• من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • تواصل معنا
  • دخول / تسجيل
  • اللغة
    • English
    • Chinese

لا توجد منتجات في سلة المشتريات.

منصة معنى الثقافية
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
هدهدة
No Result
عرض جميع النتائج
الثلاثاء, أغسطس 18, 2026
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
No Result
عرض جميع النتائج
منصة معنى الثقافية
هدهدة

الفلسفة الإسلامية: من التأثير الديني إلى التأثير السياسي | سليمة مقصودلو

بواسطة معنى
22 ديسمبر، 2025
من مقالات فرنسية
A A
الفلسفة الإسلامية: من التأثير الديني إلى التأثير السياسي | سليمة مقصودلو

بقلم: سليمة مقصودلو Salimeh MAGHSOUDLOU

ترجمة/ شيخة السميري

مراجعة/ محمد بن علي الزهراني

يُظهر كريستيان جامبيه Christian Jambet أن هناك فلسفة حقيقية في بلاد الإسلام، تكمن بين الحكمة الدينية واللاهوت السياسي، مما يهدم نهائيًّا أي شكل من أشكال الاستشراق.

مُراجَع: كريستيان جامبيه، ما هي الفلسفة الإسلامية؟ Qu’est-ce que la philosophie islamique ?، باريس، غاليمار Gallimard، مجموعات مقالات مطوية، ٢٠١١م، ص472، ٩.٦٠ يورو.

تبدو طبيعة الفلسفة الإسلامية -أو الفلسفة في الإسلام- وخصائصها مصدرين لا ينضبان للأسئلة التي ما برحت تشغل اهتمام المفكرين والمتخصصين في المجال الإسلامي منذ القرن التاسع عشر على الأقل؛ إذ لا تزالان، حتى اليوم، تحفّزان الباحثين الحريصين على تقديم إجابات جديدة عن ذلك السؤال المألوف: «ما الفلسفة الإسلامية؟». ومن هذا السؤال تتفرّع تساؤلات أخرى، تبدأ بدقة التسمية ذاتها: «الفلسفة الإسلامية»، أو «العربية»، أو «الفلسفة في الإسلام»، ولا تنتهي عند تحديد منظّري هذا الحقل أو ممارسيه من فلاسفة، ومتصوفة، وحكماء، فضلًا عن بحث المضامين التي يمكن إدراجها تحت هذا العنوان.

في هذا الكتاب الغني، يسعى كريستيان جامبيه إلى تقديم تحليل خاص لطبيعة الفلسفة الإسلامية وخصوصيتها، مع تركيزه على السمات التي تُميّز طابعها الديني. وبدلًا من اقتراح سرد تاريخي جديد للفلسفة في بلاد الإسلام، يقدّم الكتاب -استنادًا إلى الإرث الفكري لهنري كوربان- قراءة تحليلية لمجموعة واسعة من التقاليد الفكرية ذات الطابع الفلسفي، الممتدة عبر مجال جغرافي شاسع، من المغرب والأندلس، وصولًا إلى خراسان الإيرانية وآسيا الوسطى.

الفلسفة الإسلامية أم الفلسفة العربية؟

يعد كتاب كريستيان جامبيه جزءًا من هذا التقليد المتخصص الطويل، الذي أعاد تشكيل المفاهيم الأساسية التي كانت بمثابة أسس لبناء النطاق الإسلامي، ومنذ استشراق القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا، شهدت طرق التحليل، والمناهج المتبعة لدراسة هذا التقليد، والمتبلورة أيضًا في ثلاث تسميات أٌطلقت على هذه الفلسفة[1]، تطورات وتغييرات عبر التاريخ، بحيث يمكننا تحديد الاتجاهات والطرق المختلفة[2]. تأتي المقدمة بتوجه استشراقي متمثل خصوصًا في أعمال إرنست رينان Ernest Renan، الذي سعى إلى الحد من الدور الطاغي الذي لعبته الفلسفة العربية، فضلًا عن أطروحة الفيلسوف الألماني هيجل Hegel، أو تلك المتعلقة بالقرون الوسطى الفرنسية للفيلسوف إتيان جيلسون Etienne Gilson، التي عدت الفصل العربي في تاريخ الفلسفة فترة عابرة وانتقالية بين الفلسفة اليونانية والمدرسة اللاتينية، كما عدتها ليست سوى انعكاس للأسلوب الاستشراقي تجاه التاريخ العالمي للعلم (ص:٥٤-٦٢). وبالنسبة لأولئك المؤيدين لهذا التوجه، فإن الفلسفة قد ماتت في العالم الإسلامي بسبب هجمات أبو حامد الغزالي (المتوفى سنة ١١١١م)، وهو الفيلسوف الذي اشتهر بكتابة نصوص القرون الوسطى، والذي اتهم في كتابه “تهافت الفلاسفة L’incohérence des philosophes”، الفلاسفة بالزندقة لأنهم يدعمون ثلاث أطروحات تتنافى مع أسس الإسلام، وحسب الاتجاه الاستشراقي، حتى ابن رشد (المتوفى سنة ١١٩٨م) الذي يعد آخر فلاسفة العرب، لم يتمكن من إعادة النظر في مكانة الفلسفة في الإسلام[3].

