تحدد الأبحاث سبع سمات مشتركة للمشاريع الناجحة للغاية.
دوف دفير وآرون ج. شنهار
بين الفينة والأخرى، نشهد مشروعًا يبرز بين أقرانه، يتجاوز التوقعات، ويخلق قيمة استثنائية للشركة الراعية وللعملاء، ويترك في نهاية المطاف أثرًا في مجمل الصناعة التي ينتمي إليها. نطلق على مثل هذه المشاريع اسم “المشاريع العظيمة”. خذ على سبيل المثال إطلاق شركة IBM لجهاز AS/400 في ثمانينيات القرن العشرين، ففي عام 1986م، كانت حصة IBM من سوق الحواسيب المتوسطة المتنامية والمهمة قد تراجعت إلى رقم أحادي. ومع ذلك، وبعد ثمانية وعشرين شهرًا فقط، أصبح مختبر تطوير صغير نسبيًّا في مدينة روتشستر بولاية مينيسوتا، محور حديث شركة IBM. فبمشاركة آلاف المهندسين حول العالم، أطلق مشروع “سيلفرليك” (Silverlake) الذي بلغت كلفته مليار دولار الحاسوب AS/400، الذي طُرح في سبع وعشرين لغة، وسرعان ما أصبح واحدًا من أنجح منتجات IBM على الإطلاق.
عند النظر إلى الوراء، يمكن عدّ تطوير AS/400 مشروعًا عظيمًا؛ فقد غيّر قواعد اللعبة في صناعة الحواسيب ومنح IBM ميزة تنافسية. ويعد نجاح شركة Apple Inc في ابتكار مشغل الوسائط المحمول iPod ومتجر iTunes الإلكتروني، مثالًا حديثًا آخر على مشروع عظيم؛ مشروع غيّر طريقة استماع الناس للموسيقا وشرائها. فلماذا تبقى مثل هذه المشاريع نادرة؟ ولماذا لا يمكن أن تكون معظم المشاريع على شاكلتها؟
كجزء من بحث استمر عقدًا من الزمن، جمعنا بيانات كمية ونوعية عن أكثر من أربعمئة مشروع نُفذت في صناعات متنوعة منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي. نظرنا إلى المشاريع بمعناها الواسع، أي كونها جهودًا تنظيمية مؤقتة لإحداث التغيير. فضلًا عن تطوير المنتجات الجديدة، شملت المشاريع التي درسناها تحسين المنتجات والعمليات، والبناء، وتقنية المعلومات (IT)، وبنية تحتية تنظيمية أخرى، وتغييرات تنظيمية، وجهود إعادة الهندسة، وحملات تسويقية. وشملت مصادر البيانات مقابلات مع الفاعلين الرئيسين، بالإضافة إلى أرشيف وثائق المشاريع والتقارير والمواد المنشورة الأخرى كلما توفرت.
ومن هذه المجموعة، بحثنا عن المشاريع التي تميزت وحققت نجاحًا غير معتاد وأثرًا طويل الأمد. وقد عدَدْنا المشروع “عظيمًا” فقط إذا توفرت فيه الشروط التالية:
١. أن يكون جهدًا رئيسًا ذا أهمية استراتيجية للمنظمة المبادِرة.
٢. أن تسهم نتائجه إسهامًا كبيرًا ولمدّة ممتدة في أداء المنظمة، ورفاهية العملاء والمستخدمين.
٣. أن يكون مبتكرًا للغاية من منظور علمي، أو تكنولوجي، أو تصميمي، أو تشغيلي.
٤. أن يكون لنتائج المشروع أثر بالغ في مجاله الصناعي، وأن يحفز الآخرين على اتباع خطاه.
في البداية، حددنا ستة وأربعين مشروعًا مرشحًا استوفت جميع المعايير الأربعة بدرجات متفاوتة، وذلك بناءً على تقديرنا الشخصي، ثم لجأنا إلى مجموعة من خمسة مديرين تنفيذيين ذوي خبرة، لم يشاركوا في أي مرحلة سابقة من دراستنا. وطُلب من كل منهم تقييم مدى انطباق كل معيار على كل مشروع من المشاريع الستة والأربعين، وذلك على مقياس من سبع درجات. بعد ذلك، لخّصنا الدرجات لكل مشروع، واحتسبنا المتوسطات عبر جميع المشاركين، لنخرج في النهاية بقائمة من خمسة عشر مشروعًا عظيمًا.
