ترجمة: سمية القحطاني
(لا يكفي توفير الأمان النفسي وحده في بيئة العمل ما لم يسعَ القادة لتهيئة مناخ يسمح بالنقاش الصحي والبنّاء، فالابتكار يزدهر حين يتمكّن أعضاء الفريق من تبادل الآراء بصدق، ومناقشة الخلافات بصراحة وعلنية).
يكمن التحدي في تحفيز الأفراد على التعبير عن آرائهم، خاصةً عندما يتطلب ذلك تحدّي القادة أو الخبراء أصحاب النفوذ، ويعتقد بعض خبراء الإدارة أن أفضل طريقة لتحقيق ذلك هي خلق “أمان نفسي”، وهو مفهوم تشرحه الأستاذة إيمي إيدموندسون في جامعة هارفارد، بأنه “البيئة التي يشعر فيها الأفراد بالأمان لمشاركة مخاوفهم وأخطائهم، دون خوف من التعرّض للإحراج أو العقاب”.
ومع ذلك، تشير الأبحاث إلى أن الشعور بالأمان وحده لا يكفي لضمان نقاش صحي داخل الفريق؛ ففي دراساتنا التي تناولت سلوك الفرق المبتكرة، اكتشفنا وجود توتر خفي بين الأمان النفسي والنزاهة الفكرية، وهي تعني القدرة على التعبير عن الأفكار والاختلافات بطريقة عقلانية وبنّاءة، تشبه أسلوب شخصية “السيد سبوك” من مسلسل “ستار تريك”، لكن مع الوعي بالمشاعر البشرية والانحيازات الشخصية.
إن تعزيز النزاهة الفكرية في الفريق يرفع من قدرته على الابتكار، خصوصًا الابتكار النوعي والتحويلي، لأنه يتيح الاستفادة من المعرفة المتوفرة لدى جميع الأعضاء. ومع ذلك، نجد أن كثيرًا من الفرق تركز فقط على الأمان النفسي، ما يؤدي أحيانًا إلى خلق حالة من “الانسجام الاجتماعي”، الذي رغم فائدته في تسهيل التعلم، قد يضعف من النزاهة الفكرية ويحدّ من صراحة النقاشات.
ومن ناحية أخرى، فإن الإفراط في الصراحة دون مراعاة مشاعر الآخرين كما كان يفعل ستيف جوبز أحيانًا عندما يواجه الموظفين بقسوة ويصف آراءهم بالتفاهة قد يُضعف الشعور بالقبول والاحترام، وهما عنصران أساسيان لبناء الأمان النفسي الذي يسمح بتحدّي الآراء دون خوف.
لذلك، فإن القادة الناجحين هم من يستطيعون تحقيق التوازن بين الأمان النفسي والنزاهة الفكرية، ليجنوا ثمار الاثنين معًا.
خذ على سبيل المثال النقاش الذي دار في أمازون في منتصف العقد الأول من الألفية، عندما طُرحت فكرة تطوير جهاز “كيندل”. في ذلك الوقت، عارض جيف ويلك -الذي كان يشغل منصب الرئيس التنفيذي لقسم التجزئة- الفكرة بشدة، حتى إنه تحدّى جيف بيزوس خلال اجتماع مجلس الإدارة. كان يرى أن أمازون تفتقر إلى الخبرة في تصنيع الأجهزة، وأن المشروع قد يفشل ويخيب آمال العملاء.
لكن تعليقاته أثارت نقاشًا أعمق، حيث أقر بيزوس بصحة النقاط التي أثارها ويلك، لكنه دافع عن المشروع معتبرًا أن أمازون بحاجة لاكتساب مهارات جديدة تُعزز قدرتها على الابتكار في المستقبل.
يقول ويلك لاحقًا: “كنت محقًّا في كل ما قلته، ومع ذلك كان بيزوس محقًّا أيضًا في قراره بالمضي قدمًا. لقد اكتسبنا مهارات قيّمة مكّنتنا لاحقًا من تطوير ابتكارات تخدم عملاءنا”.
ويوضح ويلك أن شجاعته في التعبير عن رأيه جاءت من أحد المبادئ الأساسية في ثقافة أمازون، وهو أن على القادة أن “يتحلّوا بالشجاعة”، وأن “يعبروا عن اعتراضهم حتى في أصعب اللحظات”، ولكن في الوقت نفسه، عليهم دعم القرار النهائي الذي يتخذه الفريق، دون خوف من أي عواقب سلبية.
