ترجمة: رجاء الرشيدي
الجدل حول “التقادم المخطط” يربطه بـ “الاحتيال” أو “العيب الخفي”. غير أن تاريخ هذه الفكرة يظهر أن التقادم كان موصى به علنًا من قبل الصناعيين، والاقتصاديين، والمسوقين، والمعلنين، والمستشارين في الاقتصاد المنزلي.
على الرغم من العديد من الأبحاث، والقوانين، والشكاوى المرفوعة ضد العلامات التجارية الكبرى، تظل مسألة “التقادم المخطط” مثار جدل في فرنسا. ورغم أن هذا المصطلح أصبح معروفًا الآن، فإنه لا يزال يُستخدم بحذر، لأنه مرتبط بنظرية المؤامرة أو كرد فعل رافض للتكنولوجيا. ولعل ذلك يعود إلى أنه يُعرَّف، من كلا جانبي النقاش، بنوع من الخداع أو الاحتيال أو العيب المخفي. غير أن الإشارة إلى هذه المفاهيم الثلاثة قد تسلط الضوء على بعض الحالات، لكنها لا تكفي للتخلص من الانتقادات المستمرة لمسألة التقادم المخطط، ولا لمعالجة مسألة الاستدامة بشكل شامل.
يتبين من تاريخ التقادم أنه لم يمارس في الخفاء، بل قد رُوّج له علنًا، ولا يزال يُروّج له، كمصدر للتقدم والازدهار والمساواة أو التحرر. من النزاعات المتعلقة بميكنة وسائل الإنتاج إلى المنتجات القابلة للتصرف، ومن تكوين التسويق كمهنة إلى الوعود بزيادة الإنسانية عبر الحوسبة الدقيقة، أصبح التجديد المستمر للأشياء رمزًا ومصدرًا، بل وحتى جوهرًا لقيمتها. يقترح هذا المقال التطرق إلى بعض اللحظات الأساسية في هذا التاريخ، من أجل توضيح الدور المركزي الذي يلعبه الهدر في الاقتصادات الغربية، وطرح تساؤلات حول حدود السياسات الحالية التي تدعم الاستدامة.
«التقادم المخطط»: نقاش نشط، ولكنه مختزل
بدأ النقاش حول التقادم المخطط في فرنسا تزامنًا مع الحملة التي قامت بها جمعية أصدقاء الأرض (Les Amis de la Terre). فهي التي اقترحت هذا التعبير باستخدامه في كتاباتها ومؤتمراتها ومداخلاتها الإعلامية، لترجمة عبارة “planned obsolescence” (التقادم المخطط). تقريرها الأول[1]، الذي نُشر بالتعاون مع مركز المعلومات الوطني المستقل المعني بالنفايات[2] (Cniid) في عام 2010م، يوضح الآثار السلبية للتجديد السريع للمنتجات على البيئة، وعلى القدرة الشرائية وظروف العمل. في عام 2011م، بُثَّ على قناة آرتي وثائقي بعنوان “جاهز للرمي”، والذي يستعرض، من خلال أرشيفات ومقابلات وتجارب تقنية، مفهوم التقادم المُخطط باعتباره “الآلية الكامنة في قلب مجتمعنا الاستهلاكي”، كما يقدم البرنامج نقدًا لهذا المفهوم مستوحًى من الخطاب حول البيئة والركود[3]. أثار هذا الوثائقي فور عرضه بعض الانتقادات، إذ تم اعتبار التقادم المُخطط “أسطورة” مُستوحاة من “نظرية المؤامرة”. وفي وسائل الإعلام، تم اختزال المسائل التي طرحها الفيلم إلى نقاش ثنائي: “التقادم، أسطورة أم حقيقة؟”. وأصبح التقادم موضوعًا للشك، وشيئًا “نؤمن” به أو “لا نؤمن” به، وموضوعًا ينبغي “إثباته” أو “إزالة الغموض عنه” عبر تحقيقات وتحقيقات مضادة[4].
كان لهذا النقاش عواقب سياسية سريعة. ففي عام 2013م، قدم السناتور جان فينسنت بلاس، وعضو حزب أوروبا إيكولوجيا الخضر، مشروع قانون يجرم التقادم المخطط. ورغم عدم التصويت عليه، أثار مواقف في مجلس الشيوخ، وأعاد إثارة وسائل الإعلام، وحشد المناضلين من أجل الاستدامة. وفي عام 2014م، نجح هؤلاء في الحصول على تصويت بتمديد مدة الضمان القانوني من 6 أشهر إلى سنتين بموجب قانون الاستهلاك، كما تم التصويت على تجريم التقادم المخطط ضمن قانون الانتقال الطاقي من أجل النمو الأخضر. وقد تم تعريفه على أنه “مجموعة من التقنيات التي يستخدمها الصانع لتقليل عمر المنتج عمدًا لزيادة معدل استبداله”، ويعاقب عليه بالسجن لمدة سنتين وغرامة قدرها 300,000 يورو.
استمرت رغم ذلك هذه الانتصارات في إثارة الشكوك، حتى بين المدافعين عن الاستدامة. كان العديد يخشون أن يكون القانون، الذي لا يحدد ماهية هذه «التقنيات» التي تقلل من عمر المنتجات، غير قابل للتنفيذ. وفي وسائل الإعلام، وُصف بأنه قانون ذو «طابع توعوي» و«قد لا يحدث فارقًا كبيرًا»، وقد يكون «طلقة في الظلام»[5]. قامت مساعدة برلمانية سابقة لبلاسي، ومحامٍ، وعضو في حزب أوروبا إيكولوجيا الخضر، ومستشار في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بتأسيس جمعية “وقف التقادم المُخطط” (HOP) في عام 2015م، اعتراضًا على هذا التفسير السلبي للقانون، وإصرارًا منهم على إظهار قابلية تطبيقه ومواصلة النضال من أجل الاستدامة. وتضم الجمعية اليوم 23000 مناصر، وتكرس جهودها للدفاع والبحث والتوعية وتقديم الشكاوى، إذ قامت في عام 2017م بمقاضاة العديد من صانعي الطابعات، ثم شركة آبل، بتهمة التقادم المُخطط والتضليل. ونهاية عام 2019م، رفعت شكوى ضد أمازون بتهمة ممارسات تجارية مضللة، مشيرة إلى نقص في المعلومات حول مدة الضمان القانوني للمنتجات المباعة على المنصة.