وفي مقابل هذا الاتجاه، أعادت أعمال هنري كوربان وكريستيان جامبيه، التي نُشرت نصوصها المتعددة المكتوبة بالعربية والفارسية عبر سلسلة من الطبعات والإصدارات، الاعتبار إلى دور الفلسفة الإسلامية ومكانتها. فقد أسهم كوربان في زعزعة هذه الأحكام المسبقة عبر إصراره على استمرارية الفلسفة الإسلامية بعد ابن رشد، في ما عُرف بما يُسمّى بالفلسفة «التنويرية»، ولا سيما في إيران وشرق العالم الإسلامي. وهكذا، لم تمت الفلسفة، بأي حال من الأحوال، بل غيّرت مساراتها ومصطلحاتها وأنسابها.

وفي هذا السياق، استبدل كوربان وصف «العربية» بـ«الإسلامية»، معتبرًا أن هذه الفلسفة ليست نتاج جماعة عرقية عربية بعينها، بل ثمرة تطورات فكرية أسهمت فيها جماعات وأعراق متعددة، من عرب وأتراك وأندلسيين وفرس وغيرهم. وبصرف النظر عن الانتماء العرقي، شدّد هنري كوربان على حقيقة إسهام هذه الشعوب مجتمعة في تاريخ الفلسفة، تحت راية الإسلام بوصفه العنصر المشترك الوحيد بينها. وقد أعاد جامبيه التأكيد على هذا الخيار الكورباني، مبيّنًا أن مصطلح «الإسلامية»، وقد تجرّد من الحمولة الاستشراقية التي ارتبطت بتوصيف «العربية»، يقدّم نفسه بوصفه اختيارًا مصطلحيًا أكثر حيادًا من الناحية العلمية.

يبرر الكاتب سبب اختياره بهذه العبارات: “إن تسمية الفلسفة العربية تعني فلسفة العصور الوسطى التي كُتبت باللغة العربية، ولا تشمل الأعمال المكتوبة بالفارسية” (ص ٦٠)؛ إذ ستكون الفلسفة العربية تعبيرًا صحيحًا إذا عددنا أنها كتبت باللغة العربية فقط، وهي اللغة العلمية المتعلمة في البلدان الإسلامية التي يعبر بها الفلاسفة عن أنفسهم، وهذا منظور أحد مؤرخي فكر العصور الوسطى، الذي يعد تاريخ الفلسفة العربية جزءًا منه، ولكن هذا ما يراه جامبيه أيضًا: “لأننا إذا شككنا في حقيقة خصوصية الفلسفة الإسلامية، فإن المنظور سيكون مختلفًا” (ص ٦٠). لا يقصد الكاتب دراسة الفلسفة الإسلامية بوصفها فرعًا من فروع فلسفة العصور الوسطى، ولكنه يسعى إلى فهم “معنى المنحنى الكامل للفلسفة في الإسلام، والذي يستمر حتى بعد العصور الوسطى، كما يسعى إلى توضيح معاني نُظم التفكير في الإسلام التي أنشأت الأنطولوجيا، والأخلاق، وعلم الخلاص الفلسفي في الإسلام” (ص ٦٠)، يعد الاختيار ضروريًّا، كما يعد مجال البحث محدودًا على الرغم من كونه واسعًا جدًّا؛ لقد استبعد الفلاسفة المسيحيين واليهود من هذا المشروع، حيث يركز المشروع بالكامل على أولوية الأنطولوجيا، وعلم اللاهوت، والإيشاتولوجي[4].

