• من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • تواصل معنا
  • دخول / تسجيل
  • اللغة
    • English
    • Chinese

لا توجد منتجات في سلة المشتريات.

منصة معنى الثقافية
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
هدهدة
No Result
عرض جميع النتائج
الثلاثاء, أغسطس 18, 2026
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
No Result
عرض جميع النتائج
منصة معنى الثقافية
هدهدة

إعادة ابتكار الإنعاش: التفاعل بين الطب والثقافة عبر العصور؛ القرنين الثامن عشر والحادي والعشرين | انطون سيرديتشني

بواسطة معنى
26 نوفمبر، 2025
من مقالات فرنسية
A A
إعادة ابتكار الإنعاش: التفاعل بين الطب والثقافة عبر العصور؛ القرنين الثامن عشر والحادي والعشرين | انطون سيرديتشني

ترجمة: رجاء الرشيدي

في دراسة طبية حديثة، تمت إعادة اكتشاف ممارسة قديمة وهي نفخ الهواء في الأمعاء كوسيلة للإنعاش؛ هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام المؤرخين لدراسة أصول الأفكار، والروابط بين الطب والثقافة والوضع الحالي لأقسام العناية المركزة.

من التنبيب الرغامي إلى التهوية الميكانيكية

يجب اتخاذ الموضوع بجدية فالرهان مصيري، كشف علماء يابانيون في الرابع عشر من شهر مايو الماضي عن دراسة بالغة الأهمية[1]، وكان الهدف هذه الدراسة إيجاد بدائل للتنفس الاصطناعي: عندما تفشل الرئتان في أداء وظيفتهما، كما يحدث في حالات كورونا الشديدة، يحتاج الجسم إلى دعم للتنفس، أي بشكل أساسي، إلى تزويد الدم بالأكسجين، هذا الدعم يقوم به جهاز التنفس الصناعي، الذي بإمكانه إرسال الهواء الغني بالأكسجين مباشرة إلى الرئتين، عن طريق أنبوب يوضع في الفم ويصل إلى الرئتين، والذي يسمى بالأنبوب التنفسي.

 يعد هذا الإجراء منقذًا للأرواح، ولكن له عيوبًا خطيرةً؛ الأحداث الأخيرة لهذه السنة أظهرت المشاكل المرتبطة بالعدد المحدود لأجهزة التنفس الاصطناعي، التي تتطلب أيضًا وجود طاقم طبي ذي خبرة، والذي يعاني هو الآخر من نقص. الإنعاش التنفسي عن طريق التنبيب الرغامي إجراء معقد ومؤلم، فهو يمنع التغذية الطبيعية، ويشكل، كما هو الحال عند إدخال أي جسم غريب إلى أعماق الجسم، خطرًا كبيرًا للإصابة بالعدوى داخل المستشفى، خاصة بالنسبة للمرضى الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة.

في بحث عن بدائل للأنبوب التنفسي في حالات ضيق التنفس، قام الفريق بابتكار طريقة لاستغلال الأوعية الدموية في الأمعاء. نظرًا لسرعة التبادل بين جدار الأمعاء والدورة الدموية وكفاءته، فقد حاولوا استخدام هذا المسار لإيصال الأكسجين إلى الدم. في أمعاء الحيوانات التي تم حجب التنفس عنها، قاموا بحقن الأكسجين في شكل غازي، وكانت النتيجة في البداية ضعيفة؛ حيث تم ببساطة مضاعفة فترة البقاء على قيد الحياة قبل الموت بالاختناق، ولكن عند تهييج جدار الشرج باستخدام فرشاة أسنان لزيادة التبادلات الدموية، فإن هذه “التهوية” كانت تعمل بشكل جيد للغاية، ولكن تطبيقها على الإنسان كان يطرح مشاكل واضحة.