في كتابها، تصف جمعية (HOP) التقادم المخطط بأنه «شكل من أشكال الخداع»[6]: تقليص مخفي لعمر المنتجات يجب كشفه. يبدو أن هذا التوصيف هو المرجع. ففي قانون حماية المستهلك، يُعرَّف التقادم المخطط في الفصل المتعلق بـ «الخداع» ضمن عنوان «الاحتيال»[7]، وتصف وزارة التحول البيئي والتضامني التقادم المخطط بأنه «خداع مزدوج»[8]، ويستخدم أنصار HOP هذا المصطلح بالإضافة إلى كلمة «هدر» لوصف المشكلة[9]، أما في وسائل الإعلام، يتم تناول أمثلة التقادم المخطط على أنها قضايا تستدعي التحقيق[10]. في الواقع، كان سبب رفض النسخة الأولى لجريمة “التقادم المخطط” في عام 2013م هو اعتباره مقترنًا بجريمة “الخداع”. ومع ذلك، فإن جمعية HOP قد رفعت شكوتين بتهمة “التقادم المخطط والخداع”، مما يوحي بأن الجريمتين مختلفتان، ففي فبراير 2020م، أدانت الإدارة العامة للمنافسة والاستهلاك ومكافحة الغش (DGCCRF) شركة آبل بتهمة “الممارسات الخادعة عن طريق السهو” وليس “التقادم المخطط”.
يساهم هذا الالتباس في نقل المشكلة والتعامل معها من مكافحة تقصير عمر المنتجات إلى مكافحة إخفائه، فإذا كان التقادم خدعة، فإن توعية المستهلكين بمدى قصر عمر المنتج سيكون كافيًا لتقليل مبيعاته. ومن هنا جاءت الدعوة إلى “الشفافية” وتوفير معلومات أفضل للمستهلك، وهي استراتيجيات حققت نجاحًا كبيرًا في ديسمبر 2019م، أثناء المناقشات في الجمعية الوطنية حول “القانون المتعلق بمكافحة الهدر وتعزيز الاقتصاد الدائري”، حيث تضمن القانون بشكل رئيسي تدابير إرشادية. فبدلًا من تمديد الضمان القانوني للمنتجات، تم تفضيل وضع مؤشر لتحديد قابلية الإصلاح على بعض المنتجات الإلكترونية والأجهزة المنزلية، وتم تفضيل استخدام شعار Triman، الذي يشجع على إعادة التدوير، على فرض حظر على التعبئة والتغليف الزائدين، وتم تفضيل الإشارات القانونية التي تشجع على إعادة الاستخدام على حظر الإعلانات لبعض المنتجات الملوثة[11].
لكن هل المشكلة في تقادُم السلع تكمن في كونه مخفيًّا؟ أليست المشكلة في حد ذاتها كونُ المنتجات قصيرة الأمد؟ إن التعريف الضيق للتقادم يجعلنا نهمل جميع المنتجات التي تُصنَّف رسميًّا كـ «قابلة للرمي»، والتي تُعرَض مدة حياتها القصيرة على الغلاف، وتوضَّح في دليل الاستخدام، وتُروَّج في الإعلانات. من يجهل أن ولاعة «3000 شعلة» ستُرمى؟ أو أن قلم الحبر الجاف غير القابل لإعادة التعبئة سينتهي في سلة المهملات؟ العديد من المنتجات التي غزت حياتنا اليومية في القرنين العشرين والحادي والعشرين تعلن عن تقادُمها، فكان التقادم وسيلة لتسويقها باعتبارها عملية، ورخيصة، وصحية، ومرحة… كذلك، فإن تعاقب الموضات، الذي يشجع على استبدال الأشياء التي لا تزال صالحة، ينطوي على عملية إعلامية معلنة، لا غنى عنها، وهذا ما يُسمى بالإعلان.
بالنظر إلى هذه الحدود، يجب التذكير بأن تاريخ التقادم ليس سوى جزء من قصة السرية الصناعية.
التقادم والآلات والتقدم – الجدل حول التصنيع
منذ نهاية القرن الثامن عشر، أدت ميكنة بعض قطاعات الإنتاج (النسيج، والمناجم، والطباعة…) في غرب أوروبا إلى نشوء صراعات اجتماعية ومواضيع جدال حول تقادم وسائل الإنتاج والمهارات. في إنجلترا، وفرنسا، وألمانيا، وبلجيكا، يتهم الحرفيون والعمال الآلات بأنها “قاطعة للرزق” وأنها تسببت في “البطالة التكنولوجية”[12]. فتقابل[13] تلك الاتهامات بنظرية “التوزيع الطبيعي للقوى العاملة” في وسائل الإعلام، وأعمال الاقتصاديين، أو في محاكمات العمال الناشطين. وفقًا لهذه النظرية: “الآلة لا تؤدي إلى استبدال العمال بآخرين، بل إلى إعادة توزيع أكثر شمولًا للقوة العاملة والمؤهلات على مستوى الاقتصاد بأسره”[14]. استنادًا إلى الإحصائيات الكلية، يقدم أصحاب المصانع على تجديد المعدات كعامل من عوامل النمو، باعتباره يخلق وظائف جديدة أقل إرهاقًا.
على سبيل المثال، كان يؤكد الاقتصادي فريدريك باستيا في عام 1850م أن “الصناعات متضامنة” وأن “ما يتم توفيره على صناعة ما يعود بالنفع على جميع الصناعات الأخرى”[15]. ويعتبر باستيا أن التخفيض المتبادل لقيمة المعدات الصناعية هو شكل مشروع من أشكال التقادم، وفرّق بينه وبين تدمير الأشياء. “تحطيم نافذة واستبدالها لا يولد فائدة حقيقية، بل يشكل إهدارًا: «إذا عممنا، نصل إلى هذا الاستنتاج غير المتوقع: المجتمع يفقد قيمة الأشياء التي يتم تدميرها بلا جدوى. […] “التدمير ليس ربحًا” »[16]. يتم حساب الازدهار من خلال مؤشرات تأخذ في الحسبان جموع إنتاج الثروات وليس توزيعها. وفقًا لباستيا، تجاهل تجارب الفقر والبطالة الفردية فضيلة علمية، وفهم الحقائق الاقتصادية يعتمد على التعميم.
يرتبط أيضًا تقادم الآلات في تاريخ التقنيات بمفهوم: “التقدم”. في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أكد تشارلز باباج، عالم الرياضيات والسياسي الإنجليزي، في كتاب أُعيد نشره عدة مرات، أن التقادم هو الوجه الآخر للتقدم العلمي والتقني الذي يعود بالفائدة على المجتمع بأسره. ورغم أنه لا يوضح كيف يتم نشر هذا التقدم التقني، فإنه يلاحظ بشيء من الفخر أن استبدال الآلات أصبح يحدث بوتيرة أسرع (كل خمس سنوات تقريبًا) مقارنة بالتآكل الطبيعي أو الأعطال العرضية. وللاستفادة من ذلك، يجب على المصنعين اعتماد الآلات الأكثر تنافسية في أسرع وقت، من ثم قياس أدائها وأداء العمال الذين يشغلونها لتمييز الأفضل أداءً عن الذين هم أقل كفاءة[17]. بالنسبة إلى باباج، یضمن هذا الضغط الممارس على العمال التقدم الاجتماعي والأخلاقي، فوفقًا لرأيه، فإن انخفاض تكاليف الإنتاج يؤدي إلى خفض الأسعار بشكل آلي، و”فن إنتاج سلعة جيدة بأقل سعر” يساهم في “منح العامل قيمة أعلى بكثير مما يمتلكها حاليًّا[18]. هذه التقدمية قد استخدمت أيضًا لتبرير الاستعمار الأوروبي طوال القرنين التاسع عشر والعشرين، كاستغلال صناعي (السيطرة على الموارد التي تستغلها اقتصادات الدول الاستعمارية)، وكفرصة تجارية (تصدير منتجات الصناعات الجديدة إلى المستعمرات). وهكذا طرح المستعمرون صناعة الصابون في الأسواق باعتبارها جزءًا من “عبء الرجل الأبيض” المسؤول عن “تحضر” و”تنوير” “أظلم أركان العالم” (ترجمتي) “انظر الشكل 0”.
