ديبورا هيكس ميدانك
مع عولمة النشاط التجاري، أصبحت الشركات المتعثرة أكثر ارتباطًا بأصول وعمليات وتعقيدات مالية ذات نطاق دولي تهم الدائنين وغيرهم من أصحاب المصالح. لذا، ليس من المستغرب أن يزداد الاهتمام بتطوير استراتيجيات عالمية لمعالجة الأزمات المؤسسية العابرة للحدود. غير أن تطوير نهج عالمي للتعامل مع تعثر الشركات يمثل تحديًا صعبًا، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى اختلاف قوانين الإفلاس دوليًّا؛ إذ تعكس هذه القوانين اختلافات جوهرية في طرق التعامل مع الإفلاس والاتجاهات نحو التعافي المالي. ولغير المحامين أو المحاسبين أو مديري الإنقاذ المالي، قد لا تبدو هذه الفوارق جلية؛ لأن قوانين الإفلاس تشترك غالبًا في أولوية أساسية، هي: حماية مصالح الدائنين والبحث عن وسائل لإبقائهم “سالمين”. مع ذلك، تختلف السلطات القضائية في افتراضاتها حول أفضل السبل لتحقيق هذه الأهداف ضمن حدود مقبولة من المخاطرة.
فعلى سبيل المثال، يقوم النظام الأمريكي منذ أمد بعيد على فكرة أن إعادة الهيكلة، متى أمكن ذلك، توفر أفضل الآفاق للشركات المتعثرة غير القادرة على سداد ديونها والمضطرة للجوء إلى حماية الإفلاس. هناك التزام في الولايات المتحدة باستكشاف خيارات لإعطاء فرصة ثانية، على أمل أن تُحمى المصالح المالية للدائنين والأطراف الأخرى على المدى الطويل إذا أُعيدت هيكلة الشركة لاستعادة وبناء قيمة المؤسسة، وبذلك تُحفظ فرص العمل.
أما النهج الأوروبي، فقد كان تاريخيًّا غير موجه نحو إنقاذ الشركات أو الوظائف؛ إذ كان الأوروبيون يخشون تقليديًّا أن يذهب النهج الأمريكي بعيدًا في محاولة إنقاذ الشركات إلى حد يصبح فيه “ضد مصلحة الدائنين”. فالأوروبيون، على سبيل المثال، لم يعتمدوا حتى الآن إحدى نقاط القوة الكبرى في قانون الإفلاس الأمريكي؛ فكرة أن الشركة المفلسة يمكنها استكشاف خيارات إعادة الهيكلة المختلفة مع الاستمرار في العمل كمنشأة قائمة. بل إن الشركات الأمريكية قد تجمع رأس مال جديد أثناء خضوعها لحماية الإفلاس لتعزيز عملياتها الجارية وآفاق إعادة هيكلتها. وهذه التقنية القيمة، المعروفة بتمويل المدين تحت الحيازة (Debtor in Possession – DIP)، ليس لها نظير في أوروبا حتى الآن، فهناك، من الصعب للغاية على الشركات السعي لجمع رأس مال تشغيلي بعد دخولها في الإفلاس؛ إذ تتوقف عن العمل ككيانات مستقلة وتُعد غالبًا للبيع أو التصفية بوساطة مدير يُعينه القضاء، ما يجعل من الصعب إثبات الحاجة إلى رأس مال مستمر. كذلك، وبما أنه لا توجد آليات راسخة تتيح لممولي (DIP) أولوية المطالبة بالأصول، فإن جذب مشاركة دائنين جدد أمر مستحيل. ونتيجة لذلك، وحتى وقت قريب، كانت معظم الشركات التي تقدمت بطلبات إفلاس في أوروبا تنتهي إلى التصفية أو البيع، إما مجزأة أو كاملة. لقد كان اليقين بحل قصير الأمد، حتى وإن عوّض الدائنين جزئيًّا فقط، مفضلًا على حالة عدم اليقين والتكاليف الإضافية التي غالبًا ما تصاحب نهج إعادة الهيكلة.
