لم يعد التحول الرقمي خيارًا إضافيًّا للشركات الصناعية، بل أصبح ضرورة. ولكن المشكلة تكمن في أن هذا التحول بالغ الصعوبة.
فيجاي جوفينداراجان وجيفري آر. إيميلت
إن قيادة تحول مؤسسي من أي نوع كان أمرًا صعبًا دومًا، ولم يصبح أسهل مع مرور الوقت. أما الشروع في تحوُّل رقمي والحفاظ عليه داخل شركة تصنيع، فهو أشد صعوبة من إدارة أي مبادرة تغيير أخرى -من إدارة الجودة الشاملة إلى سيغما الستة (Six Sigma) إلى التصنيع الرشيق (lean manufacturing)- ونحن، صدقونا، عشنا أو شهدنا جميع هذه المبادرات خلال العقود الثلاثة الماضية.
أصبح التحول الرقمي اليوم شرطًا للبقاء. ومع أن موجات التكنولوجيا -من الأتمتة، إلى التصنيع الإضافي (additive manufacturing)، إلى الذكاء الاصطناعي (AI)- تجتاح عالم الشركات وتعيد تعريف طبيعة العمل والإنتاجية، فإنه لا توجد كتيبات إرشادية ولا ممارسات مثلى واضحة لتحول الشركات الصناعية رقميًّا، وقليل من الشركات الصناعية أولت اهتمامًا للتقنيات الرقمية حتى وقت قريب. فعلى سبيل المثال، قبل تسع سنوات فقط، لم تكن شركة جنرال إلكتريك (General Electric) تتابع هذه التقنيات من كثب، ولم تفكر في كيفية اندماجها مع الآلات التي تصنعها، ولم تدرك فوق ذلك أنها قد تحقق أرباحًا من خلالها. كان التحول الرقمي بعيدًا كل البعد عن واقع جنرال إلكتريك الصناعي.
حتى اليوم، وعلى الرغم من أن معظم الشركات المصنعة بدأت تتلمس طريقها نحو التقنيات الرقمية، فلم تنجح أي منها في إتمام تحول رقمي شامل. لا يزال الرؤساء التنفيذيون مضطرين إلى اكتشاف فن وعلم هذا التحول بأنفسهم، ما يجبرهم على وضع خططهم في أثناء التنفيذ، وهو ما يؤدي حتمًا إلى التوتر والصدمات. وقد وُجِّهت انتقادات لبعض القادة لبدئهم التحول الرقمي قبل أوانه؛ وآخرين لتأخرهم في ذلك؛ بل أُقيل بعضهم لعدم قدرتهم على استدامته.
أحدنا قاد عدة تحولات بين عامي 2001م و2017م -بما في ذلك تحول رقمي- داخل شركة جنرال إلكتريك، وهي مؤسسة عالمية راسخة. أما الآخر فقد درس الابتكار والتغيير في الشركات الكبرى، بما في ذلك جنرال إلكتريك، لعقود. ونحن مقتنعان بأن تنفيذ التحول الرقمي ليس فقط الأكثر تعقيدًا، بل هو أيضًا التحدي الأشد أهمية الذي يواجه أي شركة تصنيع اليوم. ولهذا اجتمعنا لكتابة هذا المقال، الذي يوضح لماذا يُعد التحول الرقمي تحديًا بالغ الصعوبة بالنسبة إلى المصنعين، ونتشارك بعض الدروس الرئيسة المستخلصة من تجربتنا.
ربما كانت جنرال إلكتريك أول شركة تصنيع تدرك داخليًّا أن التقنيات الرقمية قادرة على إحداث اضطراب في أعمالها. غير أن ذلك لم يحدث إلا بعد أن اكتشف فريق استكشاف التوجهات الكبرى في جنرال إلكتريك، من خلال أبحاثه عبر الإنترنت، أن بعض الشركات الراسخة مثل IBM وعدد من الشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا العالية، كانت تجمع بيانات من عملاء جنرال إلكتريك لتطوير خدمات جديدة قائمة على البيانات في قطاعات مثل الطيران والطاقة.
ورغم وعي جنرال إلكتريك الجديد بهذا التهديد الوجودي، فإنها واجهت صعوبات كبيرة في بدء واستدامة تحولها الرقمي. ويمكن لتجارب جنرال إلكتريك، إلى جانب تجارب شركات تصنيع أخرى درسناها، أن تقدم أفكارًا ورؤى مفيدة للمديرين التنفيذيين الذين يواجهون هذا التحدي.
فرص وتهديدات التحول الرقمي
يفوت على كثير من الرؤساء التنفيذيين أن التحول الرقمي ليس هو نفسه رقمنة الأعمال القائمة؛ فهو لا يتعلق بإنشاء مواقع إلكترونية أو تطبيقات للهواتف النقالة أو حملات على وسائل التواصل الاجتماعي أو قنوات بيع عبر الإنترنت. ولا يتعلق بإدخال تكنولوجيا المعلومات إلى المنظمة، الأمر الذي قد يحسن الكفاءة لكنه لن يغير الاستراتيجية جذريًّا. إن التحول الرقمي يعني إعادة تصور المنتجات والخدمات كأصول مُمكَّنة رقميًّا؛ وإنشاء قيمة جديدة من خلال الربط بين الأصول المادية والرقمية عبر البيانات؛ وبناء منظومات (ecosystems) تتيح ذلك. وينتج عن ذلك تغيير جوهري في الأنشطة والعمليات والقدرات ونماذج الأعمال داخل الشركة، ما يمكِّنها من تحقيق إنتاجية أعلى.
