ترجمة: وسن الجار الله
يجب أن تهتم الشركات بكسر الحواجز وخلق توافق استراتيجي حين يتعلق الأمر بالحوكمة والمخاطر، وذلك بغرض معالجة التحديات الأخلاقية المعقدة.
لطالما هُمّشت الحوكمة في الممارسات البيئية والاجتماعية والمؤسسية، وذلك بسبب المناقشات المتعلقة بالبيئة والاستدامة، مع أنها كانت مصدرًا للميزة الاستراتيجية، وفي حين تعد الكثير من شركات الاستثمار في الحوكمة مجرد وسيلة لتجنب المشاكل، إلا أن الحوكمة السليمة للشركات يمكنها أن تعزز من أداء الشركة، بل وينبغي عليها ذلك.
ولتصبح هذه الفكرة واقعًا ملموسًا، تتبنى العديد من الشركات نهجًا شاملًا لممارسة الأعمال الأخلاقية والمسؤولة، ويتضمن ذلك تنسيق وتوحيد الجهود عبر الوظائف الأساسية للنزاهة، وتقليل الالتزام بالإجراءات الشكلية، والتفكّر العميق بالسلوكات وإدارة المخاطر وخلق قيمة ما للمكان، ولكي نصل لفهم أعمق لهذه التحديات الأساسية، بالإضافة إلى عوامل النجاح التي تعزز هذا النهج أجرينا مقابلات مع قادة في أكثر من اثنتين وعشرين شركة كبيرة ومؤسسة متعددة الأطراف لمناقشة الخطوات المختلفة التي اتخذوها للاستثمار بالنزاهة التجارية، والتي تعد استجابة استراتيجية لكل من المخاطر والفرص.
كما استند هذا البحث على بحثنا المستمر في أفضل الممارسات بين القطاعات في المجلس العالمي لمستقبل الشفافية ومكافحة الفساد التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، بالإضافة إلى العديد من فرق العمل في مجموعة الأعمال 20 المعنية بالنزاهة والامتثال، وجدنا في نتائج بحثنا أن القيادة المستقلة والذاتية للشخص تُشكّلان دورًا مهمًّا في التقدم، وكما هو موضح في ظهور دور رئيس قسم النزاهة في عنصر التغيير، إلا أن بحثنا يظهر أيضًا أن مجرد تعيين شخص على مستوى الإدارة التنفيذية لا يكفي، فعلى الشركات في وقتنا الحالي أن تكسر الحواجز الداخلية لمواجهة هذه التحديات الأخلاقية المعقدة الدارجة لتحقيق التوافق الاستراتيجي والتعاوني، وأيضًا بناء ثقافة تتسم بالنزاهة، تطرقنا في هذا البحث إلى كيف تُبرز هذه الشركات الرائدة هذا النهج الشامل.
نهج تزداد به استراتيجية النزاهة
إن القاسم المشترك الذي لاحظناه في مقابلاتنا مع المديرين التنفيذيين هو أن الشركات الرائدة تتبنى نهجًا تزداد به استراتيجية الأعمال الأخلاقية مما يساعدها على التعرّف إلى النقاط العمياء وتجنب النفاق، هناك على سبيل المثال مطلب متزايد من المستثمرين المؤسسين لمواءمة التزامات الاستدامة مع الإنفاق السياسي، ولن تكون برامج مكافحة الفساد المتبنية لسياسة عدم التسامح على الإطلاق فعّالة ما لم تأخذ بالحُسبان تصميم الحوافز، خاصة أهداف المبيعات والنمو في الأسواق الناشئة.
اختارت بعض المنظمات تعيين قائد من المستوى التنفيذي مثل مدير النزاهة ليُشرف على مجموعة أوسع من الوظائف التي تتبع الامتثال، وعادة ما يتكفل قادة الامتثال بمسؤوليات أوسع في مجال النزاهة، مثل الإشراف على العلاقات الحكومية أو الحوكمة البيئية والاجتماعية، هناك بالتزامن تزايدٌ بالتعاون في مختلف وظائف الأعمال والنزاهة والاستدامة، ويعد الامتثال والاستدامة في شركة «فيستاس» الدنماركية المصنعة لتوربينات الرياح فريقًا متكاملًا يقدم المعلومات لمشاريع البنية التحتية للشركة العالمية، بينما قاموا في شركة «بيبسيكو» بدمج أهداف النزاهة والاستدامة وحقوق الإنسان دمجًا شاملًا في استراتيجية الأعمال الأساسية.