وعليه، يبتعد كريستيان جامبيه، كأي مفكر آخر متأثر بنزعة هنري كوربان، عن غيره من المتخصصين المعاصرين في الفلسفة الإسلامية، والذين يتبعون المنهج التاريخي عادّين الفلسفة الإسلامية إحدى فلسفات العالم في العصور الوسطى[5]، وبحسب هؤلاء الفلاسفة، فإن مصطلح “الإسلامية” له دلالة ثقافية وليس دينية وحسب، بينما يقول رأي جامبيه بأنهم: “لم يكونوا فلاسفة رغم الإسلام، بل منه، ومعه، وفيه” (ص ٦٢).

لا يخلو هذا الإطار النظري للدراسة من النتائج المبنية على التعريف الذي قدمه الكاتب لمفهوم الفلسفة ذاته، وكذلك من المحتوى الذي يمكن مقاربته على أنه فلسفي: “تعد الفلسفة طريقة للتفكير والمعرفة لأنها دليل رحلة الروح وارتحالها، بعيدًا عن المناطق المظلمة التي تشبه جحيم المشاعر والأوهام، وقريبةً من المناطق المضيئة، فهي جنة الدنيا، والواقع” (ص ١٣)، وليس الجزء الأول من هذا التعريف فاتنًا؛ فالفلسفة منهج ومجموعة خطوات منظمة وعقلانية تهدف إلى تحقيق نتيجة، وهي المعرفة، إلا أن الشق الثاني هو الذي يوجهنا نحو رؤية الكاتب نفسه؛ الفلسفة “رحلة الروح” من ظلمة الأهواء (الجسدية)، إلى نور المعرفة والواقع. تعد المصطلحات المستخدمة في موضوع الرحلة، رغم رمزية النور والظلام، تذكيرًا بمصطلحات السهروردي، ويمكننا أن نكشف عبرها عن الجانب الصوفي المرتبط بمنهج الكاتب للتأملات الفلسفية، وفي هذا السياق، يكشف الكاتب عن حدود مشروعه: “إذا كان علينا أن نبرر أنفسنا، لقلنا إننا لا نقترح هنا تلخيص – كيف يمكن أن يكون؟- محتوى العلوم الفلسفية مثل تلك التي كانت وما زالت في البلاد الإسلامية، ولكن بحث الصلة الإسنادية بين “الفلسفة” و”الإسلام” في التعبير المعتاد “الفلسفة الإسلامية” (ص ١٩)؛ يترتب على ذلك، أن الفلسفة مفهومة هنا بمعناها الواسع، فالمحتوى الفلسفي ليس محصورًا بإنتاج الفلسفة بمعنى الفلسفة المشائية، إذ قد تكون الفلسفة بالمعنى الواسع للكلمة، إسلامية، حيث كرس المؤلف عمله لاستكشاف هذه الخاصية.

الحكمة والفلسفة

تتعلق إحدى نقاط الاختلاف الأساسية بين منهج كوربان التأويلي وأولئك الذين يلتزمون بالمنهج التاريخي بحدود تعريف كلمة “فلسفة” في الدول الإسلامية، ووفقًا لمنهج كوربان، توسع الفلسفة حدودها إلى ما يمكن أن يكون “شكلًا محددًا من الفلسفة يسمى -العرفان-” (ص ٤١). وبالطريقة نفسها، لا يقتصر مفهوم الفيلسوف في هذا السياق على الفلاسفة المشائين المتأثرين بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة، بل يشمل أيضًا بعض التيارات الفكرية التي نشأت في البيئة الإسلامية، مثل التصوف والعرفان، وما يُعرف بالفكر الباطني[6]. يحدث هذا التقارب بين التجربة الصوفية والعلم الاستنباطي في مراحل يمكن ملاحظتها في تاريخ الفكر الإسلامي: في الفصول الأخيرة من كتاب الإشارات والتنبيهات (كتاب التوجيهات والملاحظات Livre des directives et remarques) للفيلسوف ابن سينا (المتوفى سنة ١٠٣٧م) الذي يتناول مسألة التجربة الصوفية، وكذلك في العمل الأضخم لابن عربي (المتوفى سنة ١٢٤٠م) الذي يتناول التصوف في الأندلس، والذي طور نوعًا من العلوم الصوفية التأملية، وفي الطريقة التنويرية للسهروردي (المتوفى سنة ١١٩١م)، والذي أدخل التجربة الصوفية في الفهم الفلسفي، وتسعى التيارات الفلسفية اللاحقة إلى توحيد المعرفة التأملية والتجربة الصوفية، وعلى حد تعبير الكاتب، فإن “العرفان أو الحكمة أو العلم الشامل فلسفات تأملية، تهدف إلى توحيد كل مساهماتها النظرية أو جزء منها بطريقة موجزة لتضمين التراث الفلسفي المتعلق بالحكمة، ولا سيما “الفلسفة التنويرية”، وعلم الوجود، ودراسة الإنسان من خلال الرؤية الصوفية لابن العربي، بالإضافة إلى طريقة تفسيرها للقرآن، وأخيرًا نظام الترابط الذي قام بين عالم الكتب السماوية وعالم الإنسان والكون” (ص ٤١-٤٢).

