لقد شهد مجال التنبؤ تقدمًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، غير أن على المديرين أن يتعلموا من التاريخ ما يمكنهم وما لا يمكنهم توقعه، وأن يضعوا خططًا تراعي المفاجآت.
سبيروس ماكريدكيس، وروبين إم. هوغارث، وأنيل غابا
يبدو الأمر كأنه حدث منذ زمن بعيد في مجرة بعيدة جدًّا، ولكن الواقع أنه كان في عام 2006م، على هذا الكوكب بالذات. كان العالم بأسره يشهد ازدهارًا، جزئيًّا بفضل ابتكارات الاستثمار من الدرجة الثلاثية “Triple-A” التي وضعها جيل من خبراء المال المرموقين، أشبه بفرسان “الجيداي” الماليين[1]. ثم حدث الانهيار: أزمة، وضجيج، وركود عالمي. فجأة انتهى كل شيء، وتحولت “Triple-A” إلى مصطلح ملطف لـ”الرهن العقاري عالي المخاطر” (subprime)، الذي بات بدوره يرمز إلى “سام” (toxic). وطُرد فرسان المصارف بلا مكافآت، وكثير منهم إلى الإفلاس أو الاستحواذ أو التأميم. مرحبًا بكم في إمبراطورية أزمة الائتمان (credit crunch).
باتت هذه القصة معروفة للجميع، كقصة “حرب النجوم” (Star Wars). لكن ما يثير اهتمامنا في قصة الأزمة هو حقيقة واحدة غالبًا ما تُغفل: أن أحدًا تقريبًا لم يتوقع وقوعها، لا الخبراء، ولا الأكاديميون، ولا السياسيون، ولا -بحسب علمنا- رؤساء البنوك التنفيذيون. لذا نرى أنه قد حان الوقت لخبراء الأعمال والممارسين أن يواجهوا الواقع، مهما كان قاسيًا، وهو أن التنبؤات الدقيقة ليست ممكنة في عالمهم. وإلى جانب تسليط الضوء على هذه النقطة المقلقة، نود أن نقدم بعض العزاء عبر تشبيه بالكوارث الطبيعية. سنستخدم كذلك مقارناتنا بين الزلازل والأعاصير لفحص نوعين من عدم اليقين. وأخيرًا، سنعرض إطارًا لاتخاذ القرارات ووضع الخطط والاستراتيجيات في غياب التنبؤات الدقيقة. ونحن نؤمن أساسًا بأن عالم الأعمال بحاجة إلى موقف جديد كليًّا تجاه المستقبل.
لمحة موجزة عن تاريخ التنبؤ في العلوم الاجتماعية
لفهم اهتمامنا بنواقص التنبؤ، ندعوكم للعودة إلى حقبة وقعت في عالم الأكاديميا لإدارة الأعمال في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. في ذلك الوقت، كان أساتذة إدارة الأعمال وغيرهم من علماء الاجتماع يأملون أن تتيح لهم تكنولوجيا الحوسبة ما بعد عصر الفضاء ونماذجهم المتقدمة تحقيق النجاح ذاته في التنبؤ الذي حققه زملاؤهم في العلوم الفيزيائية. ولأسباب متعددة، لم تكن هذه الآمال في محلها، بل أثبتت الأدلة التجريبية الأمور التالية:
المستقبل غالبًا ما يشبه الماضي إلى حد ما، لكنه لا يكون أبدًا مطابقًا له تمامًا. وهذا يعني أن استقراء الأنماط والعلاقات من الماضي إلى المستقبل لا يمكن أن يوفر تنبؤات دقيقة.
هناك العديد من النماذج الإحصائية المتقدمة التي يمكنها أن تلائم بيانات الماضي وتفسرها تقريبًا بشكل كامل. إلا أن هذه النماذج المعقدة لا تتنبأ بالمستقبل بالفعالية ذاتها.
وعلى العكس، فإن النماذج الإحصائية البسيطة لا تفسر الماضي جيدًا، لكنها غالبًا ما تكون أفضل في توقع المستقبل من نظيراتها المعقدة.
كما أظهرت الأدلة التجريبية أن الحكم البشري أسوأ حتى من النماذج الإحصائية في توقع المستقبل.
في الواقع، لا يتنبأ الخبير بدقة أكبر من الرجل أو المرأة الذكيين ذوي المعرفة المتوسطة في الشارع.
وغالبًا ما يُفاجأ البشر بشدة بحجم أخطائهم في التنبؤ. ولو كان للنماذج الإحصائية مشاعر، لدهشت هي أيضًا من حجم أخطائها.
ومن ناحية أكثر إيجابية، فإن متوسط التنبؤات المستقلة لعدة أفراد (سواء كانوا خبراء أم لا) يحسّن عادة دقة التنبؤات. كما أن متوسط التنبؤات المستندة إلى أكثر من نموذج واحد يحسّن الدقة أيضًا.
تثير هذه النتائج التجريبية قضايا جوهرية لكل من يتخذ قرارات في عالم الأعمال: كيف يمكن للمديرين التنفيذيين أن يضعوا استراتيجية، فضلًا عن خطة، في سياق من عدم اليقين الشديد ومستقبل لا يمكنهم حتى تخيله؟
الانهيار الذي كان يمكن أن يحدث
قبل متابعة الإجابة، دعونا نعُدْ إلى ما يُعد ربما أسوأ يوم في الأزمة الحالية حتى الآن: الجمعة، العاشر من أكتوبر عام 2008م، حين شهد مؤشر داو جونز الصناعي (Dow Jones Industrial Average) أكبر هبوط في النقاط ليوم واحد في تاريخه (679 نقطة)، وانحدرت أسهم العديد من الشركات بشكل حر.