وجدنا أمثلة في العديد من القطاعات على كيفية تبني القادة للتفكير الشامل في إدارة الحوكمة، لنضرب مثلًا بصناعة الأدوية، فهو المكان الذي تطرح المعضلات الأخلاقية خطرًا وجوديًّا. يرى كلاوس موسماير، المسؤول عن الأخلاقيات والمخاطر والامتثال في شركة «نوفارتيس»، أنه علينا دمج الاعتبارات الأخلاقية مع إدارة المخاطر فيقول: “نريد أن نصبح نموذجًا شاملًا للتأكيد يجمع بين الاعتبارات الأخلاقية وإدارة المخاطر المؤسسية، بالإضافة إلى أنظمتنا للامتثال”. فلا يعد ضغط المستثمرين للاهتمام بهذه المخاطر صادرًا منهم فقط، بل لأصحاب المصلحة الداخليين دورٌ مهم أيضًا. تطرّق موسماير في شركة «نوفارتيس» للموضوع وقال: “نحن نتنافس لاستقطاب أفضل العلماء والكيميائيين في هذا المجال، بل وازدادت أيضًا رغبتهم في العمل ببيئات تدعم الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية”. فتعد مدونة الأخلاقيات الجديدة مثالًا على هذا النهج الشامل في شركة «نوفارتيس»، والتي طوروها بتجميع مشاركات ومرئيات آلاف الموظفين. قامت «نوفارتيس» أيضًا بعمل دراسة استطلاعية عن الثقافة الأخلاقية لأكثر من 108.000 موظف والتي أعدوها بالتعاون مع فريقها الداخلي من علماء السلوك، قاموا أيضًا بدمج اهتمامهم بالمعضلات الأخلاقية ضمن جهود التوظيف.
يرى موسماير أن لهذه التحولات تأثيرًا إيجابيًّا على الطريقة التي ينظر بها إلى دوره، ولو أن وحدات الأخلاقيات والامتثال في المنظمات تحظى بالاحترام في كثير من الأحيان، حتى وإن كان مصحوبًا بالخوف، إلا أنها تبقى معزولة عن باقي الأقسام، فيقول أيضًا إن هذه الفرصة المتميزة بالمنهجية الشاملة التي يستعملها قادة الحوكمة لا تقتصر فقط على تحسين إدارة المخاطر، بل تشمل أيضًا ثقافة الشركة في الوقت نفسه.
ولكن السعي لتحقيق هذه الفرصة يجب ألا يكون على حساب أرباحها على المدى الطويل، ويجب أيضًا أن يكون هؤلاء القادة متمكنين من تحقيق التوازن بين أهداف النزاهة والضغوط الربحية. ترى سيلفيا جارجيو المسؤولة التنفيذية عن الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية في «رويال كاربيان» أن الضغوط الجديدة من أصحاب المصلحة يمكن أن تتجاوز الامتثال وإدارة السمعة، وتُظهر أيضًا الالتزام بالمسؤولية البيئية والاجتماعية فتقول: “بالتأكيد يجب أن تفعل ما يصب بمصلحة العمل، إلا أنه لا يمكنك الاستمرار بالعمل به إن كنت تنتهك حقوق الإنسان، أو إن كان استعمالك للموارد مثل الماء والمواد الخام استعمالًا لامباليًا، ولم يعد صرفك عن الموضوع بالافتخار «انظروا لإنجازاتنا الرائعة» نهجًا موثوقًا، فيجب علينا التفكير تفكيرًا كليًّا عن كيفية تأثير هذه الممارسات على الثقافة الأخلاقية وثقة أصحاب المصلحة”.
تعزيز التعاون والتنسيق
استجابة لمتطلبات أصحاب المصلحة الجديدة، على الشركات التنسيقُ بشكلٍ أوثق بين الوظائف التي تتعامل مع الالتزامات القانونية، وأيضًا مع الجهات التي تعمل في الالتزامات البيئية والاجتماعية التطوعية. فإن صرف النظر عن موضوع العزلة بين الأقسام وعدم معالجته من البداية سيُعرّض الشركات للخطأ والانزلاقات الأخلاقية، علاوة على ذلك، فإن العديد من القضايا المتعلقة بنزاهة الأعمال، على سبيل المثال حقوق الإنسان، تنتقل من القانون غير الملزم إلى القانون الملزم، مما يؤكد الحاجة إلى تعاون وثيق بين الأخلاقيات والالتزام والمسؤولية المجتمعية، وإن التركيز على قضية واحدة في كل مرة سيؤدي إلى نتائج جزئية ومفككة، فيجب على الشركات بدلًا من ذلك الاعتماد على نهج متعدد التخصصات والوظائف.