- .نشر النور و”الحضارة” من خلال بيع الصابون. إعلان صابون بيرز لعام 1899م، يظهر فيه الأميرال جورج ديوي.
تم الاعتراض على النهج الكمي للإنتاجية، بملاحظة انخفاض الجودة، حيث يشتكي بعض الحرفيين من أن الآلات لا تجيد العمل مثل اليد، مشيرين على سبيل المثال، في صناعة الأحذية، إلى «الخُشونة والثقل الموحد لآثار الآلات». وقابلت التحليلات حول التقادم الطابع الميكانيكي للتقدم[19] فاعتبرته شكلًا من أشكال الاستلاب. يرد كارل ماركس، في مقاطع من “رأس المال” حيث يدرس الآلات، على باباج بأن الاستخدام التنافسي للتقادم يطيل من مدة يوم العمل، مما يدفع الصناع إلى تشغيل آلاتهم بشكل مكثّف خوفًا من أن تصبح قديمة مقارنةً بآلات منافسيهم. ولأن وسائل الإنتاج في النظام الرأسمالي تستهلك «استهلاكًا معنويًّا» أسرع من «الاستهلاك المادي»، يتوجب العمل أكثر لتحقيق ربح أسرع[20]. يعبر التقادم عن ديناميكية الرأسمالية، حيث إن كل مؤسسة ” تصبح قديمة” قبل حتى أن “تتماسك”[21]. بالنسبة إلى بول لافارغ، صهر كارل ماركس، فإن التصنيع يؤدي إلى “عصر التزييف” والهدر الطبقي، فبدلًا من قدوم عصر الترفيه: لمواصلة البيع، يجب الإنتاج بشكل أكبر، ولكن بجودة أقل، ودعم طبقة برجوازية خاملة[22] . كما شمل نقد التقادم والتقدميّة مساهمات الداروينية، ففي عام 1872م، وصف الروائي الإنجليزي صامويل بتلر في روايته “إيرهوون” عالمًا خياليًّ حيث تم تدمير جميع الآلات، لأن تطورها السريع مقارنةً بأنواع الكائنات الحية الأخرى كان يهدد بتقادم البشرية ذاتها[23]. كما أن الداروينية أثرت على نظريات الموضة.
التقادم والجمال والتجديد: جدال حول الموضة
في كتابات باباج أو الاقتصاديين السياسين، كان يُقرأ أن هناك نوعين من السلع: تلك التي تستهلك من خلال الاستخدام (مثل الطعام والكبريت)، وتلك التي تقاوم الاستهلاك (مثل الأثاث والملابس). كانت هذه التفرقة الواضحة مهددة عندما درسوا تغيّرات “الذوق العام[24]” وصناعة “الموضة والإبداع[25]“. فكانت تقلبات هذه الأسواق تُنسب آنذاك إلى فئة أو نوع، حيث كررت الكتابات عن الموضة أن النساء و/أو الأغنياء يميلون بطبيعتهم إلى الملل سريعًا من ممتلكاتهم، مما يُخضع التاريخ لمنطق التميز[26]. في أواخر القرن التاسع عشر، ظهرت تفسيرات جديدة تمزج بين الداروينية والعلوم الاجتماعية. بالنسبة إلى بعض المؤلفين الذين استلهموا من تشارلز داروين، فإن العادات وأنماط اللباس تتطور مثل الكائنات الحية، عن طريق انتقال الخصائص المكتسبة وراثيًّا[27]. أما بالنسبة إلى عالم الاجتماع ثورستين فيبلن، فإن “تطور” المجتمعات هيمنة “الطبقة المترفة”، التي تتجلى في “الاستهلاك الاستعراضي”. وفقًا له، تقوم الطبقات السائدة بالاستهلاك المفرط، وتدفع محيطها إلى الاستهلاك، لإثبات أنها ليست بحاجة إلى العمل. النساء هن الفئة الأولى التي يتم تفويضها لهذا النوع من الاستهلاك، فلإظهار أن زوجاتهم لا يعملن، ينفق الرجال الأثرياء ثرواتهم على ملابس وإكسسوارات باهظة الثمن، غير مريحة وزائلة[28]. إنفاق المال على الجديد يعد واجبًا، لأن مواكبة الموضة تتطلب جهدًا مستمرًا، مما يدل على أنه ليس لدينا ما يشغلنا سوى السعي لتحقيقها. يتم تعريف التبذير على أنه “إنفاق غير منتج” يتجدد باستمرار. وبما أنه يعكس التفوق الاقتصادي والاجتماعي، فتتبناه الطبقات الأخرى.
سيتم استخلاص هذا التحليل من المبادئ التطورية والتقنية[29] لـ “فيبلين” وعدد من الفوارق التي أدخلها[30]، ليصبح في بداية القرن العشرين مبدأ لتقنيات بيع جديدة. في الولايات المتحدة، استولى التسويق والإعلان والتصميم الصناعي الناشئ من هذا الرابط بين الموضة والسلطة والمحاكاة الاجتماعية الذي كشفت عنه السوسيولوجيا، وكذلك من الاكتشافات الحديثة في التحليل النفسي وعلم النفس السلوكي، لتنظير فن التأثير على ذوق “المستهلك”. تعد “دراسات السوق” بـ «الإدارة العلمية لقوة المبيعات[31]“. وفقًا لبيرسيفال وايت، مؤلف كتب التسويق الرائدة في عام 1927م، يجب إلغاء “قانون ساي” أو “المعتقد [مفادهُ أن] الأسواق [توجد] بعد إنتاج السلع”: لأن الآلية سمحت بالإنتاج الضخم، يجب إيجاد أسواق ضخمة أيضًا، عن طريق “ربط جميع الأنشطة التسويقية بنظام تنظيم مخطط علميًّا[32]“. كما يدعم جيل جديد من الفنانين التجاريين فكرة تخطيط التقادم، إذ يربطون بين إعادة تصميم المنتجات وتعميم الجمال. وهم يوجهون للمصنعين التزامات جديدة: “مواكبة الموضة”، وعدم “تفويت الطلب على المنتجات الجديدة[33]“.
