشروعية تصرفه، وحتى بالتشجيع والدعم ومنح المساعدات المادية والمالية من تلك الدول التي تساند كييف. استنادًا إلى هذا المنطق، كان اللجوء إلى القوات المسلحة مقبولًا تمامًا في حالة أوكرانيا، ولم يُدان وفقًا لمبدأ اللاعنف ورفض الحرب لأسبابٍ أخلاقية. تحَفُّظ بعض الدول الملحوظ في مسألة الدعم المقدم للمعتدى عليه لم ينبثق من مبادئ أخلاقية ترفض الحرب باعتبارها سيئة في ذاتها، بل خشيةً من تصاعد الخلافات، أي من تبِعات ازدياد القوةِ العسكرية الممنوحة للضحية في مواجهة معتدٍ في حوزته سلاحٌ نووي. من وجهة نظرهم، لا يكمن الشر في الحرب بعينها، بل في خطر الإسهام في استمراريتها، وأن تطول آثارها التوازن العالمي على المدى البعيد، لا سيما تداعياتها الاقتصادية، أي دوافعٌ لا تمت للأخلاقيات بصلة.
فالحرب إذًا في حد ذاتها مشروعة بمجرد أن تُبنى على أساس الدفاع المشروع. ولكن، يجب أن نتحرى فيما إذا كان يمكن للدفاع المشروع الذي يندرج تحت حقّ الحرب أن يؤخذ به دون الجانب الآخر منه (نقيضه)، والذي هو الحق في الهجوم العدائي، أي الحق في المبادرةِ بالهجوم. هذان “الحقَّان” يشكلان وجهان لعملةٍ واحدة، ألا وهي قانون الحرب، ولذلك يبدو من الصعب التفريق بينهما، كأن تُبقِي على أحدهما وتتخلى عن الآخر بحجة عدم مشروعيته. في الحقيقة، ثمة تأويلان محتملان.
يتمثل التأويل الأول في اعتبار أن هذين الحقين ينبثقان في الواقع من حقّ أساسي واحدٍ وفريد، وهو ما عرَّفه توماس هوبز (Thomas Hobbes، 1588-1679) بـ “القانون الطبيعي”، الذي يعني حرية كل فرد في “استخدام قوته للحفاظ على طبيعته، أي على حياته، وبالتالي القيام بكل ما يرى أنه الوسيلة الأفضل لتحقيق ذلك وفقًا لِحُكمه ومنطقه الخاص”.[3] لا يقتصر هذا الحق في الحفاظ على الحياةِ على مجرد الدفاع عن النفس في حالة التعرض لهجوم، بل يشمل أيضًا أي تصرف يُتخذ لضمان استمرارها، ولهذا الغرض تحديدًا، قد تُبَاح المبادرة بالغزو والاستحواذ. يفيد التأويل الثاني، وهو أكثر تقييدًا واختزالًا، بأن هذين الحقين لا يستندان إلى حق آخر أكثر أصالةً، بل يشكلان في الواقع حقًّا واحدًا لا ثاني له، كوجهينِ مختلفينِ لعملة واحدة، وأن (الحق في شنِّ الهجوم) لا يمكن أن يستمدَّ مشروعيته إلا من (الحق في الدفاع عن النفس)، أي أنه ليس مبررًا إلا إذا اتخذ شكل الدفاع عن النفس. يحق لنا أن نتخذ موقفًا هجوميًّا، لأننا في الواقع باتخاذنا هذا الموقف نتصدى وندافع عن أنفسنا ضد اعتداء بيِّن أو خطرٍ متوقع، وهو ما يشكل في الحالة الأخيرة نوعًا من التطبيق الاستباقي للدفاع الشرعي (بالمعنى الدقيق).
حاول الروس بدورهم استغلال ذلك التأويل الأخير لقانون الحرب -الذي يميل إلى مساواة الحق في شنِّ الهجوم بالحق في الدفاع عن النفس- مُصوِّرين تدخلهم العسكري على أنه عمليةٌ تهدف إلى الدفاع عن السكان الروس، التي يُزعم أنها مضطهدة في دونباس، ومستندين إلى حق الاتحاد الروسي في الأمن في مواجهة توسع حلف الناتو الذي طال حدودها، مع انضمام دول كانت سابقًا ضمن نطاق نفوذها إلى الحلف. من الواضح أن قانون الحرب يُستخدم لتحويل العمليات الهجومية إلى عمليات دفاعية و/أو وقائية، بحجة الدفاع المشروع (عن الشعوب المعرضة للخطر وينبغي حمايتها)، و/أو لمنع جارٍ ينذر بخطر صراعٍ وشيك. تكمن المفارقة -إن لم تكن السخرية- في أن كلا طرفي النزاع يبرّران مواقفهما بالحجَّة ذاتها، مستندين إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة! الحُجج التي قدمتها روسيا، بصرف النظر عن موقفنا منها وبعيدًا عن القضية الأوكرانية، تُظهر أن الحق في الهجوم قد يَجِد تبريرًا له -وبالنسبة لبعضهم، لا يمكن إيجاد مبرر له إلا بهذا الشكل- إذا ما ارتبط بحق الدفاع عن النفس أو ما كان امتدادًا له. فيصبح كلاهما تجسيدًا لحقٍ واحد، ألا وهو حق خوض الحرب، شريطة ألا تحرف غاياته التي تبرر استخدامه (وألا يكون غطاءً لرغبةٍ دفينة في الغزو)، فإنه بذلك يؤسس المفهوم التقليدي لـ “الحرب العادلة”.
حق الحرب، وحق الدفاع عن النفس، وحق الأمان، والحرب العادلة، كلها مفاهيم شكَّلها الفلاسفة وخاضوا فيها عبر التاريخ. من اللافت استخدامها في النقاشات والتحليلات حول الأحداث الواقعة في أوكرانيا دون الاستناد إلى سياقها التاريخيّ اللازم، أو مراعاة معانيها المعقدة وتداعياتها المتعددة. كما تتناول هذه النقاشات مسألة السلام، والشروط اللازمة لإرسائه، والأهم من ذلك، ضمان استدامته.
