توماس بيكيتي Thomas Piketty
مراجعة/ محمد بن علي الزهراني
يدحض توماس بيكيتي التحليلات النقدية التي قدّمها كلٌّ من راف بلاوفارب المختص في مجال الثورة الفرنسية، وكليمانس كاردون-كوين المختصة في تاريخ التعليم، وجول نود المختص في عدم المساواة في الهند.
سعيت جاهدًا في كتاب “رأس المال والأيديولوجيا Capital et idéologie” إلى كتابة تاريخ مقارن للأنظمة غير المتكافئة، والتي عرّفتها النظام بوصفها مجموعة من الخطابات والترتيبات المؤسسية الهادفة إلى تبرير وتنظيم التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في مجتمع معين، فكل مجتمع بشري يحتاج إلى تبرير تفاوتاته، وإضفاء معنى على بنيته الاجتماعية، وعلى هياكلها الاجتماعية. أحاول هنا، توضيح أن هذه المبررات تحتوي على قدر من الحقيقة والمبالغة، ومن الخيال والدناءة، ومن المثالية والغرور. إن لكل نظام غير عادل نقاط ضعفه المحورية التي لن تُمكّنه من البقاء إلا عندما يُعيد تعريف نفسه، ولا يكون ذلك غالبًا إلا عبر الصراع والعنف، ما لم يستند على التجارب والمعرفة المشتركة. تستند جميع الأيديولوجيات الخاصة بالمساواة واللامساواة، لا سيّما في نظرية الحدود؛ ما حدود المجتمع الإنساني والسياسي الذي ننتمي إليه؟ وكيف يُدار هذا المجتمع داخليًّا، وتُدار علاقاته مع الآخرين؟، ونظرية المُلكية؛ ما الذي يحق للفرد امتلاكه؟ وكيف تُنظم علاقات السلطة بين المالكين وغير المالكين؟ أحاول أن أوضح التغيرات المتعددة التي تحدث عبر التاريخ فيما يتعلق بنظام الحدود ونظام المُلكية، وتحليل التوترات المرتبطة بهذه العمليات الاجتماعية والسياسية الصراعية.
يتمثّل مشروعي في كتابة تاريخٍ طويل المدى للأنظمة غير العادلة، بغية فهم أوجه التشابه والتنوّع في المسارات الممكنة على نحو أدق. وفي هذا الإطار، ركّزتُ على تحليل التعقيد، وتعدّد العمليات، ومنطق التفرّعات، انطلاقًا من المجتمعات ثلاثية الوظائف ومجتمعات العبودية القديمة، وصولًا إلى انتصار مجتمعات المُلّاك والمجتمعات الاستعمارية ما بعد العبودية في القرن التاسع عشر.
وقد بدأتُ بدراسة تحوّل المجتمعات الطبقية الأوروبية إلى مجتمعات قائمة على المُلْكية، تأسّست على فصل صارم بين حقوق المُلْكية –التي بات يُفترض أنها متاحة للجميع– والوظائف السيادية التي أُنيطت، منذ ذلك الحين، بالدولة المركزية وحدها. ثم تناولتُ، في مرحلة لاحقة، حالة المجتمعات العبودية والاستعمارية، والطريقة التي تأثّرت بها مسارات تطوّر المجتمعات ثلاثية الوظائف خارج أوروبا بفعل احتكاكها بالقوى الأوروبية.
بعد ذلك، درستُ أزمة مجتمعات المُلّاك والمجتمعات الاستعمارية في القرن العشرين الناتجة من الحروب العالمية والتحديات الشيوعية، وكذلك صعوبة ظهور المجتمعات الاجتماعية الديمقراطية. وأخيرًا، حلّلتُ شروط تحول هذه المجتمعات في عوالم ما بعد الاستعمار، وما بعد الشيوعية، وما بعد المُلكية، الجديدة في أواخر القرن العشرين وبدايات الحادي والعشرين.