معظم قادة الأعمال الذين نحدثهم يدركون، لكنهم لا يستوعبون تمامًا، مدى خطورة التهديد الذي تمثله الرقمنة للمصنعين، والأسوأ من ذلك، أنهم لا يرون الفرصة التي تتيحها. فالشركات المصنعة مثل جنرال إلكتريك، وسيمنز (Siemens)، وهانيويل إنترناشونال (Honeywell International)، تعتمد بالفعل اعتمادًا كبيرًا على خدمات ما بعد البيع التي تشكل أكثر من نصف إيراداتها، بل وأكثر من ذلك في الأرباح. ففي عام 2010م، على سبيل المثال، شكلت عقود الخدمة نحو 75% من طلبات جنرال إلكتريك غير المنجزة، والتي تجاوزت قيمتها 225 مليار دولار -أي ما يعادل أكثر من 18 شهرًا من الإيرادات- وساهمت بنحو 80% من أرباحها الصناعية.¹
وبفضل زرع الحساسات (sensors) وأجهزة القياس في الآلات والعمليات، بات بإمكان الشركات اليوم جمع وتحليل بيانات المستخدمين بصورة مستمرة بدلًا من الدورية. ويتيح تحليل تدفقات البيانات هذا، إمكانية اكتشاف سبل لتحسين أداء وموثوقية الآلات في الوقت الحقيقي، فضلًا عن رفع كفاءة الأنظمة التي تربط بينها، ما يمنح فرصة مستمرة لتعزيز إنتاجية العملاء. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تغيير جوهري في ما تبيعه شركة التصنيع، أي الانتقال من بيع المنتجات إلى بيع النتائج. فعلى سبيل المثال، يمكن لشركات مثل جنرال إلكتريك أن تبيع الطاقة بالساعة بدلًا من بيع المحركات.
على الرغم من الإمكانات الهائلة للنمو، لم يكن صانعو الآلات أول من أدرك إمكانية الجمع بين “الحديد الثقيل” (big iron) والبيانات الضخمة (big data). كما اكتشف وكلاء شركة GE، فقد سارع لاعبون آخرون إلى دخول الساحة وتشكيل السوق، ويشمل ذلك عمالقة التقنية مثل IBM، ورويال فيليبس إلكترونيكس (Royal Philips Electronics)، وتوشيبا (Toshiba)، وHP؛ والشركات الرقمية الأصلية مثل أمازون (Amazon)، وألفابت (Alphabet)، وآبل (Apple)، ومايكروسوفت (Microsoft)؛ والشركات الناشئة المدعومة برأس المال المغامر مثل Uptake، وOpower، وTendril Networks، وOnzo، وAclara Technologies، وFlutura. تساعد هذه الشركات الآن مؤسسات مثل شركات الطيران التجارية، وشركات الطاقة، ومنتجي النفط والغاز، في تحقيق أقصى استفادة من آلاتهم عبر دراسة بيانات الأداء في الوقت الفعلي. إن هذا مجال تجاري مربح؛ إذ تحقق الشركات جزءًا من الإيرادات أو الوفورات الإضافية لعملائها من خلال تقديم النتائج المرجوة. وفي عام 2016م، قدَّرت دراسة للمنتدى الاقتصادي العالمي أن هذه الفرصة التجارية قد تصل إلى 6.8 تريليون دولار خلال السنوات العشر المقبلة.
وهذا ما يدفع الشركات المصنعة إلى إطلاق مبادرات رقمية مترددة، وزيادة استخدام تكنولوجيا المعلومات، والاستعانة بمصادر خارجية حيثما أمكن، وجلب المواهب الرقمية من دون تنظيمها لتحقيق النجاح. ومع ذلك، كما رأينا خلال العقد الماضي، فإن الشركات التي لا تلتزم تمامًا بالتحول الرقمي ستجد نفسها خارج المنافسة أمام منافسين قادرين على تقديم خدمات جديدة قائمة على البيانات، ما قد يؤدي إلى تفكك العلاقات طويلة الأمد بين الشركات الراسخة وعملائها. ونظرًا إلى أن قيمة استبدال أصول GE بلغت تريليوني دولار في عام 2010م، حين عاد مبعوثوها بأخبار التهديد الرقمي، فإن أي جهة تتمكن من الاستحواذ حتى على جزء من تلك القيمة ستصبح منافسًا هائلًا.
إن تجاهل تهديد المنافسة يحمل خطرًا عظيمًا؛ فإذا استطاعت شركة رقمية أن تجعل الآلات الصناعية تعمل بكفاءة أكبر حتى من الشركة المصنعة نفسها، فإن الأخيرة ستواجه مصيرًا مظلمًا؛ فلن تخسر الشركة المصنعة كثيرًا من مصادر دخلها الخدمي المربح في المستقبل القريب فحسب، بل ستضطر أيضًا إلى الاكتفاء بدور منتج للسلع الأساسية. ولهذا، فإن التحول الرقمي ليس مجرد خيار، بل هو الأكسجين الذي سيبقي الشركات الصناعية حية وفاعلة في العصر الرقمي.
ثلاث قوى للجمود
حتى الشركات التي أدركت التهديد الرقمي والفرص المصاحبة له تجد أن عملية التحول صعبة للغاية. تشير أبحاثنا وتجاربنا إلى أن العوائق هيكلية وسلوكية في آن معًا؛ فهي متجسدة في الأنظمة وراسخة في العقليات. يجب على الشركات المصنعة أن تتغلب على ثلاث عقبات رئيسة لتتخلص من الجمود وتصبح شركات صناعية رقمية.
الهيمنة الراسخة: كل شركة تطور قدرات ونماذج عمل بهدف تحقيق الإيرادات. لكن هذه الكفاءات، التي تصبح جوهرية لأدائها ويصعب على المنافسين تقليدها، قد تتحول مع الوقت إلى جمود يعيق التغيير. يظل قادة الأعمال متمسكين بالنماذج القائمة لأنها ناجحة، من دون أن ينتبهوا للخطر القادم من نماذج الأعمال الجديدة المبتكرة. وغالبًا ما تكون النماذج القديمة في ذروة أدائها في هذه المرحلة، لذا يكون الحافز للتغيير في أدنى مستوياته.
وتزيد مقاييس الأداء التقليدية، مثل نمو المبيعات وهوامش الربح الصافي، من تعقيد المشكلة، إذ تركز على الأداء قصير الأجل وتمنع الاستثمارات في مشاريع الابتكار والتحول طويلة الأمد وغير المؤكدة النتائج. إن إقناع أقسام الأعمال المربحة بدعم استثمارات في التحول الرقمي قد لا تؤتي ثمارها إلا على المدى البعيد (بدلًا من تمويل مشاريع ابتكارهم التي ستدر أرباحًا أسرع) ليس بالأمر السهل. ويزداد الأمر صعوبة إذا كانت هيكلية المكافآت في الشركة تفضل العائد السريع على الاستثمار على الرهانات طويلة الأجل.
