ترجمة أبرار اللهيبي
على القادة موازنة متطلبات المنطق والعاطفة، والعقل والقلب، عند قيامهم بالعروض التقديمية.
نانسي دوارتي
عندما تتاح لك الفرصة للتواصل مع جمهور معين، فإن مجرد سرد الحقائق واحدة تلو الأخرى ليست الطريقة المثلى لتحقيق ذلك، فلديك فرصة رائعة للتواصل معهم على مستوى أعمق وأكثر تأثيرًا. لا شك أن العروض التقديمية تهدف إلى إيصال معلومات مهمة، ولكن إذا قُدمت بهذا الأسلوب، فربما كان من الأفضل إرسالها عبر البريد الإلكتروني لتوفير وقت الجميع. تكمن القيمة الحقيقية للعروض التقديمية في قدرتها على إلهام وتحفيز الجمهور.
قد يعمل الجمود والواقعية في مجال التقارير العلمية مثلًا، لكن لن يساعد على تحفيز الكثير من الفئات المستهدفة؛ فالحقائق وحدها لا تساعد الفئة المستهدفة على فهم سبب أهمية المعلومة: من المحتمل أنك تعتمد بشكل كبير على إدراك الجمهور للمعنى الكامن وراء هذه المعلومات، والربط بين نقطتين (أ) و(ب). أنت تجعل الجمهور يبذل جهدًا أكبر لتحديد القرار الذي كنت بصدد إقناعه لاتخاذه.
استعمال العاطفة هي إحدى الطرق لتسليط الضوء على التفاصيل الدقيقة وإظهارها، وما تود أن تفعله هو إلحاق الحقائق تلك بتتمة تساعد الجمهور على فهم قيمة تلك البيانات وقيمة مخرجاتها إذا ما قمنا بالعمل عليها، أو عواقب تجاهلها.
لكن لو كان لديك جمهور متخصص في هندسة التكنولوجيا الحيوية مثلًا، فإن تقديم عرض يميل للعاطفة بشدة يعد خطأً فادحًا، ولو كنت تحاول تعزيز فريق مبيعات لديك، ثم لجأت إلى سرد البيانات بشكل كامل، فهذا أيضًا خطأ. عليك التخطيط قبل عرضك التقديمي بشأن المقدار المناسب من العاطفة والعقلانية التي سوف تتناسب مع جمهورك المستهدف، وعليك الجمع بينها في عرضك التقديمي بصورة متناسقة تشبه الوصفة؛ تحتاج إلى التوازن.
المصداقية ركن من أركان تحقيق التوازن، فمن خلال برهنة أنك فهمت تفضيلات الجمهور واحتياجاته، تبني أساسًا مشتركًا، ما يعزز موثوقيتك، إذ تبني مصداقيتك وخبرتك أساسًا متينًا يعزز تأثير عرضك التقديمي.
لا تعد هذه أفكارًا حديثة، فبالعودة إلى القرن الرابع قبل الميلاد، زعم الفيلسوف اليوناني أرسطو، أن الإقناع يستلزم تبني ثلاثة أنواع من الحجج:
1. المنطق أو Logos، وهو طرح المتحدث للأدلة من خلال الكلمات والبيانات.
2. العاطفة أو Pathos، حيث يثير المتحدث عواطف وخيال الجمهور.
3. الأخلاق أو Ethos، حيث يعتمد المتحدث على ما يتمتع به من مصداقية وشخصية.
لا تزال نداءات أرسطو البلاغية ملائمة حتى يومنا هذا، وما يعد بالغ الأهمية للقادة وصعبًا عادًة، هو معرفة كيفية تطويعها وموازنتها لتتناسب مع حاجات جمهور معين. فالقدرة على قياس المقدار المناسب من العاطفة والمنطق لتتوافق مع مناصب ومجالات ومعضلات الجمهور المستهدف، سواءً أكانوا مهندسين، أو مجموعة من المستثمرين المحتملين، أو زملاءك وأقرانك، تعد مهارة مُجدية للغاية.