قبل ذلك بنحو ستة أشهر، كان هنري بولسون، وزير الخزانة الأمريكي، يدلي بتصريحات متفائلة:
“لدي ثقة كبيرة جدًّا في أسواق رأس المال لدينا، وفي مؤسساتنا المالية، والبنوك، وبنوك الاستثمار القوية. أسواق رأس المال لدينا مرنة، إنها فعالة”. (2)
وظل الرئيس جورج دبليو بوش محافظًا على تفاؤله في ذلك الصيف، ففي 15 يوليو 2008م، قال:
“اقتصادنا واصل النمو، والمستهلكون ينفقون، والشركات تستثمر، والصادرات تواصل الزيادة، وما زالت الإنتاجية الأمريكية قوية. يمكننا أن نثق في الأساسيات طويلة الأجل لاقتصادنا… أعتقد أن النظام في جوهره متين. أنا حقًّا أؤمن بذلك”. (3)
لكن بحلول أواخر سبتمبر، تغيرت النبرة. فقد حذر بولسون قائلًا:
“إن الاضطراب الذي نشهده اليوم في الأسواق يشكل خطرًا كبيرًا على دافعي الضرائب الأمريكيين. عندما لا يعمل النظام المالي كما ينبغي، فإن مدخرات الأمريكيين الشخصية، وقدرة المستهلكين والشركات على تمويل الإنفاق والاستثمار وخلق الوظائف تصبح مهددة”. (4)
أما الرئيس بوش فقد نُقل عنه أنه كان أقل تحفظًا، إذ قال: “إذا لم يتم ضخ الأموال، فقد ينهار هذا النظام كليًّا”.(5)
لماذا النماذج الإحصائية البسيطة أفضل؟
في سبعينيات القرن الماضي، أدرك أحد المؤلفين، وهو إحصائي يعمل في كلية إدارة الأعمال، أن المديرين التنفيذيين كانوا منشغلين للغاية بمسألة التنبؤ. كان اهتمامهم الرئيس منصبًّا على بيانات الأعمال والاقتصاد: مبيعات منتجاتهم، وأرباح شركاتهم وصادراتها، ومعلومات عن أسعار الصرف والإنتاج الصناعي… أمور من هذا القبيل.
كان الإحصائي قلقًا من أن الممارسين يقومون بإجراء توقعاتهم دون الاستفادة من أحدث الأساليب النظرية المتقدمة. وبدلًا من ذلك، بدا أنهم يفضلون التقنيات الأبسط، التي يمكنهم على الأقل شرحها لرؤسائهم، ولهذا قرر الإحصائي أن يعلّمهم درسًا، فشرع في مشروع بحثي يهدف إلى إثبات تفوق أحدث التقنيات الإحصائية.
بدأ الأستاذ ومساعده البحثي بجمع العديد من مجموعات بيانات الأعمال والاقتصاد عبر الزمن من مصادر متنوعة. وقد توصّلا إلى 111 سلسلة زمنية مختلفة، استخدماها لمحاكاة عملية التنبؤ الحقيقية. تم تقسيم كل سلسلة إلى جزأين: بيانات سابقة وبيانات لاحقة. وتظاهر الباحثان بأن الجزء اللاحق لم يحدث بعد، ثم شرعا في تطبيق تقنيات إحصائية متنوعة، سواء كانت بسيطة أو متقدمة، على البيانات السابقة. وبعدّ تلك البيانات السابقة هي “الماضي”، استخدما كلا المنهجين للتنبؤ بـ”المستقبل”، ثم قارنا “توقعاتهما” بما حدث فعلًا.
ولخيبة أمل أصحاب النظريات، تبيّن أن التقنيات البسيطة التي يستخدمها الممارسون كانت أكثر دقة من الأساليب الإحصائية المتقدمة الخاصة بهم.
وبعد هذا الإحراج، بحث الإحصائي عن تفسير لذلك، وكانت حجته: النماذج المعقدة تحاول اكتشاف أنماط غير موجودة في البيانات الماضية، أما النماذج البسيطة فتتجاهل هذه “الأنماط” وتكتفي باستقراء الاتجاهات. وقد واصل الأستاذ تكرار تجربة “التنبؤ بأثر رجعي” هذه مرارًا عبر السنوات، مستخدمًا مجموعات بيانات أكبر وحواسيب أكثر قوة. لكن الحقيقة التجريبية ذاتها كانت تتكرر في كل مرة: النماذج الإحصائية البسيطة أفضل في التنبؤ من النماذج المعقدة.
هذا بالنسبة إلى السياسيين. فماذا عن المحترفين الذين تتمثل وظيفتهم في التنبؤ؟ حسنًا، لم يكن أداؤهم أفضل بكثير. وفيما يلي بعض التصريحات العلنية لصندوق النقد الدولي (International Monetary Fund) خلال تلك الفترة:
أبريل 2007م: “على الرغم من موجة التقلبات المالية الأخيرة، لا يزال الاقتصاد العالمي يبدو مهيأً لتحقيق نمو قوي مستمر في عامي 2007م و2008م”.
أكتوبر 2007م: “كانت المشاكل في أسواق الائتمان شديدة، وبينما انتهت المرحلة الأولى الآن، لا نزال ننتظر لنرى كيف ستتجلى النتائج بالضبط… في هذه المرحلة، نتوقع تباطؤ النمو العالمي في 2008م، لكنه سيظل عند وتيرة قوية”.