من خلال جمع مواد تاريخية تتعلّق بعدم المساواة وبالإيديولوجيات السائدة في مجتمعات شديدة التباين، غالبًا ما تتجاهل بعضها بعضًا أو ترفض المقارنة في ما بينها، أطمح إلى الإسهام في فهم أدقّ للتحوّلات الجارية من منظور عالمي وعابر للحدود. وأدرك أن هذه الدراسة واسعة النطاق إلى حدّ كبير، وربما أكثر مما ينبغي؛ ولذلك أعتذر لمتخصّصي الحقول المختلفة عمّا قد يجدونه فيها من تقريبات عامة أو اختصارات تحليلية.
وأتمنى، في الوقت نفسه، أن تُستكمَل هذه المقاربة وأن يجري تجاوزها سريعًا عبر أعمال لاحقة تُجدّد فهمنا للأنظمة في سياقات محدّدة، ولا سيّما في المناطق الجغرافية والثقافية الشاسعة التي لم تحظَ بما يكفي من الاهتمام في هذا الكتاب.
أُعبّر عن امتناني الكبير لِراف بلاوفارب Rafe Blaufarb، المختص في مجال الثورة الفرنسية، وكليمانس كاردون-كوين Clémence Cardon-Quin، المختصة في تاريخ التعليم، وجول نود Jules Naude، المختص في عدم المساواة في الهند، على اطّلاعهم على عملي بروح بناءة ممتلئة بالتعاون، رغم ما فيه من قصور. كما أشكر مجلة لافي ديزايدي La Vie des Idées، على مبادرتها لتنظيم هذا الحوار، كما أود أن أوضح عدة نقاط مهمة تطرقتُ إليها بإيجاز في هذه النصوص.
الثورة الفرنسية ووراثة الحقوق
شدّدت في متن كتابي على حقيقة أن تاريخ الأنظمة غير العادلة ممتلئ بالأزمات والمواجهات، التي تتيح ظهور تفرعات ومسارات متعددة بناءً على توازنات القوى المادية والفكرية والتنظيمية بين المجموعات الاجتماعية المختلفة، إلى جانب الخطابات السياسية-الأيديولوجية وبرامج العمل المتنافسة. تشكل الثورة الفرنسية نموذجًا مهمًّا بطبيعة الحال في بحثي، حيث أوضحت فيه على وجه الخصوص أن وعد المساواة الذي حملته، أدى عمليًّا إلى تركيز متزايد للمُلكية طوال القرن التاسع عشر. في الفترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، تركّزت ثروة المُلكيات بإفراط أكثر مما كانت عليه قبل عام ١٧٨٩م. تعكس هذه الحقيقة انتصار شكل من أشكال تقديس الملكية خلال القرن التاسع عشر، وخاصة حقوق الملكية المتراكمة في الماضي، بصرف النظر عن حجمها أو أصولها. تم توضيح هذا التقديس من خلال تجنب أي إصلاح زراعي طموح وصريح خلال الثورة ورفض الضرائب التصاعدية طوال القرن التاسع عشر. كما تجلّى هذا التقديس عند إلغاء نظام العبودية عام ١٨٤٨م، مع اختيار التعويض المالي للمالكين وليس للعبيد (وهو خيار دافع عنه بقوة عدد من المثقفين «الليبراليين» في ذلك الوقت، من أبرزهم توكفيل وشويلشر). يتضح ذلك أيضًا في حالة هايتي من خلال حقيقة أن الجزيرة كانت خاضعة من قبل الدولة الفرنسية لدين ثقيل (نحو ثلاث سنوات من الإنتاج الهايتي في ذلك الوقت -٣٠٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي يمكن القول اليوم) يهدف مرة أخرى إلى تعويض المالكين الذين نهبوا بحلول نهاية العبودية، وهو دين وجدت هايتي نفسها مضطرة لسداده من ١٨٢٥م إلى ١٩٥٠م، والذي تطلب المستعمرة السابقة الآن من فرنسا إعادته.
