ترجمة/ روابي العمري
مراجعة/ محمد بن علي الزهراني
عودة إلى معرض “١٩٣١م، الأجانب في زمن المعرض الاستعماري”
يُقدَّم التاريخ ويُعاد تجسيده في فضاءات المتاحف، حيث لا يظل حبيس الكتب وحدها. وفي هذا السياق، تسلّط المؤرختان الضوء على تجربتهما والأسئلة والتوترات التي أفرزها تنظيم معرض «1931: الأجانب في زمن المعرض الاستعماري». فإذا قبل المؤرخ، بصفته خبيرًا، أن يغادر برجه العاجي استجابةً لمتطلبات الوعي المدني والتربوي، فإنه لا يستطيع تجاهل التحديات التي تفرضها مثل هذه المهمة، إذ سرعان ما تُلزمه بإعادة التفكير في القواعد والمنهجيات التي يقوم عليها تخصّصه الأكاديمي ذاته.
يواجه المؤرخ، بلا شك، أكثر من غيره من الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، صعوبة في إيصال المعلومة، مدفوعًا بذائقة الجمهور الواسع لكتب التاريخ أو الأعمال[1] الروائية التاريخية. في هذا السياق العام، برز خلال السنوات العشرين الأخيرة عامل جديد ناتج عن الحركة الدولية العامة[2] لإضفاء الطابع المؤسسي التراثي: الطلب على الدراسات التاريخية في المتاحف. رغم أن متحف التاريخ ليس ابتكارًا حديثًا، فإنه ينتشر اليوم في العديد من البلدان نتيجة للطلب على إحياء الذكرى، والآخر يتمثل في مهمة تعليمية، بيد أنهما لا يرتبطان بعضهما ببعض بالضرورة[3]. سواء كنا نفكر في الإنجازات الأنجلوسكسونية مثل متحف الهجرة في جزيرة إليس بنيويورك، أو متحف الهولوكوست التذكاري في واشنطن، أو متحف الإمبراطورية البريطانية والكومنولث في بريستول، أو المؤسسات الفرنسية مثل متحف التاريخ المعاصر (الذي سمي هذا الاسم عام ١٩٨٧م بعد أن كان يسمى متحف الحرب)، أو النصب التذكاري في كون caen، أو تاريخ الحرب الكبرى في بيرون، أو مركز تاريخ المقاومة والترحيل في ليون، فإن هناك العديد من الأمثلة التي تشهد على هذا الهوس الجديد بالمتاحف، كما تجلى ذلك مؤخرًا ومن جديد، في إعلان نيكولا ساركوزي في ١٤ يناير ٢٠٠٩م، الذي دعا فيه إلى إنشاء “متحف لتاريخ فرنسا”.
يُستدعى المؤرخ في هذا السياق بصفته خبيرًا أو منتجًا للمعرفة لفائدة مؤسسات ذات اهتمام خاص، ولا سيما في إطار سياسات نشر المعرفة، غير أن هذا الاستدعاء لا يخلو من مخاطر. فكيف يمكن الاستجابة لمثل هذا الطلب؟ إن المواجهة بين المؤسسة المتحفية والممارسة التاريخية ليست لا محايدة ولا بديهية؛ إذ تضع المؤرخ أمام اختبار متطلبات متعارضة يفرضها المشروع المتحفي، تتراوح بين استثارة العاطفة ونقل المعارف. فضلًا عن ذلك، تُلزمه هذه المواجهة بازدواجية دقيقة: من جهة، الانخراط في المجال العام عبر مخاطبة جمهور واسع بخطاب واضح ومفهوم، غالبًا ما يحمل بعدًا مدنيًا؛ ومن جهة أخرى، الحفاظ على هويته المهنية داخل الحقل الأكاديمي، من خلال الدفاع عن تصور محدد لممارسة مهنته ومعاييرها العلمية.
نسعى هنا إلى إعادة التفكير في هذه المواجهة انطلاقًا من تجربة ملموسة، هي تجربة تنظيم معرض «1931: الأجانب في زمن المعرض الاستعماري»، الذي أُقيم مؤخرًا في المدينة الوطنية لتاريخ الهجرة (من 6 مايو إلى أكتوبر 2008). وقد شاركنا في هذه التجربة بصفة أمناء للمعرض، بوصفنا مؤرختين متخصصتين: إحدانا في تاريخ الاستعمار، والأخرى في تاريخ الهجرة، ولا سيما خلال فترة ما بين الحربين. إن استعادة هذه التجربة اليوم تدفعنا إلى طرح تساؤلات عامة حول طرائق عرض التاريخ، كما تفتح المجال للتفكير في الكيفية التي يُتناول بها تاريخ الاستعمار والهجرة في فرنسا المعاصرة.
معرض محفوف بالمخاطر
كانت بعض المخاطر معروفة لنا منذ بداية[4] التجربة. أولًا، كان لا بد للمعرض أن يجد مكانه في مؤسسة ذات تاريخ متقلب، دون الخوض في تفاصيل الجدل السياسي حول مشروع متحف الهجرة، والذي دعمه منذ بداية تسعينيات القرن الماضي باحثون متخصصون في هذا المجال إلى جانب نشطاء، كما يجب أن نتذكر أن تاريخ المدينة الوطنية لتاريخ الهجرة (CNHI) التي لا تزال في المهد، يتميز بالتردد[5] تعريفها ذاته (هل هو مكان ثقافي، أم موقع تاريخي وتعليمي، أم مكان تذكاري؟) والذي يوجد اليوم في تعدد الوزارات المشرفة عليها، ذات المهام المتعارضة أحيانًا: وزارة الثقافة، ووزارة التربية الوطنية والبحث العلمي، ووزارة الشؤون الاجتماعية (وزارة السكان والهجرة أو DPM، التي أصبحت اليوم تابعة لوزارة الهجرة والتكامل والهوية الوطنية والضمان الاجتماعي). ازدادت الأبعاد السياسية المرتبطة بإنشاء متحف فرنسي للهجرة من خلال إنشاء المؤسسة الناشئة، بدعم من حكومة ليونيل جوسبان منذ عام ١٩٩٨م، ثم تولى جاك شيراك المسؤولية بعد إعادة انتخابه في عام ٢٠٠٢م، حيث عُيّن جاك توبون المسؤول عن اختيار المبنى، الذي أصبح المتحف القديم للفنون الأفريقية والأوقيانوسية؛ الذي تم إفراغه من مجموعاته بعد افتتاح متحف كي برانلي.[6]
أثارت هذه الخطوة منذ البداية جدلًا واسعًا: لماذا يتم تحويل هذا المكان الذي كان في السابق متحف المستعمرات، وشُيّد من أجل المعرض الاستعماري الدولي لعام ١٩٣١م، إلى متحف للهجرة بدلًا من أن يصبح تخليدًا للذكرى وتاريخ الاستعمار؟ وُلدت فكرة تنظيم أول معرض مؤقت للأجانب عام ١٩٣١م بسرعة، “حيث سيتم عرض التاريخ المزدوج الذي كان يجري في ذلك العام، أي تاريخ تمجيد المستعمرات من خلال معرض غابة فينسين، وتاريخ الوجود الأجنبي الذي لم يسبق له مثيل من حيث العدد والتنوع”[7].
