ترجمة: بندر التليدي
يساعد اللعب الهادف في تعزيز الابتكار والتعلم بعيدًا عن تحقيق الأهداف، كما يساعد في تحويل العقبات إلى فرص.
بقلم: سكوت د. أنتوني
اللعب الهادف سلوكٌ حاسم للمديرين التنفيذيين الذين يواجهون تغييرات جذرية. ليس الهدف من الألعاب الجيدة القديمة الربح أو الخسارة، ولا تحقيق نتيجة وفقًا لمعيار موضوعي، فالهدف هو المرح والمتعة، وتجربة مناهج مختلفة، ومعرفة الجيد من الأمور من عدمها. وبذلك، نتعلم ونبدأ في بناء قدرات جديدة تساعد في تحويل العقبات من تهديدات إلى فرص.
ففي مقابلتي مع أستاذة كلية هارفارد للأعمال إيمي إيدموندسون التي ناقشت العلاقة بين أبحاثها عن السلامة النفسية والاضطرابات، قارنت بين بيئات التعلم وبيئات الأداء، وقالت: “إذا وقفت على خشبة مسرح برودواي كل ليلة، فكلك أمل في أن يكون أداؤك حسنًا قدر الإمكان”. وأكدّت: “ترغب في أن يكون أداؤك قريبًا من الكمال، إذا كنت في بيئة دراسية وتبدو الأمور مثالية، فذلك ليس تعلمًا”.
قارن بين الأداء والممارسة واللعب
عندما تؤدي شيئًا، فأنت تحاول التميز وفقًا لمعيار معين؛ فهدفك أن تبذل قصارى جهدك. ربما يقيّم أحد المحكمين أداءك، فلو فشلت في اتباع معاييرك، فقد خابت آمالك، فأنت تسعى لفهم السبب وإتقان العمل في المرة المقبلة. وعندما تتدرب وتمارس، فأنت تحاول أن تحسن مهاراتك بوعي حتى تتمكن من العمل وفقًا لمعيار معين في المستقبل، فهدفك هو التحسين. ففي أحسن الظروف، تتدرب على يد مدرب مختص يمكنه تقديم ملاحظات مباشرة لمساعدتك في تحقيق أهدافك. وعندما تلعب، لا يوجد محكّم أو مدرب، قد يوجد شخص ما يصوغ السياق أو يضع القواعد للعب، ولكن الهدف هو اللعب ببساطة. اللعب ممتع، لكنه يتعدى ذلك؛ فهو يوفر فرصة للتجريب وتطوير القدرات والابتكار دون مخاطر كبيرة. قد يكون اللعب غريبًا وغير مريح، ولكنه يفيدنا في تعلم أغلب الأمور.
اللعب بالذكاء الاصطناعي
في المراحل المبكرة من التغيير الجذري، هناك دائمًا فترة لا يعرف فيها أحد الاستراتيجية الصحيحة، وينحو الناس لتجربة مناهج مختلفة. تأمل في أمر الذكاء الاصطناعي، من الواضح أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر جدًّا في مجموعة من المهام والأدوار والمهن المختلفة وحتى الصناعات، ولكن ما هذا التأثير بالتحديد، من سيفوز ومن سيخسر، وما القدرات البشرية المطلوبة، كلها أمور ستتضح وتبين. إن هذا الموضوع يذكرني بدراستي عندما كنت طالب ماجستير في إدارة الأعمال في عام ١٩٩٩م، عندما كان الإنترنت يروج وينتشر شيئًا فشيئًا، فقد أنشأ كل طالب موقعًا على الويب، لأنه بالتأكيد، توجبت علينا معرفة لغة ترميز النص التشعبي، والتي تبين فيما بعد أن لا فائدة منها لأغلب الطلاب، لكن اللعب والتدرب على تكنولوجيا ناشئة أعطيانا جميعًا اندفاعًا أكبر وحدسًا أوسع عن كيفية عمل الويب، كما كانت تجربة ممتعة!