المواهب: حتى وقت قريب، كانت معظم الشركات المصنعة تتعامل مع التقنية الرقمية كوظيفة خلفية لدعم أعمالها القائمة، وتختار الاستعانة بمصادر خارجية لتطويرها، ولم تولِ اهتمامًا يُذكر لتنمية المهارات اللازمة لإجراء التحول الرقمي. علاوة على ذلك، تجد الشركات الصناعية صعوبة في جذب المواهب الرقمية المطلوبة بشدة. ولنكن واقعيين: على عكس شركات مثل Alphabet وApple، لا تزال شركات مثل GE وFord Motor لا تُعد الخيار الأول كجهة عمل لمهندسي البرمجيات.
وتكمن تعقيدات إضافية في ضرورة دمج المواهب الرقمية التي تُوظَّف مع المهندسين التقليديين في الميكانيكا والكيمياء والهندسة المدنية والصناعية لتشكيل مجموعة جديدة من القدرات. وهذا أسهل في التصور منه في التنفيذ؛ إذ إن المهندسين في العلوم الافتراضية يتعلمون ويفكرون ويعملون بطريقة تختلف كثيرًا عن أولئك في العلوم الفيزيائية.
الثقافة: غالبًا ما تشكل الثقافة التنظيمية للشركات الصناعية عقبة كبرى؛ فقد ازدهرت الشركات المصنعة تاريخيًّا عبر دورات تطوير منتجات طويلة، وكفاءة ستة سيغما (Six Sigma)، ودورات مبيعات ممتدة. وهي تميل إلى التركيز على استثمار مبالغ كبيرة لتطوير وتصنيع وبيع المنتجات، استنادًا إلى تقنيات ملكية غالبًا.
وعلى النقيض من ذلك، تعمل شركات البرمجيات بدورات تطوير منتجات قصيرة، وتتحلى بالمرونة، وتتمتع بدورات مبيعات سريعة، وتفضل تطوير البرمجيات بالشراكة مع شركات أخرى، وتحقق الأرباح عبر تقديم البرمجيات كخدمة (software as a service) بالإضافة إلى بيع المنتجات. كما أن منتجاتها ذات عمر افتراضي أقصر من منتجات الشركات المصنعة، وتكلفة الفشل فيها أقل. فعلى سبيل المثال، بينما تطلق GE عدة إصدارات من منتجاتها البرمجية سنويًّا، لا تتغير تصاميم آلاتها إلا مرة واحدة كل ثلاث أو أربع سنوات.
يؤمن المصنعون بمبدأ التحسين المستمر، في حين تؤمن الشركات الرقمية بالابتكار الدائم. ولكي تصبح المؤسسات الصناعية أكثر رقمية، لا بد لها من تبني مفاهيم غريبة عنها، مثل المرونة، والبساطة، وسرعة الاستجابة، والسرعة في التنفيذ. وهذا مطلب عسير على المؤسسات الراسخة التي اعتادت إنتاج منتجات منخفضة التكلفة في فترات زمنية محددة ومتوقعة.
إن إنشاء وظيفة رقمية داخل شركة صناعية يؤدي أيضًا إلى تصاعد المنافسة الداخلية، وينشئ حالة من الانقسام بين القديم والجديد. فعلى سبيل المثال، في الأيام الأولى، شعر فريق تقنية المعلومات (IT) في شركة GE بتهديد كبير من مهندسي البرمجيات وأنظمة الحوسبة في GE Digital، إذ كان هؤلاء يتقاضون رواتب أعلى من المعدل المعتاد في GE كحافز للانضمام إلى شركة صناعية. والأسوأ من ذلك أن مهندسي البرمجيات الجدد كانوا ينظرون باستخفاف إلى طريقة عمل موظفي تقنية المعلومات، ويعلنون ذلك صراحة داخل الشركة. لقد أحبوا رسالة GE، لكنهم لم يبالوا ببيروقراطيتها. كانوا يهددون بالاستقالة ببساطة إذا لم تعجبهم طريقة التخطيط للمشاريع وتنفيذها، ويكفي القول إن التحول الرقمي سيؤثر في ثقافة شركتك بطرائق لم تبدأ حتى بتخيلها.
كيف تتراجع الشركات عن التحول الرقمي
إن الشروع في التحول الرقمي قد يكون عملية طويلة ومرهقة، ومن واقع خبرتنا، غالبًا ما يتبع التنفيذيون نهجًا حذرًا، يطرحون سلسلة من الأسئلة تدور بهم في حلقات مفرغة، ما يعيق العملية قبل أن تبدأ فعليًّا. وإليكم كيف نقترح تجاوز هذه العقبات.
ألن يكون من الأسرع وأقل تكلفة أن نستعين بمصادر خارجية لإنشاء القدرات الرقمية، أو ندخل في شراكة مع جهة أخرى؟ جوابنا: كلا. قد يبدو أن الاستعانة بمصادر خارجية لتطوير التقنيات الرقمية أو الارتباط بشريك رقمي خيار منخفض التكلفة ومنخفض الأخطار، لكنه في الواقع قد يؤدي إلى تعطيل عملية التحول الرقمي. هناك حالات عديدة يكون فيها شراء القدرات منطقيًّا -مثل الحوسبة السحابية (cloud computing) أو التخزين- لكن من الأفضل للمصنعين الاستثمار في تطوير التقنيات الرقمية التي ستمنحهم التميز في السوق، لا سيما أنهم يمتلكون بالفعل الآلات ولديهم العملاء.
ينبغي للشركات أولًا أن تحدد ما الذي تريد أن تملكه قبل التفكير في الشراكات؛ وإلا فإنها ستختار الشركاء الخطأ. والأسوأ من ذلك أن الشراكة منذ البداية أو مجرد الاستثمار في شركات رقمية لن يغيرا أبدًا القدرات الجوهرية أو التقنيات أو نماذج الأعمال تغييرًا كافيًا لإحداث تحول حقيقي أو حتى وضع أساس له، بل سيضيف طبقة رقمية سطحية فوق المنتجات والعمليات ونماذج الأعمال القائمة. قد تبدو بعض التقنيات الحديثة بعيدة المنال، ولكن على الشركات الصناعية أن تدرك أن إتقانها سيكون ضروريًّا للبقاء. علاوة على ذلك، سيضطر المصنعون إلى مشاركة معارفهم المتخصصة الثمينة مع شركائهم الرقميين، فيفقدون بذلك ورقتهم التفاوضية الوحيدة. من الصعب التفاوض على شراكات إذا لم يكن لديك ما تقدمه. اسألوا Microsoft عن شراء Nokia، أو Yahoo! عن Tumblr، أو Google عن Motorola، أو eBay عن Skype، أو News Corp عن Myspace.