في هذا السياق، يمكن لاستخدام الكاتب لمصطلح «باطني» في وصف النشاط الفلسفي أن ينصرف إلى معنيين. أولهما أن يكون النشاط باطنيًا لأن الفلسفة صيغت بأسلوب غامض، اعتمد رموزًا مُبهمة لإخفاء حقائق يُحتمل أن تكون مثيرة للتمرّد في نظر العامة. وثانيهما أن تكون الخطابات الفلسفية باطنية لأنها تؤول المعطيات الظاهرة أو المفاهيم العقلانية عبر مستويات متعددة من التفسير، ووفق درجات متفاوتة من الفهم (ص 110).

وبهذا المعنى، تُعدّ ميتافيزيقا ابن سينا باطنية، لا لأنها تنطوي على حقائق خفية فحسب، بل لأنها موجّهة إلى نخبة العلماء، فيظل فهمها محجوبًا عن عامة الناس، في حين تُعدّ أعماله الرمزية، وكذلك أعمال السهروردي، مزدوجة الباطنية. وبالنسبة إلى جامبيه، فإن النشاط الفلسفي يكون، في جميع الأحوال، باطنيًا، إذ يمكن تصنيفه وفق أحد هذين المعنيين أو كليهما معًا (ص 111).

وعلى النقيض من ذلك، لا يمكن عدّ الدين باطنيًا بالمعنى الفلسفي، لأنه لا يهدف إلى البحث عن «حقيقة خفية» للرسالة النبوية، كما يرى بعض الفلاسفة. أما ضمن أفق الفكر الباطني، فإن الفلسفة تتخذ، تدريجيًا، هيئة حكمة تقوم على جملة من المبادئ الأساسية، من بينها: استمرارية الميتافيزيقا، والعلم بالآخرة، والفهم الفلسفي للرسالة القرآنية، والسعي إلى المعرفة الخاصة «المعارف»، والمعرفة الروحية «العرفان»، والعلم الإلهي المتكامل.

تتحول الفلسفة إلى الحكمة لأنها تختار الموضوع الأسمى، أي علم اللاهوت (ص ٢٥٧)، فضلًا عن أن الميتافيزيقا يمكن اختزالها في علم اللاهوت. واستهدافًا لهذه النظرة، تحتوي الفلسفة إذن على وجهتين: الأولى نظرية والأخرى عملية؛ فمن ناحية “يتعلق الأمر بمعرفة الحقيقة لتحقيق الكمال في الذكاء، ومن ناحية أخرى، يتعلق الأمر بمعرفة كيفية التصرف للحصول على السعادة” (ص ١٦٦)؛ لذا، نجد في الحكمة ثنائيًّا غير قابل للفصل بين الحقيقة والفضيلة؛ فالنشاط النظري يهدف إلى معرفة الحقيقة التي يمكن الوصول إليها بالعقل وليس فقط بالحواس، بينما النشاط العلمي لديه غاية تكمن في الحصول على الفضيلة من خلال “الاقتداء بالله” (ص ١٦٧).

وبالتالي، تُعَدّ الفلسفة فنًّا في العيش؛ إذ يؤكّد جامبيه على حضور هذا المفهوم الذي فضّله بيير هادوت Pierre Hadot في الفكر الإسلامي. فالفيلسوف، في هذا المنظور، هو إنسان يسعى من خلال التأمل العقلي والتمرين الذهني إلى تحقيق الكمال الإنساني (ص.١٦٤)؛ ويتّخذ هذا المسار شكلاً دائريًّا يتضمّن بعدين متكاملين: حركة صاعدة نحو “المبدأ الأسمى”، هدفها الارتقاء الفكري والمعرفي، وحركة نازلة يعود فيها الفيلسوف ليشارك الآخرين ثمار حكمته، (ص.١٦٥)، مُقدّمًا نموذجًا لـ الحياة الفاضلة والعقل العملي وفي هذا الحراك، لا يهتم الفيلسوف بخلاص نفسه فحسب، بل يهتم أيضًا بخلاص الآخرين، ووفقًا لتعاليم الفلسفة اليونانية التي تبناها الفلاسفة المسلمون مثل الفارابي، فإن دور الفلاسفة المسلمين هو دور المعلم والقائد، وهو ما يقودنا إلى علاقة معقدة بين الفلسفة والسياسة.