أثارت الطلبية التي وجهتها إلينا المؤسسة في فبراير ٢٠٠٦م منذ البداية، تحفظاتنا: ما العلاقة بين المعرض الاستعماري الدولي، الذي كان احتفالًا استعماريًّا اتخذ شكل عرض شعبي ضخم، ووجود عدد كبير من الأجانب في فرنسا، رغم أنهم كانوا غير مرئيين نسبيًّا، ومن أصول أوروبية في الغالب؟ وعلاوة على ذلك، يبدو لنا أن مناقشة الهجرة في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين من خلال المعرض الاستعماري، تثير إشكالية كبيرة خصوصًا في مجالينا المهنيين، تاريخ الهجرة وتاريخ الاستعمار. إن هذا الأمر لا يمكن إلا أن يعزز اختزال تاريخ الهجرة كجزء من تاريخ الاستعمار، مما يسهم في الخلط المتكرر في الخطابات والتمثيلات بين “المهاجرين” و”أبناء المستعمرات”، متجاهلة بذلك التاريخ الأول للهجرة الأوروبية إلى فرنسا.
نبع ترددنا من الجدل القائم داخل مجال تاريخ الاستعمار[8]، الذي تفاقم بعد صدور قانون فبراير ٢٠٠٥م، والاعتراف بـ”الدور الإيجابي” للوجود الفرنسي في شمال إفريقيا[9]، حيث أسهمت النقاشات الإعلامية، التي ركزت على تقديم “حصيلة” (إيجابية أو سلبية) للاستعمار، عبر عرقلة دراسة التاريخ الاجتماعي للاستعمار. مع ذلك، فإن المعرض الاستعماري يميل بشكل خاص إلى إدانة الخطاب الاستعماري[10]، في حين ينسى الحقائق العملية للاستعمار على الأرض. ورغم تحفظاتنا، جذبنا التحدي المتمثل في الدفاع عن مواقفنا العلمية حول المسألة، ومشاركة الجمهور «رؤية» مختلفة عن تلك التي تشيعها وسائل الإعلام. لذلك، قررنا خوض هذه التجربة.
غير أنّ عقبات جديدة سرعان ما برزت في طريقنا؛ فبينما كنا قد أمضينا عامًا كاملًا في العمل على المعرض، جاء انتخاب نيكولا ساركوزي رئيسًا للجمهورية، وتلاه إنشاء وزارة الهجرة والاندماج والهوية الوطنية والتنمية المشتركة. وقد أدى هذا الحدث إلى استقالة جماعية، في 18 مايو/أيار 2007، لثمانية من أصل اثني عشر مؤرخًا كانوا أعضاء في اللجنة العلمية لتاريخ المتحف الوطني للهجرة والاندماج، وهي اللجنة المكلّفة بوضع المسار الدائم للمتحف، المعروف أيضًا باسم مسار «ريبير». جاءت هذه الاستقالة احتجاجًا على تسمية الوزارة، مع إعلان المستقيلين استمرار دعمهم للمشروع «ما دامت روحه قائمة».
كانت هذه الخطوة زعزِعة للاستقرار بعمق، وكان من شأنها أن تُضعف موقعنا، سواء داخل المؤسسة أو خارجها، وأن تُربك توازناتنا الشخصية والمهنية على حد سواء. فقد أدت، في الواقع، إلى إرباك المؤسسة نفسها وإلى الإضرار بصورتها العامة، الأمر الذي دفعها إلى التعامل معنا بحذر بالغ. في تلك اللحظة، أدركنا إلى أي حد كانت هذه التجربة تجرّنا إلى مواجهة لا مفرّ منها بين الماضي والحاضر، بين العمل التاريخي والأحداث الراهنة، وهي مواجهة لم نكن قد أعددنا أنفسنا لها بعد.
الماضي والحاضر
اعتمدنا بشكل سريع نهجًا يهدف إلى تجاوز المشكلات المرتبطة بموضوع المعرض، من خلال التركيز على لحظة زمنية محددة: ١٩٣١م. لكن لماذا ١٩٣١م؟ لأن هذا العام، يعد نقطة محورية بين الحربين، ويتيح فرصة للتساؤل وتعميق الروابط بين الهجرة والاستعمار. في ٦ مايو/أيار من ذلك العام، افتتح رئيس الجمهورية غاستون دوميرغ Gaston Doumergue والمارشال ليوطي le maréchal Lyaute[11] المعرض الاستعماري الدولي، الذي أقيم على مساحة ١١٠ هكتارات من غابات فينسين. قُدم المعرض باعتباره ملتقى للقوى الاستعمارية الكبرى آنذاك، (حيث شاركت بلجيكا وهولندا والبرتغال والدنمارك والولايات المتحدة، بعد أن رفضت بريطانيا العظمى الدعوة)، ومكان صدارة للإمبراطورية الفرنسية و”سفنها الرائدة” المختلفة، حيث يعرض على سبيل المثال نسخة طبق الأصل بالحجم الدقيق للطابق الثالث من معبد أنغكور وات d’Angkor Vat. كان المعرض بمثابة واجهة لفرنسا الإمبراطورية التي أبرزت بفخر سيطرتها على أكثر من اثني عشر مليون كيلومتر مربع، وقد حقق نجاحًا كبيرًا؛ حيث زاره أكثر من ثمانية ملايين زائر على مدى ستة أشهر.