في مقابلة، أخبرني تاكانوني تاكيبي، وهو مؤلف مشارك في الدراسة، وأستاذ شاب لامع من جامعة يوكوهاما، أنهم فكروا في ذلك الوقت في استخدام سائل غني بالأكسجين (بيرفلوروكربون) بدلًا من الغاز؛ يمكن للأمعاء (غير المخدوشة) أن تمتص الأكسجين من السائل، ثم تنقله إلى الدم، بدلًا من الرئتين. أثبتت التجارب التي أجريت على الخنازير إمكانية “التنفس” المعوي دون أي آثار جانبية ضارة، وهذا يعني إمكانية توفير الأكسجين لمريض يعاني من خلل في الرئتين، وتقليل الحاجة إلى التنبيب وأجهزة التنفس الاصطناعي، وبالتالي تقليل التكاليف، ومشاكل السعة الاستيعابية للمستشفيات، بالإضافة إلى تقليل المخاطر والصعوبات الطبية المرتبطة بالتنبيب. لاقت الدراسة استحسان القراء، على الأقل حسب رأي مؤلفيها، وقد تم الاستشهاد بها بشكل كبير، حان الآن الوقت لمعرفة الظروف التي يمكن فيها تطبيق هذه التقنية على البشر، ومدى نجاحها، مع الأمل في أن يتجاوز تأثيرها، على الصعيد الطبي والإعلامي، مجرد كونها خبرًا عابرًا يدعو للتبسم. تاريخ العلوم يوضح أن العلاقة بين الفكرة والفعالية واعتماد ممارسة ما أكثر تعقيدًا مما قد يتصوره المرء، وحالة الإنعاش “العكسي” هي مثال مميز على ذلك.

أعاد هؤلاء الباحثون اليابانيون بالفعل إحياء تقليد طبي أوروبي غير معروف يعود إلى أواخر القرن الخامس عشر دون أن يدركوا ذلك، ويهدف إلى إعادة الحياة للمصابين بالاختناق عن طريق النفخ في فتحة الشرج، هذه الممارسة، التي نادرًا ما تذكر، لم تكتسب أهمية حقيقية إلا في القرن الثامن عشر، عندما أصبح إنعاش الغرقى قضية مهمة في عصر التنوير؛ فحتى ذلك الحين، لم يكن هناك اهتمام كبير بفكرة الإنعاش، فاستبدل العلماء المبتكرون نفخ الهواء بنفخ دخان التبغ، غير أنهم لم يهدفوا لحقن الأكسجين، إذ لم يكتشف هذا الأخير وكيمياء التنفس إلا في سبعينيات القرن الثامن عشر[2]، وأصبح النفخ بالتبغ، حتى منتصف القرن التاسع عشر، الطريقة الرائدة في الإنعاش الطبي، قبل أن تتلاشى دون تفسير واضح. قد نرى في ذلك رواية مغرية متقطعة عبر القرون والعالم أجمع: فكرة طبية بدائية نشأت في أواخر العصور الوسطى، تطورت خلال عصر التنوير، ثم اندثرت، لتظهر من جديد في ظل جائحة كورونا بفضل جهود علماء يابانيين؛ قد تكون هذه رواية مقبولة، لكنها ليست الأكثر ترجيحًا ولا الأكثر إثارة للاهتمام؛ علينا أن نختار بدقة الأسئلة التي نوجهها للتاريخ، فإن لم يثبت التاريخ أن الحقيقة والفعالية العلمية تظهران بشكل تدريجي وتتغلب على العقبات التي تواجهها، سنكتشف مسارات ملتوية وتداخلات غير متوقعة بين الثقافة والعلم.

ما هو أصل أول عملية إنعاش في القارة الأوروبية؟

تُشير نتائج البحث الياباني إلى أن تلك الطريقة القديمة للإنعاش، رغم غرابتها، ربما كانت تحمل قدرًا من الفعالية، إلا أن هذه الفعالية محدودة؛ إذ أظهرت الدراسة اليابانية أن حقن الأكسجين في صورة غازية لم يكن فعالًا بالقدر الكافي. يمكننا أن نفترض أن التبغ قد يكون له تأثير على الأوعية الدموية للمستقيم، مما يعزز من فعالية هذه الطريقة، ومع ذلك، فإن هذه التقنية التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر لا يمكن أن تكون فعالة إلا في حالة الأشخاص الذين لم يتوقف لديهم القلب؛ فإدخال الأكسجين إلى الجسم لا جدوى منه إذا كان القلب لا ينقله إلى الأعضاء. الأهم من ذلك، حتى لو افترضنا أن هذه الطريقة كانت حقًّا فعالة، فإن هذا لا يفسر لماذا لم يتم تطويرها بشكل جدي إلا في القرن الثامن عشر، ولا من أين جاءت هذه الفكرة، ناهيك عن سبب زوالها. أما بالنسبة للسؤال الأول (لماذا في القرن الثامن عشر فقط؟)، فإنه يعود إلى تطور علم الإنعاش لأسباب ثقافية