وعلى الرغم من اختلاف المشاريع الخمسة عشر التي شملتها دراستنا في الأهداف والصناعات والتقنيات، فإننا وجدنا أن هناك سبع سمات إدارية مشتركة بينها؛ إذ تشاركت كل واحدة من السمات السبع التالية في ما لا يقل عن اثني عشر مشروعًا، من أصل خمسة عشر مشروعًا عظيمًا حدّدناها.
١. يتضمن المشروع العظيم خلق ميزة تنافسية فريدة و/أو قيمة استثنائية لأصحاب المصلحة فيه. فعلى سبيل المثال، تمثلت ميزة IBM AS/400 في ابتكار معيار جديد معياري في قطاع الحواسيب الصغيرة (minicomputer). أما قيمة بناء دار أوبرا سيدني في مدينة سيدني بأستراليا، فكانت في تشييد معجزة معمارية فريدة تجذب ملايين الزوار سنويًّا. وقيمة “مول أمريكا” (Mall of America)، وهو مركز تسوق/ترفيه داخلي في مدينة بلومنغتون بولاية مينيسوتا، الذي استقطب أكثر من أربعين مليون زائر في عامه الأول، تمثلت في حجمه غير المسبوق، مقرونًا بمنتزه ترفيهي مثير في ولاية باردة من الغرب الأوسط الأمريكي.
٢. بدأت هذه المشاريع بمدة طويلة من تعريف المشروع، خُصصت لوضع رؤية قوية وحاجة واضحة، واختيار أفضل نهج للتنفيذ. كما كانت هذه المدة الممتدة ضرورية للحصول على تأييد جميع أصحاب المصلحة. فعلى سبيل المثال، كان مشروع “عبور الأطلسي” (Atlantic Crossing)، وهو كابل بصري عابر للأطلسي وضعته شركة Tyco Submarine Systems Ltd، بين الولايات المتحدة وألمانيا والمملكة المتحدة، يهدف إلى سد فجوة عاجلة في الطلب على الدوائر في أوروبا. ومع ذلك، فقد شملت مرحلة تعريفه وتخطيطه سبع عشرة خطوة متميزة، أُنجز بعضها قبل منح العقد بوقت طويل. ومثال آخر، هو التحالف الاستراتيجي الذي أنشأته شركة Boeing مع ثماني شركات طيران رائدة من عملائها، لتشكيل مواصفات ومتطلبات طائرة Boeing 777، وهي طائرة ذات بدن عريض ومحركين، طُورت في تسعينيات القرن العشرين، وأصبحت من أكثر الطائرات مبيعًا في تاريخ Boeing. أما مشروع Kepler التابع لوكالة NASA، الذي أطلق مركبة فضائية خارج الأرض عام 2009م لاستكشاف مجرة درب التبانة بحثًا عن كواكب شبيهة بالأرض، فقد تُصُوِّرَ خلال مدة امتدت عقدًا كاملًا، شملت وضع الرؤية والرسالة، واختيار أفضل وسيلة لتنفيذ المشروع.
٣. المشاريع العظيمة تخلق ثقافة مشروع ثورية. غالبًا ما يتطلب تنفيذ المشاريع العظيمة ثقافة مشروع مختلفة، يمكن أن تنتشر لاحقًا إلى جميع أرجاء المؤسسة. فعند عملها مع شركات النقل الشريكة وشبكة الموردين في مشروع الطائرة 777، أنشأت شركة Boeing (بوينغ) بيئة تطوير سهلة الاستخدام، لم يسبق للشركة أن استخدمتها من قبل. وقد غيّر ذلك، إلى جانب نظام التصميم والتصنيع بالحاسوب الجديد (CAD/CAM)، الطريقة التي تصمم وتصنع بها Boeing الطائرات التجارية. وبالمثل، غيّرت سيارة Z3، وهي سيارة رودستر أنيقة طورتها مجموعة BMW (بي إم دبليو) في أوائل التسعينيات، طريقة بناء BMW لسياراتها؛ فقد ركزت ثقافة مشروع Z3 على بساطة التصميم وكثرة اختبارات النماذج الأولية، ما مكّن الشركة من بدء التصنيع خارج ألمانيا. وكانت Z3 أول سيارة من BMW تُنتج في الولايات المتحدة، وعند إطلاقها تجاوزت توقعات الشركة في المبيعات بأكثر من ٥٠٪.