أولًا، افهم جمهورك
الخطوة الأولى لتحقيق هذا التوازن هي فهم جمهورك: هل هم من صانعي القرار الذين يستندون إلى البيانات ويتطلعون إلى الإحصاءات والأدلة الواقعية؟ أم أنهم أكثر تأثرًا بالقصص الشخصية والروابط العاطفية؟ يمكنك الاستعانة بطبيعة المجالات، والأقسام، ووظائف جمهورك في تحديد المعدل المناسب بين كلٍّ من المحتوى التحليلي والعاطفي الذي ينبغي عليك طرحه عند التواصل معهم. فإذا لم تخصص وقتًا لفهم جمهورك، فإنك تخاطر بخلق خلل في التوازن. علاوة على ذلك، إذا قدمت طاقة عاطفية أو تحليلية لا تتوافق مع جمهورك، فقد يؤثر ذلك سلبًا على مصداقيتك. (اطلع على “توازن تحليلي وعاطفي مثالي”).
توازن تحليلي وعاطفي مثالي
في المثلثين الأولين، تظل مصداقية المتحدثين عالية عندما يقللون من الاعتماد على الجذب العاطفي أو التحليلي الذي يقدمونه، ويرجع ذلك إلى أن هذه العروض التقديمية حققت التوازن المناسب لجمهور المناسب. أما في المثلث الثالث، فتنهار المصداقية عندما يبالغ المتحدث في تقديم محتوى عاطفي لجمهور يميل إلى التفكير التحليلي.
عند تقديمك عرضًا لجمهور تحليلي، عليك تقليل طرحك للمناشدات العاطفية، خففها واستعملها بقصد؛ فلا يزال المجتمع التحليلي بشرًا، ولذلك قد يحفزهم تضمين بعض المواد في العرض، التي توضح النتائج المتوقعة عند اتخاذنا إجراءات معينة استنادًا إلى البيانات المُقدمة مثلًا.
وعلى العكس، عند تقديمك عرضًا لجمهور أو محتوى يغلب عليه الجانب العاطفي، فعليك التقليل من استعمال البيانات التحليلية بكثرة، اسمح لجمهورك بالانغماس في مختلف أنواع المشاعر. لا يمكنك أن تجذب انتباه الجمهور العاطفي باستعمال التفاصيل والحقائق بشكل مبالغ فيه، فكل ما يرغبون به هو التأكد من أنك تفحصت البيانات بعناية، ولكن لا يرغبون برؤية 20 شريحة من الرسوم البيانية.
تحقيق التوازن المناسب هو الأساس: حتى لو كنت أفضل مقدم عروض في العالم، فإن المبالغة في التعبير أو المبالغة في سرد القصص قد تؤدي إلى خلق فجوة بينك وبين الجمهور.
من السهل على الكثير منا الانغماس في الأرقام على سبيل المثال، فالقدرة على العمل طوال الوقت مع مختلف البيانات، والمخططات، والرسوم البيانية والجداول الزمنية، ولوائح المعلومات تعد من متطلبات تحقيق النجاح في معظم الوظائف، ولكن عند إطلاق منتج لم يسبق له مثيل، فمن غير الحكمة إرباك الجمهور بعدد هائل من البيانات. وعلى الرغم من أهمية المحتوى التحليلي، فإنه يجب تقديمه دائمًا بطريقة سهلة الفهم وجذابة.
الحقائق والمشاعر: المزيج المثالي لعروض تقديمية مُقنعة
لتلبية متطلبات القلب والعقل عليك خلق سرد جذاب مُقنع ولا ينسى، وللقيام بذلك قم بالعودة إلى عرضك التقديمي وجرده لتحديد أي من الشرائح تتطلب بعض التحسينات، سواءً بزيادة البيانات التحليلية أو العاطفية. خذ في الحسبان التوازن الذي تطمح لتحقيقه، وأعد صياغة الأسلوب والمحتوى حيثما يقتضي: مثال على ذلك، قد تتبع شريحة تحتوي على بيانات إحصائية شريحة تحتوي على اقتباسات تشجيعية أو صورة مؤثرة.