شملت هذه التعليمات بشكل خاص قطاعي الأجهزة المنزلية والسيارات. وفقًا للمؤرخ جايلز سليد[34]، في عام 1923م، كان النجاح التجاري لنموذج “مُعاد تصميمه” من شيفروليه قد أقنع مدير شركة جنرال موتورز (جي إم) ألفريد سلون، بإمكانية منافسة “فورد”، التي كانت “موديل تي” تهيمن على السوق، وكانت حملتها الإعلانية قائمة على تمجيد المتانة وقابلية الإصلاح. فأخذت شركة (جي إم) بإصدار موديل جديد سنويًّا، مع تحديد السنة وترويجها من خلال إعلانات تبرز جديدها وأسلوبها. بالنسبة إلى سليد، يُعتبر هذا نوعًا من “التقادم النفسي”، الذي يميزه عن “التقادم التقني”[35]، لأن التغييرات في التصميم يمكن أن تتم بشكل متكرر، وبتكلفة أقل، مقارنة بالتغييرات التقنية. ومع ذلك، تظهر دراسة التواصل التجاري أن جي إم تلعب على الجانبين: الإعلانات تستخدم وتبالغ في استخدام مصطلح “الجديد”، وتصف به الوظائف التقنية والخصائص المرئية في آن واحد. فما يميز “جي إم” هو ليس اكتشاف أن الجمال يساعد على البيع، بل التأكيد على التجديد: كل تعديل، سواء أكان تقنيًّا (مثل الانتقال إلى الست أسطوانات) أو جماليًّا (مثل مجموعات الألوان)، يتم تحويله إلى علامة مرئية من خلال تحديد تاريخ الطراز والتواصل. فأصبحت جي إم تعتمد على “تغيير الطراز السنوي” كاستراتيجية رسمية، علنية وفعالة[36] لشركة جنرال موتورز. في عام 1928م، افتتح سلوون أول “قسم تصميم” في الصناعة وكان فخورًا برؤية “أن قوانين الأسلوب الباريسي قد أصبحت عوامل مؤثرة في صناعة السيارات[37]“.
نجاح شركة جنرال موتورز ألهم المعلنين، فأطلق ج. جورج وكريستين فريدريك، في أواخر العشرينات من القرن الماضي تعبير «التقادم التقدمي» وهما معلنان يعملان على الترويج لمهنتهما[38]. في مقال لمجلة (Advertising and Selling) أشار ج. ج. فريدريك إلى أن فورد وجد نفسه عاجزاً أمام تأثيرات التقادم»، وأوصى «بشراء الأشياء ليس لاستخدامها حتى التآكل، ولكن لرميها أو إعادة بيعها بعد فترة قصيرة[39]“. وفقًا لزوجته، فإن فورد قد وجد نفسه عاجزاً أمام النساء، معترفًا -كما فعلت جنرال موتورز- بأهمية الراحة والأناقة. إن «التقادم التقدمي» يُعتبر «حالة ذهنية» منفتحة على التغيير، و«قدرة» على التخلص و”رغبة” في الإنفاق على المستجدات، وهي صفة متطورة بشكل خاص لدى النساء الأميركيات[40]. النساء، أقل عقلانية من الرجال، «قد يملن نفسيًّا إلى التغيير»، وقد يمتلكن بطبيعتهن “روحًا ثورية، بما في ذلك فيما يتعلق بالعمل المخصص لهن تقليديًّا: الأعمال المنزلية[41]“. ويوصي التقادم بـ «الإسراف الإبداعي»، الذي يعتمد على الشراء، والرمي، ثم إعادة الشراء[42]. وقد قام معلنون آخرون بتطبيق أفكاره (الشكل 1).
الشكل 1. “الحداثة تجعل النساء يرتجفن”. إعلان شفروليه عام 1937م، ويحتوي على 8 مرات مصطلح “جديد” أو مشتقاته (ترجمتي).
هذه التحليلات لم يشكك فيها إلا جزئيًّا خلال الأزمة. بعد عام 1929م، نددت بعض وسائل الإعلام بالتقادم فعلًا. بالنسبة إلى الفيلسوف كينيث بيرك، فإن الفكرة مفادها أن الرفاهية الجماعية تعتمد على “أعلى معدل ممكن من تدمير الموارد الوطنية”، تبرر مدح الهدر، والطلاق، والعبودية، أو الحرب[43]. أما بالنسبة إلى ألدوس هكسلي، فإن التأثير على الرغبات يمكّن من التحكم الاجتماعي[44]. ومع ذلك، استمر المعلنون الأمريكيون في دعوة الشعب إلى “طي صفحة الماضي حيث كان الناس يكتفون بالقليل ويجعلون الأشياء “تدوم”، بحجة أن “استهلاك الأشياء حتى التآكل التام لا يؤدي إلى الازدهار[45]“. على الإذاعة الإنجليزية، اقترح جون م. كينز في عام 1931م على “ربات البيوت المفعمات بالوطنية” أن يشترين بقدر الإمكان، مستفيدات من انخفاض الأسعار، وأن “يستولين على جنوب لندن” من أجل خلق فرص عمل[46].
خلال الفترة التي تجددت فيها الاقتصادات القيادية (نظام اقتصادي تمارس فيه الدولة تأثيرًا توجيهيًّا قويًّا على الاستثمار)، دعا منظّرون آخرون أقل شهرة علنًا للتخطيط للتقادم، على المستوى الحكومي وليس فقط الصناعي. فهناك نص نُشر من قبل سمسار عقارات يشجع على وضع إطار قانوني وضريبي لمدة صلاحية السلع الاستهلاكية، داعيًا الدولة إلى “التسبب في “تلفها قانونيًّا[47]“. غير أن أهمية هذا النص تاريخيًّا، الذي ظهر فيه لأول مرة على حد علمنا مصطلح «التقادم المخطط»، مبالغ فيها إلى حد كبير[48]. فالأكثر دلالة على تحديات تلك الفترة كانت تصريحات المعلنين حول شرعية مهنتهم في أوقات الأزمة، أو النقاشات حول مستقبل الرأسمالية، التي كانت تُعتبر نموذجًا استبداديًّا وغير عادل. فاعترض لويس مومفورد على النظرة الميكانيكية[49] للرفاهية بانتقاد مفهوم النمو وتنظيره لفكرة اشتراكية تتعلق بالآلة. أما جوزف شومبيتر، فتنبأ بزواله إثر المشاركة التدريجية في وسائل الإنتاج، معتمدًا بذلك على التحليل الماركسي لأزمات الرأسمالية[50].