كما يلاحظ راف بلاوفارب، أنه كان من الممكن أن يكون الأمر مختلفًا. شكك العديد من الثوريين في وراثة الحقوق، ولا سيما الحق في الملكية، ودافعوا بشكل عام عن نموذج اجتماعي قائم على التداول الدائم للسلطة والمناصب والثروة. إننا نفكر بشكل كلاسيكي في أطروحات كوندورسيت حول الضرائب التصاعدية أو إلغاء العبودية المصحوبة بتعويض العبيد السابقين (معاش تقاعدي للأكبر سنًّا، قطعة أرض للأصغر)؛ أو حتى مقترحات توماس باين المعروفة حول «العدالة الزراعية»، مع دفع حد أدنى من الوقف للجميع وتمويله من ضريبة الميراث. في كتابي، أظهر أيضًا كيف اقترح ممثلون أقل شهرة، ولكن ليس أقل جرأة، مثل جراسلين أو لاكوست، في كتيبات متعددة وزعت خلال الثورة جداول تفصيلية لضريبة الدخل والميراث، مع ارتفاع المعدلات تدريجيًّا من ٥٪ فقط للدخل والأصول التي تقل عن المتوسط إلى ٧٠٪-٨٠٪ للدخل والأصول التي تفوقه ببضعة آلاف من المتوسط[1].
عند العودة إلى الماضي، يلفت الانتباه القرب اللافت بين هذه المقترحات ومستويات الضرائب التي طُبِّقت فعليًا في عدد من البلدان خلال القرن العشرين، ولا سيما في الولايات المتحدة، من عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي وصولًا إلى سبعينياته وثمانينياته. أمّا خلال الثورة الفرنسية، فلم يسمح ميزان القوى ولا مسار الأحداث بوضع هذه التصورات موضع التنفيذ الكامل. ومع ذلك، يجدر التذكير بأن مبادئ التدرّج الضريبي بدأت تجد طريقها إلى التطبيق بين عامي 1792 و1794م.
وليس من العسير تخيّل مسارات تاريخية بديلة، لا تختلف إلا قليلًا، كان من شأنها أن تؤدي إلى تعميق هذه التجارب أو حتى ترسيخها على المدى الطويل. وكما يبيّن راف بلاوفارد في كتابه اللافت عن «الترسيم العظيم»، فإن الصراعات التي اندلعت إبان الثورة حول إعادة تعريف علاقات الملكية كانت حاسمة، ولا سيما في ما يتعلّق بالفصل الدقيق بين ما عُدّ «امتيازات» أو منافع غير مشروعة ينبغي إلغاؤها من دون تعويض، وبين ما اعتُبر حقوقًا أو مزايا مشروعة يتعيّن الحفاظ عليها.
لا يمكن تحليل إعادة الصياغة بلغة الملكية الجديدة (بما في ذلك على سبيل المثال عن طريق تحويل الأعمال القديمة إلى إيجارات) بطريقة حتمية وخطية. على العكس من ذلك، يجب أن يُنظر إليها على أنها عمليات اجتماعية وسياسية متضاربة ومعقدة تتناوب خلالها عدة مجموعات من الجهات الفاعلة والخطابات والمعايير وبرامج العمل، حيث يقوم بلوفراب بتحليلها ببراعة وتعاطف. لذلك يجب تصميمها وإعادة النظر فيها بصفتها مفترق طرق حقيقيًّا للتشعبات المحتملة والمستقبل غير المحقق، مع التركيز على الطريقة التي تستمد بها الجهات (الناشطة) الفاعلة المختلفة الموارد الفكرية والتنظيمية من التجارب السابقة وسجلات المعرفة المتعددة الموجودة تحت تصرفها.
«اليسار البراهماني» والعدالة التعليمية
تحدثت عن أحد المحاور المركزية في كتابي وهو الدور الذي تلعبه مسألة العدالة التعليمية وعدم المساواة في الوصول إلى التعليم في إعادة تشكيل الانقسامات الانتخابية منذ الحرب العالمية الثانية. أوضحت على وجه الخصوص، كيف أن الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية (بالمفهوم الواسع، ما يشمل التيارات العمالية والاشتراكية والديمقراطية السائدة في العالم البريطاني والفرنسي والأمريكي، وليس فقط الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية السويدية أو الألمانية بالمعنى الضيق) التي حققت أفضل نتائج من بين الناخبين الأقل تأهيلًا خلال الفترة ١٩٥٠م-١٩٨٠م، تخلت تدريجيًّا عن كونها «أحزاب عمالية» لتصبح «أحزاب النخبة المتعلمة»، وقد وجدوا أنفسهم يحققون أفضل النتائج من بين الناخبين المؤهلين خلال الفترة ١٩٩٠م-٢٠٢٠م ما أدى إلى فقدانهم ثقة الفئات الشعبية. ففي المرحلة الأولى، كلما انخفضت درجة الشهادة العلمية، ازدادت عدد الأصوات لهذه الأحزاب؛ وعلى النقيض تمامًا، في المرحلة الثانية، نلاحظ العلاقة المعاكسة التي تنمّ عن تحول جذري، لكنه حدث بشكل تدريجي للغاية بين عامي ١٩٥٠م و٢٠٢٠م، في جميع الديمقراطيات الانتخابية الغربية، مع اختلافات كبيرة من حيث الأبعاد والوقت، إلا أنه النمط العام نفسه.