اللاهوت السياسي

يؤدي التركيز على العامل الديني في تطور الفلسفة الإسلامية إلى فحص أعمق للدور الرئيس للفلسفة في المجال السياسي، وإلى المكانة التي تحتلها الميتافيزيقا في هذا السياق أساسية، لأن العلوم العلمية والسياسية والأخلاقية تستمد معارفها من الميتافيزيقا (ص ٣٣١)؛ ولذلك، ليست السياسة هي التي توجه النهج الميتافيزيقي، بل على العكس تمامًا، يطمح الإسلام في تعيين قادة يستطيعون، أكثر من أي شخص آخر، ضمان تحقيق السعادة الدنيوية والسعادة في الآخرة؛ فهو لا يقدّم نموذج “الملوك الفلاسفة” فحسب، بل يرى فيهم أيضًا قادة يسعون إلى تحقيق النظام الأمثل للمجتمع. وتُعدّ السياسة، في هذا السياق، امتدادًا أساسيًا للميتافيزيقا، وتعد إلهية يُنظر إليها برؤيتين مختلفتين: الرؤية الأفلاطونية التي تركز على الرؤية الأنطولوجية التي تفترض أن سيادة الله هي السيادة المطلقة لأنه هو المصدر الوحيد الذي يمنح الوجود، ولذلك، ليست تجارب التسييس كلها مجدية، فكل سلطة بشرية هي أدنى من سلطة الله، أما الرؤية الثانية، هي رؤية أرسطية، تفترض أن إدارة شؤون العالم مفوَّضة من الله إلى الإنسان، وأن هذا التفويض في السلطة نابع من الوحي الإلهي. وبناءً على ذلك، يمكن إقامة دولة إسلامية يتولّى فيها الفقيه دورًا يماثل دور الملك الفيلسوف.

ووفقًا لهذه الرؤية للأمور، فإن الميتافيزيقا تصبح محدودة بعلم اللاهوت (ص ٢٥٥)، لأن تأثير الميتافيزيقا على علم اللاهوت يؤدي أولًا إلى محاولات إضفاء الشرعية على النشاط الفلسفي في العصور الأولى للإسلام؛ حيث ترغب الفلسفة في أن تجد مكانًا لها في النظام التوحيدي، أو التوحيد (مبدأ الوحدة الإلهية) الذي يدير المستويين السياسي والعقائدي، وتجانس المجتمع المسلم ووحدته، بينما يكمن المغزى الآخر في أن لدينا نموذجًا للحكمة يذهب جنبًا إلى جنب مع الفلسفة التي تقترح مثالًا آخر للسلطة وهي الهيمنة الروحية.