أظهرت دراساتنا أن الفرق التي تنجح في تعزيز كل من الأمان النفسي والنزاهة الفكرية مثل الفريق التنفيذي في أمازون، تكون أكثر قدرة على الابتكار مقارنة بتلك التي تُركّز على جانب واحد فقط وتُهمل الآخر. ومن خلال البحث، تمكّنا من تحديد مجموعة من العوامل التي تساعد القادة على بناء ثقافة عالية الأداء تُشجّع على التعلم وتُحفّز الابتكار.
حددنا أربعة أنماط رئيسة لثقافة الفرق، تختلف بحسب مدى تركيزها على الأمان النفسي والنزاهة الفكرية، وتؤثر هذه الثقافات على قدرة الفرق على التعلم والابتكار بدرجات متفاوتة، منها ما يعزز الأداء، ومنها ما يُعيقه.
أنماط ثقافة الابتكار الأربعة
يمكن تصنيف الفرق وفقًا لقدرتها على تحقيق التوازن بين الأمان النفسي والنزاهة الفكرية إلى أربعة أنماط مميزة، كل نمط من هذه الأنماط يُؤثر بشكل مباشر في قدرة الفريق على الابتكار، بل ويُحدد نوعية الابتكارات التي يمكن تحقيقها.
وقد تسود ثقافة معينة على مستوى الشركة ككل، إلا أن الفرق داخل المؤسسة نفسها قد تتبنى ثقافات مختلفة، وذلك اعتمادًا على أسلوب القيادة والإدارة في كل فريق.
لذلك، فإن تقييم ثقافة الفريق يُعد خطوة حاسمة للقادة تساعدهم على معرفة نقاط القوة والضعف، وتحديد كيفية تعزيز أداء الفريق وتحسين بيئة العمل.
ثقافة “الفريق المضطرب”
هذا النمط يُمثّل الفرق التي تُسجّل درجات منخفضة في كل من الأمان النفسي والنزاهة الفكرية، وغالبًا ما تكون هذه الفرق غير فاعلة في التعلم أو الابتكار.
فأعضاء الفريق يتفادون قول الحقيقة أو مشاركة آرائهم، لأنهم ولأسباب مبرّرة يخشون التعرض للنقد أو العقوبة إذا عبّروا عن اعتراضهم أو وجهة نظر مخالفة.
غالبًا ما نجد هذا النوع من الثقافات في حالتين:
- مؤسسات تفتقر إلى الذكاء العاطفي:
حيث يُعاني الأفراد والقادة من صعوبة في إدارة مشاعرهم، ويُظهرون سلوكًا غير متزن أو يفتقر إلى التعاطف، ما يجعل بيئة العمل مشحونة ومتوترة. - مؤسسات تواجه تهديدًا وجوديًّا:
ورغم وضوح الأزمة، لا يملك أحد -حتى القادة- الجرأة للاعتراف بها أو مناقشتها بصراحة.
في هذه البيئات، يطالب القادة غالبًا بأداء غير واقعي، في الوقت الذي لا يشعر فيه الموظفون بالأمان الكافي للتحدث عن المخاطر أو التحديات الحقيقية.
ويُعد انخفاض مستوى الذكاء العاطفي خطرًا خاصة عندما يكون القادة متوترين أو واثقين، ما يجعلهم غير قادرين على قبول النقد أو الاعتراف بأخطائهم.
وقد وصف أحد التنفيذيين في شركة ناشئة تعمل في مجال التقنية الحيوية هذا النوع من الثقافات بقوله:
“كان الرئيس التنفيذي يُعارض أعضاء الفريق علنًا، ويُهاجمهم بشكل شخصي لتقليل مصداقيتهم. وطبيعي أن هذا النوع من السلوك يُطفئ تمامًا أي رغبة في المشاركة أو التعبير عن الرأي بصراحة.”
يُرجع عدد من التنفيذيين والمديرين الذين عملوا في شركة نوكيا خلال أواخر العقد الأول من الألفيات تراجع الشركة وفقدانها لمكانتها الريادية في سوق الهواتف المحمولة إلى ثقافة الخوف والترهيب التي كانت سائدة في ذلك الوقت.