وهنا تكمُنُ فكرةٌ مختلفة، مستمدةٌ هي أيضًا من تاريخ الفِكر، وهي فكرة السلام الدائم. رأى بعض الكُتَّاب والمفكرين الأكاديميين في حرب أوكرانيا نهايةَ حقبة وبدايةَ خيبة أمل كبيرة: فهي تمثل فشل الاعتقاد بأن القانون قادرٌ على تحقيق سلامٍ دائم، بحيث يحظر كل أشكال الحرب ويجعلها في نهاية المطاف مستحيلة، وذلك عبر الإقرار العالمي بمبادئ محددة، وتبني مؤسساتٍ وإجراءاتٍ تمنع نشوب أي صراع مسلح بين الدول (مع تعزيز الآليات التي تتيح تسوية النزاعات بالوسائل السلمية). شهدت قارة أوروبا في القرن الثامن عشر نشأة العديد من مشاريع السلام الدائم التي قام عليها القس شارل إريني كاستيل دي سانت بيير (Charles-Irénée Castel de Saint-Pierre 1658-1743) وإيمانويل كانط (Emmanuel Kant 1724-1804)، لكنها ستشهدُ أيضًا على تقويض هذا الوعد، المُمتد منذ عصر التنوير، بسبب المواجهة المباشرة وغير المباشرة بين الدول الحديثة، وهي عينها الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، التي وُجِدت أساسًا للحفاظ على السلام والأمن في العالم[4]. سنشهد عندئذ عودة إلى “المنطق التاريخي القائم على أولوية القوة أو توازن القوى”، ما سيجعل “فكرة وجود آلية للأمن الجماعي ذات طابع عالمي، حيث تقبل الدول برهن أمنها على الإجراءات القانونية” مُجرَّد “ضربٍ من الخيال”[5]. إن لم نكن قادرين على إنهاء الحرب أو حتى الحد منها بالقانون، سيتحتم علينا التركيز فقط على احترام القوانين في أثناء الحرب (القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الجنائي): “يرى جان-مارك سوريل Jean-Marc Sorel أن التناقض هنا يكمن في وجود جانبٍ من التقدم الملحوظ وجانبٍ آخر من الإنكار المأساوي. لقد تعرقل نظام الأمم المتحدة للحفاظ على السلام على أقل تقدير (إن لم تكن قد فقدت مصداقيتها بالكامل)، لذلك لم يعد الهدف إيقاف الحرب، إذ بات ذلك أمرًا مستحيلًا، بل الحد من تَبِعاتها والاستعداد لمرحلةِ ما بعد الحرب، رغم أننا نجهل متى ستنتهي”[6].
غوتفريد فيلهلم لايبنيتز (1646-1716)، فيلسوف هانوفر، هو كاتبٌ يستحق الذكر لتناوله هاتين المسألتين: الحرب ومبرراتها، والسلام الدائم. على الرغم من كثرة كتاباته في هذا المجال، بل وكونه من القِلَّة القلائل الذين مارسوه فعليًّا، لم يكن يُصنف عادةً ضمن كِبار المفكرين السياسيين. لم يكُن لايبنيتز مجرد عالم ميتافيزيقي بارز، وعالم رياضيات عبقريًّا، وفيلسوف المونادات، وصاحب نظرية التناغم المسبق، والمدافع عن أطروحة أفضل العوالم الممكنة فحسب، بل كان أيضًا دبلوماسيًّا ومستشارًا قانونيًّا وسياسيًّا في خدمة عدد من الأمراء (رئيس أساقفة ماينتس والأمير الناخب، ودوق براونشفايغ-لونيبورغ، والإمبراطور كارل السادس، والقيصر بطرس الأكبر). لم تقتصر كتاباته السياسية على آراءٍ نظرية فقط، بل تشهد على معرفةٍ رصينة بِأوضاع أوروبا آنذاك، والقوى الفاعلة، وطموحات الحكام في عصره. كما ألَّف العديد من المذكرات والبيانات والمناشير التي تحتج على سياسة التوسع والهيمنة التي انتهجها لويس الرابع عشر، وتدافع عن الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وعن وِحدة أراضيها وحقوقها. على الرغم من أنه يتموضع ضمن سياقٍ فكري وتاريخي مختلف تمامًا عن سياقنا، بل وربما بسبب هذا الاختلاف تحديدًا، قد ننتفع من التمعن في تصوره للحرب (موضوع القسم الثاني) وفي نقده لمشروع تسخير القانون لإرساء سلام دائم بين الأمم (موضوع القسم الثالث)، إذ يتيحان مقاربة هذه المسائل الملحة التي تشغل واقعنا الراهن من منظورٍ آخر.
شروط الحرب العادلة وتوازن القوى في أوروبا
يعتبر لايبنيتز الحرب آفةً، لما تجره من ويلات على الشعوب، لكنها ليست في ذاتها شرَّا محضًا أو غير مبررة من حيث المبدأ، كما عَلَّم هوجو جروتيوس (Hugo Grotius 1583-1645)[7]. هناك حالات تكون فيها الحرب أفضل من السلام، إن كان هذا السلام ذا شروطٍ مجحفة، كما هو الحال من وجهة نظره في معاهدة أوترخت عام 1713م، التي أنهت حرب الخلافة الإسبانية. فالحربُ حقٌّ وحقيقةٌ في آنٍ واحد.