اتجاه نحو إعادة التأهيل
لا شك أن كلًّا من النظامين الأوروبي والأمريكي عرضة للإفراط في بعض الأحيان؛ ففي أوروبا، غالبًا ما تتم تصفية شركات قد تكون قابلة للاستمرار، بينما في الولايات المتحدة يمكن دعم بعض المؤسسات المتعثرة مرارًا، وتشتهر صناعتا التجزئة والطيران بهذا الشأن. ومع ذلك، يتضح أن النظام الأمريكي يوفر إمكانيات أكبر لحماية مصالح الدائنين على المدى الطويل إضافة إلى الحفاظ على الوظائف.
وفي هذا السياق، يمكن عدّ التحرك الأخير في أوروبا، لا سيما من قبل الجهات التنظيمية في ألمانيا والمملكة المتحدة، نحو محاولة تيسير إمكانية إعادة التأهيل على الأقل، إشارة إيجابية. وتدفع عدة عوامل إلى تشجيع هذا التطور، منها العدد الكبير من الدائنين الأمريكيين المشاركين في الصفقات الأوروبية، والشعور المتزايد حتى بين الأوروبيين أنفسهم بأن التصفيات (liquidations) لا تحقق بالضرورة أقصى عائد للدائنين، بل قد تقلل من إمكانية السداد لهم. وتعد إعادة هيكلة شركة ماركوني (Marconi Plc) العملاقة المتعثرة في مجال الاتصالات، ومقرها لندن، خارج أروقة المحاكم مثالًا بارزًا على هذا النهج الجديد؛ حيث توصلت ماركوني إلى اتفاق مع الدائنين لتحويل معظم ديونها إلى أسهم ضمن جهد ناجح لتفادي الإفلاس والإدارة القضائية. بالإضافة إلى ذلك، سيبقى معظم فريق الإدارة الحالي في الشركة التي أطلق عليها الآن اسم “ماركوني كورب” (Marconi Corp).
هل سيؤدي هذا التطور التنظيمي في نهاية المطاف إلى تبني الأنموذج الأمريكي بالكامل من قبل الأنظمة القضائية الأوروبية؟ هذا غير راجح؛ إذ إن الفوارق بين النموذجين جوهرية للغاية. ومع ذلك، وفي وقت يتزايد فيه عدد وحجم حالات الإفلاس الدولية بشكل متسارع، وحيث تعيق اللوائح والمتطلبات الصارمة نسبيًّا في مختلف الأنظمة القضائية تحقيق النتائج المنشودة، يصبح من الواضح أن هناك حاجة إلى مناهج متكاملة جديدة.
ومن المفاهيم الواعدة التي حظيت باهتمام في الخارج ما يُعرف بـ”النهج الخفيف” (light touch)؛ ففي هذا النهج، يتفق المدير القضائي المعين من المحكمة مع الإدارة القائمة على بروتوكولات التشغيل، ويخولها بعض الصلاحيات تحت إشرافه (وهذا أقرب إلى النهج الأمريكي منه إلى الأوروبي، حيث كان الاتجاه في أوروبا هو إزالة الإدارة القائمة فور تقديم طلب الإفلاس). ويبدو أن هذا التوجه من قبل المنظمين والممارسين الأوروبيين نحو تطوير نهج أكثر مرونة وبراغماتية في التعامل مع الأزمات المؤسسية قد يمثل نقلة نوعية للمجتمع التجاري العالمي.
اتجاه إيجابي آخر يتبلور في أوروبا يتمثل في وضع إرشادات الإفلاس على أساس ما يسمى “مركز التأثير الرئيس” (center of main influence) للشركة، أي الموقع الجغرافي للمصالح التجارية والمالية الأساسية لها. ففي الحالات التي تنطوي على تعقيدات عابرة للحدود، يتولى مركز التأثير الرئيس مسؤولية إدارة القضية، بينما تتخذ الأنظمة القضائية الأخرى أدوارًا ثانوية، ما يقلل من التعقيدات ويسرّع عملية الإفلاس. وعلى الرغم من أن هذا المفهوم لا يزال قيد التطوير، فإنّ هناك توافقًا متزايدًا على أن النظام البريطاني قد يكون الأنسب لتولي الدور القيادي متى أمكن ذلك. وبما أن المديرين القضائيين المعينين في المملكة المتحدة أبدوا اهتمامًا بتطبيق تقنيات إدارة التحول (turnaround-management) وجهود إعادة الهيكلة، فإن ذلك سيعزز من فرص إعادة التأهيل كخيار في حالات الإفلاس.