نحن نؤمن بأن أداء الشركات يتحسن عندما تطور قدراتها الرقمية داخليًّا، فذلك لا يؤدي فقط إلى تحسين قدراتها الجوهرية تحسينًا دائمًا، بل يساعد أيضًا على إعادة تشكيل ثقافة الشركة، إذ يعمل الموظفون الصناعيون جنبًا إلى جنب مع الزملاء الرقميين لتطوير الخدمات المعتمدة على البرمجيات. وإذا دخل المصنع في شراكة لاحقًا، فسيكون ذلك من موقع قوة وليس ضعفًا. فعلى سبيل المثال، رفضت GE الدخول في تحالفات أو شراكات خلال السنوات الخمس الأولى من تحولها الرقمي. وبدلًا من ذلك، عينت رئيسًا تنفيذيًّا رقميًّا من خارج الشركة، وأنشأت قسم برمجيات مركزيًّا في سان رامون بولاية كاليفورنيا، ثم استقطبت أكثر من ألفي مهندس برمجيات، وهو إنجاز ضخم. ومع اكتساب GE للخبرة، بدأت تدريجيًّا في الشراكة مع شركات رقمية مثل Microsoft، وAmazon، وSplunk، وAccenture، وTata Consultancy Services، وTech Mahindra، وAT&T، كما تعلمت العمل مع الشركات الناشئة في تطبيقات البرمجيات، واستحوذت على شركات رئيسة مثل Meridium لتطوير قدراتها. وكان ذلك ضروريًّا لإنشاء وامتلاك الطبقات الرقمية حول منتجاتها. وبحلول ديسمبر 2018م، عندما فصلت GE قطاع GE Digital ليصبح شركة فرعية مملوكة بالكامل، كما كان مخططًا منذ البداية، كانت قد راكمت خبرة كبيرة عززت قدرتها التفاوضية وثقتها بنفسها. إن فصل GE Digital بعد أن بلغت حجمًا كبيرًا سيساعدها في جمع الموارد بقيم أعلى، والنمو لتصبح عملاقًا في مجال الإنترنت الصناعي للأشياء (industrial internet of things)، مع استمرار ارتباطها بأعمال GE الأساسية.
أليس من الأفضل أن نستفيد من خبراء تقنية المعلومات (IT) الموجودين لدينا بالفعل، بدلًا من توظيف أشخاص جدد لا يعرفون طبيعة أعمالنا؟ وأليس من الأنسب أن نضع المبادرة الرقمية تحت إشراف المدير التنفيذي لتقنية المعلومات (CIO)، بدلًا من تعيين مدير تنفيذي رقمي جديد (CDO)؟ الجواب: كلا، وكلا. رغم أن ذلك قد يبدو قاسيًا، فإن وظائف تقنية المعلومات في شركات التصنيع لا يشغلها خبراء التكنولوجيا الرقمية. فمهندسو تقنية المعلومات يشترون الأجهزة، ويعهدون بتطوير البرمجيات إلى جهات خارجية، ويبرعون في إدارة المشاريع وتخصيص البرمجيات المطورة من قبل الموردين لتحسين الكفاءة التشغيلية. أما إعادة تصور المنتجات والخدمات باستخدام برمجيات خاصة للعملاء، فهي تتطلب قدرات مختلفة تمامًا. من هذا المنظور، تعد تقنية المعلومات عملية، في حين تعد البرمجيات منتجًا. وقد تعلمت شركة GE هذا الفرق بالطريقة الصعبة؛ ففي عام 2006م، استحوذت GE للرعاية الصحية (وكان يرأسها حينذاك أحد المؤلفين) على شركة IDX Systems -إحدى أكبر خمس شركات البرمجيات الصحية في الولايات المتحدة- لكنها أخفقت في الاستفادة من صفقة بلغت قيمتها 1.2 مليار دولار. إذ كانت المنتجات الأربعة الرئيسة لشركة IDX بحاجة إلى إعادة كتابة البرمجيات، فتولى أحد موظفي GE المسؤولية، وبحلول نهاية العملية، فقدت الشركة المستحوذة كثيرًا من كوادرها. وبما أن معظم شركات التصنيع تجاهلت الموجة الأولى من الرقمنة، فلم يعد أمامها خيار سوى التوظيف المكثف من الخارج عند الشروع في تحولاتهم الرقمية. وغالبًا ما يحاولون تقليل التكاليف عبر دمج دور المدير التنفيذي لتقنية المعلومات (CIO) والمدير التنفيذي الرقمي (CDO)، وهو منصب حديث نسبيًّا في قطاع التصنيع. تبدو المسميات متشابهة، وهناك بعض نقاط الالتقاء، لكن من شبه المستحيل أن يركز شخص واحد على كلا الدورين؛ فمدير تقنية المعلومات، الذي تتركز معرفته على الشؤون الداخلية، يجب أن يركز على زيادة الإنتاجية داخل الشركة؛ في حين أن المدير التنفيذي الرقمي، الذي يركز على الأسواق الخارجية، ينبغي أن يهتم بإنتاجية العملاء. إن الفصل بين هذين الدورين أمر بالغ الأهمية للنجاح؛ أما الجمع بينهما فيؤدي حتمًا إلى ضعف أحدهما.
وعلى خلاف خبراء تقنية المعلومات، فإن القادة الرقميين يستطيعون توظيف معرفتهم ضمن سياق أعمال العميل، ما يساعد العميل على إدراك القيمة التجارية للتقنيات الرقمية. فعلى سبيل المثال، بعد تحليل بيانات العملاء، اكتشف أحد الفرق الرقمية في GE أن لكل مزرعة رياح ملفًّا فريدًا لتوليد الطاقة يعتمد على موقعها وطبيعة أرضها واتجاهات الرياح السائدة. وإدراكًا لأهمية هذا الاكتشاف، تعاون الفريق الرقمي مع مهندسي التوربينات لتصميم توربينات مخصصة لكل مزرعة رياح على حدة. وقد أدى ذلك إلى زيادة إنتاجية كل توربين بنسبة 20% سنويًّا، وحقق 100 مليون دولار من الإيرادات الإضافية على مدى عمره التشغيلي، وهو أمر لم يكن ليشغل معظم خبراء تقنية المعلومات أنفسهم به.