هي حقيقةٌ يشهد عليها التاريخ وأوضاع أوروبا آنذاك، ولكن لا ينبغي أن تكون مبررًا لإصدار أحكام متسرعة حول الطبيعة السيئة المزعومة للإنسان. يحرص الفيلسوف الألماني على التذكير دائمًا: إن كان “الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان” كما يقول المثل، فهو أيضًا “بمنزلة الرب له”، إذ “لا شيء يمكنه أن يُسعد الإنسان أو يشقيه أكثر من الإنسان نفسه. إن كانوا جميعهم حكماء وممن يحسنون التصرف بينهم، لكانوا جميعًا سعداء، بقدر ما يمكن للعقل البشري أن يحققه من سعادة.”[8]. تُشَنُّ الحربُ على الرغم من أننا نستطيع تفاديها. فهي لا تمثل الحالة الطبيعية للبشر، كما يعتقد هوبز، ولا ضرورة تُعزى إلى طبيعتهم. نلاحظ أن لايبنيتز لا يؤكد ما إذا كان الإنسان طيبًا أو شريرًا، أو أنه ليس طيبًا ولا شريرًا، بل يرى بناءً على خبرته، أن الإنسان يجمع بين الطيبةِ والشر في آنٍ واحد، وليس أبدًا بالِغَ الطيبة ولا بالِغَ الشرِّ[9]! الإنسان بطبيعته مسالم وهادئ بقدر ما هو محب للحرب والخصام. إلا أن السعي إلى السلام والحفاظ عليه يعد أكثر جوهريةً في طبيعته، لأنه يستند، وفقًا للفيلسوف، إلى “غريزة اجتماعية عامة”، تُعرف أيضًا باسم “حب الإنسانية”، وهي ما يدفعه فطريًّا نحو بني جنسه[10].
تُعدُّ الحرب أيضًا حقًّا، وهي حقٌّ طبيعي، وفرديٌّ في المقام الأول، بل هي من الحقوق الأساسية (الحق الصارم)، ويُعرف بـ “حق الحرب وحق السلام”[11]، والذي يأمر بعدم إلحاق الضرر بأي شخص، حتى لا نثير في المقابل عداء الشخص الذي ألحقنا به الضرر (أو عداء آخرين)، أو نخاطر بإشعال نزاع. أي ضرر يُلحق بالمتضرر يمنحه حق شن الحرب، وهو حق يشمل الدفاع عن النفس، والرد على العدوان لوقف الضرر، والمطالبة بالتعويض، والأهم من ذلك، تحقيق الأمن: “الخوف المشروع من ضرر محدق يبرر اتخاذ إجراءات وقائية لمنع الضرر المتوقع (ضرر يُخشى وقوعه)، أي الحق في المطالبة بالأمان”[12]. يُطبَّق الأمر ذاته في حالة الخداع الواضح؛ إذ يحق لنا أيضًا في هذه الحالة رفع دعوى ضد من يحاول خداعنا. وهكذا، قد يجد حتى الرجل الشريف نفسه مضطرًّا أحيانًا إلى انتهاك الاتفاقات، “عندما تكون أمانة الطرف الآخر محل شك مشروع، ولا يوفر أي ضمان ضد ضرر متوقع”[13]. يصبح العقد باطلًا عندما تُنقض الثقة. كان هوبز يرى أن هناك حربًا دائمة بين الدول أو الشعوب. يقرّ لايبنيتز بصحة ذلك، شريطة ألا: “تُنسب هذه النظرية إلى حق الإيذاء، بل إلى الحذر واتخاذ الاحتياطات”[14]، أي إلى مفهوم الحق الطبيعي في الأمن. بالتالي، يعيد لايبنيتز طرح مفهوم الحرب العادلة التقليدي، التي قد تكون دفاعية، ولكن أيضًا هجومية ووقائية. وينص كل من القانون الطبيعي والقانون الروماني على إمكانية رفع دعوى استنادًا إلى ضرر متوقع ضد من أعطوا سببًا للخوف منهم. يهدف هذا الإجراء إلى إلزامهم بتقديم الضمانات والتأمينات. باسم الأضرار المتوقعة (حجة الضرر المتوقع)، يحثّ الفيلسوفُ الإمبراطور، في نصٍّ بعنوان السلام الذي لا يُغتفر لأوترخت[15] (1713م)، على مواصلة الحرب ضد فرنسا، لأنها تمثل تهديدًا لأوروبا، ولأنه لا يمكن الوثوق بكلمة لويس الرابع عشر. كما قال لايبنيتز منذ عام 1688م، ردًّا على قرار فرنسا بمهاجمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة:
“ومع ذلك، لا يسعنا إلا الضحك عندما نسمع الفرنسيين يتفاخرون برغبتهم في سلام دائم، ويشتكون من قلة ميلنا إلى هذا الخير العظيم… لا شك أنهم يتحدثون عن السلام الدائم بكل جرأة، وهم لا يعرفون منه إلا السلام القائم على استعباد الشعوب على الطريقة التركية. “حيثما يُقيمون الاستعبادَ، يُنادون بالسلام”[16]. ولكن يجب إعادتهم إلى الشعار الحقيقي للسلام الأبدي، أي إلى المقبرة، هذا العنوان الجميل الذي اتخذه أحد الظرفاء شعارًا لمنزله”[17].
لا يمكن تحقيق أي سلام دائم مع أشخاص ينتهكون المعاهدات، ويحنثون بالعهود، ولا يلتزمون بكلمتهم: “أفليست الحرب المعلنة، في هذه الحالة، أفضل من سلام غادِر؟”[18]
من وجهة نظر لايبنيتز، لا يمكن أن يكون السلام دائمًا إذا كانت الشروط التي تُوِصِلنا إليه غير عادلة وقد فُرضت قسرًا على أحد الأطراف. فإذلال الطرف الذي تُفرض عليه هذه الشروط يثير الرغبة في الانتقام، تمامًا كما انتصار المنتصر يعزز نهمه للغزو. لا يقتصر معنى السلام على غياب الحرب أو انقضاء الهجمات العدائية، بل يقتضي أيضًا ضمانات جدية وكافية بأن الحرب لن تندلع أو تُستأنف فيما بعد.