تتبدّى فرنسا، في تلك الحقبة، بوصفها إحدى الدول الرئيسة عالميًا في استقبال المهاجرين؛ إذ أظهر تعداد السكان لعام 1931 وجود نحو 2.9 مليون أجنبي مقيم في الأراضي الفرنسية المتروبولية، أي ما يقارب 7% من مجموع السكان. وقد بدأت هذه الدينامية خلال الحرب العالمية الأولى، حين أضحى استقدام أعداد كبيرة من العمال الأجانب والمستعمرين ضرورة ملحّة لتعويض النقص الحاد في اليد العاملة داخل المصانع التي أفرغتها التعبئة العامة. وتسارعت هذه الحركة خلال عشرينيات القرن العشرين، مع تضافر جهود أرباب العمل والسلطات العمومية في صياغة سياسة توظيف واسعة النطاق. وإلى جانب ذلك، أسهمت التحولات الجيوسياسية في أوروبا في تسريع تنقل السكان وارتفاع أعداد اللاجئين، بحيث كاد عدد الأجانب المقيمين في فرنسا أن يتضاعف خلال هذه الفترة. وإذا كانت الهجرة ذات طابع أوروبي في المقام الأول، فإن بدايات الهجرة الاستعمارية القادمة من شمال أفريقيا وآسيا أخذت، بدورها، في الترسخ داخل المدن الفرنسية.
إن مقارنة مسألة الأجانب بمسألة رعايا الإمبراطورية الفرنسية، تسمح لنا بتسليط الضوء على الاختلافات بينهما (على سبيل المثال من حيث الوضعين الإداري والقانوني) وموقفهما المشترك، خصوصًا في الطريقة التي ينظر بها المجتمع الفرنسي والسلطات العامة إليهم[12].
وهكذا، تُعدّ سنة ١٩٣١م نقطة تحول في السياق العام للفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين، مما يجعلها مرصدًا مميزًا لدراسة الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي كانت قيد التشكل آنذاك، فقد ضربت الأزمة الاقتصادية فرنسا بشدة، مما أدى إلى تصاعد السخط. في حين روّج المعرض الاستعماري الدولي لصورة فرنسا الإمبراطورية في ذروة قوتها، بدأت تظهر بوادر معارضة للنظام الاستعماري، مستندة جزئيًّا إلى المهاجرين المقيمين في فرنسا. ففي عام ١٩٢٦م، تأسست “نجمة شمال إفريقيا” في فرنسا على يد مجموعة من العمال الجزائريين، كما أُنشئت “لجنة الدفاع عن العرق الأسود” بباريس في العام نفسه بقيادة الأمين سنغور. إلى جانب ذلك، كانت البلاد تعيش على وقع العديد من التوترات؛ من تصاعد كراهية الأجانب ومعاداة السامية والعنصرية، إلى التشكيك في حق اللجوء وعمليات الطرد القسري. ولكن، ماذا عن المستقبل؟ ذلك كان السؤال الذي طرحته مرارًا وتكرارًا إدارة المتحف الوطني لتاريخ الهجرة، حرصًا منها على إيصال رسالة تعليمية إلى زوار القرن الحادي والعشرين الشباب.
كان الهدف من ذلك تذكير الزوار بأن عام ١٩٣١م سبق لحظات تاريخية مفصلية، مثل أحداث ٦ فبراير ١٩٣٤م، والجبهة الشعبية، والحرب العالمية الثانية، وحتى استقلال المستعمرات.
يتعارض هذا النهج ذو الطبيعة الغائية، مع المنهجية التاريخية التي وإن كانت ترى في كل لحظة من الماضي نتيجةً لتشكيلات سابقة، فيجب عليها تجنب إسقاط المستقبل على الماضي، حتى وإن كان معروفًا.
كانت مطالب المؤسسة تتعارض مع الأسس التي تلقيناها في تدريبنا الأكاديمي، إذ بدت معزولة عن السياق العلمي، لكنها مع ذلك كانت ضرورية، وأمام رفضنا التعاون في انتقاء تواريخ “تُشتق” من لحظة ١٩٣١م، تقرر أن تكون القاعة الأخيرة، المنفصلة مكانيًّا عن بقية المعرض، عبارة عن تسلسل زمني “شامل” وبالتالي غير متجانس، مع إضافة عبارة “وماذا بعد؟” كنوع من التحدي لهذه الفرضية المسبقة.
إن هذه الحلقة الفريدة والمعزولة من التدخل المباشر من إدارة المتحف، تعكس بوضوح الفجوة بين التوقعات السياسية التي ترغب في خطاب موجه نحو الحاضر (وبطريقة ما نحو المستقبل)، وبين الخطاب العلمي، الذي وإن كان، وفق تعبير مارك بلوخ، “ابن الحاضر”، يرفض أي شكل من أشكال المعيارية أو النزعة التنبؤية. ومع ذلك، لم تقتصر هذه التوقعات على السياسيين فقط؛ بل ظهرت أيضًا طوال فترة المعرض من خلال الجمهور الذي يميل إلى قراءة التاريخ من منظور الزمن الحاضر، فقد بدت الموضوعات التي تناولها المعرض؛ مثل الأزمة الاقتصادية، وتصاعد كراهية الأجانب، ورفض الآخر، وعمليات الإبعاد والطرد، وكأنها إدانة غير مباشرة للسياسات الحالية، رغم أن هدفنا الأساسي – وربما بسذاجة مفرطة – كان ببساطة توضيح العلاقة الجوهرية بين الهجرة وسوق العمل خلال فترة ما بين الحربين، وكذلك إبراز التمييز الوطني الذي تفاقم مع تقلّص فرص العمل.