أليس من الأفضل أن تطور كل وحدة من وحدات أعمالنا القدرات الرقمية بما يتناسب مع احتياجات عملائها، بدلًا من إنشاء وحدة رقمية مركزية تخدم جميع الوحدات؟ الجواب: كلا. تشير الحكمة التقليدية إلى أنه في الشركات متعددة الأقسام، ينبغي توزيع القدرات الرقمية على كل وحدة أعمال. وهناك منطق في هذه الفكرة؛ فكل وحدة أعمال تختلف عن الأخرى وتمتلك خبرة تخصصية مختلفة، ويجب أن تتعلم كيف تتعاون بطريقتها الخاصة مع مهندسي البرمجيات لتطوير الحلول لعملائها، كما يجب أن تطور نماذج أعمال فريدة لاقتناص القيمة. ويُعتقد أن اللامركزية ستمنح كل وحدة شعورًا بامتلاكها لاستراتيجيتها الرقمية وعملائها وتكاليفها.
لكن في الواقع، هناك ثلاثة عوامل تفرض أن تكون الوظيفة الرقمية وحدة مركزية لكي تؤدي دورًا تحويليًّا حقيقيًّا. أولًا، كما هو حال معظم الابتكارات الرائدة، فإن الأعمال الصناعية القديمة المهيمنة لن تسمح أبدًا للوظيفة الرقمية الناشئة بالنمو إلى ما بعد حد معين؛ فالعقلية التقليدية ستسعى دائمًا لإثبات هيمنتها؛ ولن تحصل الوحدة الرقمية على الزخم أو الدعم اللازمين لتحويل الأعمال.
لذا، فإن الوظيفة الرقمية التي تعمل داخل وحدة صناعية لا يمكنها أبدًا أن تبني عقلية التحول. فقط عندما تكون منفصلة عن الأعمال القائمة، ستتمكن من تحديد طرق تعطيل الأعمال. علاوة على ذلك، إذا لم تكن المبادرة الرقمية مركزية، فإن كل وحدة أعمال ستعمل بوتيرتها الخاصة؛ ولن يكون هناك تبادل فعَّال للممارسات المثلى؛ وستذبل الوحدات الرقمية. لهذا السبب أُسِّست GE Digital كوحدة مستقلة في وادي السيليكون البعيد منذ البداية. وقد ترأسها مدير تنفيذي رقمي (CDO) رفع تقاريره مباشرة إلى الرئيس التنفيذي لشركة GE، وبدأت باستثمار قدره 200 مليون دولار لزرع الحساسات والأجهزة في آلات GE، وجمع ودراسة بيانات العملاء، وتطوير تطبيقات البرمجيات لجميع أعمال الشركة.
ثانيًا، لا يمكن للشركة الصناعية الرقمية أن تحقق وفورات النطاق إلا من خلال إنشاء وظيفة رقمية تعبر جميع وحدات الأعمال. وعلى مر الوقت، طورت GE Digital أول منصة تشغيلية لإنترنت الأشياء الصناعية (industrial internet of things)، وهي منصة GE Predix، والتي أصبحت حجر الزاوية في استراتيجيتها. وقد أرست المنصة مجموعة من المعايير التقنية لإنترنت الأشياء الصناعي، ويمكن تثبيتها على جميع آلات GE، وكذلك على آلات الشركات المنافسة. إن إنشاء منصة رقمية أمر بالغ الأهمية تجاريًّا؛ فالشركات الرقمية التي تطور أولى المنصات -مثل Amazon وGoogle وFacebook وYouTube وeBay- هي غالبًا ما تجني كل الأرباح.
أخيرًا، لجذب أفضل المواهب الرقمية، ينبغي للشركة الصناعية أن تؤسس مركزًا عالميًّا للتميُّز يتمتع بقدراته الذاتية في الموارد البشرية (HR). عندما بدأت شركة GE، كانت وظيفة الموارد البشرية المركزية تتولى عملية التوظيف، لكن ذلك لم يعمل بشكل جيد. فربما 90% من الأشخاص الذين تواصلت معهم GE ووكلائها في وادي السيليكون لم يكونوا على علم بأن GE ترغب في تطوير منتجات برمجية معقدة، ولم يكونوا مهتمين بالانضمام. ولم تبدأ GE بجذب المواهب الرقمية إلا بعد أن أنشأت إدارة موارد بشرية مخصصة لـ GE Digital في سان رامون.
وجمع المواهب الرقمية جميعهم في مكان واحد يمكِّنهم أيضًا من التعلم بعضهم من بعض والتفاعل فيما بينهم لبناء برمجيات عظيمة، كما أن الجانب البصري مهم كذلك؛ فمركز رقمي كبير وحديث، يكون مرئيًّا للسوق، سيجذب الشركاء لإنشاء نظام بيئي، ويستقطب العملاء، ويعزز من تقييمات الشركة. أما الوحدات الرقمية الصغيرة الكامنة في عمق الأعمال الصناعية فمن غير المرجح أن تحقق التأثير نفسه.
أليس من الأفضل أن نكون انتقائيين بدلًا من الانخراط الكامل؟ لم يُحسم الجواب بعد في هذا الشأن. إذا أدركت بعض الشركات التهديد الرقمي في وقت مبكر، فقد تتمكن من إنشاء بعض المشاريع الرقمية التجريبية في قطاع أو خط إنتاج واحد، وتتعلم من نجاحاتها وإخفاقاتها، ثم توسع التحول الرقمي تدريجيًّا عبر مختلف الأعمال. لكن الاستيقاظ المتأخر أمام التهديد الرقمي غالبًا ما يجعل من الصعب اتباع نهج تدريجي.
كان على GE أن تتحرك بسرعة نسبية للاستفادة من الفرصة الرقمية؛ فقد كان عليها أن تنخرط بالكامل لأنها واجهت تهديدًا خطيرًا من المنافسين الرقميين. وقد أطلقت التحول عبر جميع قطاعات الشركة لتؤكد أن التحول الرقمي أولوية استراتيجية للشركة بأكملها. لم تكن الرسالة لتصل لو بدأ التحول بشكل فاتر في قطاع أو قطاعين فقط. وبالنظر إلى الوراء، وبما أن GE بدأت تأخذ التهديد على محمل الجد، فقط بعد أن بدأ منافسوها الرقميون، فمن العدل القول إن GE كان ينبغي أن تتحرك في وقت أبكر مما فعلت.