بيد أنه ينبغي مراعاة أن الشروط التي تجعل الحرب مشروعة تُعد شديدة الصرامة، فلا يجب اللجوء إليها إلا كملاذ أخير، بعد استنفاد جميع الحلول الأخرى (من نشر البيانات والمساعي الدبلوماسية)، ويجب أن يكون هدفها إعادة الحقوق إلى أصحابها (أو طمأنة من يواجه خطرًا مُحدِقًا)، كما لا يجوز لها أن تستمر دون مبرر بمجرد إصلاح الضرر الذي وقع (أو زوال الخطر القائم). بالإضافة إلى ذلك، يجب ضبط مجرى الحرب نفسها (كما يوجد حقٌّ في شنِّ الحرب، فإنه يوجد أيضًا حقوقٌ في أثناء الحرب): حقوق الجرحى، وحقوق الأسرى، وحقوق الشعوب المنهزمة… إلى آخره. الحرب العادلة، على عكس الحرب الجائرة، يجب عليها احترام المعاهدات (حينما يكون ذلك ممكنًا) ومراعاة حقوق الأفراد، وهي ترفض الحرب “الهمجية”: مثل حرب الأتراك، وكذلك قمع البروتستانت السيڤينوليين في فرنسا على يد المارشال دو ڤيلار عام 1704م. وأخيرًا، فإن النصر والهزيمة لا يحددان ما إذا كانت الحرب عادلة أو ظالمة، لذلك لا يمكن اعتبار ذلك تعبيرًا عن إرادة الإله. لأن الله قد يَنصُر القضية الظالمة ويُفشِل القضية العادلة لأسباب نجهلها.
يجدر بنا أخذ عامل آخر في الحسبان لكي يتسنى لنا فهم منظور لايبنيتز للعلاقات الدولية وموقفه في صدَدِ الحرب. ألا وهو مفهوم توازن القوى في أوروبا، الذي سلَّط عليه الضوء بشكل خاص أندري روبينيه (André Robinet)[19]. وهذا المفهوم -الذي انتقده القس سانت بيير وشكَّك في وجاهته- لم يكن مفهومًا خاصًّا بلايبنيتز، بل كان شائعًا في الأدب السياسي آنذاك.
يتصوره الفيلسوف الألماني نظامًا للعلاقات؛ إذ تتفاعل القوى المتضادة المختلفة أو تتصارع فيما بينها. يُعد هذا النظام ديناميكيًّا وليس ثابتًا، ذلك أن تحقيق التوازن المطلوب دائمًا ما يكون حرِجًا. لذلك يشكل السلام ضغطًا مستمرًّا، لكونه يتطلب تعديلات باستمرار كي لا تهيمن إحدى القوى على غيرها، إلى درجة أن ترجّح كفة الميزان لصالح طرفٍ دون الآخر وتُخضِع الآخرين لقوانينها. فعلى سبيل المثال، في عام 1713م، وأمام خطر تحالف بين السلالاتِ الحاكمة في فرنسا وإسبانيا، واحتمال صعود أحد أفراد آل بوربون إلى عرش إنجلترا، حذّر لايبنيتز قائلًا: “إن أوروبا تمرّ بوضع لم يشهد مثيلًا في خطورته منذ قرون عدة، وإن الاتحاد المُدمِّر بين المملكتين العظيمتين، فرنسا وإسبانيا، تحت راية آل بوربون، سيؤدي إلى نشأة قوةٍ غير مسبوقة في أوروبا منذ تدهور الإمبراطورية الرومانية”[20]. ولأنّه ينبغي دائمًا، في السياسة كما في الأخلاق، توخي الحذر لمواجهة أسوأ الاحتمالات[21]، فإنه من الملحّ كذلك السعي إلى إعادة توازن القوى في أوروبا، التي أصبحت متذبذبة، وذلك بكبح القوة الجديدة الصاعدة التي قد “تلتهم” كل شيءٍ في طريقها.
يتجلَّى إذًا توتّر داخلي في الفكر السياسي لدى لايبنيتز، بين نموذج الأمير الصالح -الذي يُصوَّر على أنه حاكم تُوجّه الحكمة قوته، وينبع مجده الحقيقي من تقدم العلوم والتقنيات في دولته، ومن الرفاه الذي ينعم به رعاياه، لا من الفتوحات- وبين الإدراك بـ”واقِع الأمور”، ولِنَهمِ الأمراء السياسي وسعيهم لتحقيق مصالحهم، وهو ما يُوصِلنا إلى الاعتقاد بأن القوة وحدها -وليس الحكمة- هي القادرة في الواقع على كبح القوى الأخرى. وبعبارة أخرى، لا يمكن أن توقف القوةَ إلا قوةٌ مماثلة في إدارة الشؤون العملية. فهو مبدأٌ لايبنيتزي قبل أن يتبناه مونتسكيو (Montesquieu). لا شك أن هذا أحد الأسباب، وربما السبب الأساسي، وراء الترحيب الفاتر الذي أبداه الفيلسوف الألماني تجاه مشروع السلام الدائم للقس سان بيير. فهذا المشروع، في نظره، ليس سوى خيال لطيف في أفضل الأحوال، أو يوتوبيا حالِمة (لكن فرص نجاحها ضئيلة)، وفي أسوأ الأحوال قد يشكل خطرًا حقيقيًّا، لأنه يهدد توازن القوى في أوروبا بتدميرهِ للإمبراطورية الرومانية المقدسة.
نقد مشروع السلام الدائم
اتسم رد فعل لايبنيتز إثر قراءته لمشروع كاستل دي سانت بيير بدايةً بالتحفظ. رغم أنه لم يُشكِّك فعليًّا في مصداقية ونوايا القِس، كان فيلسوف هانوفر مقتنعًا بأن هذا المشروع يفتقر للواقعية، بل إنه شبّهه باليوتوبيا، العمل السياسي الخيالي لتوماس مور (Thomas More). ويصرح لأحد مراسليه: “طالما أُتيحت له كتابة الروايات، فلماذا نعتبر أن خياله، الذي سيعيدنا إلى العصر الذهبي، سيّئ؟”[22]. إلا أن مصداقية المشروع أصبحت موضع شك، لأنه يحتوي على بعض الأخطاء التاريخية (على سبيل المثال، فيما يتعلق بأصل الإمبراطورية). الافتقار إلى المعرفة بالحقائق والدبلوماسية -أي عدم الإلمام بالوضع الفعلي للعلاقات الدولية- مثّلَ انتقادًا تجلى في مُجمل ملاحظات لايبنيتز وفي مراسلاته مع القِس سان بيير.
يقترن الشكُّ بالسخرية:
“عندما اطلعت على جزء من مشروع السيد سان بيير للحفاظ على سلام دائم في أوروبا. تذكرت شعار إحدى المقابر، الذي يحمل هذه العبارة: السلام الدائم؛ لأن الموتى لا يخوضون الحروب أبدًا، أما الأحياء فلهم رأيٌ آخر، والأقوى بأسًا قلَّما يحترمون المحاكم.”[23].