فقد كان كبار القادة يمارسون ضغوطًا شديدة على المديرين لتحقيق نتائج فورية، دون أن يسمحوا لهم بالتعبير عن التهديدات التي كانت تلوح في الأفق من المنافسين، وإن كل من تجرأ على إبداء رأي مخالف كان يُواجه بالعقاب.
ونتيجة لهذا الجو القمعي، خاف الموظفون من نقل الأخبار السيئة، مثل فشل استراتيجية الشركة في قطاع الهواتف المحمولة.
وبالتالي، لم تتمكن نوكيا من التكيف مع التحوّل السريع نحو الهواتف الذكية، فخسرت تفوقها لصالح شركات أخرى اعتمدت تقنيات أكثر تطورًا.
ثقافة “الفريق القَلِق”
تمثّل هذه الثقافة الفرق التي تُسجّل مستوى عاليًا من النزاهة الفكرية، لكنها في المقابل تُعاني من ضعف أو انخفاض نسبي في الأمان النفسي.
في هذا النوع من الفرق، يُشجَّع الأعضاء على الصراحة التامة، حتى وإن كانت قاسية، لأن الأولوية تكون لـ”الصواب”، لا لمراعاة المشاعر أو بناء علاقات متناغمة.
بمعنى آخر: أن تكون محقًّا أهم من أن تكون لطيفًا.
نعود هنا إلى ستيف جوبز كمثال واضح على هذا النمط:
كان جوبز معروفًا بأسلوبه الحاد، إذ لم يتردد في وصف الموظفين الضعفاء بـ”المهرجين”، وكان يقول: “أصحاب الأداء الممتاز فقط هم من يصمدون.”
كما لم يكن يهتم كثيرًا ببناء الانسجام داخل الفريق أو تعزيز العلاقات الاجتماعية.
وقد ذكر جوني آيف، كبير مسؤولي التصميم السابق في آبل، أن جوبز تحدث معه بحدة لأنه حاول أن يكون محبوبًا من قِبل فريقه، حتى وإن كان ذلك على حساب قول الحقيقة بشأن جودة عملهم.
هذا النوع من الثقافة يؤدي غالبًا إلى نوعين من الصراعات:
- الصراع المهني:
وهو خلاف صحي يدور حول كيفية تنفيذ العمل أو جودة الأفكار المطروحة.
هذا النوع من الخلاف غالبًا ما يكون مفيدًا؛ إذ يعزز التفكير النقدي، ويحفّز الابتكار، ويُسهم في رفع أداء الفريق. - الصراع الشخصي:
ويحدث عندما يشعر أحد الأفراد بالإهانة أو التهميش بسبب أسلوب زميله في التعبير أو سلوكه الشخصي.
هذا النوع من الخلاف يُعد سامًّا؛ لأنه يُضعف الثقة بين أعضاء الفريق، ويقلل من رغبتهم في التعاون والابتكار.
في الفرق التي تسود فيها هذه الثقافة، نجد أن الأعضاء مستعدون لتحدي بعضهم فكريًّا، ويُحفزون بعضهم على التعلم من خلال النقاش والخلاف.
لكن، في ظل غياب الأمان النفسي، فإنّ هذا الانفتاح الفكري يأتي على حساب السلامة العاطفية.
ففي مقابلاتنا مع موظفين من هذه الفرق، قال كثير منهم إنهم لا يشعرون بالأمان أو بالاحترام.
كما عبّر بعضهم عن شعور دائم بأنهم في حالة تنافس مستمر مع زملائهم، وأن قيمتهم في الفريق تعتمد على آرائهم الحالية أو مدى تأثير أفكارهم لا على مجمل مساهماتهم أو كفاءتهم على المدى الطويل.
نظرًا لما تسببه هذه البيئات من توتر وضغط نفسي، فإن الفرق التي تنتمي إلى ثقافة القلق تسجّل معدلات دوران وظيفي أعلى مقارنةً بالفرق التي تتمتع بثقافة يسودها الأمان النفسي.
فعلى سبيل المثال، كان راي داليو مؤسس صندوق الاستثمار Bridgewater Associates يحرص على تطبيق مبدأ الصدق الجذري والشفافية المطلقة، وقد أشار في أحد التقارير إلى أن 25% من الموظفين الجدد يغادرون الشركة خلال أول 18 شهرًا.