٤. يحتاج المشروع العظيم إلى قائد مشروع عالي الكفاءة، يحظى بدعم غير مشروط من الإدارة العليا. ليس من المستغرب أن القادة ذوي الكفاءة العالية يصنعون الفارق. وبشكل أكثر تحديدًا، يجب أن يتمتع قائد المشروع الناجح بمهارات شخصية عالية، ومؤهلات تواصل ممتازة، وصلات قوية بالإدارة العليا. وفي بعض الحالات التي درسناها، كان مدير المشروع عضوًا في فريق الإدارة العليا نفسه. فعلى سبيل المثال، تولى توم فيوري (Tom Furey)، مدير مختبر تطوير IBM في روتشستر، إدارة مشروع سيلفرليك (Silverlake) بجانب منصبه الأصلي.
ومع ذلك، فإن وجود قائد عظيم ليس كافيًا، فغالبية المشاريع غالبًا ما تعاني مشكلات وصراعات وأزمات. ومع ذلك، ففي المشاريع العظيمة التي درسناها، كان دعم الإدارة العليا يعكس قرارًا استراتيجيًّا بمواصلة المشروع حتى نهايته الناجحة. ومن الأمثلة النموذجية على ذلك، مشروع المعدات المشترك المتحرك للجيش الأمريكي (Mobile Subscriber Equipment – MSE)، الذي أنشأ في ثمانينيات القرن العشرين نظام اتصالات متكاملًا يعتمد على التحويل المناطقي، ليحل محل الأنظمة التقليدية على مستوى فرق الجيش وفيلقه. وقد جعل وزير الدفاع آنذاك مشروع MSE جزءًا من برنامج مؤسسته الدفاعية ذات الأولوية العالية، وقد منح هذا القرار فريق المشروع شعورًا بالأهمية، ومكّن الجيش من تطبيق عمليات استحواذ مبسطة وحديثة. وقد أثبت النظام الناتج الذي بنته شركة GTE تفوقه الكبير على الأجيال السابقة، ووفّر الأساس لتحديث اتصالات الجيش في ذلك الوقت.
وبالمثل، دعم بيل غيتس (Bill Gates) من Microsoft (مايكروسوفت) بقوة مشروع Word for Windows (وورد فور ويندوز) حتى نهايته الناجحة، رغم المشكلات الكبيرة وإعادة التصميم المتكررة والتأخيرات المؤلمة. وبعد إطلاقه عام ١٩٨٩م، أصبح Word for Windows بسرعة، المعيار الجديد لمعالجة النصوص في السوق.
٥. المشاريع العظيمة تعظم الاستفادة من المعرفة القائمة، وغالبًا بالتعاون مع منظمات خارجية، فقد اعتمدت جميع المشاريع الناجحة في عينتنا كل ما أمكنها من معارف وتقنيات، بدلًا من محاولة إعادة اختراع ما هو معروف بالفعل. وقد تُبُنِّيَت المكونات التقنية القائمة من مشاريع سابقة أو استُقدِمَت من الخارج. فعلى سبيل المثال، استخدم Word for Windows تصميم Word for Macintosh (وورد فور ماكنتوش) القائم؛ واعتمدت Boeing 777 برنامج CAD/CAM الذي اشترته من Dassault Systems (داسو سيستمز). وعندما شُيّد مشروع مركز التجارة العالمي في نيويورك في ستينيات القرن العشرين، تُبُنِّيَتْ تقنية إيطالية للتعامل مع مستويات المياه في صخور نهر هدسون. وأخيرًا، في تصميم iPod وiTunes، اعتمدت Apple (آبل) تقنيات قائمة طورتها شركتا Fuse وPortalPlayer Inc.
٦. تمتاز هذه المشاريع بفرق تطوير متكاملة قادرة على حل المشكلات بسرعة، والتكيف مع التغيرات في الأعمال والأسواق والتقنيات. ورغم أن الأبحاث السابقة أشارت إلى أهمية التواصل المفتوح داخل فرق المشروع، فقد وجدنا أن العنصر الفارق الحقيقي كان في البنية متعددة التخصصات لهذه الفرق، وقدرتها على حل المشكلات في أثناء ظهورها. كما كانت الفرق قادرة على التكيف السريع مع التغيرات في بيئة الأعمال والتكنولوجيا، وغالبًا ما كانت تعيد توجيه المشروع في اتجاه جديد. وقد ضمت جميع المشاريع العظيمة تقريبًا في دراستنا فرقًا متنوعة فعلًا، مع ممثلين من مختلف أنحاء الشركة وخارجها. فعلى سبيل المثال، تشتهر Apple بمشاركتها أفرادًا من أقسام التصميم والتصنيع والبرمجيات والتغليف في عملية تطوير المنتجات والتقنيات بشكل مستمر، ما يسرّع التكيف والتغيير.