أبريل 2008م: “من المتوقع أن يتباطأ النمو العالمي إلى 3.7% في عام 2008م… علاوة على ذلك، من المتوقع أن يبقى النمو شبه ثابت في 2009م… وسيدخل الاقتصاد الأمريكي في ركود طفيف عام 2008م نتيجة دورات متعاضدة في سوق الإسكان والأسواق المالية، قبل أن يبدأ تعافٍ متواضع في 2009م مع حل مشاكل الميزانيات في المؤسسات المالية تدريجيًّا”.
أكتوبر 2008م: “يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة ركود كبرى في مواجهة أخطر صدمة مالية في الأسواق المالية الناضجة منذ ثلاثينيات القرن العشرين. ومن المتوقع أن يتباطأ النمو العالمي بشكل كبير في 2008م، ولن يبدأ التعافي المتواضع إلا لاحقًا في 2009م”.
إذًا، لم يتنبأ هنري بولسون وجورج بوش وصندوق النقد الدولي (IMF) بأزمة الائتمان، لكن هذا لا يعني أنه لم يتنبأ بها أحد، أليس كذلك؟ فقد خلصت مجلة بيزنس ويك (BusinessWeek)، في استطلاعها السنوي لخبراء الأعمال المنشور في 20 ديسمبر 2007م، إلى ما يلي:
“يتوقع الاقتصاديون، في المتوسط، أن ينمو الاقتصاد بنسبة 2.1% من الربع الرابع لعام 2007م حتى نهاية 2008م، مقابل 2.6% في 2007م. ولم يتوقع سوى اثنين من خبراء التنبؤ [من أصل 54 إجمالًا] حدوث ركود”.
فهل يمكن إذًا أن تكون الأزمة الحالية “البجعة السوداء” (black swan)، وهو مصطلح صاغه ببراعة نسيم نيكولاس طالب (Nassim Nicholas Taleb) في كتابه عام 2007م ليعبر عن حدث نادر وفريد ليس فقط غير متوقع بالكامل، بل خارج نطاق تصوراتنا أيضًا؟ إذا كان الأمر كذلك، فقد يُغفر لنا نحن البشر فشلنا في التنبؤ بها. ومع ذلك، قبل أن نعفي أنفسنا من المسؤولية، دعونا نراجع سجلنا في التنبؤ في الاقتصاد والأعمال… للأسف، السجل ليس جيدًا.
فقاعة، وفقاعة، ومشكلة التنبؤ
هل تذكرون المعجزة اليابانية؟ في ثمانينيات القرن الماضي، كان الجميع يسعى لتقليد نجاح اليابان في الأعمال. كان الازدهار، المدفوع بمكاسب الإنتاجية والجودة، موضع حسد العالم. وخلال الثمانينيات، ارتفع مؤشر نيكاي 225 للأسهم اليابانية ستة أضعاف، من نحو 6,500 إلى ما يقارب 39,000. لكن في نهاية عام 1989م، بدأ سوق الأسهم الياباني في تراجع طويل. وبحلول أبريل 2003م، عندما بدأ يتعافى لفترة وجيزة، كان مؤشر نيكاي 225 قد فقد 80.5% من قيمته القصوى.
والدرس المستفاد هو أنه، سواء كنا نتحدث عن فقاعة الدوت كوم في القرن العشرين، أو فقاعة بحر الجنوب في القرن الثامن عشر، أو هوس زهور التوليب في أمستردام في القرن السابع عشر، لا أحد يستطيع أبدًا التنبؤ بنقطة الانفجار.
فماذا عن التنبؤات الأقل طموحًا التي تُوجَّه إلى شركة واحدة أو قطاع بعينه؟ في عام 1968م، أعلن سي. جاي. باركنسون، الذي كان حينها رئيس شركة أنكوندا (Anaconda Co.) (وهي منتج رئيس للنحاس وعضو في تكتل احتكاري ظل يرفع أسعاره لأكثر من خمسة وثلاثين عامًا)، قائلًا: “ستظل هذه الشركة قوية بعد مئة عام، بل حتى بعد خمسمئة عام من الآن”. ولكن خلال خمسة عشر عامًا فقط انهارت الشركة وتعرض القطاع بأسره للدمار بفعل اختراع الألياف البصرية (fiber optics)، التي جعلت استخدام أسلاك النحاس في صناعة الاتصالات أمرًا متجاوزًا.
في أيامنا هذه، وبينما تتصدر أخبار شركات مثل بير ستيرنز (Bear Stearns)، وليمان براذرز (Lehman Brothers)، وإيه آي جي (AIG) المشهد، من السهل أن ننسى أن مثل هذه الأحداث قد تكررت من قبل، وبشكل أقرب عهدًا من الكساد العظيم. ففي عام 1998م، تم إنقاذ صندوق إدارة رأس المال طويل الأجل (Long-Term Capital Management LP) -وهو صندوق استثماري يديره خبراء بينهم اقتصاديان حائزان على جائزة نوبل- من الإفلاس بوساطة اتحاد من البنوك والهيئات الحكومية. أما السبب، فقد يمنحك شعورًا مقلقًا بتكرار الأحداث: إذ تم ذلك بحجة إنقاذ النظام المالي بأسره.