وبحسب أحد التحليلات، فإن شركة تسلا -التي تشتهر أيضًا بثقافتها الصريحة والناقدة- تفقد سنويًّا 27% من أعضاء فريقها التنفيذي، من بينهم 44% من القادة الذين يرفعون تقاريرهم مباشرة إلى الرئيس التنفيذي إيلون ماسك.
صحيح أن معدل الدوران المرتفع قد يضخ دماء جديدة ويجلب أفكارًا متنوعة، إلا أنه في المقابل يُضعف قدرة الفريق على الاحتفاظ بالدروس المستفادة من التجارب السابقة، ما يؤثر سلبًا على استمرارية الأداء وتطوره على المدى البعيد.
ثقافة الفريق المريحة
ثقافة الراحة تُعد النقيض لثقافة القلق؛ إذ تسجّل هذه الفرق درجات عالية في الأمان النفسي، ولكنها منخفضة أو متوسطة في النزاهة الفكرية.
وغالبًا ما يتميّز أعضاء هذه الفرق بصفات مثل الميل للتوافق، والرغبة في القبول الاجتماعي، في حين يسجّلون درجات أقل في الحزم وروح المبادرة، كما أنهم غالبًا ما يتمتعون بذكاء عاطفي عالٍ ويُعطون أهمية كبيرة للعلاقات الإنسانية.
يشعر أعضاء الفرق “المريحة” بأنهم مقبولون ومحترمون، بل ويشعرون بالأمان الكافي للتعبير عن آرائهم لكنهم يختارون ألا يفعلوا ذلك.
وقد يُقنعون أنفسهم بأن الإيجابية وتجنب المواجهة أفضل لمعنويات الفريق وإنتاجيته على المدى الطويل، وربما يكون السبب أنهم لا يشعرون بارتباط عميق برسالة الفريق أو أهداف المنظمة، وبالتالي لا يرون داعيًا لإحداث ضجة.
كما أنه من المحتمل أن ثقتهم في تفاعل القادة مع آرائهم ومخاوفهم محدودة، ما يدفعهم إلى الامتناع عن المشاركة من الأساس.
عندما قرر جوني آيف ألّا يضغط على فريقه في آبل، فالأرجح أنه لم يكن يخشى الإحراج أو العقوبة، بل فضّل الحفاظ على جو إيجابي بدلًا من تقديم ملاحظات نقدية كان من الممكن أن تُسهم في تحسين جودة العمل.
ومع ذلك، كان آيف يدرك أن الصراع المهني يمكن أن يكون مفيدًا، ولكن المشكلة تظهر عندما لا يستطيع الفريق التمييز بين الصراع المهني والصراع الشخصي، فحينها يتجنب أعضاؤه إثارة المواضيع الحساسة التي قد تؤدي مع مرور الوقت إلى تراجع الأداء.
إن الفرق التي تسود فيها ثقافة الراحة لا تتوقع ولا تطلب مستوى عاليًا من الصراحة، كما أنها لا تتحدى الوضع القائم بقوة.
ومن ناحية إيجابية، فإن هذه الفرق غالبًا ما تحقق أداءً مستقرًّا ومنتظمًا، وتتميز بقدرتها على الابتكار التدريجي.
كما أن أعضاءها يتعاونون في جو من الاحترام المتبادل، ما يؤدي إلى انخفاض معدل الاستقالات ويساعد الفريق على الاحتفاظ بالمعرفة وتجنب خسارة الكفاءات عند مغادرة أصحاب الخبرة.
لكن في المقابل، نادرًا ما يدفع أعضاء هذه الفرق بعضهم بعضًا نحو التطور أو التحسين، ولذلك فإنها نادرًا ما تقدم ابتكارات جريئة أو رائدة.
عندما يشعر الأفراد بعدم الخوف من تلقي النقد، قد يتساهلون في جودة ما يقدمونه؛ إذ قد يطرح بعضهم أفكارًا سطحية أو ضعيفة، وهم على يقين بأنها لن تؤثر سلبًا على مكانتهم داخل الفريق.
وقد عبّر أحد المديرين في شركة تقدم خدمات مهنية عن ذلك بقوله:
“أشعر أنني في أمان عندما أطرح رأيًا مخالفًا، لكنني لا أكون حازمًا في تحدي أفكار الزملاء إلا إذا أثّرت بشكل مباشر على عملي.”