٧. فرق المشاريع العظيمة تتمتع بإحساس قوي بالشراكة والفخر، فالعمل الدؤوب لفريق مكرس لساعات طويلة لتخطي العقبات، غالبًا ما يميز المشروع العظيم عن المشروع العادي. واليوم، وبعد أكثر من خمسة وعشرين عامًا، لا تزال قصة فريق Apple النشيط الذي طور في ثمانينيات القرن الماضي أول جهاز Macintosh (ماكنتوش)، وهو فئة جديدة من الحواسيب سهلة الاستخدام، تثير الاهتمام. ومؤخرًا، اتسمت روح فريق مشروع Kepler (كيبلر) في NASA (ناسا) بالبساطة والحيوية والحماس؛ فقد كان أعضاء الفريق ملهمين وفخورين وملتزمين برؤية المشروع، وتولوا مسؤولية المشروع دون الحاجة إلى توجيه مفرط من الإدارة العليا.
ما الجديد في هذا البحث؟ لقد ظهرت بعض هذه العوامل في دراسات سابقة، فما الذي يمكن أن نتعلمه من هذا البحث؟ إن ما يجعل نتائج هذه الدراسة ذات فائدة، هو التركيز المحدد والجمع بين العوامل المختلفة. فعلى سبيل المثال، يدرك مديرو المشاريع الكبرى أن مهمة مشروعهم ليست مجرد تسليم منتج، بل هي إحداث فرق وخلق ميزة تنافسية فريدة وقيمة استثنائية للعملاء. وبالمثل، فإن وجود قائد مشروع جيد لا يكفي، بل يجب أن يحظى بدعم غير مشروط من الإدارة العليا. كما أن مجرد بناء فريق متعدد التخصصات لا يعد كافيًا؛ إذ ينبغي لهذه الفرق أن تتعلم العمل معًا، وأن تتواصل جيدًا، وأن تشعر بالفخر، وقبل كل شيء أن تطور القدرة على حل المشكلات بسرعة، وأن تتكيف مع التغيرات في بيئة الأعمال السريعة الحركة.
ومن الفوائد المحتملة لهذه الدراسة، إسهامها في الجدل المستمر حول المنهج الأمثل لإدارة المشاريع، فقد كانت إدارة المشاريع، تقليديًّا، يُنظر إليها على أنها مهمة تشغيلية، إذ يمكن إدارة معظم المشاريع بطريقة متشابهة، مع تركيز نشاط المشروع على وضع خطة جيدة، ثم بذل كل جهد للالتزام بالخطة طوال مدة المشروع. وكان هدف المشروع يتمثل في تحقيق أهداف الوقت والميزانية والمتطلبات، وكان يُقاس النجاح بمدى قدرة الفريق على تحقيق ذلك الهدف.
لقد تعرض النهج الكلاسيكي لإدارة المشاريع في السنوات الأخيرة للتحدي، من خلال اقتراحات تدعو إلى تبني منهج أكثر تكيُّفًا واستراتيجية. ووفقًا لهذا الرأي، فإن المشاريع تُعد محركات رئيسة للتغيير، ووسائل لخلق أعمال مستقبلية، فهدف المشروع (ومسؤولية فريقه) هو تحقيق نتائج أعمال، من خلال استغلال الفرص الجديدة في السوق والتكنولوجيا، وخلق ميزة تنافسية وقيمة مضافة. بالإضافة إلى ذلك، يشير هذا المنهج الاستراتيجي إلى أن “الحل الواحد لا يصلح للجميع”، وأن التخطيط والتنفيذ يجب أن يتكيفا مع سياق المشروع المحدد، ومع التغيرات الديناميكية في البيئة في أثناء تنفيذ المشروع. لقد استخدمت المشاريع الكبرى في هذه الدراسة بوضوح منهجًا تكيُّفيًّا واستراتيجيًّا. وإذا أدرك كبار المديرين التنفيذيين أهمية المشاريع لمؤسساتهم، وتعلموا مكونات المشاريع المتميزة، فربما نشهد مزيدًا من المشاريع الكبرى.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