التقادم، والاستهلاك لمرة واحدة، والجديد – جدالات حول الهدر
تم تسويق المنتجات ذات الاستخدام الواحد منذ القرن التاسع عشر، وكانت في البداية مصنوعة من الورق (الأكياس، ورقاب القمصان وأطراف أكمامها، وورق المرحاض، والمصاص، والأكواب)، والمعادن (المعلبات، وشفرات الحلاقة، والعلب المعدنية، والأغطية)، أو مشتقات القطن (الحفاضات النسائية، والمناديل). وقد عزز إدخال البلاستيك في سوق المنتجات القابلة للتصرف ترسيخ هذا السوق، وذلك بطريقتين: أولًا، زاد من استخدام المنتجات القابلة للتصرف بشكل كبير. وثانيًا، جعل نفاياتها أكثر استدامة. أنتجت الشركة الأمريكية بلاكس أول زجاجة قابلة للتصرف ومصنوعة من البولي إيثيلين، في عام 1951م لمزيل العرق “ستويست”. ففي فيلم دعائي من عام 1952م، تظهر امرأة تشرح كيف أن هذا المنتج يساعدها على أداء واجباتها كـ “ربة منزل أمريكية”، ومنها -الواجبات-: “الجري طوال اليوم”، و”الظهور بأجمل شكل ممكن عند العشاء[51]“. فتلك السلع الناتجة عن هذه الصناعة وذات الصلاحية القصيرة جدًّا تعتبر أنها هشة (يُطلق عليها اسم “الخردة، والنفايات، والقمامة”)، ولكنها تروج على أنها عملية، واقتصادية، وصحية (انظر الشكل 2). وتباع بكميات كبيرة، فقد شهدت صناعة البلاستيك الأمريكية نموًّا سنويًّا بنسبة 15.9% بين عامي 1948م و1970م52“. طرحت الشركة الفرنسية بيك في السوق أقلامها ذات الحبر الجاف في عام 1950م، وأيضًا ولاعاتها القابلة للتصرف في عام 1973م، في حين أطلقت الشركة اليابانية فوجي الكاميرا القابلة للتصرف في عام 1986م. مما يبرز كيف أن المنتجات القابلة للتصرف، والتي ليست جميعها “لاستخدام واحد” وذات مواد خفيفة، قد بدأت تنافس المنتجات المعقدة تقنيًّا والمصممة لتدوم طويلًا.
الشكل 2. «المنحنى “S” الذي يُستخدم لتخطيط دورة حياة المنتجات». رسم بياني لثيودور ليفيت، تم نسخه من مقال “استغلال دورة حياة المنتج” (ترجمتي).
منذ الخمسينات، بدأ الجدل حول المنتجات القابلة للتصرف في الولايات المتحدة. بعد أن نُشر مقال ناقد عن الإعلانات في عام 1958م، نشر عالم الاجتماع فانس باكارد في عام 1960م نقدًا لـ “فن الهدر[52]“، حيث عبّر عن أسفه لتأثيراته الأخلاقية (الجشع، والفردية) والجيوسياسية (الاعتماد على الطاقة). في هذا النقد، استهدف بشكل صريح صناع المنتجات ذات الاستخدام الواحد، ومنظّري التقادم المخطط، والمصمم بروكس ستيفيز على وجه الخصوص، الذي كان يدعي آنذاك أنه اخترع هذه العبارة. وعلى الرغم من أنه لم يكن الأول في استخدامها[53]، فقد استخدمها بشكل مكثف وبطريقة أيديولوجية، ففي عام 1956م، كتب وقال في محاضراته أن التقادم المخطط، يعتمد على «غرس رغبة لدى المستهلك في اقتناء شيء أكثر حداثة، وأكثر جمالًا، وقبل أن يكون ذلك ضروريًّا[54]“، أما في نهاية العقد، فلم يعد يدعي أنه “يغرس” تلك الرغبة[55]، بل أصبح يربطها مباشرة به. من خلال هذا الانزلاق، ينكر المصمم مسؤوليته، واعتراضًا على الانتقادات، يدّعي “توقع الطلب المقبل” بدلًا من التأثير عليه[56]. وأيضًا، من أجل التنصل من مسؤولية التقادم المخطط، يمنحه المسوقون طابعًا طبيعيًّا، فوفقًا لنظرية “دورة حياة المنتجات”، يجب تصميم المنتجات ككائنات حية. ولكي تكون “مخططًا لها مسبقًا”، يجب تقسيم مدة حياتها إلى أربع “مراحل”: التنمية، والنمو، والنضوج، والانحدار النهائي[57] (انظر الشكل 3) (ترجمتي). هذه الداروينية الزائفة تعرض السباق من أجل التجديد كوسيلة وحيدة لـ “البقاء” الشركات.
الشكل 3. «أكثر عملية وأكثر صحية»، و«اقتصادية»، و«أمريكية»، و«حديثة»: هذه الإعلانات من إعلان Kleenex لعام 1953م يجمع بين أبرز ادعاءات التسويق للمنتجات ذات الاستخدام الواحد.
أمام انتشار النفايات، نشأ أيضًا نقد بيئي حول المنتجات القابلة للتصرف. في عام 1971م، اقترح عالم الأحياء الأمريكي باري كومنر قياس التأثير الكيميائي الحيوي للأشياء من خلال “تحليل جميع المراحل المهمة في التصنيع، والاستخدام، والتخلص، من منظور يأخذ بعين الاعتبار جميع العواقب البيئية[58]“. المنتجات القابلة للتصرف تولد نفايات وتتطلب كمية كبيرة من الطاقة والمواد الخام لإعادة إنتاجها أو إعادة تدويرها، إنها تشكل هدرًا وتشهد على نهج خطي للطبيعة الذي يغفل تأثيرات الأنشطة البشرية البيئية. وبالتالي، فتح كومنر الطريق لتحليل دورة الحياة والدفاع عن رؤية “دائرية” للاقتصاد، وهي مفاهيم مركزية في البيئة المعاصرة.
في عام 1972م، خلص تقرير نادي روما، حدود النمو، إلى أن إعادة التدوير ليست حلًّا وأنه يجب تعزيز التصميم البيئي والاعتدال.
لعب نقد «تنمية» ما بعد الاستعمار وكذلك النقد النسوي دورًا مهمًّا في تفكيك مفهوم التقدم. منذ عام 1963م، قدمت الصحفية بيتي فريدان صورة تسودها خيبة الأمل عن النساء الأمريكيات في عصرها، فالإحباط واليأس اللذان يعانين منهما -حسب رأيها- ناتج عن تكليفهن بدور منزلي يعاد تعريفه من قبل الاستهلاكية، التي تحولهن إلى «آلات للشراء» في حين تبقيهن في العزلة[59]. بالنسبة إلى النسويات في السبعينات اللائي -على عكس فريدان- لم يقتصرن على تحليل النساء من الطبقة الوسطى، لا يمكن نقد الإنتاجية (استغلال العمل المنتج) والباترياركية (استغلال العمل التناسلي) دون نقد العمل المزدوج وعدم المساواة.