إذا أخذنا في الاعتبار التحوّل في الانقسام التعليمي، يصبح من الضروري تسليط الضوء على جملة التحوّلات الاجتماعية والسياسية العميقة التي شهدتها العقود الأخيرة. ويشمل ذلك، على نحو خاص، تغيّر الخطابات والبرامج والممارسات السياسية؛ إذ إن هذه الأحزاب، منذ ما بعد الحرب، فقدت تدريجيًا جزءًا كبيرًا من طموحها الأولي المتعلّق بإعادة التوزيع والحدّ من اللامساواة بين الطبقات الاجتماعية. وينسحب هذا التحوّل على قضايا تنظيم الرأسمالية أو تجاوزها، وعلى مسألة اللامساواة في الأجور، وتنظيم الاقتصاد، وعلاقات الملكية، والعولمة.
غير أنّ هذا التحوّل يتجلّى بدقّة أكبر في مسألة الوصول إلى التعليم، وفي القبول الضمني بفوارق واسعة في مستويات الاستثمار التعليمي بين الأفراد المنتمين إلى الفئة العمرية نفسها، وكذلك بين المراحل الدراسية المختلفة، ولا سيما في التعليم العالي، وإن لم يقتصر الأمر عليه وحده.
يمكن ربط هذا التلاشي في الطموح لإعادة التوزيع بصعود أيديولوجيات «الجدارة»، التي تسلط الضوء على مزايا وجهود الفائزين في نظام التعليم، على الرغم من ارتباط التفاوتات في النجاح عمليًّا بالأصول الاجتماعية ارتباطًا وثيقًا، دافع عن فكرة أن هذه الأيديولوجيات، التي تضع وصمة على الأقل حظًا، تفسر جزئيًّا التحول الملحوظ في هيكل الناخبين. دون إعطاء أهمية كبيرة للخيال، فإن المشهد في مسلسل “بارون نوار Baron Noir“، حيث يقوم شباب ينتمون لحركة الشباب الاشتراكي (MJS) -من مدارس ثانوية مرموقة في العاصمة- بإفشال محاولة من خريجي المدارس المهنية والتقنية من الضواحي للحصول على مزيد من الأماكن في المعاهد الجامعية للتكنولوجيا (IUT) والدبلومات التقنية العليا (BTS) -حتى لو استُغلت من قوى سياسية- والتي لا أعتقد أنها وجدت من العدم[2].
مع ذلك، أودّ التنبيه إلى أنّ التحليل المرضي لمثل هذا التحوّل السياسي المركّب يتجاوز نطاق هذا الكتاب، إذ يستلزم حشدًا واسعًا لمصادر ومواد إضافية لا يتسع لها هذا العمل. في هذا الجزء، ينحصر هدفي أساسًا في وصف هذا «التحوّل في الانقسام التعليمي» وتوثيقه في عدد كبير من البلدان، ولا سيما من حيث تحديد توقيته واتساع مداه باختلاف السياقات الوطنية، ثم مناقشة جملة من التفسيرات الممكنة والآثار المحتملة التي تترتب عليه. غير أنّني لا أدّعي، في هذا المقام، القدرة على الحسم بصورة مقنعة تمامًا بين الفرضيات المتنافسة المطروحة لتفسير هذه الظاهرة.