وهذا أحد الأسباب التي دفعتني، في ربيع عام ٢٠٢٤م، إلى تصميم مادة مختصرة في الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفيها نجاح وإخفاق، لأن نحو نصف خريجي كلية توك للأعمال في جامعة دارتموث يدرسون مادة الاستشارات، التي تركّز بشدة على كيفية استخدام المستشارين للذكاء الاصطناعي التوليدي لخدمة عملائهم بفاعلية. لست خبيرًا بالذكاء الاصطناعي، ولذا استعنت بصديقين خبيرين في الذكاء الاصطناعي، لمساعدتي في إرشاد للطلاب لأهم الأمور في الموضوع. جمعنا أسماء شركات حقيقية، وحددنا مشكلات حقيقية تواجهها الشركات حتى تعمل فرق الطلاب الصغيرة على حلها ومناقشتها مستعينين بالذكاء الاصطناعي التوليدي، ثم تركنا الأمر لهم ولم نتدخل فيه؛ فتركنا الطلاب يمرحون ويلعبون ويمارسون.
لم يكن هناك هاجس تحصيل الدرجات، ولكننا حددنا زمنًا قصيرًا لإنجاز المهمة، فشمر الطلاب عن سواعدهم وتعلموا كثيرًا بالممارسة. لقد سّهلت واجهة برنامج لغة الذكاء الاصطناعي التوليدي الطبيعية من مسألتي التجريب واللعب ويسّرتهما. كان على الطلاب التعبير عن أفكارهم وأسئلتهم ومشكلاتهم، كما لو كانوا سيناقشونها ويعبرون عنها مع أحد زملائهم، لينالوا بذلك رؤى مفيدة منهم.
أعان أحد الفرق شركة جوديفا فرع اليابان، على ابتكار أساليب لتوسيع مقاهي البيع بالتجزئة، واستعان الفريق بمنهجية منطقية استنتاجية لتطوير فكرة لكشك يمكن وضعه داخل مباني المكاتب. تتضمن الخطوة المنطقية الأولى في هذه المنهجية الاستشهاد بأمثلة منطقية يمكن لأداة الذكاء الاصطناعي التوليدي تطبيق النوع نفسه من التفكير المنطقي لحل المشكلة المطروحة وتكرار إجاباتها.
كما عمل فريق آخر بأمر الذكاء الاصطناعي التوليدي على تقمص شخصية الرئيس التنفيذي لشركة مصنعة للسيارات، لاختبار فكرتهم عن نموذج الاشتراكات الذي يتسبب في تغييرات جذرية بالسوق، كما استخدم فريق ثالث نصف كمية الأدوات لتصميم مقطع فيديو متحرك مدته ٣٠ ثانية مصحوب بتعليق صوتي لتوضيح فكرتهم عن الروبوت المنزلي، وشرحها لأحد مصنعي الأجهزة.
الدرس الأول الذي تعلمه الطلاب أن أكبر عائق يمنع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، كان ظنهم أن استخدامه سيكون معقدًا وصعبًا. فبمجرد أن شرعوا في استخدامه وبدؤوا اللعب، سرعان ما فطنوا لما سينجح وما سيخفق من أمور، فطوّروا مهاراتهم بالتجارب التطبيقية. وقد ذكر أحد الطلاب: “لم أكن أتوقع البتة أن أجيد اللعب في هذه المادة”، موضحًا رأيه في ملحوظة كتبها بعد الانتهاء من التجربة، وأردف: “والآن أعانتني هذه التجربة ذهنيًّا للّعب بثقة مستعينًا بالذكاء الاصطناعي التوليدي، لمعرفة ما يعنيني وينجح في تجربتي وما يطوّر من مهاراتي المهنية”.
من أرضية الملعب إلى قمة الإدارة العليا
يذكر جون هايدت في كتابه الأخير (الجيل القلق)[1]، أن شباب اليوم لا يحصلون على فرص كافية للعب الحر. فمثال واحد يبين الفروقات بين ثلاثة أمثلة مختلفة لأماكن اللعب واللهو: المثال الأول من الستينيات: نرى أطفالًا يتدلون من خشبة معلّقة ارتفاعها قرابة ٣٠ قدمًا في الهواء.