وأضاف: “الاختلاف النشط ببساطة ليس جزءًا من ثقافتنا.”
وفي السياق ذاته، تشير إحدى الدراسات إلى أن الأشخاص العاملين في بيئات تتمتع بدرجة عالية من الأمان النفسي، قد يكونون أقل دافعية، ولا يعملون بمستوى الجهد نفسه الذي يبذله أولئك الذين يتوقعون أن يتم تقييم أدائهم بشكل دقيق ونقدي.
حتى إيمي إيدموندسون التي كشفت العلاقة بين الأمان النفسي والابتكار اعترفت بأن بعض البيئات التي يسود فيها الأمان النفسي، “يصبح فيها الناس مرتاحين جدًّا مع بعضهم لدرجة أنهم قد يقضون وقتًا أكثر في أحاديث جانبية وعفوية، على حساب إنجاز العمل.”
ثقافة الفريق المُبتكر
إن الفِرق الأكثر قدرة على الابتكار على المدى الطويل هي تلك التي تنجح في تحقيق توازن فاعل بين الأمان النفسي والنزاهة الفكرية.
أعضاء هذه الفرق يشبهون أنفسهم أحيانًا بالمعلم الملهم الذي كان يدفعهم لبذل أفضل ما لديهم في المدرسة؛ فهم يشعرون بالارتياح الكافي للتعبير عن آرائهم المختلفة، وفي الوقت ذاته، لا يترددون في تحفيز بعضهم بعضًا على التميز في سبيل تحقيق أهداف مشتركة.
ومثل الفرق التي تسود فيها ثقافة القلق، فإن الفرق المبتكرة تناقش الأفكار بصراحة وتتخذ قرارات حاسمة، ولكنها تتميز عنها بأنها تُدير هذه النقاشات ضمن أجواء يسودها الاحترام المتبادل والتقدير، وليس التنافس أو القسوة.
وعلى عكس ما نراه في الفرق المتأزمة، فإن أعضاء الفرق المبتكرة قادرون على تنحية الأنا جانبًا، وتغيير آرائهم عندما تُعرض عليهم أدلة مقنعة تدعم وجهة نظر مختلفة.
تولّى مارتن فان دن برينك، بصفته المدير التنفيذي للتقنية في شركة ASML، قيادة مشروع ضخم استمر لأكثر من عشر سنوات، استثمرت فيه الشركة مليارات الدولارات لتطوير تقنية الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV)، وهي تقنية متقدمة تُستخدم في تصنيع رقائق الأجهزة الإلكترونية المستقبلية.
وفي ظل ثقافة أداء عالية سادت خلال هذا المشروع، لم يُنظر إلى الخطأ بوصفه فشلًا، بل كان يُعد جزءًا طبيعيًّا من مسار الابتكار.
قال برينك:
إن الأشخاص الذين لا يستطيعون تقبّل الحقيقة، لا يمكنهم الاعتراف بأخطائهم، لذلك يسيرون معصوبي الأعين نحو الهاوية.
وأضاف:
“هذا النهج أكثر خطورة وأقل إثارة للاهتمام من أن تنظر إلى الحافة بعين مفتوحة، وتبحث عن طرق مختلفة للاقتراب منها، وتتخذ من تلك الطرق تحديًا ينبغي مواجهته…
لذلك أنا لا أدّعي أنني على حق، بل أقول ببساطة:
“هذا ما أظنه، أخبروني أين يكمن الخلل في تفكيري”.
قد تتبنى بعض الفرق ثقافة محايدة، تسجّل فيها درجات متوسطة من الأمان النفسي، وأخرى مماثلة من النزاهة الفكرية، وبالتالي، فإن هذه الفرق لا تواجه المخاطر المعروفة في الثقافات الأخرى مثل: المتأزمة، أو القلقة، أو المريحة، لكنها في الوقت نفسه لا تستفيد من المزايا التي تقدمها ثقافات مثل: المبتكرة، أو القلقة، أو المريحة.
أعضاء الفرق التي تنتمي إلى الثقافة المحايدة لا يُظهرون قدرات ملحوظة في التعلّم أو الابتكار، كما أنهم يفتقرون إلى تماسك اجتماعي قوي داخل الفريق.