تتكرر هذه الصورة المجازية للمقبرة في عدة مواضع ضمن كتابات لايبنيتز، وهي تخدم هدفين: 1) تستخدم لإدانة أولئك الذين لا يتحدثون إلا عن “السلام”، بينما لا يفكرون في الواقع إلا في الغزو بالقوة واستعباد الآخرين (مثل لويس الرابع عشر). فالسلام الذي يسعون إليه، إن لم يكن سلام الموتى، فعلى الأقل سلام الشعوب التي تم إخضاعها إلى العبودية. 2) تُستخدم لإظهار أن السلام الدائم بين البشر أمر مستحيل، وأن الذين يدافعون عنه بنوايا صافية يتجاهلون واقع الأمور و”ضعف ما يكتب على الورق من معاهدات”، وذلك يعود لطبيعة الأمراء المعتادة. مثل ما قال ليساندر (Lysandre): “كما يلعب الأطفال بالجوز، كذلك يتلاعب الشيوخ بالعهود، فإنه يمكننا اليوم، دون أي شك، أن نقول عن كثير من أصحاب السلطة إنهم يلعبون بالمعاهدات التي تخص شؤون الدولة كما يلعبون في بيوتهم بالورق”[24].
“لهذا السبب، قام أحد الظرفاء البارزين في هولندا، وفقًا للعادة، بتعليق لافتة أمام منزله تحمل عبارة السلام الدائم، لكنه وضع تحت هذا العنوان الجميل صورة لمقبرة. بلا شك، فإن الموت هو الذي جلب السكينة في ذلك المكان”[25].
لا يوجد سلامٌ حقيقي إلا في القبر. يشير لايبنيتز هنا إلى المفارقة التالية: “[…] من الوارد أحيانًا، بسبب وضع الأراضي أو طبيعة العصر، أن يكون الحاكم في حرب دائمة، ومع ذلك لا ينفك عن عقد معاهدات سلام وتحالفات”. وهكذا، وُجدت معاهدات عديدة بين شارلكان وفرانسوا الأول، “لدرجة أننا قد نظن أنه لم يتبقَّ أي وقت للقتال؛ لكن عند تذكّر كمّ الأفعال العدائية بينهما، يبدو وكأنهما لم ينويا سلامًا قط”[26].
أتاحت المراسلات التي بدأت بين لايبنيتز وكاستل دي سانت بيير منذ أوائل عام 1714م (بمبادرة من القس) للايبنيتز فرصة التعمق أكثر في الموضوع وإبداء اعتراضات محددة. لم يُظهر قطّ عداءً للمشروع، بل أعلن استعداده الكامل لدعمه واقتراح تحسينات عليه. غير أن خلافه كان ذا ارتباط بمسائل تجمع بين القانون والواقع، وهي مسائل تتعلق بطبيعة السيادة، والحقوق التاريخية التي اكتسبتها القوى الأوروبية، وطباع الأمراء، وكذلك بتوازن القوى في أوروبا أو توازنها هي ذاتها، التي كانت، في نظره، تمثل الضمان الحقيقي للسلام، أو على الأقل، أفضل وسيلة للحيلولة دون اندلاع حرب دائمة.
في رسالته المؤرخة في 7 فبراير 1715م، يؤكد لايبنيتز على العقبات التي تعرقل تحقيق سلام كاملٍ ونهائي بين الأمم. مع ذلك، فإن تنفيذ هذا المشروع لا يعتمد إلا على إرادة البشر. لكن هنا تكمن المشكلة بالتحديد! إذ إن الشروط اللازمة لتحقيقه صعبة للغاية: أولًا، يجب أن يبدو مرغوبًا للأمراء، ولكي يحدث هذا عليه أن يصبَّ في مصلحتهم، وثانيًا، يجب أن يكون عدد كافٍ منهم راغبًا فيه، أو على الأقل أن يوافق عليه الأقوياء منهم؛ على وجه التحديد، أولئك الأقل رغبةً في رؤية قوتهم تُقيَّد بالمعاهدات. لا شك في أنه من الأسهل إنهاء الانشقاق الكبير في الغرب، أو توحيد الكنائس المنقسمة، أو حتى تَمكُّنُ حاكم من القضاء على الطاعون أو المجاعة في دولته، من أن يُوضع حدٌّ للحرب إلى الأبد. لا يمكن لوزيرٍ أن يوصيَ أميره بمثل هذا المشروع إلا إذا كان (أي الوزير نفسه) “على شفا الموت، خاصة إذا لم تكن المصالح العائلية تُلزمه بمواصلة سياسته حتى القبر وما بعده”[27]. لا بد أن يكون في وضع يجعله متحررًا تمامًا من أي مصلحة. لكن “لا يوجد الآن أي وزير قد يقترح على الإمبراطور التنازل عن خلافة إسبانيا والهند” لمجرد تجنب الحرب.
في رسالته المؤرخة في 3 مارس 1715م، يتهم القس الفيلسوف بعدم الإخلاص، بل وحتى النفاق؛ إذ يزعم أن لايبنيتز يؤيد المشروع، بينما يؤكد في الوقت نفسه أنه لا يمكن لأي وزير أن ينصح بهذا المشروع لأميره إلا على شفا الموت. فردَّ لايبنيتز موضحًا فكرته: إن القول بأنه ليس من السهل إقناع الوزراء بدعم مثل هذا المشروع لا يعني أن المشروع نفسه غير متين[28]. فالمشروع قائم على أُسُسٍ سليمة، لكن الصعوبة تكمن في الدفاع عنه لسببين رئيسيين، يتعلقان بـ: 1. موقف الوزراء. 2. طبيعة الأمراء وطموحاتهم.