دون أي حماية، يا إلهي! حرية كثيرة. والمثال الثاني لساحة لعب حديثة فيها منزلقات لطيفة، وسلالم صغيرة، وألعاب بلاستيكية. لقد أمضيت ساعات عديدة أشاهد الأطفال يلعبون في هذه الألعاب المختلفة، إنها ألعاب جيدة ولكنها مملة، ليس فيها تحدٍّ ومغامرة، وليست مسلية. يمر الوقت سريعًا، غير أنه لا توجد مساحة للأطفال ليجربوا ويتعلموا. ومن ثم فهناك اللعبة الدوّارة؛ فرؤية صورة واحدة لها تعيدني سريعًا إلى طفولتي. يسمّي هايدت العجلة الصغيرة ذات الثمانية مقاود عليها، “أجمل أداة اخترعها المخترعون في ساحة اللعب على الإطلاق”. لماذا؟ لأنها لعبة تتطلب التعاون والتكاتف؛ فكلما كَثُر عدد الأطفال، حَسُن اللعب وزان. قوى الطرد المركزي للعبة يصنع منها لعبة مثيرة ومتفردة. وأكّد أن الاستلقاء في وسط اللعب يقود لـ”تغير الوعي وتبدله”، يمكنك تجربة ذلك مع بعض المجازفة بالانحناء جانبًا، أو محاولة التقاط شيء في أثناء الدوران.
وقال هايدت: “قد تتأذى إن لم تكن حذرًا، ولكن لن تتأذى بشدة، ما يعني أنك تستفيد مما تمارسه من مهارات وحركات غير مدروسة”، وأردف: “أنت تتعلم كيفية التعامل مع جسمك وكيفية الحفاظ على سلامتك وسلامة الآخرين. وقد خَلُصَ الباحثون الذين يدرسون ألعاب الأطفال إلى أنه لا بد أن تتسم تلك الألعاب بإمكانية حدوث الإصابات الطفيفة، ولا يُنظر لذلك بعين الريبة، عند تصميم الملعب”.
إن كثيرًا من المديرين التنفيذيين لا يجربون هذا النوع من التسلية والمرح في مقر العمل، ولسان حالهم: العمل فوق كل شيء. اللعب سبب للتعلم، وأذكى الأشخاص وأنجحهم الذين غالبًا ما يصعب عليهم أمر التعلم، وهذا ما ذكره كريس أرجيريس في مقال كتبه عام ١٩٩١م لمجلة هارفارد للأعمال، فقال: “لأن كثيرًا من المحترفين دائمًا ما ينجحون في ما يفعلونه، فإنهم نادرًا ما يفشلون ويخفقون. ولأنهم نادرًا ما يفشلون، فإنهم لم يعرفوا قط كيفية التعلم من الفشل؛ فقدرتهم على التعلم تتوقف تمامًا عند اللحظة التي يكونون في أمسّ الحاجة إلى معرفة التعلم”.
وإنني أظن أن اللعب يوفر الظروف التي تمكن المديرين التنفيذيين الأذكياء والناجحين من تجديد معرفتهم بكيفية التعلم. فإذا كنت أبًا لأطفال —وأنا على يقين بأن إحدى فوائد إنجاب أربعة أطفال هي الفرص الكثيرة للّعب— فتأمل فيما هو أبعد من مجرد ممارسة لعبة الاحتكار أو اللحاق بهم، وابحث عن فرص للانضمام لهم بوعي وتجربة ألعاب التقنيات الجديدة. وإذا لم يكن لديك أطفال، فصمم ساحة لعب افتراضية —وخصص وقتًا لتجربة المعدات المناسبة— وابدأ في التجربة والتعلم من الأخطاء.
احرص على أن تذلل العقبات داخل مؤسستك، لتسهل على فرقك اللعب الآمن وتجربة التقنيات الجديدة، وامنحهم الوقت والأدوات، وربما بعض الإرشادات التقريبية. لكن لا تضع أهدافًا محددة، أو تطالبهم بنتائج محددة، دعهم يستكشفوا ويستمتعوا. شاركهم الأمر، افشلْ وأخفقْ، وابتسم، وشارك وبادر. ستندهش مما تعلمت، وكيف يزيد من رغبتك في تعلم المزيد، وسيعينك ويشد من أزرك لمجابهة عقبات وقتنا الحالي وتغيراته.
المواضيع:
مهارات التعاون في مجال الابتكار والتعلم
نبذة تعريفية عن الكاتب
سكوت د. أنتوني (@ scottdanthony)؛ أستاذ متخصص في الطب السريري بكلية توك للأعمال بجامعة دارتموث ومستشار خبير وإداري، وشريك فخري في شركة استشارات استراتيجية النمو (إينوسايت)[2]، ومؤلف مشارك لكتاب (الأكل والنوم والابتكار: كيفية تحول الإبداع لعادة يومية في مؤسستك)[3].
[1]The Anxious Generation.
[2] Innosight.
[3] Eat, Sleep, Innovate: How to Make Creativity an Everyday Habit Inside Your Organization (Harvard Business Review Press, 2020).
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