من الأمثلة على أنواع المحتوى التحليلي تشمل البيانات الإحصائية، والحقائق، والمخططات، والرسوم البيانية، والبيانات المرئية، واقتباسات الخبراء، والحجج المنطقية والمنطق، والاستشهاد ببحوث أو دراسات، والخرائط ومقاطع الشروحات، والعروض والنماذج، والمرفقات والمستندات.
كما تشمل الأمثلة على المحتوى العاطفي الطرائف والقصص، والنكات، والهتافات العاطفية مثل “هذا رائع!”، والصور المُعبّرة والرسوم التوضيحية، والاستعارات والابتسامات، والتشويق والتصريحات الجريئة، والموسيقا الدراماتيكية والمؤثرات الصوتية، والحركات الجسدية والتمثيلية، والمكافآت، والفوائد، والعروض.
بالتأكيد، يمكن دمج التحليل المنطقي مع العواطف لتحقيق التأثير، ويمكنك مصاحبة البيانات بطرائف أو قصص عن الأشخاص الذين أنشؤوا الحجج المنطقية لإضفاء طابع إنساني على رسالتك، كما يمكن تصميم المخططات والرسوم البيانية لإثارة المشاعر؛ على سبيل المثال، يمكن عرض مخطط بشكل تدريجي، عمودًا تلو الآخر، لإضفاء شعور بالإثارة وإبقاء انتباه الجمهور مشدودًا بسردك. بالإضافة إلى ذلك، يمكن إقران الرسم البياني الذي يظهر تحسنًا كبيرًا بصور للفريق وهو يحتفل بالإنجاز، ما يعزز الأثر العاطفي. كما أن ربط البيانات بما يهم الجمهور فعليًّا يبرز قيمتها ويجعلها أكثر رسوخًا، على سبيل المثال، لا تكتفِ بالقول إن منتجًا ما يزيد الكفاءة بنسبة 30%، بل قل: “منتجنا يزيد الكفاءة بنسبة 30%، تخيلوا كم من الوقت الإضافي ستحصلون عليه يوميًّا للتركيز على الأولويات الأهم إذا تم إنجاز كل مهمة بشكل أسرع”.
كما أن ربط المكافآت أو الفوائد أو العروض مباشرة بدعوتك لاتخاذ إجراء يعزز الجذب العاطفي لعرضك التقديمي، فعلى سبيل المثال، التركيز على أن تبني استراتيجية جديدة لن يحسن الكفاءة فحسب، بل سيؤدي أيضًا إلى فوائد ملموسة، مثل المكافآت أو فرص النمو المهني، ما يخلق دافعًا قويًّا للجمهور لاتخاذ خطوة. وهذا الربط بين العمل والمكاسب الشخصية يساعد على تحفيز الجمهور وجذب انتباههم على مستوى عاطفي أعمق.
سواء أكنت تميل إلى مخاطبة العقل أم القلب، فمن الضروري التواصل مع الجمهور على مستوى شخصي. وعند تقديم إحصائيات حول إطلاق منتج جديد، شارك قصصًا عن رحلة تطويره، مع تسليط الضوء على التحديات التي تغلبت عليها والشغف الذي قاد إلى إنجازه.
بينما تقود الحجج المنطقية الجمهور إلى الاتفاق معك على المستوى الفكري، فإن الصدى العاطفي غالبًا ما يكون هو المحفز الذي يدفعهم إلى اتخاذ الإجراء. ويمكن أن يؤدي استخدام السرد القصصي والصور القوية وربط البيانات بمواقف ذات صلة إلى استثارة هذه الاستجابة العاطفية. (للمزيد من النصائح حول إنشاء عروض تقديمية ناجحة، اطلع على “كيف تصمم شرائح تناسب رؤساءك: 11 نصيحة“).
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