دروس في تنفيذ التحول الرقمي
إن تطوير استراتيجية للاستفادة من التقنيات الرقمية في تحويل الشركة الصناعية هو البداية فقط، وليس سوى ذلك؛ فالتحديات الأكثر صعوبة تكمن في تنفيذ الاستراتيجية. ولتحقيق ذلك، يجب على الرؤساء التنفيذيين إعادة التفكير في كل ما يتعلق بكيفية عمل شركاتهم، وابتكار نماذج أعمال جديدة، وتطوير هياكل تنظيمية حديثة، وقيادة الشركات بطريقة مختلفة تمامًا. لا توجد وصفة جاهزة أو حل سحري (“add water and stir”) لتجاوز التحول الرقمي، لكن هناك ثلاث أفكار رئيسة تُعد حاسمة للنجاح:
1. نماذج الأعمال تتفوق على التكنولوجيا: التحول الرقمي يتعلق بتغيير نماذج الأعمال، وهذا أصعب من مجرد التخلي عن التقنيات القديمة. فبينما كان نموذج الأعمال التقليدي للشركات الصناعية يقوم على بيع الأجهزة، وتقديم البرمجيات مجانًا، وتقديم خدمات الإصلاح عند الحاجة (break-fix service)، فإن نماذج الأعمال الرقمية-الصناعية الجديدة تتطلب بيع حلول مخصصة، معززة بالأداء، ومدعومة بالبرمجيات إلى جانب الأجهزة؛ وتقديم نتائج ملموسة؛ والمشاركة في الأرباح الإضافية للعملاء.
يتمتع المصنعون بميزة فطرية على المنافسين الرقميين؛ فهم يعرفون آلاتهم معرفة أفضل، ما يساعدهم على توفير النتائج التي يرغب فيها العملاء. أما الحيلة فهي الاستعداد لتغيير أو التخلي عن نموذج العمل القائم إذا كان ذلك سيؤدي إلى إيجاد قيمة جديدة والاستفادة منها.
ابتكر قيمة جديدة: يستطيع المصنعون إنشاء قيمة من إنترنت الأشياء الصناعي (industrial IoT) بطرائق متعددة، وينبغي لهم تطبيق جميع هذه الطرائق في آن واحد. فمن خلال تحليل جميع البيانات المتعلقة بكيفية استخدام العملاء لآلاتهم وصيانتها وإصلاحها، يمكن للمصنعين تطوير منتجات ذات أداء أفضل، تدوم أطول، وتتطلب صيانة أقل. المنتجات المتفوقة تعزز المبيعات حتى في الأسواق الراكدة، ما يؤدي إلى جمع مزيد من البيانات مع مرور الوقت. وبهذا، قد يتمكن رواد السوق من تحفيز تأثيرات الشبكة في مبيعات الأجهزة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تطوير مجموعة من تطبيقات البرمجيات يمكن أن يحوِّل البيانات إلى رؤى، والرؤى إلى نتائج أفضل للعملاء. وباستخدام التحليلات التنبئية (predictive analytics)، يمكن للشركات الانتقال إلى خدمات قائمة على الحالة الفعلية للأجهزة، ما يقلل من أوقات التوقف غير المخطط لها. فعلى سبيل المثال، يمكن لشركة طيران أن تضمن دائمًا توفر جميع محركاتها للخدمة فقط وفق جدول محدد سلفًا، ما يعزز موثوقية الأسطول واستخدام الطائرات.
استفد من القيمة الجديدة: يمكن للمصنعين الاستفادة من القيمة التي يحدثها التحول الرقمي بطريقتين:
أولًا، يمكنهم اتباع نهج البرمجيات كخدمة (software-as-a-service) وبيع الاشتراكات والتراخيص لمنتجات البرمجيات التي يطورونها لتحليل بيانات أجهزتهم وتحسين أدائها. يمكنهم استهداف العملاء الحاليين وغيرهم، بل وحتى الشركات في قطاعات لا يعملون فيها، ما يوسع النظام البيئي الخاص بهم. فمجرد تحسين كفاءة محرك طائرة واحد بنسبة 1% عبر البرمجيات قد يؤدي إلى توفير سنوي قدره مليارا دولار، وهذا مجرد البداية؛ إذ يشكل ذلك دافعًا لإعادة تصميم النظام بأكمله لتحقيق مزيد من الكفاءة، كما أن تحليل البيانات المجمعة من أسطول شركة الطيران سيزيد من أرباح الشركة بشكل كبير.
ثانيًا، تستطيع الشركات الرقمية-الصناعية أن تقدِّم «النجاح كخدمة» من خلال ضمان تحقيق نتائج محددة للعملاء، مثل السلامة، والسرعة، وكفاءة استهلاك الوقود، وانعدام أخطاء المشغِّل، وعدم حدوث أعطال غير مجدولة. فبدلًا من بيع القاطرات، يمكنهم بيع السرعة؛ وبدلًا من بيع توربينات الطاقة، يمكنهم بيع الطاقة بحسب الساعة؛ وبدلًا من بيع محركات الطائرات، يمكنهم بيع أوقات الطيران. غير أن معظم المصنعين لا يعرفون كيف يحققون كل ذلك حتى الآن. وسوف يحتاجون إلى إعادة تدريب فرق المبيعات الحالية لديهم لبيع النتائج المعتمدة على البيانات والبرمجيات، وإنشاء فريق مبيعات للمنتجات الرقمية ليعرض مجموعة من الاشتراكات وطرائق أخرى لتحقيق العائدات من الصفقات. وبذلك، سيصبحون أشبه بشركات خدمات تكنولوجيا المعلومات مثل Salesforce.com وSAP وAdobe Creative Cloud وAmazon Web Services وSlack Technologies، والتي تجاوزت بيع البرمجيات لتقدم الخدمات والنجاح نفسيهما.
ومع ذلك، يجب التحذير؛ فاستراتيجية التحول الرقمي-الصناعي سوف تؤدي إلى تقويض المبيعات التقليدية بعدة طرائق. فالبيانات والرؤى تساعد في تحسين إنتاجية الآلات، ما سيؤثر سلبًا في مبيعات الأجهزة. كما يمكنها أن تزيد من موثوقية الآلات، الأمر الذي قد يقلل من إيرادات خدمات الصيانة المستقبلية، وقد تتيح اشتراكات البرمجيات والتراخيص للعملاء صيانة أجهزتهم بأنفسهم، وقد يقوم العملاء الحاليون بإنهاء أو إعادة التفاوض بشأن عقود الخدمة الخاصة بهم، وقد يقرر العملاء المحتملون، الذين ربما كانوا سيختارون العروض التقليدية، عدم الدخول في اتفاقيات خدمة مع المصنعين.