ومن الإنصاف القول إن الكوارث التجارية ليست وحدها ما يعجز الخبراء عن التنبؤ به، فهم غالبًا ما يعجزون أيضًا عن توقع النجاح التجاري. خذ شركة غوغل (Google Inc.) كمثال؛ ففي نهاية تسعينيات القرن الماضي، حاول المؤسسون بيع شركتهم وتقنيتها الفريدة للبحث مقابل مليون وستمئة ألف دولار فقط، ولو كانوا يعلمون أن الشركة ستبلغ قيمتها بعد أقل من عشرة أعوام مئتين وثلاثين مليار دولار (قيمة السوق في منتصف عام 2008م)، لرفعوا سقف طموحاتهم بلا شك. ولحسن حظ مؤسسي غوغل، لم يتقدم أحد لشراء الشركة بذلك السعر المتواضع. فلم تقدم شركة ياهو (Yahoo! Inc.)، ولا أي من كبار المستثمرين المعروفين، أي عرض للشراء.
تشبيه قوي كقوة الزلزال
يبرع العلماء الفيزيائيون عمومًا في إجراء التنبؤات، لكن المجتمع العلمي يدرك حدوده الذاتية؛ إذ يقبل العلماء باستحالة التنبؤ بتوقيت وموقع حدوث الزلازل الكبرى. وفي الواقع، يشير الفهم الحالي للعمليات التي تسبب الزلازل إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يكون قادرًا على تحديد حدوثها مسبقًا. ومع ذلك، فإن شدة الزلازل وتكرارها تظهر نمطًا ثابتًا بشكل ملحوظ، ففي كل عام، يحدث نحو 134 زلزالًا حول العالم تتراوح شدتها بين 6.0 و6.9 على مقياس ريختر (Richter scale)، ونحو 17 زلزالًا تتراوح شدتها بين 7.0 و7.9، وزلزال واحد على الأقل بقوة 8.0 أو أكثر.
ومع ذلك، فإن مقصدنا هو أن الانتظام الإحصائي لا يعني القدرة على التنبؤ؛ فعلى سبيل المثال، استنادًا إلى البيانات التاريخية، لدينا فكرة جيدة أن الأعوام الخمسة والثلاثين القادمة ستشهد نحو 44 زلزالًا بشدة تتراوح بين 7.5 و7.6 على مقياس ريختر. لكن علماء الزلازل لا يعرفون متى أو أين ستحدث هذه الزلازل (سوى أنها ستكون في إحدى المناطق المعرضة للزلازل في العالم وستتبعها هزات ارتدادية). فهل ستكون هذه المناطق مأهولة أم خالية؟ وهل سيحدث تسونامي؟ وهل ستخلف دمارًا واسع النطاق وخسائر بشرية كبيرة؟ لا يستطيع أي عالم الجزم بذلك.
فكيف يتعامل العالم إذًا مع الزلازل؟ بدلًا من الاعتماد على التنبؤ، يكون التركيز على الاستعداد، فإذا كنت محظوظًا وتعيش في منطقة غنية، يستطيع المهندسون بناء منشآت قادرة على تحمل الهزات القوية. أما في المناطق الفقيرة، فليس أمام السكان سوى مواجهة المخاطر وتحمل النتائج.
وبطبيعة الحال، يمكن للأعاصير مثل كاترينا أن تتسبب بدمار مماثل لما تحدثه الزلازل الكبرى. وعلى خلاف الزلازل، عادة ما يستطيع خبراء الأرصاد الجوية التنبؤ بمكان ضرب الأعاصير قبل عدة أيام. فإذا كنت في البحر وبالقرب منك ميناء آمن، فإن التحذير المبكر يكون ذا فائدة عظيمة، أما على اليابسة، فالعبرة بالاستعداد: البقاء في المنزل، وتغطية النوافذ، وتثبيت الممتلكات. وفي بعض الحالات، قد يتوفر الوقت والموارد لإجراء عمليات إخلاء جماعي (كما حدث مع إعصار غوستاف في أغسطس 2008م، إذ تم نقل مليون وثمانمئة ألف شخص من السواحل الجنوبية للويزيانا)، لكن الأعاصير قد تغير مسارها (كما فعل غوستاف)، مما يبرز مرة أخرى عدم دقة التنبؤات.
وبالقياس، تأمل العدد الهائل من الشركات الصغيرة أو المشاريع الجديدة التي تنشأ أو تفشل حول العالم، فالأرقام الدقيقة تختلف من عام لآخر، لكن هناك عملية مستمرة لدخول وخروج الشركات من السوق، وتكون بعض مناطق العالم أكثر عرضة لنشوء الشركات وفشلها من غيرها. بعض الشركات التي تصمد في سنواتها الأولى قد تحقق نجاحًا كبيرًا، في حين يكتفي الكثير منها بالبقاء. وإذا واصلنا التشبيه بالكوارث الطبيعية، فإن فشل الشركات الصغيرة يمكن عدّه حركات طفيفة في الصفائح المالية، أما انهيار شركات مثل ليمان براذرز (Lehman Brothers)، وإنرون (Enron)، وورلدكوم (WorldCom) فهي الهزات الكبرى. أما الركود الحالي، فهو زلزال عظيم يهز أركان الرأسمالية الغربية ويرسل ارتدادات ضخمة عبر العالم.
العودة إلى الوضع الطبيعي
وبالتأكيد، هناك حدود لهذا التشبيه بالزلازل فالزلازل الكبرى أحداث نادرة وشديدة، حتى في المناطق المعرضة لها. أما في عالم الأعمال، فالكثير من الأحداث قد لا تكون قابلة للتنبؤ، لكن عدم القدرة على التنبؤ يمكن على الأقل أن يخضع للنمذجة. وبعبارة أخرى، هناك نوعان من عدم اليقين ينبغي للممارسين إدراكهما، نسميهما “عدم اليقين في المترو” و”عدم اليقين في جوز الهند”، وسنشرح ذلك عبر قصة.