واجتماعية، حيث تتدخل عوامل تاريخية معقدة، ومن أبرز الأمثلة: فقد توافقت أنظمة طبية جديدة (لا سيما الآليات) في القرن السابع عشر مع تطور رؤية الموت، الذي لم يعد يُنظر إليه كمصير إلهي، بل كشيء طبيعي؛ وبالتالي أصبح من الممكن التدخل فيه، في الوقت نفسه، طور العلماء البروتستانت نوعًا من الانبهار الطبي بالجسد القادر على العودة إلى الحياة، كان هذا نتيجة لتغيير الدين؛ فقد ألغى المذهب اللوثري بشكل أساسي إمكانية التعامل مع الجثة، التي فقدت بذلك طقوسها الكاثوليكية (مثل الصلاة من أجل الروح). وفي القرن السابع عشر، أصبح هذا الجسد مساحة جديدة استكشفها الأطباء، مما دفعهم إلى جمع “الملاحظات” الأسطورية وتحليلها في بعض الأحيان حول الأشخاص الذين عادوا إلى الحياة تلقائيًّا. لقد ساهم ظهور قيم عصر التنوير، وعلى رأسها أهمية العلم وفائدته، في منح عملية الإنعاش، في القرن الثامن عشر، أهمية جديدة مكنتها من أن تصبح حقلًا طبيًّا رئيسًا، أما سؤال أصل هذه الفكرة فهو أكثر تعقيدًا.

في الحقيقة، لا يوجد في الوثائق ما يبرر الأهمية البالغة التي حظيت بها عملية النفخ الشرجي في عمليات الإنعاش خلال عصر التنوير، ولا يوجد أي ذكر صريح لأصولها. يعد هذا النقص في المصادر والتبرير النظري مدهشًا للغاية عند النظر إليه بأثر رجعي، خاصة وأن هذه الممارسة كانت تتمتع بأهمية استثنائية، وأن هذه العملية تطلبت تخصيص موارد هائلة من الوقت والتنظيم والمال. إذا كان من الصعب للغاية فهم أصول هذه الممارسة الطبية، حتى في ذروة انتشارها، فهذا يعني أن علماء عصر التنوير أنفسهم لم يكونوا يعرفون حقًّا من أين أتت؛ ولا لماذا ألهمتْهم إلى هذا الحد. الحقيقة هي أنه عندما ظهر الإنعاش كأولوية “إنسانية” (كما نقول اليوم)، كان هناك القليل جدًّا من المواد العملية التي يمكن الاعتماد عليها للتوصية بإجراءات من شأنها إعادة الحياة إلى الأشخاص الذين يعانون من الضائقة التنفسية، مثل الغرقى أو المخنوقين؛ وهم الحالات الأولى التي اعتمد عليها الإنعاش .من الناحية الطبية، نجد بعض الإشارات المتفرقة التي لم تشكل معرفة تراكمية، وكأن المسألة كانت تُطرح كل مرة (وهو أمر نادر الحدوث) وكأنها جديدة تمامًا، أما من جانب الممارسين (أي القابلات في الغالب، اللاتي كن يواجهن حالات الوفيات عند الولادة)، فلدينا آثار لتقاليد إقليمية مختلفة، نادرًا ما كانت تُسجل كتابيًّا: نعلم على سبيل المثال أن القابلات الفرنسيات كن ينفخن النبيذ أو التوابل من أفواههن إلى وجه الرضيع، وأحيانًا في فمه، كما نعلم أيضًا أن القابلات الألمانيات في القرن السابع عشر كن يطبقن تقنية غير تقليدية تتمثل في فرك حلمة الثدي اليسرى للأطفال الرضع المتوفين ومصها بقوة، وقد حققن نتائج إيجابية، مما أثار حيرة الأطباء، ولم يتمكن أحد في ذلك الوقت من تفسير اختيار الحلمة اليسرى: ربما كان ذلك نوعًا من الإنعاش القلبي بالتدليك غير المقصود، قبل وقت طويل جدًّا من اكتشافه، وعدا هذه الاستثناءات النادرة والمثيرة للاهتمام، لم يكن الطب قادرًا على تقديم ما يكفي لتغذية حركات الإنعاش التي أصبحت سائدة فجأة في عصر التنوير.