إن وضع التاريخ في متحف يفتحه أمام قراءات المعاصرين، وبالتالي يعرض الماضي لتحديات الحاضر التي تحملها نظرة الزائرين، ولكن أيضًا من خلال الطلب الصحفي. وهكذا، عند افتتاح المعرض في ٦ مايو/أيار ٢٠٠٨م، واجه “الموضوع” صعوبة في العثور على مكان له في وسائل الإعلام التي تقع عند تقاطع خدمات “الثقافة” و”المجتمع”. فهو ليس فنيًّا بما يكفي للصحفيين المتخصصين في تغطية المعارض والأحداث الثقافية، وليس سياسيًّا بما يكفي للصحفيين الذين يتعاملون مع قضية الهجرة… ولم يتم العثور حتى الآن على المساحة الإعلامية اللازمة لإقامة معارض تاريخية. إن هذه التوترات، التي يعززها الطابع السياسي لقضايا الهجرة، ليست مسألة ذات طابع عرضي فحسب؛ بل تطرح أيضًا سؤالًا ذا أهمية حول وضع العلاقات بين المتاحف والتاريخ: ما المكان الذي يجب أن تشغله المعارض التاريخية في العالم الثقافي؟
صراع الثقافات
على الرغم من أن مخاوفنا الأولى انصبت أساسًا على احتمال التعرّض لضغوط سياسية، فقد اتّضح، مع مرور الأشهر وتقدّم العمل في المشروع، أن الصعوبات الجوهرية التي واجهتنا لم تكن ذات طابع حزبي بقدر ما كانت ناتجة عن سوء فهم بين ممارسات مهنية مختلفة، وعن تباينات معرفية بلغت أحيانًا حدّ التعارض. فالعمل على مشروع معرض يفرض على المؤرخ الاحتكاك بفاعلين جدد، واعتماد ممارسات غير مألوفة، والتعامل مع مؤسسات بعيدة إلى حد كبير عن العالم الأكاديمي.
يتجلى ذلك بوضوح في تجربة العمل داخل «المفوّضية» – وهو مصطلح ذو حمولة رمزية ثقيلة بالنسبة إلينا، نحن المؤرختين الاجتماعيتين للدولة – حيث يلتقي أشخاص ذوو تكوينات ومسارات مهنية وأساليب عمل متباينة، بل ومتناقضة أحيانًا. وقد انصبت النقاشات المرتبطة بتصميم المعرض، في جوهرها، على طبيعة المشروع ذاته: هل هو معرض «تاريخي» يقوم على خطاب تاريخي منظم، أم معرض يركّز على عرض أشياء جميلة ذات طابع «فني» و/أو «مفاهيمي»، تُدرج داخل إطار زمني محدد؟
هذا النقاش ليس نظريًّا فحسب، بل ينعكس مباشرة في صراع مادي حول اختيار المعروضات التي سيتم عرضها في إطار المعرض. في مواجهة البعد المذهل للمعرض الاستعماري، بكل ما فيه من فائض، من إعادة بناء معمارية ولوحات ومنحوتات ضخمة، فضلًا عن الأشياء الإثنوغرافية التي أعارها لهذه المناسبة جامعو “الفن الزنجي” المشهورين[13]، كيف يمكن إفساح المجال للحياة اليومية، أو حتى لرتابة الحضور الصامت رغم كثافته للمهاجرين في فرنسا، وهو حضور تظل آثاره في المقام الأول ذات طابع إداري (أوراق الهوية، وملفات المراقبة، والإحصاءات)؟ وكيف تُمكن ترجمة عدم ظهور الأجنبي نسبيًّا، ومنحه مادية ملموسة في مواجهة المشهد الباذخ للمعرض الاستعماري، حيث إن العناصر المتبقية منه ليست فقط وفيرة، بل تمتلك حضورًا قويًّا قد يحجب الوثائق الأرشيفية، التي غالبًا ما تكون مغبرة، وغير متجانسة، لكنها مع ذلك ضرورية لمقاربتنا؟ لقد أدى ذلك إلى مواجهة غير متكافئة، فبينما يبهر الزائر ببقايا معرض ١٩٣١م، فإنه يُحتمل أن يشعر بالملل أمام جفاف التقارير الإدارية، وتكرار قوائم التعداد السكاني الاسمية، والملفات الفردية، وأوراق الهوية، والنشرات الدورية التي جُمعت من مختلف مراكز الأرشيف البلدية والإقليمية، وإذا كان تراكم الأوراق (بطاقات الهوية، وملفات طلب التجنيس، وعقود العمل، وأوامر الطرد، إلخ) يعكس تجربة ملموسة، ومؤلمة في بعض الأحيان، وتجسد، إلى حد ما، واقع حياة المهاجرين في فرنسا، فإن مدى قدرتها على التأثير وإثارة الاهتمام لا يزال موضع تساؤل.
أبدى مؤرخو الفن ومتخصصو علم المتاحف قدرًا واضحًا من التحفّظ إزاء الوثائق الأرشيفية، والخرائط، والرسوم الإحصائية التي تُشكّل المادة الخام لعملنا المهني؛ فقد اعتُبرت هذه الوثائق غير قابلة للقراءة، ومسطّحة بحكم ثنائيتها البعدية، وقبل ذلك كله غير جذّابة جماليًّا. وقد تكرّست هذه الانتقادات في عبارة سمعتها مرارًا: «نحن بحاجة إلى ثلاثية الأبعاد!».
وأحد المسارات التي جرى اعتمادها استجابةً لهذا المطلب تمثّل في استحضار المسارات الفردية والعائلية للمهاجرين منذ عام 1931، من خلال متعلّقاتهم الشخصية: نسخة من الكوميديا الإلهية جُلبت من إيطاليا، أو طاحونة قهوة من أرمينيا، وغير ذلك. كانت الفكرة تقوم على تلبية مطلب «البعد الثالث» عبر إغراق الزائر في الواقع الملموس لتجربة الهجرة، من خلال تتبّع مصائر عدد محدود من الحالات الفردية، داخل فضاءات جانبية إلى حدّ ما، أقل صخبًا وأكثر حميمية.