لنتخيل شخصية تُدعى بيير. هو خريج المدرسة الهندسية الشهيرة في فرنسا، المدرسة متعددة التقنيات (École Polytechnique)، ويعيش ويعمل في باريس. إحدى هواياته هي تسجيل المدة التي يستغرقها للوصول إلى عمله كل صباح عبر نظام المترو (Métro) الباريسي عالي الكفاءة. غالبًا ما يتراوح وقت الانتظار بين لا شيء تقريبًا وعدة دقائق فقط. إلا أن الإضرابات اليومية المتكررة قد تتسبب في تأخير كبير أو حتى تجبره على المشي طوال الطريق إلى عمله. وفي بعض الأيام، قد تجبره الحشود الكبيرة من السياح على رصيف المحطة على تفويت القطار. إن الرسم البياني لأوقات تنقلات بيير اليومية يتبع المنحنى المعروف بشكل الجرس لمنحنى التوزيع الطبيعي (normal distribution). وقد تعلم في صف الإحصاء أن معظم القيم في التوزيع الطبيعي تقع ضمن ثلاثة انحرافات معيارية عن المتوسط، في حين تقع 95% ضمن انحرافين معياريين. لا توجد قيم متطرفة تقريبًا، فأغلب أوقات رحلة بيير تتجمع حول المتوسط البالغ 43 دقيقة. يمثل الرسم البياني ما نسميه “عدم يقين المترو” (subway uncertainty). فهو نموذج فعال للوقت الذي يستغرقه بيير للوصول إلى مكتبه كل صباح، مع عدم اليقين في أن يكون أبكر أو متأخرًا عن المتوسط. في الواقع، استخدم بيير هذا النموذج لإجراء توقعات احتمالية حول مدة رحلته، وكان راضيًا حين وجد أن تنبؤاته دقيقة. يفترض نموذج بيير بعض الافتراضات المهمة: أولًا، يفترض أن الأيام القادمة تُستمد من التوزيع نفسه الذي لوحظ في الماضي. ما لم يحدث تغيير كبير (مثل إغلاق طويل الأمد لنظام المترو بأكمله، أو انقطاع في إمدادات الكهرباء للمدينة، أو إضراب)، فهذا افتراض آمن. وما دام هناك استمرارية بين الماضي والمستقبل، يبقى النموذج موثوقًا.
بالإضافة إلى حبه للرحلات اليومية المنتظمة، يحب بيير أيضًا الإجازات الاستثنائية، ولسوء الحظ، تعرّض أثناء رحلة إلى تايلاند لحادث مميت؛ إذ بينما كان يبحث عن ظل تحت شجرة نخيل، سقطت ثمرة جوز هند على رأسه. كان بطلنا غير المتوقع ضحية حدث شديد الندرة نسميه “عدم يقين جوز الهند” (coconut uncertainty)، وهو نوع من الأحداث العجيبة التي لا يمكن التخطيط لها. الحقيقة أن معظم المواقف الحياتية الواقعية هي خليط من عدم يقين المترو وعدم يقين جوز الهند، وهذا بالضبط ما يجعل عدم يقين جوز الهند مثيرًا للاهتمام بالنسبة إلينا.
من الناحية التقنية، لا يمكن نمذجة عدم يقين جوز الهند إحصائيًّا باستخدام -على سبيل المثال- التوزيع الطبيعي (normal distribution)؛ ذلك لأن هناك أحداثًا نادرة وغير متوقعة أكثر مما يتوقع المرء، إضافة إلى ذلك، لا يوجد انتظام في وقوع أحداث جوز الهند يمكن نمذجته. ولسنا نتحدث فقط عن “البجعات السوداء” (black swans) عند طالب (تلك الأحداث الغريبة حقًّا التي لم يكن بالإمكان تخيلها). فهناك أيضًا الفقاعات والانكماشات والأزمات المالية، والتي قد لا تحدث كثيرًا ولكنها تتكرر بفترات غير منتظمة ونادرة. ثمرة جوز الهند، في رأينا، أقل ندرة مما يظن الناس؛ فهي لا تحتاج أن تكون كبيرة ومشعرة وتأتي من الفضاء؛ يمكن أن تكون أيضًا صغيرة وشائكة وتحدث دون سابق إنذار. بل حتى يمكن أن تكون إيجابية: نحو إرث من قريب بعيد، أو فوز في اليانصيب، أو دعوة للإبحار من عميل ثري.
لم يدرس بيير علم النفس إلى جانب الهندسة والإحصاء، ولكن لو فعل، لربما صادف أبحاثًا تُظهر أنه رغم أن الناس يدركون تمامًا أن الأحداث النادرة يمكن أن تقع، بل وقد يستطيعون تخيل عدة أمثلة، إلا أنهم يقللون باستمرار من احتمال وقوع حدث واحد على الأقل من تلك الأحداث (بما في ذلك تلك التي لم يتخيلوها). بعبارة أخرى، نحن نميل إلى التقليل من حجم فئة الأحداث النادرة، وهذا قد يؤدي إلى أخطاء جسيمة، وأحيانًا قاتلة. فالكوارث الهندسية، على سبيل المثال، غالبًا ما تنشأ لأن أنظمة “الأمان التام” تنهار بسبب تعطل مكون واحد لم يُؤخذ في الحُسبان سابقًا.