إن ابتكار شيء ما يعد مهمة شاقة: لا يمكن القيام به من العدم. إذا لم يتمكن علماء الثلاثينيات من القرن الثامن عشر من العثور على ممارسات موصى بها في الطب الرسمي، فقد استمدوها من تقاليد غامضة لا يمكنهم ذكرها بدقة، وبالتأكيد لم يدركوا ذلك، كانت هذه التقاليد تنتمي إلى عالم الكرنفال، وهو فضاء للطقوس التي تمثل الموت والبعث (للطبيعة والإنسان). وبفضل دراسة هذه الطقوس والحكايات الشعبية، ثبت أن هذا البعث كان يتم تمثيله حركيًّا في أنحاء أوروبا جميعها من خلال النفخ في مؤخرة شخص يمثل دور الميت، ومن هنا جاءت فكرة إنعاش الغرقى عن طريق نفخ الهواء في شرجهم (1733م) ثم دخان التبغ (1740م)، وربما تم الوصول إلى هذا المسار الغريب عبر تقاليد طبية شعبية؛ هذه التقاليد، التي لم يتبق منها سوى آثار ضئيلة، كانت تستند إلى التمثيلات نفسها التي كانت سائدة في الكرنفال، ولا بد أنها قد ألهمت الخطاب الجديد حول الإنعاش.

 وعلى الرغم من ذلك كله، حققت هذه الممارسة نجاحًا باهرًا؛ فحين بدأت جمعيات إنقاذ الغرقى في الانتشار في أوروبا في أواخر ستينيات القرن الثامن عشر، كانت عملية النفخ الشرجي لا تزال أول تقنية موصى بها. كما هو الحال مع أجهزة الصدمات الكهربائية العامة في يومنا هذا، ظهرت في ذلك الوقت، في أمستردام وباريس ولندن وبرن وفينيسيا ومئات المدن الأخرى، ما يسمى بـ”صناديق التدخين”، كانت هذه الصناديق تحتوي على كل ما يلزم لإجراء الإنعاش، أي قبل كل شيء، منفاخًا مناسبًا لموقد التبغ. في باريس وأمستردام ولندن، قامت هذه الجمعيات، بدعم متفاوت من السلطات، بتسجيل أنشطتها بدقة: عدد الغرقى الذين تم إنقاذهم، والتقنيات المستخدمة، والنتائج المحققة… تشير هذه الوثائق إلى وجود مئات الحالات التي تدعم فكرة فعالية النفخ الشرجي.

ومع ذلك، لا يمكننا قبول هذه الأرقام دون تحفظ؛ ففي هولندا وإنجلترا على سبيل المثال، كان الحصول على مكافأة لمن ينقذ شخصًا ما باستخدام الصندوق مشروطًا باتباع تعليمات جمعية الإنقاذ؛ بعبارة أخرى، كان هناك حافز للكذب بشأن استخدام النفخ، فحتى لو كان استخدام جهاز التدخين (المنفاخ الذي يحقن دخان التبغ) مؤكدًا في العديد من الحالات، فإنه لا يمكن تحديد عدد هذه الحالات بدقة. علاوة على ذلك، عادة ما كانت ترافق عملية النفخ ممارسات أخرى، مثل تجفيف جسد الغريق وفركه، بالإضافة إلى نفخ الهواء في الرئتين، لو كان هناك نجاح، فمن المحتمل أن عوامل أخرى قد ساهمت فيه بالإضافة إلى النفخ الشرجي. وأخيرًا، فإن الشهادات التي تم جمعها لاحقًا غامضة. غالبًا ما يقال إن الغرقى بقوا تحت الماء لمدة “ربع ساعة كاملة”، وذلك مستبعد تمامًا. إذن من الصعب جدًّا علينا التمييز بين الغرقى الذين تم إنقاذهم وهم فاقدون للوعي فقط والذين كانوا في حالة توقف تنفسي، وقد تكون حالات “النجاح” مجرد حالات استيقاظ ناجمة عن الألم نتيجة النفخ الشرجي، وإذا لم نتمكن من تقديم إجابة مؤكدة حول فعالية هذه الممارسة الغريبة أو عدم فعاليتها، فإن الأدلة تشير إلى أنها كانت فعالة بشكل محدود جدًّا أو غير فعالة على الإطلاق.