كما لاحظت كليمانس كاردون-كوينت، التي تصر بحق على الدور المزدوج الذي يلعبه التعليم في مخططي العام (بصفته محركًا مركزيًّا للازدهار والتنمية وناقلًا للصراعات السياسية والإيديولوجية)، فإن تسييس الخيارات التعليمية ليس أمرًا طبيعيًّا: في فرنسا المعاصرة يبدو أن هناك إجماعًا معينًا بين جميع الأحزاب السياسية حول الهدف العام المتمثل في «تكافؤ الفرص»، على الأقل من الناحية النظرية، وقد تكون العقبات والصعوبات في بعض الأحيان أكثر من تربوية أو تنظيمية أو اجتماعية الطبيعة، أكثر من كونها سياسية حقًا. ومع ذلك، يبدو لي أنه لا ينبغي المبالغة في نطاق هذا النوع من الإجماع النظري. في حين أنه من الصحيح إلى حدٍّ ما بأن «جميع الحكومات سعت، باستراتيجيات مختلفة إلى طرق لتحسين المسارات التعليمية للطلاب من عائلات الطبقة العاملة»، إذ يمكن التشكيك بشكل مروع في حقيقة الموارد المخصصة لهذا الهدف وصدق هذا الالتزام. تُظهر العديد من الدراسات أوجه عدم المساواة والنفاق الشديدة في نظامنا التعليمي؛ متوسط الراتب لكل معلم في المدارس المتوسطة والثانوية هو في الواقع دالة متزايدة لنسبة الطلاب المتميزين في المدرسة[3]، الاستثمار العام لكل طالب أعلى بما يتراوح بين مرتين وثلاث مرات للطلاب في الصفوف الإعدادية والمدارس الكبرى مقارنة بالجامعات (على الرغم من أن الأول يتمتع في المتوسط بامتيازات اجتماعية أكثر من الأخيرة)، وفي المجمل، فإن ١٠٪ من الفئة العمرية تستفيد من أكبر إنفاق تعليمي عام (على مدار جميع مراحل التعليم، من مرحلة الطفولة إلى التعليم العالي) يحصلون على إنفاق فردي يقارب ٢٥٠,٠٠٠ يورو، مقارنةً بأقل من ٧٠,٠٠٠ يورو لأولئك الذين يمثلون أقل ١٠٪ من الفئة العمرية نفسها من حيث الإنفاق التعليمي. (تتكون الفئة العمرية الأولى أساسًا من خريجي المدارس الكبرى وقطاع التعليم العالي، والثانية تتكون من الأشخاص الذين يتركون النظام المدرسي في سن ١٦ أو ١٧ عامًا، مع فرص ضئيلة للغاية لإعادة الدخول إلى النظام المدرسي لاحقًا[4]).
لإخراجنا من مثل هذا الوضع، قد يكون من الضروري تزويد أنفسنا بأدوات تتيح لنا صياغة أهدافٍ ملزمة للعدالة التعليمية. يمكن تفسير حقيقة أن مثل هذه الأدوات لا تُستخدم حاليًّا كما ينبغي من قبل الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين جزئيًّا من خلال تعقيد التغييرات التنظيمية المعنية، فضلاً على الحداثة النسبية للأسئلة التي تطرحها العدالة التعليمية في سياق تكثيف التعليم العالي. يبدو لي أنه يجب مقارنة هذا الوضع أيضًا بتحول هيكل الانقسامات الانتخابية الموصوف أعلاه: الأحزاب السياسية التي كانت تاريخيًّا الأكثر تقدمًا في الحد من عدم المساواة الاجتماعية أصبحت بمرور الوقت أقل اعتمادًا على الفئات الشعبية وأقرب إلى الفئات الاجتماعية الأكثر تأهيلًا. مع ذلك، يمكن لجزء كبير من هذه الأخيرة الاشتراك في برنامج طموح وقابل للتحقق للعدالة التعليمية، ولهذا السبب لا ينبغي اعتبار التسييس الضعيف الحالي للخيارات التعليمية ثابتًا. كانت القضايا المركزية مثل «المدرسة الواحدة» في فترة ما بين الحربين، أو «الكلية الواحدة» في الستينيات والسبعينيات موضوع تسييس كبير، وليس هناك ما يقول إن الشيء نفسه لن يحدث في المستقبل، في سياقات متجددة.