التحديات المعاصرة
تظهر بشكل متكرر إعلانات كبيرة حول تقادم البشر بسبب الابتكار التكنولوجي. منذ الثمانينات، كان تطور الحاسوب هو الأكثر إثارة للنبوءات. على سبيل المثال، نشر عالم الحاسوب ريموند كورزوايل، مهندس رئيسي في جوجل، منذ عام 1990م العديد من الكتب الأكثر مبيعًا التي تعلن عن ثورات تقنية وكوسمولوجية كبيرة، وبعد استبدال القوة البشرية بالقوة الآلية، سنشهد استبدال الذكاء البشري بالذكاء الاصطناعي، والذي يتبع “تطوره” نمطًا أسيًّا.
رغم طابعها النمطي وحدودها العلمية، فإن هذه الاعتبارات تحظى بتغطية إعلامية[60] واسعة. فـ “قانون مور”، الذي يستند إليه كورزويل ومعظم مفكّري حركة “ما بعد الإنسانية” لتوقع التطور الأسي للحاسوب وظهور “التفرد التقني”[61]، هو في الحقيقة اختراع لاحق، فهو إعادة صياغة لقانون -بدءًا من الثمانينات- لخارطة طريق أحد مصنعي أشباه الموصلات الذي أراد، في الستينيات، التخطيط لـ “تقادم” منتجاته الخاصة للسيطرة على تكاليفها[62]. في الواقع، تستلهم هذه النبوءات من نماذج التسويق، فيستخدم كورزويل نموذج “دورة حياة المنتج”، ويقيسها بالسنوات والدولارات[63] على حد سواء، ومثل مسوقي السيتينات، يدّعي أن نماذجه تعكس واقعًا طبيعيًّا بدلًا من أن تملي اختيارًا بشريًّا.
هذه الاعتبارات تؤثر على الطريقة التي نعيش بها التقنية والعمل. فقد تم دمج مسألة تقادم العمال في استراتيجيات الإدارة، التي بدأت منذ التسعينيات في التركيز على “المرونة الداخلية” للشركات، و”المنظمات المتعلمة” التي تقدم “تدريبًا مستمرًا”. واليوم، يحتفي خبراء الموارد البشرية بـ “التسارع المذهل للتقدم التقني (الروبوتات، والذكاء الاصطناعي، وعلوم البيانات…)”، الذي يُعتقد أنه سيجعل “سنتين أو ثلاث سنوات كافية للشعور بالتجاوز”. يتوجب على العمال التأقلم وتطوير مهاراتهم الشخصية، وهي السمات الإنسانية التي لا تستطيع الروبوتات محاكاتها، وتُعتبر “حلولَا للتقادم المخطط للمهارات[64]“. المهارات؟ تدخل معظم هذه السمات في نطاق الشخصي، وأحيانًا الحميمي، مثل: “التعاطف”، و”القدرة على التواصل”، و”المظهر”. وتُعزّز هذه السمات قيم المرونة مثل: “التكيف”، و”الاعتدال”، و”الصمود”، و”التواضع”، مما يستبعد بشكل فعلي أولئك الذين لا يسمح لهم رأس مالهم الثقافي بالتعامل مع هذه الرموز الاجتماعية بسهولة[65].
وبالتالي، تتواجد النبوءات التقدمية جنبًا إلى جنب مع أوامر بالاستثمار الكلي وتفاقم حالة عدم الاستقرار. وهذه الازدواجية -وفقًا للباحث الاجتماعي أنطونيو أ. كاسيلي[66]– هي سمة مميزة لظهور اقتصاد المنصات الرقمية، إنها تحرر العمل رغم أنها تضاعف وتجزئ وتستعين بمصادر خارجية لتقوم بالمهام التي لا يمكن لخوارزمياتها أن تعمل دونها. ويؤدي تعميم العمل الرقمي إلى ندرة الوظائف بالمعنى التقليدي لوظيفة ثابتة ومحمية، ولكن إلى زيادة المهام الصغيرة التي يقوم بها “موظفو النقر” الذين لا يحصلون على عقد أو راتب مضمون، ويتم إخفاؤها في نهاية سلاسل المقاولات الخارجية التي يرتكز عليها اقتصاد الشركات الناشئة.
في الواقع، إن الخطابات حول ظهور مجتمع “ما بعد صناعي” أو “غير مادي” لا تستند إلا إلى تحيزات في الإدراك ناتجة عن تقسيم دولي للعمل غير العادل، فالبطالة تنجم عن نقل الصناعات إلى الخارج وعن الإغراق الاجتماعي، وليس عن بزوغ مجتمع ترفيهي مؤتمت بالكامل. بإخفاء موظفي النقر في مدغشقر، والعاملات في الصين، وجامعي النفايات الإلكترونية في غانا، يتم إيهام الناس بأن الآلات مستقلة[67]، وأن الأشياء تُصنع من تلقاء نفسها أو تختفي بمجرد التخلص منها.
لمواجهة ذلك يجب الكشف عن أثر ممتلكاتنا الضخم على المجتمع والبيئة، وبالخصوص تلك التي تروج لها الإعلانات باعتبارها تتماشى مع الموضة والابتكار مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية[68]. اقترح كبداية مشاهدة هذين الفيلمين الوثائقيين: الثمن الحقيقي والمأساة الإلكترونية (The True Cost et La tragédie électronique).
التقادم لم يُمارس فحسب، بل روج له ولا يزال يُمارَس من خلال خطابات ذات طابع أيديولوجي، تُحوِّل القرارات والممارسات البشرية إلى قوانين طبيعية أو تاريخية كبرى، وتستنسخ أنظمة الهيمنة. هذه الخطابات التي يروج لها المسوقون والاقتصاديون والمصممون والمعلنون أو قادة الشركات هي علنية وموثقة، ويمكن إظهار حدودها العلمية.
[1] يمكن الاطلاع على هذا التقرير من خلال هذا الرابط: https://issuu.com/amisdelaterre/docs/rapport_op
[2] المركز الوطني للمعلومات المستقلة حول النفايات، الذي أصبح فيما بعد صفر نفايات فرنسا في عام 2014م.