لقد شهد تطور علم اللاهوت السياسي تحولات جذرية؛ أولًا، حدث تغيير في القيمة الممنوحة للأنطولوجيا في الميتافيزيقا خلال فترة ما بعد أعمال الفيلسوف ابن سينا، وتطور النظام الذي أرسته المدرسة الأرسطية واحتفظ به الفلاسفة المسلمن بشكل طفيف على يد فلاسفة مدرسة إصفهان التي كانت مؤثرة في إيران خلال الفترة الصفوية. وكما وضّح الكاتب، فإن المنطق يستمر في فقدان المزيد من الوزن لصالح الأنطولوجيا، وبالتالي، يقترح أحد المعلقين الإيرانيين في القرن السابع عشر، بأن الفلسفة تُفهم بمعنى الحكمة التي تعطي قيمة للنشاط الميتافيزيقي وينبغي الفصل بينها وبين النشاط المنطقي، وأما الأقوال المعقولة الأخرى المتعلقة بموضوع المنطق، فلا يمكن معاملتها بوصفها موضوعات مرتبطة بالمنطق، بل بوصفها موضوعات حقيقية وموجودة (ص ٣٦٥)، ولا بد من الاعتراف بأن التطور الذي أحدثه الفيلسوف ملا صدرا (المتوفى سنة ١٦٣٦م) قد آتى أكله؛ إذ يعد هذا الأخير من أهم فلاسفة هذه المدرسة، لأنه أجرى إصلاحًا كبيرًا في هذا العلم، فقد اقترح أولوية الوجود (أصالة الوجود) واستبدل “البحث الوحيد عن فئات الوجود بالبحث عن الوجود الفعال، الذي لا يُنظر إليه على أنه فئة من الوجود، بل على أنه حضور فعال وفعل موجود” (ص ٣٥٩-٣٦٠). ومن ناحية أخرى، في الواقع، فإن طرق الوجود هي مفاهيم ميتافيزيقية وليست مفاهيم منطقية، مما يعني أن الوجود الضروري لا يعد مجرد موضوع أو هدف، بل هو موضوع أساسي في الأنطولوجيا (ص ٣٦٦). إن ميتافيزيقا الوجود هي لاهوت خالص يتعلّق بدراسة طبيعة الوجود المحوري. وعلاوة على ذلك، يُعد هذا السياق الوجودي ضروريًا لتطوير نظرية في اللاهوت السياسي، بينما تشمل الفلسفة في هذا الإطار مسائل علم الكلام واللاهوت الإسلامي. وأخيرًا، تكمن في هذه العملية البطيئة محاولةٌ لتحديد دور الفيلسوف والإمام والمرشد الروحي.

ومع ذلك، فإن للفلسفة التنويرية تأثيرًا آخر على المجال السياسي، ووفقًا لنظريتها المعرفية، لا يمكننا أن نضمن أن الفكرة العالمية، الضرورية والصحيحة دائمًا، لن تتغير في المستقبل بسبب اكتشاف استثناءات؛ إن الإمكانية والاحتمالية المستقبلية تلقيان بظلال من الشك على صحة القوانين، ولهذا السبب فإن العلم المكتسب بالحضور اللحظي، الذي يرى الإنسان من خلاله موضوع المعرفة، هو العلم اليقيني الوحيد الذي لا يمكن تعليق صحته، وهذا العلم المباشر والحدسي هو الأساس الذي يُبنى عليه فهم القوانين، ولكن هذه القوانين تتجدد باستمرار في المستقبل، وهناك حاجة دائمة إلى فيلسوف يستطيع توجيه المجتمع باستخدام معرفته المباشرة. لقد غير في السابق، اللاهوت السياسي من خلال الفلسفة مفهوم الإمامة ، كما أعادت نظرية السيادة الإلهية تعريف دور الفيلسوف و دور الإمام، كما لم يعد الخلاص الأخلاقي والفلسفي يختلف عن الخلاص الذي تمثّله الإمامة السياسية، مما يعزز ظهور النظرية السياسية الشيعية، ويؤدي إلى ظهور شخصية الفقيه، ويعد الفقيه في حالة غياب الإمام، المرجع الأعلى في مسائل المعرفة الإلهية فهو يحل محل الفيلسوف؛ لذلك يحدث هذا الاستبدال للفقيه العالم بالفيلسوف في مكان لم يعد فيه فقيهًا، بل مشرعًا، مما سيؤدي إلى ظهور العرفان الذي يقاوم هذا العقلانية البطيئة وتسيس الفلسفة وسيتعرض للمتاعب والاضطهاد، وأما الفلسفة، فستواجه غموضًا في مكانتها المؤسسية (ص ٣٧١)، ويختتم كاتب الكتاب كتابه بالتساؤل عن شرعية المكانة التي يشغلها الفقيه في المجتمع الإسلامي المعاصر، وتحدي الحرية ليس فقط في مثل هذا المجتمع، بل أيضًا في الفلسفة الإسلامية المتأثرة بالفقيه[7].