لهذه الأسباب جميعًا، من المؤكد أن الأعمال التقليدية ستقاوم التحول الرقمي. استخدمت شركة GE عدة أساليب للتنبؤ بهذه المقاومة ومواجهتها؛ فقد صُممت خطواتها الأولى لحماية إيرادات خدمات ما بعد البيع، التي كانت تقدرها كثيرًا. كما جمعت الشركة بيانات لإثبات أن الإنترنت الصناعي للأشياء (Industrial IoT) سيوسع السوق توسيعًا كبيرًا، وأظهرت GE أيضًا أن التحول الرقمي يمكن أن يطلق تأثيرات الشبكة في مبيعات الأجهزة. فعلى سبيل المثال، استخدم قطاع الطيران لديها تحليلات قائمة على البيانات في الوقت الحقيقي لتقليل تكاليف الصيانة لعملائها وزيادة توفر المحركات في آن واحد. وليس من المستغرب أنها استطاعت تعزيز موقعها في السوق نتيجة لذلك.
وأخيرًا، صممت GE عدة آليات هيكلية، سنناقشها لاحقًا، عالجت بها مخاوف وحدات الأعمال، في حين كان الرئيس التنفيذي يؤكد باستمرار أن تكلفة تقويض الذات أقل من تكلفة عدم التحرك، أي الفناء.
٢. يجب أن تكون العمليات الرقمية متميزة ولكن مترابطة: إن إيجاد الهيكل المناسب لتحول رقمي أمر معقد. فبالإضافة إلى إنشاء عملية رقمية مستقلة، كما أشرنا سابقًا، يجب على الرؤساء التنفيذيين إيجاد وسائل لربطها بالأعمال الصناعية، التي تفهم فهمًا أفضل كيفية عمل آلاتها. كانت GE Digital وحدة أعمال مستقلة، لكنها كانت متصلة بعمق بوحدات التصنيع في الشركة مثل GE Power وGE Healthcare. فلم تكن وحدات التصنيع تملك البيانات التي يحتاج إليها المركز الرقمي فحسب، بل كانت أيضًا تتمتع بقوة العلامة التجارية، وتملك قاعدة العملاء، وتدير عقود الخدمة. ولا يمكن لشركات التصنيع أن تنشئ قيمة إلا بدمج المعرفة الصناعية والأصول مع البرمجيات، غير أن ذلك هو التحدي الأكثر صعوبة.
الاحتكاك أمر لا مفر منه عندما تتصل الوظيفة الرقمية بالشركة الأم، خاصة مع نمو الحجم والنفوذ الرقمي. فمن ناحية، سيؤدي ذلك إلى تحويل الموارد بعيدًا عن الأعمال الأساسية، وهو ما سيُثير استياء الشركة الأم، لا سيما وأنها هي التي تولِّد رأس المال كله. ومن ناحية أخرى، قد يكون الجميع في شركات المعدات — من رؤساء الوحدات إلى مندوبي المبيعات الميدانيين — متشككين في البداية بشأن ما يمكن للبرمجيات أن تقدمه لشركة تعمل في مجال الأجهزة.
لا يمكن لوحدات التصنيع الاستفادة القصوى من المركز الرقمي إلا من خلال العمل الوثيق معه، لكن العمل يدًا بيد مع موظفي الرقمنة هو آخر ما يرغب فيه معظم المديرين الصناعيين. عاجلًا أو آجلًا، ستبدأ الأعمال المادية بالتساؤل عن كيفية تأثير الوحدة الرقمية في علاقاتها طويلة الأمد مع العملاء. من سيتحدث مع العميل: وحدة الأعمال أم الوظيفة الرقمية؟ من سيقرر الأسعار؟ من سيحصل على الفضل في البيع؟ من يملك العميل أصلًا؟
لذا، يجب على الرؤساء التنفيذيين إيجاد وسائل لجعل ربط الأعمال الرأسية مع الوظيفة الرقمية الأفقية مفيدًا للطرفين. فقد عينت GE مسؤولًا رقميًّا رئيسًا للأعمال (Chief Digital Officer of the Business – CDO-B) لكل وحدة. ويقدم CDO-B تقاريره للرئيس التنفيذي لوحدته وللمسؤول الرقمي الرئيس للشركة، ويعمل مع كليهما لتنفيذ التحول الرقمي للمنتجات ونماذج الأعمال.
يساعد CDO-B في بناء الدعم للوظيفة الرقمية داخل وحدات الأعمال، ويشركها في عملية التحول. ومع ذلك، يجب أن يكون جميع مسؤولي CDO-B متمركزين في المركز الرقمي، إلى جانب مطوري البرمجيات. وهذا يسهل التنسيق، إذ يجعل من الأسهل على مسؤولي CDO-B تقديم الملاحظات للمركز الرقمي حول التطبيقات البرمجية التي يقدرها العملاء، والمساعدة في طرح حلول البرمجيات في السوق، والقيام بدور الوسيط في التعامل مع النزاعات بين وحدات الأعمال والمركز الرقمي. وإذا كان مسؤول CDO-B من الجيل الرقمي، لكنه أيضًا أكثر توجهًا نحو الأعمال والمنتج من التوجه التقني البحت، فإنه يستطيع دفع عملية التحول إلى الأمام. وستضمن هذه القدرات أن يحقق CDO-B إيرادات إضافية من العملاء الحاليين للوحدة، في حين يجذب عملاء جددًا من خلال شرح وبيع الخدمات الرقمية لهم.
اكتشفنا أن عملاء الأعمال بين الشركات (B2B) يفضلون التعامل مع المديرين التنفيذيين الرقميين من النوع “CDO-Bs”. ويعود ذلك إلى أن هؤلاء المديرين يمتلكون فهمًا كافيًا لطبيعة أعمال العملاء ولأحدث التقنيات، ما يمكِّنهم من تحسين الإنتاجية وتحقيق النتائج المرجوة. وهذا بدوره يثير قبولًا متحفظًا من قبل الشركات الصناعية، ولا سيما الموظفين العاملين في الميدان. وبإدراكهم أن “عملاءهم” سيصبحون أكثر ولاءً ويميلون إلى توقيع عقود أكثر ربحية بفضل المديرين التنفيذيين الرقميين (CDO-Bs)، تبدأ الشركات بدعم التحول الرقمي. ومع ذلك، فإن تعيين مدير تنفيذي رقمي من هذا النوع ليس حلًّا سحريًّا؛ إذ يجب على كل شركة أن تبني آلياتها الخاصة لمساعدة الشركات الصناعية على تبني التحول الرقمي.