الأهم من ذلك، إذا كانت هذه الممارسة تمتلك الفعالية التي تدعيها النصوص الطبية ونصوص جمعيات الإنقاذ، فلماذا اختفت خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر؟ لقد بدأت انتقادات النفخ الشرجي في الظهور خلال الثلث الأخير من القرن الثامن عشر، ظلت الممارسة تحظى بدعم كبير في الأوساط الطبية، وتم تطبيقها على نطاق واسع. اشتدت الانتقادات في بداية القرن التاسع عشر عندما اكتُشف أن النيكوتين المركّز سام، لكن هذا وحده لا يكفي لتفسير التخلي عن هذه الطريقة في الإنعاش؛ فإذا كان التبغ وحده هو السبب، وكانت التقنية فعالة على الرغم من ذلك، لكان من المنطقي استبدالها بالنفخ الشرجي للهواء أو بدخان نبات آخر، ونصح بالفعل بعض الأطباء باستخدام البابونج على سبيل المثال، لكن هذه المحاولات كلها باءت بالفشل؛ اختفت هذه الممارسة من الكتب الطبية وتوصيات الإنقاذ حوالي عام 1850م دون تفسير حقيقي.

بين الطب والثقافة

يشكو التاريخ من بعد النظر فيفضل الأحداث البعيدة، ومن الصعب جدًّا أن نجد إجابات دقيقة لأسئلة حول نشأة الدراسات اليابانية وتطورها. أظهرت مقابلتي مع الدكتور تاكيبي أنه يطبق مبادئ “التفكير الجانبي” التي ظهرت في الستينيات [3]؛ بعبارة أخرى، الأمر يتعلق باستكشاف “الصفر العلمي” كما يسميه تاكيبي، أي البدء من نقطة الصفر، بالتخلي عن الحقائق الزائفة، وعن القيود الموروثة، وأحيانًا باستخدام تشبيهات غير متوقعة.

وقد استخدم تاكيبي وزملاؤه ظاهرة التنفس المعوي لدى بعض الأسماك، مثل سمك اللوخ، كنقطة بداية لأبحاثهم.

غالبًا ما يُنظر إلى هذا “التفكير الجانبي” بشكل أكبر من المنظور “التسويقي” بدلًا من زاويته العلمية؛ حيث يُضرب بـستيف جوبز وإيلون ماسك مثلًا على هذا النوع من التفكير، لكننا نغفل أن هذا التيار قد وجد صداه أيضًا لدى عالم الإبستمولوجيا الأناركي فايرابند الذي كان يزعم أن العلم يتقدم انطلاقًا من أي فكرة أولية، وخصوصًا التي تبدو غريبة أو مستحيلة في البداية[4]. عمومًا، ومهما كانت المصادر التي استوحوا منها أفكارهم، فإن الفريق الياباني حقق إنجازًا واعدًا جدًّا؛ هذا الإنجاز يطرح تساؤلًا عميقًا، عملية تنفس الأمعاء لدى سمك اللوخ ليست جديدة، وكذلك بالنسبة للبيرفلوروكربون، فقد أظهرت دراسات أجريت منذ ستينيات القرن الماضي حول قدرة الثدييات على التنفس بهذا السائل الرئوي، وهو موضوع تم تقديمه في فيلم الهاوية (1989م)، أما قدرة المستقيم على الامتصاص أمر معروف منذ زمن طويل، تمامًا مثل استخدام التحاميل. والسؤال هنا: لماذا لم يتم تجميع هذه المعلومات البسيطة والمعروفة معرفة جيدة، خاصة وأننا بحاجة ماسة إلى بديل التنبيب الرغامي الذي نعرف مخاطره؟ هذا لا يقلل من قيمة الدراسة اليابانية، بل يزيدها، ولكن مع مرور الوقت، قد لا نستغرب هذه الدراسة بقدر ما نستغرب نشأتها المتأخرة.