زيت جوز الهند؟
لننظر الآن إلى مثال واقعي يؤثر فينا جميعًا: سعر النفط. في عام 2008م، ذكّر ارتفاع أسعار النفط العالم بوجود ما يسمى التضخم، وهو أمر كان معظم الاقتصاديين الغربيين قد نسوه تقريبًا. انظر إلى الرسم البياني الذي يعرض التغيرات اليومية في أسعار النفط على مدى عقدين من الزمن. في الانطباع الأول، يبدو الرسم البياني ذا شكل جميل ومتناظر، مع نمط مشابه للعديد من سلاسل البيانات اليومية في الاقتصاد والأعمال. لكنه ليس شكل التوزيع الطبيعي نفسه (normal distribution) الذي يظهر في النمط السلس في الخلفية. على وجه الخصوص، هناك تغيرات يومية سلبية متطرفة في سعر النفط -صعودًا وهبوطًا- أكثر مما قد تتوقع لو كانت القيم موزعة طبيعيًّا. فعلى سبيل المثال، بين 20 يونيو و11 أكتوبر 1990م، ارتفعت أسعار النفط بنسبة 160%، من 26 دولارًا إلى 67.30 دولارًا. وبحلول 25 فبراير 1991م، عادت إلى 28 دولارًا. وخلال تلك الفترة، كانت هناك ارتفاعات وانخفاضات يومية حادة، منها عدة قيم من بين 13 قيمة تجاوزت 10.41% و21 قيمة انخفضت عن –10.35%، على التوالي. من ناحية أخرى، خلال بقية الوقت (وربما لبضعة أيام خلال الفترات الأكثر تقلبًا أيضًا)، كان هناك أيضًا ارتفاعات صغيرة أكثر مما قد “تتوقع عادة”.
وباختصار، لا تُظهر أسعار النفط عدم يقين المترو المنتظم والمتوقع؛ لذا، فإن الأشخاص الذين تقع على عاتقهم مسؤولية توقع سعر النفط غدًا يجب أن يتعاملوا مع المزيد من أحداث جوز الهند أكثر مما قد يتوقعون بشكل منطقي. وكما رأينا أعلاه، فإن العالم المتقدم بأسره تحت رحمة تلك الأحداث الكامنة.
فماذا يفعل المتنبئون الاقتصاديون في مثل هذه الظروف؟ تذكّر، إن من الصعب -إن لم يكن مستحيلًا- وضع نماذج لعدم اليقين الذي لا يتبع الأنماط الإحصائية المعروفة. لقد اعتاد المتنبئون، عبر التاريخ، أن يفعلوا تمامًا ما فعله بيير. عمليًّا، كانوا يعاملون الأحداث غير المتوقعة، مثل الارتفاع الحاد في أسعار النفط خلال عامي 1973م و1974م أو الزيادة الأخيرة في عامي 2007م و2008م، بعدّها حالات شاذة يجب تجاهلها لأنها لا يمكن نمذجتها.
ولا يُفهم من كلامنا أننا ننتقص من مجال التنبؤ، فقد أنتج هذا المجال أعمالًا ممتازة عبر السنين، سواء على الصعيد العملي أو الأكاديمي. لقد أوجد نماذج لعدم اليقين في مترو الأنفاق (subway uncertainty) يمكن تقييمها بدقة مذهلة، وإدراجها في شتى أنواع التحليلات لاتخاذ أفضل القرارات الممكنة. ومع ذلك، فإنه غير مهيّأ للتعامل مع “جوز الهند” (coconuts)، وهي حقيقة لا مفر منها في عالم الأعمال الواقعي. وخلاصة رسالتنا هي: لا بأس أن تصنع التنبؤات، ولكن لا تضع ثقتك المطلقة فيها.
التعامل مع “جوز الهند”: المبادئ الثلاثة
في نهاية المطاف، نعترف بأن رسالتنا ليست إيجابية على نحو خاص. لا يزال الناس مضطرين لاتخاذ قراراتهم استنادًا إلى ما يظنون أنه سيحدث في المستقبل، ولكن لدينا بعض النصائح للتعامل مع “جوز الهند” باستخدام المبادئ الثلاثة: القبول، والتقييم، والتوسيع.
اقبل أنك تعمل في عالم غير يقيني. نفسيًّا، إن ذلك أمر صعب، لكنّ تجاهل عدم اليقين ليس خيارًا مطروحًا. في الواقع، سواء كان اهتمامك بسعر النفط غدًا، أو بيانات المبيعات للربع القادم، أو سعر الأسهم في العام المقبل، أو الزلازل، أو حتى مجرد الوصول إلى العمل في الوقت المناسب، فلا يمكنك أن تكون واقعيًّا في تقييم فرص وقوع حدث معين إلا إذا واجهت أولًا جميع الاحتمالات الأخرى التي قد تتحقق بدلًا منه.
التفكير المستقبلي المثالي (Future-Perfect Thinking)
على الرغم من أن الناس يواجهون صعوبة كبيرة في التنبؤ بالمستقبل، إلا أنهم لا يجدون صعوبة في تفسير الماضي. إن التفكير المستقبلي المثالي يجبرك على الاستفادة من الإدراك اللاحق (hindsight)، حتى وإن كان خياليًّا صرفًا.
وإليك مثالًا على ذلك…
افترض أنك المدير التنفيذي لإحدى شركات الطيران الكبرى، وتحتاج إلى وضع استراتيجية مؤسسية، مما يقتضي منك التنبؤ بأسعار النفط للسنوات الخمس القادمة.