من بين النقاط الخلافية الأخرى داخل “المفوضية”، الشاهدة على هذا الصراع بين الثقافات، تلك التي تتعلق بالمكانة التي يجب منحها للفنانين الأجانب. كان هؤلاء الفنانون حاضرين بأعداد كبيرة في فرنسا عام ١٩٣١م، وأنتجوا أعمالًا كانت “قيمتها” في العرض لا تقبل الجدل[14]. لكن هل كان من المشروع إذن تخصيص مصير خاص لهذه المجموعة، أي “غرفة منفصلة” في المسار؟ في رأينا، كان هناك سببان ضد ذلك: أولًا، اعتبار الفن نشاطًا مهنيًّا من بين الأنشطة المهنية الأخرى التي يمارسها الأجانب، ولكن قبل كل شيء، تذكر أنه من وجهة نظر المجتمع المضيف خصوصًا السلطات العامة الفرنسية، فإن الأجانب، سواء كانوا فنانين أم لا، كانوا يعاملون بالطريقة نفسها. هكذا وُضع إيصال طلب بطاقة الهوية الخاص بسلفادور دالي بين وثائق أخرى مماثلة، كما تم توزيع أعمال الفنانين الأجانب الذين كانوا في باريس عام ١٩٣١م (مثل جاكوميتي، وفيكتور براونر، وأوتو فروندليش) على امتداد مسار المعرض، بحيث تتفاعل مع القاعات المخصصة للمواضيع المختلفة، بدلًا من أن تُعرض في مساحة منفصلة.
اختبار مهنة المؤرخ
يتخفّى خلف هذا التصادم الثقافي اختبارٌ دائم لقواعد مهنة المؤرخ نفسها؛ فمن تحديد مواقع الأرشيفات، إلى انتقاء الوثائق، وصولًا إلى متطلبات قراءتها في سياقات جديدة، يجد المفوضون العلميون أنفسهم أمام قرارات يومية معقّدة، كثيرًا ما تصطدم بطموحاتهم الأولى، بل وبعاداتهم المهنية الراسخة. حتى تنظيم سير العمل ذاته يتعرض للاختلال؛ ففي سياق المعرض لا ينبثق الخطاب من البحث المسبق في المصادر، بل يسبقه ويقوده، إذ يصبح النص نقطة الانطلاق عبر إعداد ملخص أولي، ثم يُستدعى العمل الأيقوني والأرشيفي، ويجري تحديد القطع المختارة بغرض التوضيح، أو أحيانًا لإثبات الفكرة ذاتها.
يُنجز التجميع وفق هدف محدد سلفًا: البحث عن قطع ترتبط بموضوع بعينه، وعن وثائق قابلة للعرض، بل وعن وثائق يُحتمل أن تكون قابلة للعرض أصلًا. وقد اتّسم هذا الانتقاء بقدر كبير من القسوة؛ إذ بخلاف المنهج التاريخي الكلاسيكي، لا يتطور العمل هنا عبر التراكم أو المقارنة بين المصادر. لم يعد الأرشيف منطلقًا للبحث، بل غدا غاية في حد ذاته. ومن ثم فرض شكله المادي حضوره بوصفه عنصرًا مركزيًا: البحث عن الألوان، والصور، و«المرئيات»، من أجل بناء خطاب متحفي.
تُفضَّل الكتابة اليدوية على المطبعية، والألوان –كالأختام الحمراء– على الحياد، والتعليقات الهامشية، وصور الهوية، كما تُقدَّم الوثيقة «الفردية» على التعميم الإداري. ففي نهاية المطاف، يصبح الشيء وحده حامل الخطاب التاريخي، حتى وإن كان النص قادرًا، بدوره، على اكتساب قيمة متحفية.
في الواقع، لقد راهنّا على إعطاء أهمية كبيرة للنصوص في المعرض، وهي المراهنة التي أرشدت التصميم المسرحي. تم استخدام تقنيات مثل تكبير النصوص، وإعادة إنتاج الأرشيفات على جدران مضيئة من الخلف، وتنظيم النصوص التي تُقدّم مدخلات كل قاعة من أجل جعلها أشياء عرض “في حد ذاتها” عبر العمل على الإضاءة والألوان، وهي حلول اقترحها المصمم المسرحي ماسيمو كويندولو لجعل الوثائق التي غالبًا ما تكون جافة أكثر وصولًا، دون التفريط في المتطلبات الجمالية. كان الأمر الأكثر صعوبة هو كتابة الملصقات والنصوص الوصفية المرافقة لكل من الأعمال المعروضة، والتي كانت كثيرة وطويلة جدًّا في رأي مصممي الديكور. لكن؛ كيف يمكننا أن نفسر مسائل معقدة مثل الأوضاع المختلفة للسكان المهاجرين من المستعمرات (الفرنسيين دون أن يكونوا مواطنين، “محميين” أو حتى “أجانب”) دون الخوض في التفاصيل[15]؟ في بعض الأحيان، يمكن أن تكون الوثيقة واضحة، خصوصًا عندما تستخدم “الألوان” للتمييز بين وثيقة وأخرى. في هذه القائمة الاسمية لتعداد مدينة أنيش (مدينة في شمال فرنسا، والتي بلغ عدد سكانها ٩٠٠٠ نسمة عام ١٩٣١م بينهم ألف أجنبي)، تم ذكر جنسية ثلاثة سكان ولدوا في الجزائر أولًا على أنهم فرنسيون، قبل تصحيحها واستبدالها بـ “NA”، أي “شمال إفريقيا”، باللون الأزرق. الأجانب، هنا اليونانيون، يتم تمييزهم بخط قلم رصاص أحمر، من أجل التعرف عليهم بشكل أفضل عند تجميع النتائج. لكن الوثيقة لا يمكن أن يكون لها معنى دون تعليق. كانت العلاقة بين القطعة المعروضة والملصق المصاحب لها، موضوع نقاش كبيرًا داخل إدارة المتحف، لكن أخبار المتحف كانت ذات فائدة كبيرة لنا. في أبريل/نيسان ٢٠٠٨م، وهو التاريخ الذي كنا نكتب فيه ونثبت فيه آخر ملصقاتنا، اندلع الجدل حول المعرض المقام في المكتبة التاريخية لمدينة باريس، “باريسيون تحت الاحتلال Les/De Parisiens sous l’Occupation”، واحتوى على [16] الصور التي التقطها أندريه زوكا لصالح المجلة الألمانية سيغنال Signal. كانت الانتقادات تدور حول قلة العمل في تقديم التعليقات وسياق الصور، إضافة إلى التصميم المسرحي الذي يركز على الجمالية ويغفل الطابع الدعائي لعمل المصور[17]. لقد كان هذا الجدل بمثابة تذكير (إذا كان هناك أي حاجة لذلك) بمدى ما يحمله غياب النص من معنى دائمًا، سواء افترض المفوضون هذا المعنى أم لا.