إن تاريخ العلوم مليء بالأخطاء التي اكتشفت لاحقًا، وفي مجال الإنعاش على سبيل المثال، يكفي أن نذكر طريقة التدليك القلبي؛ حتى ستينيات القرن الماضي، كان الأطباء يقومون بتدليك القلب مباشرة باليد، وذلك بعد فتح الصدر جراحيًّا وكان الحال كذلك حتى مع الأجنة الميتة، وقد يبدو لنا ضغط القلب من الخارج أمرًا بدهيًّا، إلا أنه لم يكن كذلك في الواقع؛ فكم من فكرة بسيطة وجديدة، ستبدو واضحة للعيان فجأة، ولكنها تتعارض مع الأفكار الراسخة الخاطئة، تنتظرنا في عالم الطب؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تترك للباحثين الطبيين، خاصة إذا ما توافر لهم مرونة فكرية كمرونة تاكيبي، ولكن في هذه الأفكار الراسخة الخاطئة، هناك جانب يتعلق بالمجتمع والتاريخ والأنثروبولوجيا: وهو الجانب الثقافي.

 بمعنى آخر، الطب، مثل أي علم آخر، لا يتطور بمفرده، بل إنه يستفيد أيضًا من عناصر خارجة عن إطاره الخاص؛ فأنماط التفكير، والروايات، والمفاهيم الاجتماعية، والحساسية تجاه الموت، والرموز، والدين، وحتى الاحتفالات الشعبية، يمكن أن

تلعب دورًا مهمًّا في تطور العلم، وهذا الجانب الثقافي يمكن أن يكون مفيدًا، كما كان الحال في تطور علم الإنعاش بشكل كبير.

في القرن الثامن عشر، أو عندما تقدم اليوم طريقة علمية جديدة حلولًا جديدة لمشكلة قصور التنفس. ويمكن أن تكون سلبية، كما حدث مع عصر التنوير الذي أدى إلى ظهور علم الإنعاش، والذي أسس في الوقت نفسه، وبخاصة بتأثير طريقة تفكيره في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، فكرة أن العادة السرية مرض مميت، وهي ليست الكنيسة التي يجب أن نلومها على شيطنة المتعة الفردية[5]، بل عصر التنوير.

الخاتمة

أثبتت الجائحة أن الطب، رغم طبيعته العلمية، يتأثر بالعوامل الثقافية، وقد أظهرت الأزمة الصحية الحالية أن الخبراء، حتى أصحاب الكفاءات العالية، قد قدموا آراء متضاربة بشكل غير مسبوق، مما يدل على تأثير الضغوط الخارجية على الخطاب العلمي. المسألة تتجاوز مجرد اختلاف الزمن بين جمع البيانات وتحليلها وبين تفشي القلق والتحركات السياسية والإعلامية؛ فمن الخطأ تبسيط التنوع في الآراء التي ظهرت خلال الأزمة، أو حصرها في آراء متطرفة، فالتوقعات المتضاربة حول الفيروس، من التشاؤم إلى التفاؤل، والتفسيرات المتنافسة لآلية عمله وأصوله، كلها تعكس طبيعة الأزمة المعقدة. الدراسات التي نشرت في مجلة ساينس في مايو 2021م (https://www.science.org/doi/10.1126/science.abj0016) لم تتوقف عن الكشف عن مدى تأثير نظرتنا إلى الموت، وعلاقاتنا بجيراننا وبالأجانب، وسياساتنا، وحتى تصوراتنا عن المجتمع وأفراده، ليس فقط على الخطاب الطبي، بل وعلى بناء “الحقائق” والمعتقدات العلمية، لقد أبرزت الفترة التي نعيشها البعد الثقافي للطب. وهنا

تكمن الفرصة في أن نستغل هذه الرؤية الواضحة لإعادة تأكيد وجود هذا البعد، الذي يُغفل أو يُنكر عادة، والذي يتعين على المجتمع بأكمله التفكير فيه والعمل عليه.