على سبيل المثال، أنشأت شركة «يونيليفر» فريقًا عالميًّا لنزاهة الأعمال ليدير جميع جوانب إرشادات نزاهة الشركة المتعلقة بالسلوك الداخلي والتفاعل الخارجي، ويضم هذا الفريق جونزالو جوزمان وهو المستشار العام العالمي لشركة «يونيليفر» لمكافحة الفساد. وجد جوزمان أن عمليات الوقاية لا تكفي لمعالجة الفساد، ويجب على «يونيليفر» بدلًا من ذلك “التعامل مع شركاء الأعمال والنظر في حقوق الإنسان، وإزالة الغابات، والتأثير البيئي، والملكية الفعّالة، والحوكمة الإلكترونية” ليكونوا فعّالين.
على المنظمات أيضًا أن تُدرك أنه لا يمكن حل بعض التحديات المنهجية دون تعاون، وتعد مبادرات أصحاب المصلحة المتعددين وغيرها من الجهود المشتركة ضرورية لتحقيق المستوى. يدعم نائب الرئيس العالمي السابق للأخلاقيات والامتثال في شركة «أيه بي إنبيف» مات جالفين العمل الجماعي دعمًا قويًّا، فيقول: “علينا توحيد الجهود والتأثير على الأسواق وتغيير السلوك في مواجهة المشكلات المستعصية مثل الفساد”. إن الطريق لتحقيق ذلك هو معالجة المشكلة من زوايا مختلفة، وذلك من خلال العمل الجماعي الذي يُشارك فيه عدد كبير من الشركات والحكومات والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني.
إشراك الموظفين في المبادرات
ولدمج نزاهة الأعمال بعدّها كفاءة أساسية للمنظمة دمجًا ناجحًا، يجب أن تُنفذ الاستراتيجية على جميع المستويات، فيجب أن يكون الموظفون جميعهم، بدءًا من القيادات العليا إلى من يشغلون الوظائف في الصفوف الأولية، على وفاق ومتعاونين، وهذا ليس بالأمر السهل.
سعت شركات عديدة إلى إشراك موظفيها في خطوط العمل الأساسية ضمن جهود تعزيز النزاهة. وفي هذا السياق، تشير تجربة شركة «إس إن سي لاڤالان» الكندية للهندسة والتوريد والبناء—كما يوضح هينتي ديركر، الرئيس التنفيذي لشؤون الإدارة البيئية والاجتماعية والحوكمة والنزاهة—إلى تعيين 150 سفيرًا للنزاهة في مختلف أقسام الشركة، يتولّون رفع الوعي وتقديم الدعم والمشورة وترسيخ قيم النزاهة في بيئة العمل. ويؤكد ديركر أن نهج التدريب قد تغيّر من جلسات فردية مغلقة إلى مناقشات مفتوحة، تتيح للموظفين مساحة آمنة لطرح الأسئلة المتصلة بواقعهم اليومي، بدلًا من الاكتفاء بالتركيز التقليدي على جانب الامتثال.
سمعنا في أغلب مقابلاتنا التنفيذية أن أولوية الرئيس الأساسية يجب أن تكون تحسين ثقافة الشركة؛ فعلى سبيل المثال، تركز رئيسة قسم النزاهة والامتثال ميكول دياز في شركة «سناب» على بناء ثقافات النزاهة وفقًا لملاحظات الموظفين، فتشاركنا القول: “يجب أن يُنظر إلى أصوات الموظفين على أنها مصدر مهمٌّ تبني عليه الشركات قرارات أفضل. وأيضًا يجب على الشركات تقديم مبادئ أخلاقية للمساعدة في توجيه هذه القرارات وإجراء نقاشات مفتوحة”. فيشتركان هي وقائد شركة «دياز» بالرؤية ذاتها وهي “النظرة الشاملة للأخلاقيات بقياس 360 درجة”. تُسهّل هذا البنية التوسع بالأسئلة التي لربما سقطت سهوًا منهم، لنقل على سبيل المثال كيفية دمج رغبة المنظمة في تحقيق تأثير اجتماعي إيجابي في طريقة تعاونها مع الأطراف الخارجية.