- إنَّ الوزير الذي ينصح أميره بالتوقيع على مثل هذه المعاهَدَة للسلام الدائم سيتجاوز حدود وظيفته. فما يتعلق بالسلطة نفسها، وممارستها واستقلاليتها، لا يَخُصُّ الوزراء. وسيردُّ الأمير عليه قائلًا: “أنت تتجاوز نطاق اختصاصك، فلم أعيّنك في خدمتي لتربط يداي”[29]. ليس من حق الوزير أن يُبدي رأيه في صلاحيات الحاكم، أو في طريقة استخدامه لسلطته؛ فعليه أن يكتفي بالخدمة دون تدخُّل.
- إنَّ الأمير طموحٌ بطبعه، وطموحه ذاك سيدفعه دائمًا لاختيار “استِقلالية عرشه” فوق كل اعتبار. فهُوَ يرى فيه مجده ويتمسك بشدة بسلطته، حتى إنه من الصعب تصور ما يُمكِن أن يقنعه بالتخلي عن جزءٍ منها، خصوصًا بالتنازل رسميًّا وطوعيًّا عن حَقِّ الحرب والسلام. هذا الحق يُعد سمةً جوهرية للسيادة، وعلى الرغم من أن لايبنيتز لا يصرح بذلك، فمن الواضح أن التنازل عن هذا الحق سيمَسُّ جوهر السيادة.
لا يمكن للوزير أن ينصح بمثل هذا المشروع إلا على شفا الموت، فهذه هي اللحظة الوحيدة التي يستطيع فيها الخروج بأمان من “نطاق اختصاصه”، لأنه لن يخشى بعدها أي عواقب: “… نادرًا ما يجرؤ المرء على مواجهة نزوات من يحرص على استرضائه، إلا حينما يدرك أنه لم يعد بحاجة إليه”[30].
في النهاية، أعلن لايبنيتز استعداده لدعم مشروع “قريب من مشروعه” أمام ملك إنجلترا جورج الأول [31]، شريطة إدخال بعض التعديلات والتصويبات التي أرفق قائمة بها. في الحوار الذي تلا ذلك، ولعله حينها لاحظ تمسك الفيلسوف بتحفظاته، أعرب القِس عن أسفه لأن الفيلسوف الألماني، على غرار ديكارت (Descartes)، لم يُولِ السياسة الاهتمام الكافي، وفضَّل التركيز على تطوّر العلوم الأخرى[32]. يُمكِّنُنا ردُّ لايبنيتز على هذه التهمة الأخيرة في آخر رسالة له إلى سان-بيير من فهمٍ أعمق للدور الحقيقي الذي يجب أن تلعبه السياسة ومُمارِسوها في رأيه. إذ كتب قائلًا:
“أنت محقٌّ يا سيدي في الحكم بأن الفلسفة المدنية أهمُّ من الفلسفة الطبيعية. فهي تُعلِّمنا كيف نجعل البشر سعداء قدر الإمكان، باستخدام المعارف والقدرات المتاحة حاليًّا؛ بينما تهدف الفلسفة الطبيعية إلى زيادة إدراكهم وقدراتهم: وهو أمرٌ يسير ببطء، على عكس الأول الذي يمكن أن يتحقق بسرعة إذا ما أردنا ذلك”[33].
لو أراد الأمراء فقط، لتمكَّنوا من إيقاف جميع الحروب وإيلاء اهتمامهم إلى رفاه شعوبهم. هذا الأمر يعود إليهم، لكن هل هم راغبون في ذلك؟ صحيحٌ أن السياسة أهم من الفلسفة الطبيعية؛ لأن غايتها تحقيق سعادة البشر، لكن هذه السعادة نفسها مرتبطة بحالة المعارف والقدرات المتاحة للإنسان. وهذه المعارف والقدرات لا يمكن أن تتطور إلا من خلال تقدم الفلسفة الطبيعية. ومن هنا تنشأ في الواقع تبعية السياسة، بل وخضوعها لهذه الأخيرة (الفلسفة الطبيعية). تصبح الفلسفة الطبيعية والميتافيزيقا التي تستمد منها مبادئها في النهاية بالأهمية نفسها، بل وأكثر أهمية من الفلسفة السياسية، على الأقل كوسائل لتحقيق الغاية التي تهدف إليها. لذا فإن العمل على تطوُّر المعارف يُمثِّل بالنسبة للايبنيتز طريقًا أكثر ضمانًا من أي مشروع سياسي لسلام دائم، والذي يصطدم مباشرة بمصالح وعادات القوى الأوروبية التنافسية والطموحة. إنه الطريق الأكثر أمانًا لتحقيق تلك الغاية التي تسعى إليها جميع العلوم، الطبيعية منها والمدنية على حد سواء: ألا وهي سعادة الإنسان[34].
هذا لا يعني بالتأكيد أن لايبنيتز يرى أنه لا شيء يُرتجى من السياسة أو مَنْ يمارسون السلطة. بل على العكس تمامًا: إن العِلمَ يحتاج السياسة للنمو، وإرساء سِيادةَ العقل، الذي يعد الهدف الأسمى للعلم السياسي[35]. ومع ذلك فهو يحتاج إلى دعم الأمير، والأمير الحكيم هو مَن يدرك كمَّ الفوائد التي يمكن أن يجنيها في دولته من تطوير علم السياسة، كما هو الحال مع تطوير الفنون والآداب؛ مجدٌ أكثر متانةً وبقاءً من ذاك الذي قد يحققه من الانتصارات العسكرية، مع مواطنين أكثر سعادةً وفضيلة[36]. تساهم التطورات في المعرفة والفوائد الناتجة عن تطبيقها عمليًّا في إفادة الدولة التي تشجع هذه التقدمات في المقام الأول، لكن الأمر لا يقتصر على ذلك فحسب. فمن خلال التبادل بين العلماء، ونشر التقنيات الجديدة، تتجاوز هذه التطورات الحدود الوطنية وتفيد في الحقيقة الجنس البشري بأكمله. وبالتالي، فإن السلام والطمأنينة والسعادة يمكن أن تنبع من تطوُّر المعارف، وليس قطعًا من مشاريع السلام للهيئات فوق الوطنية، التي ستواجه حتمًا صعوباتٍ لا تُغلَب ومطامع حكامٍ غيورين على صلاحياتهم.