يدور في الوقت الراهن جدل واسع حول ما إذا كان قياس الأرباح والخسائر وسيلة ذكية لتحميل المركز الرقمي المسؤولية أم إن ذلك سيكون بمنزلة ناقوس الموت له. ومن طرائق إنجاح هذا النهج أن يُتَقاسَم الفضل داخليًّا عبر احتساب الإيرادات الرقمية مرتين، مرة لصالح الشركات، وهي الكيانات القانونية التي تُسجل فيها الإيرادات، ومرة أخرى للمركز الرقمي حيث يمكن عرضها بشكل افتراضي. وبما أن كلا الطرفين يستفيد إذا ارتفعت الإيرادات، فلن تنشأ خلافات حول من منهم أبرم الصفقة.
ومن المثير للاهتمام أن شركة GE حددت أهدافًا ربع سنوية للإيرادات فقط (Top-line targets) لقسم GE Digital، ولم تضع أهدافًا للأرباح، معتقدة أن الأهداف الربحية قد تعيق المجازفة وتحد من الاستثمارات في تطوير المنتجات الرقمية. فعلى سبيل المثال، ارتفعت إيرادات GE Digital المعتمدة على منصة Predix إلى 1.2 مليار دولار في عام 2018م، بزيادة قدرها 49% عن العام السابق. وجاء نحو 60% من هذه الإيرادات من عملاء GE مثل BP، وBNSF Railway، وEmirates Airline، وE.ON، وExcelon، وMaersk Drilling، وPSEG، وRio Tinto، وRosneft، وSABIC، وVale؛ في حين جاءت 40% من عملاء خارج GE استخدموا منصة Predix، مثل Gerdau، وSchindler Elevator، وSIG، وSubaru، وP&G.
٣. يجب ألا يخشى الرؤساء التنفيذيون القيادة: إن قيادة التحول الرقمي تتعلق بالاستعداد لتحدي الوضع القائم والجهل والرتابة، ويتطلب ذلك شجاعة. ونظرًا لأن التحول الرقمي يغير كل شيء، فعلى الرؤساء التنفيذيين أن يتبنوا هذه القضية بأنفسهم. ويجب أن يكونوا ملتزمين بتعلم مزيد عن الرقمية ليتمكنوا من القيادة بفعالية؛ فهذا أمر بالغ الأهمية لضمان ألا يصبحوا مترددين أو مشلولي الحركة.
فالرؤساء التنفيذيون وحدهم يملكون السلطة لحل النزاعات بين الشركات الصناعية التقليدية والأعمال الرقمية الجديدة. (وسوف تنشأ النزاعات، ليس لأن الناس سيئون، بل لأنهم يهتمون بالعمل الذي يقومون به.) ولهذا السبب كان رئيس GE Digital يرفع تقاريره مباشرة إلى الرئيس التنفيذي، تمامًا كما يفعل رؤساء القطاعات الصناعية في GE.
وحين يكون المستقبل غامضًا إلى هذا الحد، ستظهر مقاومة داخلية وخارجية لتبرير الاستثمارات في مبادرات إيجاد القيمة. لكن القادة يدركون أنه يجب أن يصنعوا المستقبل من خلال استثماراتهم في الابتكار، والعولمة، وزيادة الإنتاجية الصناعية، وتطوير المواهب، مع التركيز في الوقت نفسه على التميز التشغيلي لتحسين الإيرادات والأرباح. وعليهم أن يوازنوا بين مدة بقائهم في مناصبهم كرؤساء تنفيذيين ومدة بقاء الشركات التي يقودونها، لا سيما وأن عوائد الاستثمارات طويلة الأجل لن تظهر إلا بعد رحيل الرئيس التنفيذي بفترة طويلة.
إن قيادة التغيير أمر صعب عندما لا يكون واضحًا سبب الحاجة إليه أو إلى أين ستنتهي المنظمة. كبداية، يجب على الرؤساء التنفيذيين الاستجابة بسرعة للإشارات الضعيفة، لكن مع مرور الوقت ينبغي لهم تطوير رؤية شاملة للتحول الرقمي. وبعد تشكيل منصة ملحة من خلال تصوير الرقمية كتهديد وجودي، يجب عليهم أن يظهروا كيف يمكن أن تكون الرقمية فرصة هائلة. ويجب أن يكونوا حازمين بشأن التوجه الاستراتيجي ويبقوا ملتزمين بوجهة نظرهم عن المستقبل، لكن ينبغي أيضًا أن يكونوا مستعدين للتجربة والتعلم وتعديل المسار.
وقبل كل شيء، يجب ألا يفقد الرؤساء التنفيذيون شجاعتهم؛ فالتحول الرقمي هو استراتيجية طويلة الأمد، ومن دون دعم مستمر، يصعب تنفيذها؛ فدورات الأعمال تأتي وتذهب، لكن المستقبل يبقى دائمًا أمامنا. ولا ينبغي للرؤساء التنفيذيين أبدًا أن يعتذروا عن الاستثمار فيه؛ فإذا لم تواصل الشركات الصناعية الاستثمار في التحولات الرقمية، فإنها ستنشئ أسواقًا سيستولي عليها المنافسون الصناعيون أو الشركات الرقمية الأصلية من دون ضجيج يُذكر. لذا، من الضروري أن تتحول هذه الشركات اليوم.
المراجع
1. The insights and data in this article come from the authors’ direct experience working with GE for many years.
2. “Digital Transformation of Industries: Digital Enterprise,” white paper, World Economic Forum and Accenture, New York, January 2016; and W. Ruh, keynote presentation (Minds + Machines 2016 conference, San Francisco, Nov. 15-16, 2016). The $6.8 trillion figure is based on the World Economic Forum white paper, but was extrapolated to represent the amount that only applied to GE’s then-businesses.
3. V. Govindarajan, The Three-Box Solution: A Strategy for Leading Innovation (Boston: Harvard Business Review Press, 2016).
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