أولًا، تخيّل أن خمس سنوات قد مضت بالفعل. أنت الآن قادر على النظر إلى الوراء ورؤية ما حدث خلال تلك الفترة. يتبيّن أن أسعار النفط كانت منخفضة ومستقرة على مدى السنوات الخمس “الماضية”، وهذا كان نعمة عظيمة لشركة الطيران (ولمسيرتك المهنية). ولكن، بدلًا من الاكتفاء بذلك الحظ المتخيّل، وضّح (أو احكِ قصة) كيف نشأت تلك الظروف المواتية. ما الأحداث الاقتصادية والجيوسياسية الخاصة التي أسهمت في انخفاض الأسعار واستقرارها؟
والآن، قم برحلة ثانية إلى الأمام خمس سنوات على آلة الزمن. هذه المرة، عندما تنظر إلى أسعار النفط، تشعر بالإحباط. فكل ما تراه هو الفوضى: فترة من الأسعار المرتفعة والمتقلبة للغاية جعلت إدارة شركة الطيران شبه مستحيلة. ومرة أخرى، فسّر ما حدث. ما الأحداث الاقتصادية والجيوسياسية التي أدّت إلى ذلك السيناريو المؤلم؟
إذا مارست هذا النوع من التمارين عدة مرات، مع التركيز على مجالات خبرتك الخاصة، ستبدأ بتكوين إحساس بمستقبلات مختلفة، وستدرك أنها جميعًا ممكنة الحدوث. بعض هذه المستقبلات سيتضمن “جوز الهند” من أنواع شتى، وعلى الرغم من عدم وجود تقنية رسمية لتحويل الإمكانية إلى الاحتمالية، يمكنك الاستفادة من رؤاك الجديدة لصياغة استراتيجيات مناسبة للحماية من المخاطر. هذا هو جوهر التفكير المستقبلي المثالي، إنه ينطوي على تسخير وضوح الإدراك اللاحق لرسم صور أكثر وضوحًا للمستقبل. إنها طريقة لا تقتصر على قبول وتقييم وتوسيع احتمال أن يصيبك “جوز الهند”، بل أيضًا لوضع خطة للتعامل معه مسبقًا.
قيّم مستوى عدم اليقين الذي تواجهه. لا بأس بأن تنمذج عدم يقينك كما لو كان عدم يقين مترو الأنفاق (subway uncertainty): استخدم نموذجًا إحصائيًّا إذا كنت تميل إلى الرياضيات، ثم فكّر كيف يمكن أن يظهر عدم يقين “جوز الهند”. ومن المفارقات أنه بعد قبولك لعدم اليقين، يمكنك البدء بجمع بيانات وأحكام أكثر مما كنت تظن أنه ذو صلة. خذ مثلًا مبيعات رواية أولى لكاتب مجهول. يبدو الأمر حالة فريدة، لكن نصيحتنا للناشرين هي تجاهل هذه الفرادة. وبدلًا من ذلك، انظر إلى سجل مبيعات المؤلفين لأول مرة بشكل عام. ليس لديك سبب وجيه للاعتقاد بأن عدم اليقين المحيط بمؤلفك الجديد يختلف عن باقي المؤلفين الجدد الذين ينتمي إليهم، لا سيما إذا كنت تستخدم عملية معيارية في الصناعة لجمع آراء القراء (ويُعرف أيضًا بالحكم البشري). لذلك، ينبغي أن يكون لديك تقدير معقول لمدى انخفاض أو ارتفاع المبيعات. ذلك النطاق يغطي على الأرجح 95% من جميع النتائج المحتملة. هل فعلت ذلك؟ الآن خذ النطاق المقدّر… وزده! ومن هنا تأتي الخطوة التالية: التوسيع.
وسّع نطاق عدم اليقين، من المرجح أنك قلّلت من تقدير نطاق عدم اليقين، مهما كنت واقعيًّا عند تقييمه. تظهر الأدلة التجريبية الواسعة أن الناس يقللون باستمرار من عدم اليقين، فقدراتهم على التخيل غالبًا أدنى من قدراتهم الرياضية. لدينا نصيحة لمن يرغب في توسيع خياله، لكن إن لم تكن تشعر بالإبداع، فلدينا قاعدة عامة يمكن اتباعها.
في الأساس، قاعدتنا هي: إذا كان لديك كمية قليلة من البيانات التاريخية ذات الصلة بنمذجة المستقبل، فعليك مضاعفة الفرق بين أكبر وأصغر الملاحظات. لماذا؟ لأن تقدير النطاق بدقة يتطلب مراقبة القيم عند الطرفين المتطرفين. غير أن القيم المتطرفة، بحكم تعريفها، نادرة الحدوث، ولذلك من غير المرجح أن تلاحظها في عينات صغيرة. إن مضاعفة ما لاحظته في عدد محدود من الوقائع الماضية هو وسيلة بدائية لتقدير، على سبيل المثال، نطاق 95٪.
من ناحية أخرى، إذا كان لديك ثروة من البيانات السابقة (مثل أسعار النفط)، فقد لا تحتاج إلى مضاعفة نطاقك. ومع ذلك، لا نزال نوصي بضربه على الأقل في 1.5. وتذكر، كما رأينا سابقًا، أن الناس يميلون إلى التقليل من حجم فئة جوز الهند المحتمل، فضلًا عن حجم جوز الهند نفسه.