الخطوات التالية للمؤسسات
ما القوائم الأساسية للنجاح؟ بالتأكيد لن يكون تعيين شخص في منصب مسؤول النزاهة الرئيسي سببًا كافيًا للنجاح. توصلنا في بحثنا إلى التوصيات التالية في خمسة مجالات رئيسية وهي: الاستراتيجية، والتكامل، والثقافة، والاستقلال، وتعدد التخصصات.
أولًا، يجب الاعتراف بأن الالتزام بالنزاهة هو أمرٌ استراتيجي في جوهره، ولا بد أن تتوافق مع استراتيجية العمل، ويجب أن ينعكس ذلك أيضًا في هياكل وأدوار تقارير الشركات، وهناك نهج آخر يشمل تشكيل هياكل مجالس الإدارة أو فرق العمل لمناقشة قضايا نزاهة الحوكمة البيئية والاجتماعية.
ثانيًا، يجب على الشركات كسر الحواجز بين الأقسام وجعل النزاهة مطلبًا والتزامًا على مستوى المنظمة بالكامل، من الشائع أن تتولى فرق الامتثال الإشراف على الإفصاحات المتعلقة بالحوكمة البيئية والاجتماعية، إلا أن هذا سيفشل إن تم التعامل مع الحوكمة البيئية والاجتماعية بأنها مجرد إجراء لمتطلب. تستطيع فرق الامتثال بدلًا من ذلك العمل عن قرب من زملائهم في قسم الاستدامة لفهم كيف يرى أصحاب المصلحة الأداء في القضايا البيئية والاجتماعية، وتحديد المصادر الرئيسة للمخاطر، والتنبؤ بالتنظيمات المتطورة بشكل أفضل.
تعد الثقافة هي المجال المهم التالي، وكما توضح أمثلة شركتيْ «وفارتيس» و«سناب» فإن النهج الاستراتيجي الشامل له تأثيرٌ إيجابي على كل من الثقافة وإدارة المخاطر، ويمكن بناء ثقافة النزاهة من خلال نهج يعتمد على بيانات استطلاع آراء الموظفين، وعلى الشركات التي ترغب بالتحسُّن في هذا المجال أن تفهم ثقافتها الأخلاقية فهمًا جوهريًّا واضحًا وأن تستثمر في أدوات تقيس التقدم بمرور الوقت.
وعلى الصعيد الرسمي، يجب أن يتمتع مسؤول النزاهة الرئيسي بالاستقلالية وحرية اتخاذ القرار، فالمناصب الكبيرة التي تطرّقنا لها في بحثنا هذا هي مناصب مناسبة في مستوى الإدارة ولها مستوًى مطلوب من الأولوية، وأيضًا من الضروري أن يكون لمسؤول النزاهة الرئيسي مقعدٌ في طاولة اتخاذ القرارات ليكون فعّالًا.
وأخيرًا يجب أن يحظى مسؤول النزاهة الرئيسي على الدعم المطلوب من فريق متنوع ومتعدد التخصصات يمتلكون مهارات مميزة بتحليل البيانات والسياسات والتفاعل مع أصحاب المصلحة والعلوم السلوكية، ومن المهم أن يكون الفريق على استعداد للاستجابة لأي نوع من المسائل، بما في ذلك الإنفاق السياسي والمواقف المتعلقة بالقضايا الاجتماعية والسياسية، ولعل انسحاب الشركات الغربية مؤخرًا من روسيا أثار تساؤلات مُلحّة حول التعرض لمخاطر حقوق الإنسان والفساد في الدول الاستبدادية. ولعل وظيفة النزاهة الاستراتيجية تساعد الشركات في التعامل مع التساؤلات مثل ما إذا كان عليها التعامل مع السلطات التي تواجه مشاكل خطيرة مع حقوق الإنسان، وكيفية التعامل مع مطالب الموظفين بالتعبير عن آرائهم حول القضايا الاجتماعية المثيرة للجدل، أو كيفية ضمان توافق مبادئ الشركة والتزاماتها بالمسؤولية الاجتماعية والإنفاق السياسي مع رسالتها وقيمها.
من البيّن أن الرؤساء التنفيذيين اليوم يشعرون بالضغط بسبب البيئة الديناميكية المتزايدة للمخاطر البيئية والاجتماعية والتنظيمية والسياسية، فتعد وظيفة النزاهة الاستراتيجية الممُكنة خطوة حاسمة لتطوير نهج استباقي ومنهجي إزاء هذه القضايا.
—————————-
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومجلة MIT Sloan Management Review).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