ولكن العناية الفائقة التي أوليناها للنصوص وحجمها وكتابتها، لا تسمح لنا بتجنب سوء الفهم والغموض تمامًا: فهل ينبغي لنا، على سبيل المثال، أن نأخذ الفئات المستخدمة في ذلك الوقت (“السكان الأصليون”، “شمال إفريقيا”) أو نترجمها إلى مفردات أكثر معاصرة (“المستعمرون”، “الجزائريون”)؟ لقد اشتكى أحد الزوار من عدم التفريق الكافي بين الأرمن والأتراك في الوثائق الإحصائية المستخلصة من التعداد السكاني لعام ١٩٣١م، في حين أننا كنا نوضح اعتمادنا على الفئات التي كانت مستخدمة في ذلك الوقت. كما نرى،[18] جانب مسألة دور التربية والتعليم في الممارسة المتحفية، والتي تشهد نقاشات حادة في فرنسا منذ فترة الجبهة الشعبية[19]، فإن السؤال المركزي الذي تثيره تجربتنا يتعلق بالأماكن الخاصة بالممارسات والصور داخلها. في بعض الأحيان يثار السؤال: هل كل المعرض في النهاية مجرد قصة تمثيلات؟
التاريخ الاجتماعي أم تاريخ التمثيلات؟
بصفتنا باحثات في مجال التاريخ الاجتماعي، كان هدفنا دائمًا في معرض “١٩٣١م”، هو تسليط الضوء على الممارسات وليس فقط على الصور والتمثيلات، كانت المهمة صعبة لأن مجرد عرض وثيقة من الماضي، وتحويلها إلى معروض متحفٍّ، أو تعليق صورة معينة على الجدار، يسهم في تحويل الواقع إلى شيء ثابت، مما قد يؤدي إلى تجميده. لقد ثبت أن الأمر أكثر صعوبة، لأن الأجانب بفرنسا في ثلاثينيات القرن العشرين كانوا يتميزون بنوع من “الاختفاء”: فما الذي يخبرنا بأن “فرقة عمال المناجم”، التي صورها كولار في وازييه، شمال فرنسا، كانت تضم بولنديين؟ “خلال تحقيقه في أعماق المناجم والمصانع ومواقع البناء، لم يتوقف فرانسوا كولار مطلقًا عن مقابلة وتصوير العمال الأجانب من أوروبا والإمبراطورية. لكن الصور المنشورة وعناوينها لم تذكر هذه الأصول مطلقًا، وكأن العمل خلق الوحدة بين الرجال وألغى الجنسيات”، كما تتذكر ماريان عمار[20]. إن البحث عن وثيقة “ناطقة” قد يؤدي إلى بعض الانزلاقات والارتباكات.
يوضّح مثال كراهية الأجانب هذا الأمر بوضوح، وإذا نظرنا في الصحافة اليومية الفرنسية واسعة الانتشار ١٩٣١م، فسوف نجد أن الأجانب يُستشهد بهم بشكل متكرر في استحضار الأخبار التي يُفترض أنهم متورطون فيها، وهو ما يذكرنا بإجرام السكان الأجانب: “صيني يقتل طبيب أسنان”، و”قتال دامٍ بين البولنديين”، و”إسباني يخنق ويغتصب امرأة خمسينية[21]“، إلخ. في هذه التمثيلات، تعطي البلاغة والتصوير المكانة الأولى للصور النمطية[22]. إن التقليل من أهمية القراءة العنصرية للسكان في هذا الوقت، كما تجلى بوضوح في معرض الاستعمار عام ١٩٣١م، يشكل بلا شك أحد العناصر التي يجب أخذها في الاعتبار، من أجل فهم خصوبة التربة التي ترسخت فيها كراهية الأجانب ومعاداة السامية في ثلاثينيات القرن العشرين.