[3] يمكنكم مشاهدة هذا الفيلم الوثائقي عبر هذا الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=5eSoBBapXCg
[4] “أكثر اتهام بالتآمر قراءة وتداولًا، يبقى تدوينة ألكسندر ديلايغ “أسطورة التقادم المُخطط”، المنشورة بعد أيام قليلة من بث برنامج “جاهز للرمي”. بين عامي 2011م و2018م، تمكنت من حصر نحو 40 عنوانًا إعلاميًّا يتبنى البديل “أسطورة أم حقيقة؟”. في عام 2018م، أوضحت رسوم بيانية نشرتها وزارة التحول البيئي والمتضمنة أن “9 من أصل 10 فرنسيين يعتقدون أن التقادم حقيقة واقعة”. يمكن رؤية أمثلة أكثر حداثة في هذين الفيديوهين لعام 2019م: “التقادم المُخطط: مؤامرة؟” من Stupid Economics، و”إنذار ليشيبر: تكلفة إهمال المستهلكين” من BFM Business”.
[5] مقتطفات من مقابلات مع ممثلين عن جمعيات المستهلكين والبيئة، مأخوذة من هذه المقالة في موقع Nextimpact: https://www.nextinpact.com/news/95950-linstauration-dun-delit-dobsolescence-programmee-coup-depee-
[6] صامويل سوڤاج ولايتيسيا فاسو، من الاستهلاك إلى الاستدامة: إنهاء التقادم المبرمج، دار غاليمار، سلسلة بدائل، باريس، 2017م، ص. 25.
[7] https://www.legifrance.gouv.fr/affichCode.do;jsessionid=388CB4B8796CC8EFE1650946633BB5A9.tplgfr42s_1?idSectionTA=LEGISCTA000032225329&cidTexte=LEGITEXT000006069565&dateTexte=20191023
[8] على سبيل المثال، في هذه المقابلة مع برون بورسون من عام 2018:
[9] رؤية سحابة الكلمات التي أنشأتها عالمة الاجتماع جولي مادون بعد إجراء استطلاع بين مؤيدي HOP:
[10] لقد قمت بتحليل هذه الجمالية بشكل أكثر تفصيلًا في هذه المقالة من عام 2019: https://journals.openedition.org/tc/12557fbclid=IwAR01SCvz7GJiWdFqM9kRKSEdf_4DgfLXUCxM19s9NcjVc
qZD3iAAfQXEQzI
[11]“لقد قدمتُ نقدًا أكثر تفصيلًا لهذه القانون وتركيزه على الشفافية في هذه التدوينة من مدونة 2019م: https://blogs.mediapart.fr/jeanne-guien/blog/181219/loi-economie-circulaire-lenfumage-par-la-transparence“.
[12] فرانسوا جاريج، في زمن “قاطعة للرزق”. تحطيم الآلات في فجر العصر الصناعي (1780-1860م)، منشورات جامعة رين، سلسلة “كارنو”، رين 2009م.
[13] المصدر نفسه، ص. 222.
[14] فينسينت بوردو، فرانسوا جاريج وجوليان فينسنت، اللوديت. تحطيم الآلات، الاقتصاد السياسي والتاريخ، منشورات إيري، ميزون-ألفور 2006م، ص. 77.
[15] فريدريك باستيا، الأعمال الكاملة، الجزء الخامس، منشورات غيومان وشركاه، باريس 1854م، ص. 375.
[16] المرجع نفسه، ص. 339 (كذا).
[17] تشارلز باباج، حول اقتصاد الآلات والصناعات [1832م]، طبعة بال مال إيست، لندن 1835م، ص. 285 (ترجمتي).
[18] نفسه، ص. Viii(ترجمتي).
[19] نقلًا عن جاريج، المرجع السابق، ص. 107.
[20] كارل ماركس، رأس المال. نقد الاقتصاد السياسي، الجزء الأول [1867م]، منشورات Puf، باريس 2006م، ص. 454-456.
[21] فريدريك إنجلز وكارل ماركس، بيان الحزب الشيوعي [1872م]، طبعة 10-18، سانت أماند، 1962م.
[22] بول لافارج، “الحق في الكسل” [1881م]، طبعة أليا، باريس 2001م، الفصل الثالث.
[23] ما يخيفني هو السرعة التي تتحول بها [الآلات الحالية] إلى شيء مختلف عما هي عليه الآن. […] لايمكننا الاعتماد على تطور جسدي وفكري للإنسان يضاهي وقد يقاوم التطور الأكبر المتوقع للآلاتjموجهة نحوه”، صامويل بتلر، “إيريهون أو من الجانب الآخر من الجبال” [1872م]، طبعة غاليمار، سلسلة “الخيال”، باريس 1981م، ص. 241.
[24] تشارلز باباج [1832م]، المرجع السابق، ص. 148-149 (ترجمتي).
[25] آدم سميث [1776م]، “بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم”، الجزء الأول، طبعة فلاماريون، باريس 1991م.
[26] انظر على سبيل المثال: أبيجيل إس. لانغ (محررة)، “الموضة والعكس: مختارات من مونتين إلى بيرك”، طبعة المعهد الفرنسي للموضة – ريجارد، باريس 2001م.
[27] انظر خصوصًا: جورج إتش. داروين، “التطور في الملابس” [1872م]، طبعة دو ريجارد، باريس 2002م.
[28] وفقًا لفبليين، فإن أنوثة الزي “تقتصر أساسًا على فعالية العوائق التي تضعها ضد أي جهد مفيد”. زي غير مريح يعوق النشاط ويظهر الترفيه: “لم يُطلب من النساء أن يتألقن فقط في ترفهن، بل أيضًا أن يصبحن عاجزات تمامًا”. ثورستين فبليين، “نظرية طبقة الترف” [1899م]، طبعة تيل غاليمار، باريس 1970م، ص. 113 و119.
[29] في الواقع، يدعو فيبيلن إلى حكومة يديرها المهندسون بدلًا من الماليين.
[30] بالنسبة إلى فيبيلن، يعتبر الآركائية، مثل آخر الابتكارات، موضوعًا للاستهلاك المفرط. “معايير الفضيلة” لدى طبقة الترف هي “الآركائية والإهدار” (المصدر نفسه، ص. 264) لأن كلاهما يسمح بعرض ضياع الوقت. علاوة على ذلك، ومن خلال حرصه على إظهار أن انشغال الأغنياء بالاستهلاك هو جهد كبير، يميز فيبيلن بين الترف المفرط والكسل، وهو ما لا تقوم به الصناعة الإعلانية، التي تروج لفكرة الترف المطلق.
[31] فرانك كوشوي، تاريخ التسويق، دار لا ديكوفير، باريس 1995م، ص. 110.
[32] اقتباس من المصدر نفسه، ص. 112-113.
[33] اقتباس من جيفري ميكل، “القرن العشرون المحدود، التصميم الصناعي في أمريكا، 1925-1939م”، دار تمبل يونيفرسيتي برس، فيلادلفيا 1979م، ص. 14 (ترجمتي). انظر أيضًا سوزان سترسر، “الهدر والرغبة: تاريخ اجتماعي للقمامة”، دار هولت بابرباكس، نيويورك 1999م، ص. 188-199.