من هانوفر إلى… كييف، ما العِبَر المستفادة؟
ما العِبَر المستفادة اليوم من نظريات وتحليلات لايبنيتز هذه؟ يمكننا تلخيصها في أربع نقاطٍ رئيسية:
- لا يمكن عزو الحرب إلى طبيعة الإنسان الجوهرية بوصفها عدوانية وميَّالة للقتال. يدعو لايبنيتز إلى تجنب الوقوع في رثاء عقيم يقوم على انتقاص الإنسان؛ إذ إن الاعتقاد بأن الأمر يعود إلى شرٍّ متأصلٍ فيه يؤدي في الواقع إلى تبرير سلوكه، باعتبار أنه غير قادر على تغييره. الحرب ليست قَدَرًا محتومًا، بل هي أمر طارئ يعتمد بالكامل على إرادتنا. ورغم أنها تكاد تكون مستحيلة الاستئصال، بخلاف الأمراض أو المجاعة، فإن قرار شَنِّها أو منعها وإنهائها حين تندلع، يظل في نطاق تحكمنا إن أردنا ذلك. وفي هذا الصدد، لا تختلف أطراف النزاع اليوم عن أولئك في الماضي؛ فحين نصغي إليهم، لا نسمع منهم إلا حديثًا عن رغبتهم في السلام وسعيهم إليه، ومع ذلك، لا يكفون عن خوض الحروب.
- حتى وإن كان لا يمكننا التأكد يقينًا بأن الحرب المعلنة “عادلة” دائمًا، نظرًا لأن كلا طرفي النزاع يعد نفسه بلا شك على حق[37]، فمن الخطأ الادعاء بأن كل حرب، من حيث المبدأ، تعد غير عادلة وأن السلام أفضل منها دائمًا. ففي بعض الحالات، تكون الحرب أفضل من السلام، عندما يُفرض هذا السلام بشروط مجحفة لأحد الأطراف، أو أن يقترحه خصمٌ غير موثوق به، لأنه سبق وأن نقض عهدًا أو يُشتبه في عدم التزامه بالعهد مستقبلًا. يمكن فهم الحق في الأمن بمعنى المطالبة بضمانات من جهة تشكل تهديدًا وليست محلًّا للثقة، دون اللجوء إلى حربٍ وقائية (وذلك إذا تم الحصول على الضمانات الضرورية). على أية حال، فإن السلام ليس سلامًا إن كان يَذلُّ أحد الأطراف ويُفيد الطرف الآخر بشكلٍ مبالغ؛ فالأول سيترقب اللحظة التي يأخذ فيها بثأره، بينما الثاني، الذي زادت ثقته بالنصر، سينتهز أدنى فرصة لتعزيز مكاسبه وزيادة مطامعه. مثل هذا السلام ليس سوى هدنة، بل هو حتى أقل من الهدنة: فهو لا يكتفي بتأجيل التصرفات العدائية الحتمية، بل يزيدها اشتعالًا، ويجعلها أشد ضراوةً حينما يُشعِل روح الانتقام عند أحدِ الطرفين والرغبة في الغَلَبةِ عند الآخر.
- القانون لا يسعه إيقاف القوة، والقوة لن تخضع له من تلقاء نفسها. القوة وحدها من تحدُّ من القوة، لا من خلال كبح جماحها برقابة ذاتية حكيمة، بل بوجود قوى معارضة ومنافسة تتصدى لها وتكبحها ضمن حدود معينة. هذا التوازن في العلاقات الدولية الذي سيظل هشًّا على الدوام، وذلك التوازن الذي يجب إرساءه كلما اختل، لا يجب عَدُّهما بديلين للإطار القانوني الذي توفره المعاهدات والاتفاقيات والمواثيق الدولية، والذي يظل به شيءٌ من القصور والعجز. بل يُكمِل أحدهم الآخر. على عكس السلام في المقابر، فإن السلام عند الأحياء لا ينهي التنافس ولا تضارب المصالح والطموحات المتعارضة. بل يجب فهمه على أنه متحرك وديناميكي، كتوتر دائم يتطلب باستمرار تعزيز القوى الموازنة وإعادة تشكيل التحالفات، حتى لا تشعر أي دولة أو مجموعة دول بأنها قوية بما يكفي لفرض قانونها على الآخرين أو أن تسعى للهيمنة. من هذا المنظور، السلام ليس راحةً ولا مُريحًا بالكامل. لكن لأنه مرتبط بهذا الواقع المتغير، فهو يستبعد الجمودَ والوضعَ الراهن[38].
- إن حق شن الحرب وعقد السلام يعد جزءًا لا يتجزأ من السيادة: التخلي عن هذا الحق عمليًّا غير ممكن، ومستحيل دون المساس بجوهر السيادة ذاتها. لكن لايبنيتز يشير إلى أنه ليس ثمة حاجة للتخلي عن هذا الحق أو حتى تقييده لتحقيق السلام. وهنا على الأرجح يكمن في نظره خطأ القِس سان بيير، الذي يضاف إليه خطأ آخر؛ فمشروع السلام الدائم محكوم عليه بالفشل حتمًا، وبالتالي يصبح مصدر خيبة أمل لمن يؤمنون به، لأنه لا يتحقق إلا بالموت أو عبر هيمنة قوة واحدة قادرة على إخضاع الشعوب لنيرها، في حالة من التبعية والاستسلام، إن لم تُخضعهم للعبودية. فالسلام الدائم إما أن يكون سلام المقابر أو سلام الأقوى[39].
لا مكان لخيبة الأمل أو الاستسلام أو النكران في هذه التأملات المستوحاة من لايبنيتز. إرث عصر التنوير لا يكمن فقط في نقل المبادئ السامية والأحلام الجميلة والآمال النبيلة، بل يكمن أيضًا (وخاصةً) في إرث الأدوات المفاهيمية والنقدية لمواجهة المتطلبات السياسية الملموسة، التي يجب أن تأخذ في الحسبان موازين القوى الفعلية ومطالب الأطراف المختلفة. لا جدوى من المحاولة في حظر الحرب، من الأَحكمِ أن نحاول ردعها. بدلًا من السعي نحو سلام دائمٍ طوباوي، كان رجل مثل لايبنيتز -الذي ألمّ بسياسة عصره بحكم المناصب التي شغلها- يرى أنه من الأفضل العمل باعتدال على منع الحرب الدائمة، وذلك بتجاوز الصراعات الدينية في زمنه، وضمان توازن القوى ما أمكن، حتى لا يكون لأي منها، مهما بلغت قوتها، مصلحةٌ في خوض حربٍ مع الآخرين.