استراتيجيات أرضية مشتركة
للاستفادة من هذه الاتجاهات، هناك استراتيجيتان إضافيتان، إذا تم تبنيهما، ستسهمان بشكل كبير في إيجاد أرضية مشتركة بين النظامين الأوروبي والأمريكي.
الأولى هي التدخل المبكر؛ ففي الولايات المتحدة، غالبًا ما تكون عمليات إعادة هيكلة الشركات الأكثر فاعلية تلك التي تتضمن ما يمكن اعتباره “ضربة استباقية”، حيث يتم التدخل في أفضل الأحوال قبل أن تنفد السيولة والخيارات من الشركة المتعثرة وقبل أن يصبح الإفلاس حتميًّا. وكلما تم اتخاذ الإجراء مبكرًا، غالبًا بناءً على الدفع من الدائنين أو مجلس الإدارة، زادت فرص النجاح في إعادة التأهيل. أما في أوروبا، فإن التدخل الخارجي غالبًا ما يحدث بعد فوات الأوان في دورة الأزمة، فلا يحقق سوى التصفية القضائية.
ومن الممكن أن تُحدث تقنيات التدخل المبكر فرقًا في أوروبا، ربما من خلال تطوير ما يمكن تسميته “مفترق الطرق” (fork in the road)، والذي قد يعمل على النحو التالي: عند ظهور أولى علامات الضائقة المؤسسية (كفشل كبير في الوفاء بالاتفاقيات المصرفية أو تراجع مالي حاد)، يُجرى تقييم مستقل سريع وشامل للسيولة، وآفاق السوق، وخيارات التمويل، وقدرات الإدارة، وعوامل رئيسة أخرى. ويمكن أن يؤدي هذا التقييم إلى قرار مستنير من الأطراف المعنية بإجراء تعديلات طفيفة فقط في العمليات التجارية أو هيكل رأس المال للشركة، أو السعي لإعادة هيكلة جوهرية خارج نطاق القضاء للعمليات أو الشؤون المالية، أو الدخول في إجراءات الإفلاس الرسمية.
في الحالات البسيطة نسبيًّا من اضطراب الشركات، قد يكون التدخل المبكر كافيًا لوضع الشركة على طريق التعافي. ولكن في الحالات الأكثر تعقيدًا، لا سيما تلك التي تتضمن تقديم طلب إفلاس في ولاية قضائية وطنية أو أكثر، قد يكون من المفيد أيضًا اعتماد تقنية ثانية أصبحت تزداد شعبية في الولايات المتحدة، هي: الاستعانة بما يُسمى “كبير مسؤولي إعادة الهيكلة” (Chief Restructuring Officer – CRO). يُعد الـ CRO خبيرًا في تحويل مسار الشركات، ويُستقدم إلى الحالات المتعثرة لا بصفته مستشارًا أو ناصحًا، بل كمسؤول مؤقت أو شبه مسؤول داخل الشركة. فهو يرفع تقاريره إلى مجلس الإدارة بدلًا من فريق الإدارة الحالي للشركة. ويركز الـ CRO على تقييم الأزمة الراهنة (بشكل أكثر شمولية مما قد يحدث في مرحلة التدخل المبكر)، ويُكلَّف بوضع وتنفيذ خطة لإعادة هيكلة الشؤون المالية و/أو العمليات التشغيلية للشركة، وجمع رأس المال الخارجي عند الحاجة، واستعادة مصداقية الشركة لدى دائنيها وموظفيها وغيرهم من أصحاب المصالح الرئيسيين.
وقد يكون من المجدي دمج دور الـ CRO في النهج الأوروبي المتطور ذي اللمسة الخفيفة، بحيث يرفع مدير الأزمة تقاريره إما إلى المدير المعين من قبل المحكمة (في حالات الإفلاس) أو إلى مجلس إدارة الشركة (في حالات إعادة الهيكلة خارج نطاق المحكمة). وقد يؤدي إشراكهم إلى زيادة احتمالية تحقيق نتائج ناجحة في محاولات إعادة التأهيل مع الشركات الأوروبية، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى افتقار العديد من الممارسين الأوروبيين للخبرة في مثل هذه المحاولات.