إن كراهية الأجانب ومعاداة السامية ليستا مقتصرتين على الأيديولوجيين العنصريين أو الصحف المتطرفة اليمينية، وفي هذا السياق، وجد كتاب جورج موكو؛ الجغرافي وخبير الهجرة في بداياتها، “الغرباء في فرنسا” ١٩٣٢م، مكانه في المعرض لإظهار انتشار وتهميش التحليلات “الإثنية” للعالم الاجتماعي بفرنسا في ثلاثينيات القرن العشرين. ومن هذا المنطلق يبرز هذا التحيز في مواجهة قيود التخطيط المكاني: كيف نعرض العمل؟ من الضروري اختيار الصفحات التي سيفتح فيها الكتاب، وتقييد القراءة وفرض النظرة، مع الشك في الوقت نفسه: هل سيخصص الزائر الوقت لقراءة المقاطع المعروضة؟
نوضح هنا بأن كراهية الأجانب في ثلاثينيات القرن العشرين لم تختزل على دائرة التمثيلات، أي أنها لم تقتصر على الصور النمطية أو الخطاب الإعلامي، بل كانت أيضًا تتجسد في أفعال وممارسات فعلية. ومما يبرهن ذلك، أنه في موقع بناء المعرض الاستعماري الدولي ٢١ أبريل ١٩٣١م، ألقت الشرطة القبض على عامل بناء إيطالي؛ أطلق عليه أحد البحارة الفرنسيين لقب “المعكرونة” و”ردّ عليه بلكمة في وجهه”[23]. إن الحقيقة تأتي من وثيقة أرشيفية، ولكن في حين أنها تبدو منطقية في الخطاب، فإن تأثيرها البصري ضعيف، فهي مأخوذة من سجل الوقائع اليومية لمركز شرطة الدائرة الثانية عشرة، وقد تم إدراجها بين حقائق أخرى متفرقة مسجلة على صفحة من السجل، في كتابة يصعب أحيانًا فك شفرتها. مع ذلك، فإن إعادة إنتاج الوثيقة المعروضة على حائط مضاء من الخلف، سمحت للزائر برؤية المظاهر الملموسة لكراهية الأجانب من خلال أخذها، بطريقة ما، إلى ما وراء كواليس المعرض الاستعماري.
التاريخ الاجتماعي أم تاريخ التمثيلات؟
ويطرح السؤال أيضًا فيما يتصل بالعالم الاستعماري. يبدو منذ البداية أن مركزية المعرض الاستعماري تميل الحجة نحو الخيال الاستعماري ومؤسسات الدعاية الاستعمارية المختلفة، بما يتماشى مع الاهتمام العام والإعلامي والتحريري بـ”صور الإمبراطورية”[24]. إن مثل هذا النهج، الذي يبحث في الصور النمطية القديمة، أي الصور النمطية الاستعمارية، عن أصل الأحكام المسبقة اليوم، لا يخلو من إثارة المشاكل[25]. أولًا، ما الذي نعرفه عن انتشار واستقبال الدعاية الاستعمارية على وجه الخصوص؟ إن النجاح الهائل الذي حققه المعرض الاستعماري لعام ١٩٣١م (ثمانية ملايين زائر) لا يعني بالضرورة، أو تلقائيًّا، أن الجمهور الفرنسي انضم إلى المشروع الإمبراطوري الفرنسي، أو أنه شارك في حماس خطاب المهمة الحضارية. بين الموافقة والرفض، ألا يمكننا أيضًا أن نفترض اللامبالاة تجاه مصير المستعمر[26]؟ وفوق كل ذلك، فإن المستعمرين أنفسهم غائبون تمامًا عن التحليلات التي تتناول مسرحية الاستعمار وإدانات “حدائق الحيوان البشرية[27]“، ومن ثم فمن الضروري وراء الصور أن نظهر الواقع العملي للاستعمار وحياة السكان.
تمثّل الحلّ الأول في مقابلة خرائط الإمبراطورية وسكّانها بعرض الآثار المبهرة للمعرض الاستعماري، بهدف التأكيد على أن الاستعمار، قبل أن يكون خطابًا دعائيًا، كان في جوهره احتلالًا للأراضي وإخضاعًا للبشر. وفي السياق ذاته، سعى المعرض إلى إبراز الحضور المادي للمستعمَرين في فرنسا، أي تلك الموجة الأولى من الهجرة القادمة من المستعمرات، ولا سيما من المغرب العربي، من أجل استحضار تجارب المهاجرين الاستعماريين، مع التذكير بأنهم لم يكونوا مجرد ضحايا سلبيين للهيمنة الاستعمارية، كما قد يوحي التركيز المفرط على تمثيلات الإمبراطورية وحدها. ثم أُفرد حيّز واسع لمسألة التسييس في أوساط المهاجرين، سواء كانوا مستعمرين أو أجانب، عبر عرض منشورات بعدة لغات وتقارير شرطة تتعلق بنشطاء من الهند الصينية، لإظهار أن الحركات المناهضة للاستعمار نشأت في كثير من الأحيان من تجربة الهجرة ذاتها.
إن مغادرة البرج العاجي، والانخراط في الحاضر، والاستجابة لمتطلبات التخطيط المكاني وللتدقيق العمومي المتراكم، كلّها مسارات تنطوي على مخاطر حقيقية. غير أن التزامنا بهذا المشروع تمثّل، جزئيًا، في تعلّم مهارات جديدة، وهو ما أسهم في الوقت نفسه في تعزيز موقعنا وقناعاتنا. فقد أتاح لنا هذا العمل ترسيخ رؤيتنا لطرائق الكتابة التاريخية، وفي الآن ذاته ابتكار سبل جديدة لعرض الماضي، وشرح منطلقاتنا، وإبراز البعد الإبداعي في عملنا. وفي لحظة كان يدعو فيها نيكولا ساركوزي إلى إنشاء «متحف لتاريخ فرنسا»، جاءت هذه التجربة المتواضعة لتذكّر بالمخاطر الكامنة في تسييس التاريخ واستغلال المؤرخين، لكنها في المقابل تسعى أيضًا إلى الدعوة لمشاركة فاعلة، واعية، وتأملية للمؤرخين في الفضاءات التي يُعرض فيها التاريخ. وفي ختام هذه المغامرة، يتبيّن أن هذا التمرين قد يكون محفوفًا بالمخاطر أحيانًا، ومثيرًا ومحفزًا في أحيان أخرى.
[1] صوفي وينش Sophie Wahnich، متاحف التاريخ في القرن العشرين في أوروبا Les musées d’histoire du XXe siècle en Europe، مجلة إيتدود Études، ٢٠٠٥/٧-٨، المجلد ٤٠٣، ص. ٢٩-٤١.