يقدم كتاب جامبيه رؤية مفصلة وواسعة للجانب الإسلامي من الفلسفة في بلاد الإسلام، وعلى الرغم من الصعوبات التي يطرحها هذا الاختيار، فإنه ينجح في تجاوز منهج كوربان التأويلي البحت، ويحقق تطورًا يشمل غالبية الأحداث، والشخصيات البارزة التي شكلت الجانب الإسلامي لهذه الفلسفة، ويتجلى ذلك بشكل خاص في التركيز على الطبيعة العملية والخلاصية للفلسفة، بين ممثليها فلاسفة الشيعة والتيارات الصوفية. إن حقيقة أن الكتاب مكتوب في المقام الأول لجمهور غير متخصص تؤدي أحيانًا إلى تعميمات تاريخية لا تغفل عنها عين المتخصص، وعلى الرغم من ذلك، فإن العمل يفتح الطريق أمام فهم أفضل للروح الإسلامية، دون الانصياع للأحكام المسبقة التي تؤرق ضمير الإنسان الغربي المعاصر تجاه هذه الظاهرة الغريبة والخصبة، وهي الفلسفة الإسلامية.


[1] للاطلاع على آراء المتخصصين في هذا المجال حول الأسماء التي يمكن ويجب أن تُطلق على الفلسفة في أرض الإسلام، راجع ج س أنواتي G. C. Anawati، “الفلسفة في العصور الوسطى في أرض الإسلام Philosophie médiévale en terre d’Islam”، ميديو MIDEO، العدد ٥، ١٩٥٨م، ص.١٨١-١٩٢.

[2] للاطلاع على دراسة موجزة حول هذه الاتجاهات، راجع: ديمتري غوتاس Dimitri Gutas، دراسة الفلسفة العربية في القرن العشرين: مقالة في تأريخ الفلسفة العربية The Study of Arabic Philosophy in the Twentieth Century: An Essay on the Historiography of Arabic Philosophy، المجلة البريطانية لدراسات الشرق الأوسط British Journal of Middle Eastern Studies، المجلد: ٢٩، العدد:١، ٢٠٠٢م، الصفحات:٥-٢٥.

[3] يمكننا أن نلاحظ استمرار الاتجاه الاستشراقي، الذي تحول إلى إسلاموفوبيا معرفية في فرنسا، في كتاب سيلفان غوغينهايم Sylvain Gouguenheim، أرسطو في جبل القديس ميشيل Aristote au mont Saint-Michel، باريس، سوي، ٢٠٠٨م. وقد كان العمل موضوع انتقادات واسعة النطاق، وخاصة العمل الجماعي: اليونانيون والعرب ونحن Les Grecs, les Arabes et nous ، بوتغن Büttgen، الآن دي ليبيرا De Libera، مراد رشيد M. Rashed، أ. روزييه- كاتاش I. Rosier-Catach، باريس، فايار، ٢٠٠٩م، انظر إلى مراجعة موقع la Vie des idées :http://www.laviedesidees.fr/L-islamophobie-deconstruite.html

[4] علم الإيمان بالآخرة. المترجمة.

[5] على رأس هذا الاتجاه يمكننا أن نذكر ديميتري غوتاس Dimitri Gutas. فيما يتعلق بتحليله لـ “الفلسفة الإسلامية”، انظر: ديميتري غوتاس، “اليقين، الشك، الخطأ: تعليقات على الأسس الإبستمولوجية للعلوم العربية في العصور الوسطى Certainty, Doubt, Error: Comments on the Epistemological Foundations of Medieval Arabic Science”، العلوم المبكرة والطب Early Science and Medicine، المجلد ٧، العدد ٣، ٢٠٠٢م، ص ٢٧٦.

[6] هذا هو منهج ليو شتراوس Leo Strauss الذي يعد أن الفلسفة العربية بأكملها تشكلت بسبب الصراع الذي نشأ بين الدين والفلسفة، ووفقًا لشتراوس، فإن الفلاسفة العرب، كانوا يكتبون بطريقة مُشَفَّرة ولم يصرحوا بما أرادوا قوله خوفًا من ردود الفعل الدينية أو السياسية في زمنهم، للمزيد من المعلومات حول منهجه، انظر ريمي براغ Rémi Brague، “ليو شتراوس وميمونيدس Leo Strauss et Maimonide”، في س. باينز S. Pines ans وي. يوفيل Y. Yovel (محررون)، ميمونيدس والفلسفة Maimonides and Philosophy، دوردريخت وبوسطن Dordrecht and Boston، ١٩٨٦م، ص ٢٤٦-٢٦٨.

[7] للحصول على رؤية أكثر وضوحًا حول تطور النظرية السياسية في الشيعة، راجع: م.-أ. أمير-مؤزّي M.-A. Amir-Moezzi

و ك. جامبيه، ما التشيع؟ Qu’est-ce que le Shî’isme ?، باريس، فايارد، ٢٠٠٤م؛ وأيضًا ك. جامبيه، “الشروط الدينية والفلسفية للثورة الإسلامية Les conditions religieuses et philosophiques de la révolution islamiques”، شارع ديكارت، العدد ٤، اللاهوت والسياسة Le théologico-politique، أبريل ١٩٩٢م، الصفحات ١٢١-١٣٩.