وبناءً على ذلك، فإن هذه الثقافة لا تترك أثرًا كبيرًا، لا إيجابيًّا ولا سلبيًّا، على مستوى رضا الأفراد عن حياتهم المهنية أو على أدائهم الابتكاري.
تقييم ثقافة الابتكار في الفريق
يمكن للقادة استخدام هذا الاستبيان لتقييم مستوى الأمان النفسي والنزاهة الفكرية داخل فرقهم، بهدف:
- التعرف إلى نوع الثقافة السائدة داخل الفريق.
- فهم مدى قدرة الفريق على التعلّم والابتكار.
مبادئ النزاهة الفكرية الفاعلة
في الفرق المبتكرة، يشعر الأعضاء بأنهم محترمون ومدعومون، ويتعلمون بسلاسة من خلال:
- طرح الأسئلة.
- تحدّي بعضهم بعضًا فكريًّا.
- الاعتراف بما لا يعرفونه.
- عدم التردد في الاعتراف بالأخطاء.
وتحلّ الاستفسارات العقلانية محل الدفاع عن المواقف، حيث يسعى الفريق إلى الوصول إلى الحقيقة بطريقة حيادية ومنطقية، بعيدًا عن التنافس على النفوذ أو إثبات الذات.
وللوصول إلى هذا المستوى من الأداء، يجب على القادة أن يعملوا على خلق بيئة آمنة، وفي الوقت ذاته التشجيع والمطالبة بالتزام أعضاء الفريق بمجموعة من القواعد الأساسية عند التفاعل فيما بينهم.
قواعد لتسريع النزاهة الفكرية
يمكن للقادة تطبيق هذه القواعد من أجل ترسيخ أو تعزيز ثقافة فريق توازن بين النقاش الصريح واحترام الأفراد.
وتشكل هذه القواعد الأساس لبناء نزاهة فكرية فاعلة، وتُسهم أيضًا في توفير عناصر من الأمان النفسي، خصوصًا في الفرق التي لا تزال تفتقر إلى أحدهما أو كليهما.
كما أنها مفيدة عند دمج فرق جديدة أو أعضاء جدد ضمن بيئة قائمة، خاصة عندما لم يُبنَ بعد مستوى كافٍ من الأمان النفسي، ولكن يوجد تقدير للنقاش المفتوح والصريح.
1. التركيز على هدف مشترك
يميل الأفراد إلى الصراحة عندما يشعرون بأنهم يسعون نحو هدف مشترك، ويُدركون أنهم بحاجة لبعضهم من أجل تحقيقه،
فهذا الشعور بالانتماء لهدف واحد يعزّز الثقة، ويُقلل من الخوف من الانتقاد، ويفتح المجال للنقاش البنّاء والمصارحة الصادقة.
2. توقّع الاختلاف واشتراط الاحترام
يجب تشجيع النقاش والاختلاف في الرأي حول العمل؛ لأن ذلك يدعم عملية التعلّم، ويقود إلى حلول أفضل وأكثر نضجًا،
وعلى القادة أن يضربوا مثالًا في الاختلاف البناء؛ أي التعبير عن الرأي المخالف من دون عدائية أو مشاعر سلبية قد تُؤثر على علاقات الفريق.
لقد حددنا أربعة مبادئ أساسية تُعد من أهم ركائز بناء ثقافة فريق مبتكرة وذات أداء عالٍ:
- المبدأ الأول والثاني يتعلقان بالسمات الشخصية لكل من القادة وأعضاء الفريق.
- أما المبدأ الثالث والرابع، فمرتبطان بكيفية تعزيز القادة للنزاهة الفكرية، مع الحفاظ على توازنها مع الأمان النفسي داخل الفريق.
المبدأ الأول: تعزيز الذكاء العاطفي
يُعد الذكاء العاطفي بمنزلة “الغراء” الذي يربط بين الأمان النفسي والنزاهة الفكرية داخل الفريق؛ فلضمان بيئة يشعر فيها أعضاء الفريق بالراحة في التعبير عن آرائهم ويشعرون بالتقدير على مشاركتهم، يجب أن يتحلى القادة بقدر عالٍ من الذكاء العاطفي.
ويتكوّن الذكاء العاطفي من أربعة عناصر رئيسة:
- الوعي الذاتي: إدراك الشخص لمشاعره وردود أفعاله.
- إدارة الذات: القدرة على تنظيم المشاعر والتحكم بها.