[1] La crise de la culture, Gallimard, Folio/essais, 1972, p. 304. Nous soulignons.
[2] . كان رئيس الحكومة الفرنسي الأسبق جورج كليمنصو يُلقَّب بـ”النمر”، (تعليق شخصي من المترجم)
[3] Léviathan, I, XIV.
[4] ولتحقيق هذه الغاية، اتخاذ التدابير اللازمة لِمَنْع ودرء التهديدات المُوجَّهة نحو السلام، وقمع أي فعل عدواني أو أي انتهاك آخر له (انظر ميثاق الأمم المتحدة، الفصل الأول، المادة 1).
[5] Pierre Buhler, « La guerre d’Ukraine et l’histoire de l’Europe : la fin d’une illusion », Le Grand Continent, septembre 2023 https://legrandcontinent.eu/fr/2023/09/14/lukraine-et-lhistoire-de-leurope- la-fin-dune-illusion/. Selon Céline Bryon-Portet, « Aujourd’hui, c’est l’attaque de Vladimir Poutine contre l’Ukraine qui met à mal le projet kantien de paix perpétuelle soutenu par une Société des Nations » (« La guerre en Ukraine au prisme de l’utopie européenne : les désillusions d’un projet de paix perpétuelle ? », Hermès, 2022/2 (n° 90), CNRS Éditions, p. 193).
[6] « Droit international et guerre à la lumière du conflit en Ukraine : une liaison consubstantielle biaisée depuis son origine », Revue Européenne du Droit, « Guerre », 5/2023, p. 113.
[7] Voir Le droit de la guerre et de la paix, I, II.
[8] Sur la notion commune de la justice, Sämtliche Schriften und Briefe, édition de l’Académie des Sciences, Berlin, Darmstadt, puis Leipzig, enfin Berlin, 1923-… [abrév. : A, suivie du numéro de la série, du tome et de la page], IV, 10, 36.
[9] إن الحالة الأخلاقية للإنسان تظل عادةً في وَسَطٍ معيّن: «يمكن القول إن الناس في العادة لا هم بالِغو الشرِّ ولا بالِغو الطيبة، وقد أشار مكيافيلي بذكاء إلى أن كلا الطرفين نادرٌ على حد سواء، ما يجعل الأعمال العظيمة نادرةً أيضًا».
(Remarques sur trois volumes des œuvres de Shaftesbury, Die philosophischen Schriften von Leibniz, C. I. Gerhardt (éd.), 7 tomes, Berlin, 1875-1890 [abrév. : GP], III, 424).
[10] Nouveaux Essais sur l’entendement humain, I, 2, § 9, A VI, 6, 93.
[11] Nova methodus discendae docendaeque jurisprudentiae, II, § 73, A VI, 1, 343.
[12] Ibid.
[13] Praefatio Codicis juris gentium diplomatici, A IV, 5, 50.
[14] Ibid., 51.
[15] Voir Œuvres de Leibniz, publiées par Alexandre Foucher de Careil, Paris, Didot, 1859-1875 [abrév. : FC], IV, 3 et suivantes.
[16] هذه العبارة مُستلهمةٌ بحريةٍ من كتابات تاسيتوس (Historiae, IV, 17, 10).
[17] تأملات حول إعلان الحرب (automne 1688-1689), A IV, 3, 131.
[18] Ibid., 132.
[19] Voir G. W. Leibniz. Le meilleur des mondes par la balance de l’Europe, Paris, Puf, 1994, en particulier p. 235-236.
[20] رسالة من مواطنٍ إلى الجمهورية السيرينيسيمية البندقية، FC, IV, 175.
[21] “عندما يكون السلام والحرب في حالةٍ من عدم اليقين، تَقتضي الحكمةُ أن نأخذَ الأمورَ بأسوأ الاحتمالات، وأن نتصرفَ كأن الحرب مؤكدة” (FC, IV, 148).
[22] يونيو 1712، ضمن مراسلات لايبنيتز وكاستل دي سان بيير [abrév. : CLSP], édition d’André Robinet, Centre de philosophie du droit, Paris II, CNRS, 1995, p. 25.
[23] Ibid. CLSP, p. 24.
[24] Praefatio Codicis juris gentium diplomatici, A IV, 5, 50.
[25] Ibid., 51.
[26] Ibid.
[27] CLSP, p. 31.
[28] Voir la lettre du 4 avril 1715, CLSP, p. 54.
[29] CLSP, p. 55.
[30] CLSP, p. 56.
[31] كان لايبنيتز في خدمة جورج لودفيغ، دوق براونشفايغ-لونيبورغ، الذي أصبح حاكم بريطانيا العظمى عام 1714. CLSP, p. 58.
[32] رسالة القس سان بيير بتاريخ 14 سبتمبر 1716, CLSP, p. 69.
[33] أكتوبر 1716, CLSP, p. 92.
[34] Sur ce point, voir P. Rateau, « La philosophie et l’idée d’encyclopédie universelle des connaissances selon Leibniz », Archives de Philosophie 2018/1 (Tome 81), https://www.cairn.info/revue-archives-de- philosophie-2018-1-page-115.htm
[35] Voir GP III, 277.
[36] Voir Mémoire pour des personnes éclairées et de bonne intention, A IV, 4, 617.
[37] Voir Sorel, art. cit. p. 112.
[38] يرفض لايبنيتز الوضعَ الإقليميَّ الراهن الذي دعا إليه القس سان بيير، والذي كان على الحكام الالتزام به لإنهاء النزاعات المتعلقة بالحدود.
[39] سلامٌ قد لا يدوم في الواقع، إذا صحَّ أن “الأقوى ليس قويًّا بما يكفي ليبقى سيدًا إلى الأبد […]”(J.–J. Rousseau, Du Contrat social, I, 3).
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