أود أن آخذ كمثال خدمات الإنعاش التي كثرت الإشارة إليها، غالبًا بطريقة تركز على استعجال الحدث الجاري دون التساؤل عن الأبعاد النظامية الكامنة وراء هذا الفضاء الحدّي، والذي غالبًا ما يكون بعيدًا عن أنظار المجتمع ووسائل الإعلام. وقد لاحظت الباحثة الأنثروبولوجية ماري كريستين بوشيل، وحللت، الطابع الخاص والمحظور أنثروبولوجيًّا لخدمات الإنعاش، والأعطال الهيكلية الناتجة عن ذلك. لقد أبرزت بوضوح مساحة بالغة الصعوبة، للمريض وعائلته وللطاقم الطبي على حد سواء، حيث تتجلى بوضوح التناقضات الشديدة بين، قرب الموت من جهة، ومن جهة أخرى، التاريخ الثقافي الطويل لمجتمعنا والذي يميل إلى طمس هذه الحقائق المعاشة أو تجميلها[6]. لعلنا نكسب الكثير لو وجهنا الأضواء الإعلامية أكثر نحو هذه القضايا، أو نحو جهود الأشخاص الذين يتعاملون مع هذه الأعباء النفسية (حتى خارج سياق الجائحة)، مثلما تفعل جمعية AML في فرنسا (جمعية الحفاظ على الوعي النفسي للمرضى في العناية المركزة).

لعل حالة بلجيكا الخاصة تكون هنا أكثر وضوحًا؛ إذ تكاد تخلو من خدمات الإنعاش للأطفال. قد تبدو ضرورة وجود تدريب ومكان متخصصين للأطفال في العناية المركزة بدهية؛ إلا أن الاعتراف بهذه الضرورة في بلجيكا يمثل مهمة صعبة للغاية، لدرجة أن جمعية من الكوادر الطبية العاملة في مجال الإنعاش، وهي جمعية (BePICS) (https://www.be-pics.be/en/)، قد تأسست عام 2019م للعمل على قبول فكرة أنه لا يجب وضع الطفل في وحدة إنعاش وسط مرضى بالغين، بل يجب علاجه من قبل فريق متخصص. تتطلب هذه الحالة الغريبة تحليلًا اجتماعيًّا تاريخيًّا تفصيليًّا، ومع ذلك، يمكننا أن نتقدم بالفعل بعاملين ثقافيين يلعبان دورًا لا شك فيه هنا؛ أولًا، إخفاء القرب من الموت يزداد حدة في حالة الأطفال، وربما أخذ هذا النفي شكلًا من أشكال عدم الاعتبار لخدمات الإنعاش للأطفال في بلجيكا، ثانيًا، يجب ربط صعوبة إثبات جدوى الإنعاش للأطفال بمعايير النبل التي تحكم ممارسة الطب أحيانًا؛ فطب الأطفال الذي يعد أقل نبلًا من طب البالغين من الناحية الهرمية؛ قد يتعرض للإهمال، مما يدفع تأسيس خدمات الإنعاش للأطفال بعيدًا عن الأولويات.

إن الاعتراف بوجود مواقف أنثروبولوجية نمطية لدى النخب الاجتماعية والعلمية يواجه صعوبة في القبول، ولكن إخفاء هذه العمليات قد يجعلها أكثر ضررًا، هذا هو التحدي بالضبط: تمثل الجائحة فرصة لإعادة تسليط الضوء على هذا الجانب الثقافي والتساؤل عنه بشكل مباشر، قد تصبح تجربة الجائحة “نقطة الصفر” العلمية والثقافية التي يمكن البناء عليها.

6 ماري-كريستين بوشيل، المستشفى: الجسد والروح. دراسة في الأنثروبولوجيا الاستشفائية، باريس، سيلي أرسلان، 2003.


[1] ريو أوكابي، تاكانوري تاكيبي وآخرون، «التهوية المعوية للثدييات تخفف من فشل الجهاز التنفسي»،https://doi.org/10.1016/j.medj.2021.04.004، مجلة Med، المجلد 2، العدد 6، 2021، الصفحات 773-783

[2] على كل ما يلي للعصر الحديث، انظر كتابي التبغ للموتى: تاريخ الإنعاش، سيزيريو، دار نشر شامب فالون، 2018.

[3]  انظر: إدوارد دي بونو، استخدام التفكير الجانبي، لندن، دار كيب، ١٩٦٧

[4] ول فايرابند، ضد المنهج، باريس، دار النشر سوي، 1979 (للترجمة الفرنسية).

[5] -توماس دبليو. لاكير، الجنس في العزلة. مساهمة في تاريخ الثقافة الجنسية، باريس، غاليمار، 2003، الترجمة الفرنسية.