- الوعي الاجتماعي: التعاطف مع الآخرين وفهم وجهات نظرهم.
- إدارة العلاقات: القدرة على بناء علاقات قائمة على الثقة والتفاهم، وإيجاد أرضية مشتركة عند الاختلاف.
وعلى الرغم من أهمية التمتع بجميع هذه المهارات، فإن الوعي الاجتماعي وإدارة العلاقات يظلان الأكثر تأثيرًا عندما يتعلق الأمر بتشجيع النقاش الصريح دون الإضرار بالأمان النفسي.
فالقادة الذين يجيدون الاستماع بتعاطف، وتفهّم وجهات النظر المختلفة، والتهدئة عند وقوع خلافات من خلال التركيز على الأهداف المشتركة، هم الأقدر على تعزيز النزاهة الفكرية في بيئة يسودها الشعور بالأمان.
كما أن هؤلاء القادة يتمتعون بقدرة على التأمل الذاتي، ويُظهرون تواضعًا حقيقيًّا تجاه ما يعرفونه وما لا يعرفونه، ويستخدمون روح الدعابة لتخفيف التوتر، ويُظهرون التقدير والاحترام تجاه الآخرين.
وقد أدرك دومينيك أور، الرئيس التنفيذي السابق لشركة Aruba Networks، أهمية الذكاء العاطفي لدى قادة الفرق، حتى إنه استعان بأخصائيين نفسيين لمساعدة فريقه التنفيذي على فهم نقاط القوة والضعف لديهم، وبناء الثقة التي تمكّنهم من التحاور بصراحة وشفافية.
كان هدف أور هو تمكين القادة من أن يكونوا مرتاحين مع أنفسهم، ومرتاحين مع زملائهم، وواثقين في آرائهم بما يكفي ليتمكنوا من التصرف بصدق ووضوح.
وبحسب أور، فإن هذه الطريقة هي الوحيدة التي تُمكّن الفريق من الوصول إلى أفضل القرارات الممكنة.
المبدأ الثاني: توظيف وتطوير الموظفين أصحاب المبادرة
تمامًا كما لا يمكن بناء الأمان النفسي داخل الفريق دون وجود ذكاء عاطفي، فإنه لا يمكن ترسيخ النزاهة الفكرية إلا إذا كان أعضاء الفريق يتمتعون بروح المبادرة؛ أي القدرة على اتخاذ خطوات فاعلة، والسعي المستمر لإحداث تغيير إيجابي وهادف.
وقد أثبتت الأبحاث أن روح المبادرة الشخصية تُعد أهم سمة يمكن الاعتماد عليها للتنبؤ بما إذا كان أحد الأفراد سيبادر إلى طرح أفكاره أو التساؤلات، بل إنها في هذا السياق تفوق الأمان النفسي بمرتين من حيث التأثير.
عندما أسس شارل غورنتان شركة Alan الفرنسية في عام 2016م، لتقديم حلول رقمية مبتكرة في مجال التأمين الصحي والرعاية، حرص على ضم قيادات تنفيذية تتحلّى بروح المبادرة، وكانوا مستعدين لتحدي أفكار بعضهم بعضًا.
ونتيجة لذلك، نشأت داخل الشركة ثقافة تدعم اتخاذ القرارات بسرعة استنادًا إلى أفضل المعلومات المتوفرة حتى وإن كانت لا تمثل إلا 70% من الصورة الكاملة مع الاستعداد الدائم لتعديل المسار عند ظهور معطيات جديدة.
وقد لخّص غورنتان هذه الفلسفة بقوله:
“غالبًا ما يكون من الأفضل اتخاذ قرار خاطئ، والتصرف بناء عليه، ثم التعلّم وتصحيح الخطأ، بدلًا من الانتظار الطويل لاتخاذ القرار من الأساس.”
المبدأ الثالث: تعزيز ثقافة الحوار والتشجيع على الصراحة.
أحد أكبر التحديات التي تعيق الصراحة والصدق في بيئات العمل هو أنها تُعد محفوفة بالمخاطر على المستوى الشخصي.
فقد أظهرت دراسات أن الموظفين الذين يُبادرون بطرح مشكلات أو انتقادات تتعلق بسياسات أو إجراءات المنظمة، يتلقّون أحيانًا تقييمات أداء سلبية.