التعلم من الهند، بين الطوائف والفصول
أخيرًا، أود أن أذكر بالدور الذي لعبته دراسة النظام الهندي غير المتكافئ في كتاب رأس المال والأيديولوجيا. بالمقارنة مع المسارات الأوروبية، تكمن خصوصية حالة الهند في أن بناء الدولة هناك اتبع تطورًا خاصًّا داخل الأرض الشاسعة التي تحتلها الجمهورية الهندية اليوم. على وجه الخصوص، تم إيقاف عملية التحول الاجتماعي، وبناء الدولة، ومواءمة الأوضاع والحقوق، التي كانت متباينة للغاية في الهند، بوساطة القوة الاستعمارية البريطانية، التي بدأت في نهاية القرن التاسع عشر بقياس وتحكم المجتمع الطبقي، خصوصًا في إطار التعدادات التي أُجريت من عام ١٨٧١م إلى ١٩٤١م، ما ساهم في تصلب النظام ومنحه وجودًا إداريًّا غير متوقع ودائم، في حين أن نقطة البداية لم تكن مختلفة بشكل جذري عن تلك الموجودة في المجتمعات ذات الطبقات الأوروبية (وعن التفاوتات النظامية المطبقة في هذه المجتمعات) كما يتصور بعض منا أحيانًا.
منذ عام 1947م، سعت الهند المستقلة، عبر آليات سيادة القانون، إلى تصحيح إرث طويل من التمييز البنيوي، ولا سيما في مجالات الولوج إلى التعليم، والتوظيف العام، والمناصب الانتخابية، وذلك من خلال تطوير أنظمة الحصص و«سياسات التحفّظ» لصالح النساء والفئات المحرومة اجتماعيًا والموصومة، على نطاق غير مسبوق في التاريخ الحديث. وعلى الرغم من أن هذه السياسات لا تخلو من أوجه القصور، فإنها تظل غنية بالدروس، لا سيما أن أوضاع اللامساواة والتمييز –التي تتخذ أحيانًا طابعًا هويّاتيًا أو دينيًا– ليست حكرًا على الهند، بل تهم جميع المجتمعات، وبخاصة الدول الأوروبية، التي لم تبدأ إلا مؤخرًا في مواجهة أشكال من التعدد الديني والهويّاتي، والصراعات المرتبطة بها، عرفت الهند نظائرها منذ قرون.
لقد تأثر مسار الهند غير المتكافئ بشدة بمواجهة العالم الخارجي، وخاصة مع الخارج البعيد. في المقابل، فإن بقية العالم لديه الكثير ليتعلمه من تجربة الهند. من بين الدروس المتعددة، أشدد بشكل خاص على حقيقة أن الطبقات العاملة الهندوسية والمسلمة تجد نفسها إلى حد كبير تدعم الأحزاب نفسها في السياق الهندي في العقود الماضية (سواء كان ذلك الحزب: الكونغرس أو الأحزاب التي تمثل الطبقات الدنيا والاشتراكية مثل حزب بهوجان ساماج BSP، وحزب ساماجوادي SP، على وجه الخصوص)، بينما يحقق القوميون الهندوس من حزب بهاراتيا جاناتا أفضل درجاتهم بين الطبقتين المتوسطة والعليا الهندوسية ويخيفون تصويت المسلمين -وهذا ليس مستغربًا، نظرًا للعداء الشديد جدًّا تجاه هذه الأقلية- ويختلف هذا التكوين عن ذلك الذي لوحظ في أوروبا أو الولايات المتحدة، حيث تميل الطبقات العاملة من أصول عرقية ودينية مختلفة (أوروبية ضد غير أوروبية، بيضاء ضد سوداء، مسيحية أو لا دينية ضد مسلمة) بشكل متزايد إلى التصويت للأحزاب أو الائتلافات المتعارضة. هذا يعكس مرة أخرى حقيقة أن الانتماءات السياسية لا يجب أن تُعدّ أمورًا ثابتة وغير قابلة للتغيير. على العكس من ذلك، فإن هذه الانتماءات تُبنى وتُفكك تاريخيًّا، بناءً على استراتيجيات تعبئة الفاعلين، وبرامج العمل، والتضامنات الملموسة التي تُقيم بين المجموعات الاجتماعية (على سبيل المثال مع نظام الحصص الذي تستفيد منه كل من الطبقات العاملة الهندوسية والمسلمة). بعبارة أخرى، ليس هناك شيء «طبيعي» للطبقات العاملة لتكون أكثر عدائية للأقليات العرقية والدينية من الطبقات العليا، أو العكس. كل شيء يعتمد على عمليات اجتماعية وسياسية محددة وتعبئة معينة.