مثال واقعي
لقد تم تعييني في الآونة الأخيرة كـ CRO في شركة خدمات مالية أمريكية تواجه تحديات صعبة، وكانت تملك شركة فرعية في المملكة المتحدة تعاني هي الأخرى من مشكلات مماثلة. كان المدير التنفيذي المؤسس قد تنحى جانبًا بتشجيع من مجلس الإدارة، وتمت ترقية نائب الرئيس التنفيذي لتولي إدارة الشركة، وبما أنه أدرك افتقاره للخبرة في التعامل مع أزمات الشركات، فقد شجع المجلس على استقدام شخص يعمل معه، يتولى إدارة الأزمة بينما يحتفظ هو بالمسؤولية عن العمليات اليومية.
كانت الشركة تعاني من مشكلات حادة في التدفق النقدي، ويرتبط بعضها بتراجع في قطاعها الصناعي الخاص. تم استقدامي في اللحظة التي تم فيها سحب خط تمويل رئيس بإشعار لا يتجاوز عشرة أيام، ما فاقم أزمة السيولة. وفي حالات اضطراب الشركات، فإن القدرة على تقييم السيولة وجمع رأس المال بسرعة، إذا اقتضى الأمر، قد تكون الفارق بين حياة الشركة وزوالها. كان الهدف الأول إذن هو تقليص العمليات بشكل حاسم لتخفيض التكاليف، وجمع رأس مال تشغيلي خارجي بسرعة، جزئيًّا من خلال بيع الشركة الفرعية في المملكة المتحدة قبل تدهور قيمتها.
كان هناك الكثير مما يجب ترتيبه؛ فالتقارير المالية، رغم دقتها، كانت مربكة بسبب تقنية محاسبية فريدة مستخدمة في ذلك القطاع، كما ظهرت ادعاءات في المملكة المتحدة حول ممارسات إقراض جائرة وأساليب محاسبية غير سليمة، وأصبح الاستقرار المالي محل شك. وقد زادت هذه التعقيدات الدولية من خطر تصاعد الأزمة بسرعة إلى مستوى يتجاوز قدرتنا على حلها ضمن إطار إعادة التأهيل.
وبعد ما يقارب سنة من التواصل والمفاوضات مع ممولين جدد، ودائنين قدامى من أصحاب الضمانات وغيرهم، وحملة الأسهم، وفئتين من حملة السندات، ومستشارين قانونيين للشركات في المملكة المتحدة، ومستشارين قانونيين للإفلاس في المملكة المتحدة (تحسبًا لذلك)، وشركتين محاسبيتين مختلفتين (في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة)، ومستشارين قانونيين للشركات في الولايات المتحدة، والمنظمين في كلا البلدين والعديد من الولايات، ووكالات وول ستريت المختلفة، تم التوصل إلى حل مُرضٍ. ففي الولايات المتحدة، مهّد تقديم طلب إفلاس مُعد مسبقًا الطريق لإعادة تأهيل الشركة؛ وتم بيع الشركة الفرعية في المملكة المتحدة؛ وحُفظت مصالح الدائنين.
وعلى الرغم من تعقيد هذه المشكلات، فإن التحديات التي تواجه الشركات العالمية المتعثرة يمكن أن تكون أكثر تعقيدًا بكثير، خاصة بالنسبة للشركات غير الأمريكية. فلو كانت هذه الشركة مقرها أوروبا في الأيام التي سبقت التحول التنظيمي الحالي، لربما أُجبرت بسرعة على الإفلاس ثم بيعت على الأرجح مجزأة وبسعر يقل كثيرًا عن قيمتها الحقيقية المحتملة. ولكن مع التغيرات التنظيمية والتحولات في المواقف عبر أوروبا، يتطور نهج مشترك قابل للتطبيق يهدف إلى تعظيم قيمة المؤسسة، وهو تطور يصبُّ في مصلحة الشركات والدائنين والاقتصادات على حد سواء.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