لذلك، يحتاج أعضاء الفريق إلى ثقة راسخة بأن صراحتهم لن تؤدي إلى أي عقاب أو عواقب سلبية، وأن التعبير عن الرأي أو طرح الملاحظات الصادقة أمر مرحّب به وليس خطرًا.
يمكن للمؤسسات معالجة هذا التحدي من خلال وضع مبادئ إدارية واضحة، أو اعتماد آليات تنظيمية تُعطي الصراحة شرعيةً، وتشجّع على ممارستها باستمرار.
ففي أمازون، كان المدير التنفيذي جيف ويلك -الذي عارض في البداية فكرة تطوير جهاز “كيندل”- يعمل في بيئة تُشجّع على الصراع المهني البنّاء.
وتشير الأبحاث إلى أن وجود هذا النوع من الصراع داخل الفرق يؤدي إلى:
- تطوير استراتيجيات أكثر ريادية.
- إنتاج مزيد من الابتكارات.
- تحقيق مستويات أداء أعلى.
المبدأ الرابع: إخضاع الأنا للأهداف المشتركة
يُظهر الأفراد استعدادًا أكبر للتعبير عن آرائهم عندما يعملون لتحقيق أهداف يؤمنون بها شخصيًّا ويشعرون بالالتزام تجاهها.
وعند الحديث عن ترسيخ النزاهة الفكرية، فإن شعور الأعضاء بالمسؤولية والانتماء إلى مهمة الفريق أو المنظمة يُعد أهم من مجرد توفر الأمان النفسي وحده.
وقد عبّر عن هذا المفهوم ستيرلينغ أندرسون، المدير التنفيذي السابق في تسلا ومؤسس شركة Aurora Innovation –وهي شركة ناشئة بقيمة 3 مليارات دولار تعمل في مجال تكنولوجيا القيادة الذاتية- بقوله:
“ألاحظ أن الصراحة تظهر عندما يكون الأشخاص ملتزمين بالمهمة، ويشعرون بأنهم يعتمدون على زملائهم لتحقيقها.”
وكان يوجّه رسالة دائمة لأعضاء فريقه:
“ضع أناك في هذا الصندوق بجانب الباب.”
ويُذكّرهم دومًا بأنه إذا اعترض أحدهم على فكرة، فعليه أن يُقدّم دليلًا موضوعيًّا يدعم وجهة نظره، وفي الوقت نفسه، يُظهر احترامه وثقته بزملائه.
إن القدرة على الاعتراض مع الحفاظ على الاحترام هي مفتاح تحقيق التوازن بين الأمان النفسي والنزاهة الفكرية.
غالبًا ما يقع القادة في فخ التفاؤل المفرط، ويظنون أن مجرد بناء ثقافة يسودها الأمان النفسي سيؤدي تلقائيًّا إلى بروز النزاهة الفكرية، ومن ثمّ إلى مزيد من التعلم والابتكار، لكن الحقيقة أن الأمان النفسي قد يتعارض أحيانًا مع النزاهة الفكرية، خاصة إذا لم يُدعَم بثقافة تشجّع على التحدي الصادق للأفكار.
ويبقى التحدي الأكبر أمام القادة هو تشجيع النقاش الصريح والمركّز على حل المشكلات، دون السماح بتحوّله إلى صراعات شخصية تُضعف العلاقات داخل الفريق.
إن النجاح في تحقيق التوازن بين الأمان النفسي والنزاهة الفكرية يقود الفريق نحو أداء أعلى، ولتحقيق ذلك، يمكن للقادة البدء بتنحية الأنا جانبًا، ودعوة أعضاء الفريق لتقييم أفكارهم بصراحة وشفافية.
وعندما يُصبح كل فرد صادقًا فكريًّا مع نفسه، تنتقل هذه الممارسة إلى بقية الفريق، وتُصبح جزءًا من ثقافة العمل اليومية.
سيشعر الأفراد بالأمان عند التعبير عن آرائهم بحرية، حين يُنظر إلى الاعتراف بالأخطاء والانحيازات كأمر طبيعي ضمن عملية البحث عن أفضل الحلول.
هذا النوع من النزاهة الفكرية الصادقة دون قسوة، والحازمة دون تهجّم، قد يكون العنصر المفقود الذي يحتاجه الفريق لينطلق نحو الابتكار الحقيقي.
—————————-
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومجلة MIT Sloan Management Review).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