[34] جايلز سليد، “صُنع ليكسر: التكنولوجيا والتقادم في أمريكا”، دار هارفارد يونيفرسيتي برس، لندن 2006م، ص. 36.
[35] المصدر نفسه، ص. 3-5.
[36] في عام 1926م، ارتفع معدل إنتاج سيارات شيفروليه من 25,000 وحدة إلى 77,000. في كتابه My Years with General Motors، سيوضح سلوان بلا مواربة استراتيجية “التغيير السنوي للطراز” وتخطيطه. ألفريد ب. سلوان [1976م]، My Years with General Motors، إصدار مكتبة ذا بنغوين للأعمال، سوفولك 1986م، الفصلان 12 و13.
[37] مقتبس من دانيال ج. بورستين، الديمقراطية وما يزعجها: تأملات في أمريكا اليومية، إصدار راندوم هاوس، 1974م (ترجمتي).
[38] كان ج. جورج يعمل في وكالة “جيمس والتر كومباني”، أسس “رابطة الإعلان للرجال” ونشر مقالات في مجلات مثل: “Printer’s Ink”، “Advertising and Selling” أو “A Philosophy of Production”. في حين أسست كريستين “رابطة النساء في الإعلان”، وأنشأت مختبرًا للتجارب في العلوم المنزلية، وألقت محاضرات في الولايات المتحدة وأوروبا، ونشرت مقالات وكتب مخصصة للاقتصاد المنزلي.
[39]مقتبس من سليد، المصدر نفسه، ص. 58.
[40] كريستين فريدريك، بيع السيدة المستهلكة، إصدار “ذا بيزنس بورس”، نيويورك 1929م، ص. 246 (ترجمتي).
[41] المصدر نفسه، ص. 52-53.
[42] المصدر نفسه، ص. 81.
[43] كينيث بورك، “الهدر: مستقبل الازدهار”، The New Republic، 16 يوليو 1930م (ترجمتي).
[44] ألدوكس هكسلي، أفضل العوالم [1932م]، إصدار بلون، سلسلة “الكتاب الجيب”، باريس 1975م.
[45] إرنستو إلمو كالكينز، “ما هو فعلًا هندسة المستهلك” [1932م]، مقتبس في ستراتسر، المصدر نفسه، ص. 205-206 (ترجمتي).
[46] جون م. كينز، عن النقود والاقتصاد [1931م]، طبعة بايو، باريس 2009م، ص. 65-67.
[47] برنارد لندن، الاستبدال المخطط. لإنهاء الكساد الكبير [1932م]، طبعة B2، باريس 2013م.
[48] كتيب نشر على نفقة المؤلف في 1932م، إنهاء الكساد من خلال الاستبدال المخطط لا يصبح مرجعًا في الخطابات حول الاستبدال إلا في القرن الواحد والعشرين، بناءً على أعمال سلايد ودانونريتزر، اللذين ترجما “planned obsolescence” إلى “الاستبدال المخطط”. بين عامي 2012م و2019م، تعرض هذا النص لعدة إعادة طباعة بخطأ الترجمة نفسه، وتم إنشاء صفحة ويكيبيديا مخصصة لبرنارد لندن في 2013م، تشرح أنه وضع “أسس مبدأ الاستبدال المخطط”. يبدو أنه قد تمت قراءته بشكل أكبر في العام 2010 مقارنة بما قبله، وأصبح بحد ذاته بعيدًا عن نهجه في الاستبدال المخطط، كخطة دولة.
[49] لويس مامفورد، التقنية والحضارة [1934م]، منشورات دو سوي، باريس 1950م.
[50] جوزيف أ. شومبيتر، الرأسمالية، الاشتراكية والديمقراطية [1942م]، منشورات بايو، باريس 1969م.
[51] يمكن مشاهدة هذا الإعلان خلال هذا الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=4XAi0eEaZFs
[52] فانسي باكارد، فن الإسراف [1960م]، طبعة كالمَن-ليفي، باريس 1962م.
[53] كما رأينا، هناك ظهور سابق لهذا في أعمال لندن. ولكن بما أن هذا النص لم يُقرأ كثيرًا في القرن العشرين (انظر الملاحظة ٤٨)، يمكن اعتبار ادعاء ستيفنز بابتكار التعبير كاذبًا، ولكن بحسن نية: من المحتمل أنه لم يكن قد قرأ لندن.
[54] جلين آدمسون، تصميم القوة الصناعية: كيف شكل بروكس ستيفنز عالمك، ص. ٢٠٣-٢٠٥، طبعة MIT Press، كامبريدج ٢٠٠٣م، ص. ١٢٩ (ترجمتي).
[55] بروكس ستيفنز، «توضيح “الاضطراب المخطط”»، نحو ١٩٥٩م، في: آدمسون، المرجع نفسه، ص. ٢٠٣-٢٠٥ (ترجمتي).
[56] المصدر نفسه.
[57] ثيودور ليفيت، «استغلال دورة حياة المنتج»، هارفارد بيزنس.
[58] بارى كومنر، “الطوق”، منشورات سوي، باريس 1972م، ص. 175.
[59] بيتي فريدان، المرأة المجهولة، المجلد الأول [1963م]، دار غونتييه، سلسلة “المرأة”، أوترخت 1964م، ص. 68.
[60] انظر على سبيل المثال هذا المقال من مجلة “ليكسبرس” عام 2016م: «الذكاء الاصطناعي قد يضع 50% من البشرية في البطالة»:https://www.lexpress.fr/actualite/sciences/l-intelligence-artificielle-pourrait-mettre-50-de-l-humanite-au-chomage_1763475.html
[61] بخصوص هذا المفهوم الأساسي في الترانسهيومانزم، انظر ريمي سوسان، «المحطة القادمة، التفرد»: 2008.http://www.internetactu.net/2008/09/02/prochain-arret-la-singularite-14-des-courbes-qui-tendent-vers-linfini/
[62] ساشا لويف، «قانون مور: تحقيق نقدي حول اقتصاد واعد»، في: مارك أوديتا (محرر)، العلوم والتقنيات الناشئة: لماذا كل هذه الوعود؟، ص. 91-113، دار هيرمان، باريس 2015م.
[63] رايموند كيرزويل، التفرد قادم: كيف يتجاوز البشر البيولوجيا، كتب بنغوين، 2005م، ص. 97.
[64] ألكسندرا كوشارد، “المهارات الشخصية، حلول لتقادم المهارات المبرمجة”.
[65] نومي مارتن-باسكوال، “المهارات الشخصية، حصن ضد تقادم المهارات التقنية”:
[66] أنطونيو أ. كاسيلي، “في انتظار الروبوتات: تحقيق حول عمل النقر”، منشورات سوي، سلسلة “لون الأفكار”، باريس 2019م.
[67] اختصار لـ “نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية”.
[68] https://truecostmovie.com/about/ ; https://vimeo.com/ondemand/ewastevf
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