——————-

تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.

الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.

ShareTweetSendShareSend
المقال السابق

لا تكن مرنًا فتُعصر | من «MIT SMR»

المقال التالي

حول كتاب “رأس المال والأيديولوجيا” | توماس بيكيتي

لو كان رجلًا!| بدر مصطفى

لو كان رجلًا!| بدر مصطفى

7 أغسطس، 2026

«لو كان الفقر رجلًا لقتلته»— مقولة مأثورة لو كان الفقر رجلًا لكنا واجهناه، وربما قضينا عليه، بوصفه العدو الأكبر. لكن...

مقاربة سيميائية تأويلية لإعادة بناء الأهل والمكان والقيمة في لامية العرب |حاكمة السعدي

مقاربة سيميائية تأويلية لإعادة بناء الأهل والمكان والقيمة في لامية العرب |حاكمة السعدي

1 أغسطس، 2026

ليس الشعر كله وصفًا للموجودات؛ فمنه ما يسبغ عليها صورًا كما يراها، ومنه ما ينقض حدودها ويعيد رسمها، وإن «لامية...

ما الذي يجعل المواطن يبدو مواطنًا؟ كرة القدم وإسبانيا وسياسة النسب | إحساين إلحيان ترجمة: نيهاد القزوي

ما الذي يجعل المواطن يبدو مواطنًا؟ كرة القدم وإسبانيا وسياسة النسب | إحساين إلحيان ترجمة: نيهاد القزوي

27 يوليو، 2026

تروي كل أمة سرديتها الخاصة عن الانتماء؛ فمنها من يرويها عبر الدساتير، ومنها من يصوغها باللغة، بينما تستمد أمم أخرى...

جماليات اللاتطابق..لماذا يجب أن نرتاب في الأشياء التي تبدو كاملة؟ | بدر مصطفى

جماليات اللاتطابق..لماذا يجب أن نرتاب في الأشياء التي تبدو كاملة؟ | بدر مصطفى

24 يوليو، 2026

ثمة أشياء تجذبنا لأنها لم تُحكم إغلاقها على صورة واحدة. نعود إليها أكثر من مرة. لا تستنفد نفسها في النظرة...

عن منصة معنى

«معنى»، مؤسسة ثقافية تقدّمية ودار نشر تهتم بالفلسفة والمعرفة والفنون، عبر مجموعة متنوعة من المواد المقروءة والمسموعة والمرئية. انطلقت في 20 مارس 2019، بهدف إثراء المحتوى العربي، ورفع ذائقة ووعي المتلقّي المحلي والدولي، عبر الإنتاج الأصيل للمنصة والترجمة ونقل المعارف.

روابط سريعة

  • أرشيف معنى
  • مكتبة معنى
  • تطبيق معنى
  • الأفلام

التصنيفات

Articles & Essays MIT SMR SJPS أوراق ودراسات إعلانات معنى إيون الحياة الطيبة الفلسفة الآن الفيلسوف الجديد المتن الفلسفي المتن الفلسفي بودكاست ذا أتلانتيك سايكي سيكولوجي توداي غير مصنف مراجعات مقابلات وحوارات مقالات مقالات فرنسية مقالات من الصين نيويورك تايمز
  • الرئيسية
  • من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • السلة
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الخصوصية
  • تواصل معنا
  • English
  • Chinese

© 2026 منصة معنى الثقافية

مرحبا بك!

قم بتسجيل الدخول إلى حسابك

هل نسيت كلمة المرور؟ تسجيل

قم بإنشاء حساب جديد!

املأ النموذج أدناه للتسجيل

جميع الحقول مطلوبة. تسجيل الدخول

طلب إعادة تعيين كلمة المرور

يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني لإعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك.

تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
لست عضو الآن ؟ سجل الآن
استخدام Google
استخدام Apple
Or Use Social
إعادة تعيين كلمة المرور
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
تسجيل
هل أنت مستخدم مسجل بالفعل؟ تسجيل الدخول الآن
No Result
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
  • دخول / تسجيل

© 2026 منصة معنى الثقافية

-
00:00
00:00

قائمة التشغيل

Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00