من التنبؤ إلى التخطيط
بالنظر إلى عدد التنبؤات الكارثية السيئة -وليس فقط في السنوات الأخيرة- يتضح أن الشركات بحاجة إلى استراتيجية مختلفة للتعامل مع عدم اليقين من نوع جوز الهند. كما رأينا مع الزلازل والأعاصير، فإن المفتاح ليس وضع خطط دقيقة تستند إلى التنبؤات، بل إعداد خطط طوارئ لمجموعة متنوعة من الاحتمالات. فإذا كنت تعيش في باريس، ليس من الضروري أن تخطط لزلزال أو سقوط قطعة من قمر صناعي من السماء. ولكن هناك بعض الإجراءات التي يمكنك اتخاذها لتحميك من أحداث لا يمكنك التنبؤ بها. في الواقع، كثير منا يفعل ذلك بالفعل من خلال شراء التأمين أو ممارسة تدريبات الإخلاء من الحريق في مكان العمل. فمعظم وثائق التأمين تغطي نطاقًا واسعًا من الكوارث المحتملة، وتقنيات الإخلاء التي تُمارس من أجل الحريق تصلح أيضًا لحالات الذعر من القنابل أو الفيضانات أو تسربات الغاز.
أما كيفية تعاملك مع عدم اليقين، فذلك أمر يعود لك ولفريقك لتقرروه. ربما ستستخدم استراتيجية التحوط، أو تضع خطة بديلة (plan B) لتطوير نموذج عملك. أو ربما ستتبع نهج “رأس المال المغامر” (venture capital) في الابتكار، فتنمّي عدة أفكار جديدة في آن واحد، وأنت تعلم أن واحدة أو اثنتين منها فقط قد تنجح. الأمر الأساسي هو أن تتوقف عن تصديق تنبؤاتك الخاصة حول المستقبل، وأن تطور خططًا تكون مرنة تجاه المفاجآت، سواء أكانت أزمات ائتمان مستقبلية أو قوى ركود أخرى.
أما عن جوز الهند، فالأزمة الاقتصادية الحالية هي ثمرة ضخمة مشعرة جاءت من الفضاء الخارجي. فهل سيتبين أن الرأسمالية العالمية واقتصاد السوق الحر مجرد فكرة سياسية عظيمة لم تنجح عمليًّا؟ لا نعلم، لكن من المثير للتأمل، كما أنه أمر مهم. وفي نهاية المطاف، ربما تعود إمبراطورية الرأسمالية إلى الواجهة، ومن المرجح أن يعود “فرسان المال” (financial Jedi) إلى الصدارة (وإن كانت قواهم قد ضعفت بفعل التنظيم). فالرأسمالية ليست مجرد فكرة جيدة، بل يمكن أن تنجح عمليًّا مرة أخرى، لكن هذه المرة ينبغي أن نتعلم من التاريخ ما يمكننا وما لا يمكننا التنبؤ به.
المراجع
1. See also, J. Surowiecki, “The Wisdom of Crowds” (New York: Anchor Books, 2005).
2. “Paulson Says He’ll ‘Do What It Takes’ to Calm Markets,” Mar. 16, 2008.
3. G.W. Bush/press conference, James S. Brady Press Briefing Room July 15, 2008.
4. H.M. Paulson, “Paulson Testimony on Turmoil in U.S. Credit Markets,” Sept. 23, 2008.
5. “Talks Implode During a Day of Chaos; Fate of Bailout Plan Remains Unresolved,” New York Times, Sept. 26, 2008.
6. International Monetary Fund, “World Economic Outlook 2007: Spillovers and Cycles in the Global Economy” (Washington, D.C.: IMF, April 2007).
7. International Monetary Fund, “World Economic Outlook” (Washington, D.C.: IMF, October 2007).
8. International Monetary Fund, “World Economic Outlook” (Washington, D.C.: IMF, April 2008).
9. International Monetary Fund, “World Economic Outlook 2008: Financial Stress, Downturns, and Recoveries” (Washington, D.C.: IMF, October 2008).
10. J.C. Cooper, “No Recession, But …,” BusinessWeek (Dec. 20, 2007).
11. N.N. Taleb, “The Black Swan: The Impact of the Highly Improbable” (New York: Random House, 2007).
12. S. Makridakis, R.M. Hogarth and A. Gaba, “Dance With Chance: Making Luck Work For You” (Oxford: Oneworld Publications, 2009).
13. A. Tversky and D. Kahneman, “Judgment Under Uncertainty: Heuristics and Biases,” Science, New Series 185, no. 4157 (Sept. 27, 1974): 1124-1131.
14. That also applies to samples that are imaginary. See P. Juslin, A. Winman and P. Hansson, “The Naïve Intuitive Statistician: A Naïve Sampling Model of Intuitive Confidence Intervals,” Psychological Review 114, no. 3 (2007): 678-703.
i. S. Makridakis and M. Hibon, “The Accuracy of Forecasting: An Empirical Investigation,” Journal of the Royal Statistical Society, Series A, 142, no. 2 (1979): 97-145.
ii. S. Makridakis, A. Andersen, R. Carbone, R. Fildes, M. Hibon, R. Lewandowski, J. Newton, E. Parzen and R. Winkler, “The Accuracy of Extrapolation (Time Series) Methods: Results of a Forecasting Competition,” Journal of Forecasting 1, no. 2 (September 1982): 111-153; and S. Makridakis and M. Hibon, “The M3-Competition: Results, Conclusions and Implications,” International Journal of Forecasting 16, no. 4 (October-December 2000): 451-476.
iii. For a further application of this method, see T.S. Pitsis, S.R. Clegg, M. Marosszeky and T. Rura-Polley, “Constructing the Olympic Dream: A Future Perfect Strategy of Project Management,” Organization Science 14, no. 5 (September-October 2003): 574-590.
[1] الجيداي : الذين يجمعون بين الحكمة، والانضباط في مجال المال.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