[6] ماري-كريستين بوشيل، المستشفى جسدًا وروحًا: مقالة في الأنثروبولوجيا الاستشفائية، باريس، دار Seli Arslan للنشر، 2003.

——————-

تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.

الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.

الوسوم: ترجمات معنىمعنى
ShareTweetSendShareSend
المقال السابق

استثمار ما لديك من موارد | من «MIT SMR»

المقال التالي

الطريقة الوحيدة لبقاء الشركات المصنعة | من «MIT SMR»

لو كان رجلًا!| بدر مصطفى

لو كان رجلًا!| بدر مصطفى

7 أغسطس، 2026

«لو كان الفقر رجلًا لقتلته»— مقولة مأثورة لو كان الفقر رجلًا لكنا واجهناه، وربما قضينا عليه، بوصفه العدو الأكبر. لكن...

مقاربة سيميائية تأويلية لإعادة بناء الأهل والمكان والقيمة في لامية العرب |حاكمة السعدي

مقاربة سيميائية تأويلية لإعادة بناء الأهل والمكان والقيمة في لامية العرب |حاكمة السعدي

1 أغسطس، 2026

ليس الشعر كله وصفًا للموجودات؛ فمنه ما يسبغ عليها صورًا كما يراها، ومنه ما ينقض حدودها ويعيد رسمها، وإن «لامية...

ما الذي يجعل المواطن يبدو مواطنًا؟ كرة القدم وإسبانيا وسياسة النسب | إحساين إلحيان ترجمة: نيهاد القزوي

ما الذي يجعل المواطن يبدو مواطنًا؟ كرة القدم وإسبانيا وسياسة النسب | إحساين إلحيان ترجمة: نيهاد القزوي

27 يوليو، 2026

تروي كل أمة سرديتها الخاصة عن الانتماء؛ فمنها من يرويها عبر الدساتير، ومنها من يصوغها باللغة، بينما تستمد أمم أخرى...

جماليات اللاتطابق..لماذا يجب أن نرتاب في الأشياء التي تبدو كاملة؟ | بدر مصطفى

جماليات اللاتطابق..لماذا يجب أن نرتاب في الأشياء التي تبدو كاملة؟ | بدر مصطفى

24 يوليو، 2026

ثمة أشياء تجذبنا لأنها لم تُحكم إغلاقها على صورة واحدة. نعود إليها أكثر من مرة. لا تستنفد نفسها في النظرة...

عن منصة معنى

«معنى»، مؤسسة ثقافية تقدّمية ودار نشر تهتم بالفلسفة والمعرفة والفنون، عبر مجموعة متنوعة من المواد المقروءة والمسموعة والمرئية. انطلقت في 20 مارس 2019، بهدف إثراء المحتوى العربي، ورفع ذائقة ووعي المتلقّي المحلي والدولي، عبر الإنتاج الأصيل للمنصة والترجمة ونقل المعارف.

روابط سريعة

  • أرشيف معنى
  • مكتبة معنى
  • تطبيق معنى
  • الأفلام

التصنيفات

Articles & Essays MIT SMR SJPS أوراق ودراسات إعلانات معنى إيون الحياة الطيبة الفلسفة الآن الفيلسوف الجديد المتن الفلسفي المتن الفلسفي بودكاست ذا أتلانتيك سايكي سيكولوجي توداي غير مصنف مراجعات مقابلات وحوارات مقالات مقالات فرنسية مقالات من الصين نيويورك تايمز
  • الرئيسية
  • من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • السلة
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الخصوصية
  • تواصل معنا
  • English
  • Chinese

© 2026 منصة معنى الثقافية

مرحبا بك!

قم بتسجيل الدخول إلى حسابك

هل نسيت كلمة المرور؟ تسجيل

قم بإنشاء حساب جديد!

املأ النموذج أدناه للتسجيل

جميع الحقول مطلوبة. تسجيل الدخول

طلب إعادة تعيين كلمة المرور

يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني لإعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك.

تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
لست عضو الآن ؟ سجل الآن
استخدام Google
استخدام Apple
Or Use Social
إعادة تعيين كلمة المرور
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
تسجيل
هل أنت مستخدم مسجل بالفعل؟ تسجيل الدخول الآن
No Result
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
  • دخول / تسجيل

© 2026 منصة معنى الثقافية

-
00:00
00:00

قائمة التشغيل

Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00