وكما يلاحظ جول نوديت بحق، فإن أحد الأهداف الرئيسية التي أسعى لتحقيقها في هذا النهج تجاه الهند هو تجنب فخ الاستثنائية الهندية. أحاول أن أظهر أن الخصوصيات الهندية الحالية تأتي أكثر من مسار اجتماعي تاريخي طارئ وقابل للانعكاس، وليس من جوهر حضاري يعدّ غير ملموس. بقيامي بذلك، أدرك أنني لا أتناول التحليل بالقدر الكافي في هذا الاتجاه، لا سيما فيما يتعلق بالتفاعلات بين مسألة الحدود ومسألة الملكية، أي بين ديناميات تضارب الوضع والهوية في السياق الهندي وتطوير أشكال محددة من أنظمة الملكية. ومع ذلك، أشدد على حقيقة أن التعبئة السياسية حول الطبقة الاجتماعية منذ الاستقلال أدت في بعض الأحيان إلى إهمال أهمية القضايا من حيث إعادة توزيع الممتلكات. التطور الأخير لنظام الحصص، الذي يتكامل بشكل متزايد.
مع ذلك، فإن الخصائص الاجتماعية للوالدين (مثل الدخل أو الملكية) وليس فقط الأصل الطبقي، تظهر أن التحول واسع النطاق ربما يكون قد بدأ بالفعل. حقيقة أن تحالف SP-BSP طرح في الآونة الأخيرة إنشاء نظام دخل أساسي ممول من خلال فرض ضريبة تدريجية على الثروة، تشير أيضًا إلى هذا الاتجاه، وقد يجد في المستقبل دعمًا في تطورات برامجية مماثلة في أجزاء أخرى من العالم. على العكس من ذلك، يبدو لي أن الحفاظ على بيئة أيديولوجية عالمية محافظة نسبيًّا بشأن قضايا إعادة التوزيع والعدالة الاقتصادية يميل إلى تعزيز استراتيجية حزب بهاراتيا جاناتا المنتصرة حتى الآن، والتي تستند إلى تصلب الهوية والانقسامات الدينية. إن تاريخ الأنظمة غير المتكافئة هو تاريخ مترابط، سواء للأفضل أو للأسوأ، ولن يتقدم إلا من خلال دمج المزيد من المقاربات وتوسيع المعرفة. لا يمثل كتاب “رأس المال والأيديولوجيا” سوى خطوة صغيرة في هذه العملية الضخمة للتعلم الجماعي والتنمية، وأنا ممتن جدًّا لجميع المشاركين في هذه المناقشة لمساهماتهم الملهمة.
نُشر في laviedesidees.fr، ١٠ نوفمبر ٢٠٢٠م.
[1] انظر كتاب رأس المال والايدلوجيا Capital et idéologie، الفصل الثالث، ولا سيّما الجدول ٣.١.
[2] انظر رأس المال والأيديولوجيا Capital et idéologie، الفصل ١٤.
[3] إذا أخذنا في الحسبان الأقدمية ونسبة الأساتذة المثبتين والمتعاقدين، وليس فقط المكافآت الضئيلة الممنوحة للمعلمين في المناطق المحرومة، والتي تعد ضعيفة للغاية لتعويض الأثرين الأولين. انظر: أ. بنهندا A. Benhenda، كل المعلمين الجيدين: اختيار المجتمع Tous des bons profs: un choix de société، دار نشر فايار Fayard، ٢٠٢٠م. انظر أيضًا: رأس المال والأيديولوجيا Capital et idéologie، الفصل ١٤.
[4] انظر كتاب الرأس مال والأيديولوجيا Capital et idéologie، الفصل، ١٤ و١٧، تحديدًا الرسم البياني ١٧.١.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