[2]يبدو الطلب على الدراسات التاريخية في المتاحف حديثًا نسبيًا عند مقارنته بالصلة القديمة والتي تم التشكيك فيها مؤخرًا بين الأنثروبولوجيا والمتاحف، أنظر إلى بحث (الأنثروبولجيا مابعد المتاحف؟ ?L’anthropologie après les musées) للباحث بنوا دي لستوال Benoît de L’Estoile، مجلة إيتنولوجي فرانسيس Ethnologie française، رقم ١١٦،٢٠٠٨م، ص. ٦٦٥-٦٧٠، وحتى هيرمان لوبفيس Herman Lebovics،
True France: The Wars over Cultural Identity 1900-1945 فرنسا الحقيقة: لحروب على الهوية الثقافية ١٩٠٠م-١٩٤٥م، إيثاكا ولندن، مطبعة جامعة كورنيل ١٩٩٢م.
[3] يبدو الطلب على الدراسات التاريخية في المتاحف حديثًا نسبيًّا عند مقارنته بالصلة القديمة التي تم التشكيك فيها مؤخرًا بين الأنثروبولوجيا والمتاحف، انظر إلى بحث Benoît de L’Estoile،» الأنثروبولجيا ما بعد المتاحف؟ « L’anthropologie après les musées ?، مجلة إيتنولوجي فرانسيس Ethnologie française، رقم ١١٦،٢٠٠٨، ص. ٦٦٥-٦٧٠، وحتى هيرمان لوبفيس Herman Lebovics،
True France: The Wars over Cultural Identity 1900-1945 فرنسا الحقيقة: الحروب على الهوية الثقافية ١٩٠٠م-١٩٤٥م، إيثاكا ولندن، مطبعة جامعة كورنيل ١٩٩٢.
[4] ماري كلود بلان شاليارد Marie-Claude Blanc Chaléard، (مدينة وطنية لتاريخ الهجرة. الجينات والقضايا والعقبات Une Cité nationale pour l’histoire de l’immigration. Genèses, enjeux, obstacles)، القرن العشرون، مجلة التاريخ Revue d’histoire، رقم ٤، ٢٠٠٦م
[5]ماري كلود بلان شاليارد Marie-Claude Blanc Chaléard، الفن، المرجع السابق، ص. ١٣٨.
[6] مورين ميرفي Maureen Murphy، قصر للمدينة. من المتحف الاستعماري إلى مدينة تاريخ الهجرة الوطنية Un palais pour une cité Du Musée des colonies à la Cité nationale de l’histoire de l’immigration، باريس، اجتماع المتاحف الوطنية RMN، ٢٠٠٧: بينوا دي ليستويل Benoît de l’Estoile، ذوق الآخرين، من المعرض الاستعماري إلى الفنون المبكرة Le Goût des Autres, de l’Exposition coloniale aux Arts premiers، باريس، دار نشر فلاماريون Flammarion، ٢٠٠٧ (انظر للمراجعة الأخيرة في لافي ديزدي La Vie des Idées: http://www.laviedesidees.fr/Les- musees-lieux-hautement.html، هيرمان ليبوفيكس Herman Lebovics، إعادة الإمبراطورية إلى الوطن: فرنسا في العصر العالمي Bringing the Empire Back Home: France in the Global Age، درهام ولندن، مطبعة جامعة ديوك، ٢٠٠٤.
[7] ماري كلود بلان شاليارد Marie-Claude Blanc Chaléard، الفن، المرجع السابق، ص. ١٣٨.
[8] انظر إيزابيل ماريل Isabelle Merle، وإيمانيول سيبود Emmanuelle Sibeud، «التاريخ على الهامش أم التاريخ قيد التقدم؟ الاستعمار بين الندم والتراث Histoire en marge ou histoire en marche ? La colonisation entre repentance et patrimonialisation »، خطاب في ندوة سياسات الماضي: إنشاءات واستخدامات وتحركات تاريخ فرنسا من السبعينيات إلى اليوم La Politique du passé : constructions, usages et mobilisations de l’histoire de France des années 1970 à nos jours، جامعة باريس ١، ٢٥-٢٦ سبتمبر ٢٠٠٣، نشرت النسخة النهائية تحت إشراف ومراجعة كلير أندريو Claire Andrieu، وماري كلير لافابر Lavabre Marie-Claire، ودانييل تراتاكوسكي Danielle Tartakowsky، سياسات الماضي: الاستخدامات السياسية للماضي في فرنسا المعاصرة. المجلد الثاني: تنافس الذكريات Politiques du passé. Usages politiques du passé dans la France contemporaine. Second volume : la Concurrence des passés، نشر في إكس إن بروفنس Aix-en-Provence، ٢٠٠٦، ص. ٢٤٥-٢٥٥.
[9] انظر جيرار نواريل Gérard Noiriel ونيكولا أوفنشتادت Nicolas Offenstadt، التاريخ والسياسة حول نقاش وبعض الاستخدامات Histoire et politique: autour d’un débat et de certains usages، مجلة Nouvelles Fondations العدد ٢، ٢٠٠٦، ص. ٦٥-٧٥.
[10] نيكولا بانسل Nicolas Bancel، وباسكال بلانشار Pascal Blanchard، وجيل بويتش Gilles Boetsch، وإريك ديرو Eric Deroo، حدائق الحيوانات البشرية من فينوس الهوتنتوت إلى برامج الواقع Zoos humains. De la Vénus hottentote aux reality shows باريس، دار نشر لاديكوفرتي La Découverte، ٢٠٠٢.
[11] تشارلز-روبرت اقيرون Charles-Robert Ageron، المعرض الاستعماري ١٩٣١. أسطورة جمهورية أم أسطورة إمبراطورية؟ L’exposition coloniale de 1931. Mythe républicain ou mythe impérial?، تحت إشراف بيير نورا Pierre Nora، أماكن الذاكرة Les Lieux de mémoire المجلد الأول، باريس، دار نشر قولمار Gallimard، ١٩٨٤، ص. ٥٦١-٥٩١: ميشيل بييرMichel Pierre المعرض الاستعماري الدولي لعام ١٩٣١، تحت إشراف لور بليفي Laure Blévis، وهيلين لافون-كوتورييه Hélène Lafont-Couturier، ونانيت سنويب Nanette Snoep، وكلير زالك Claire Zalc، ١٩٣١ الأجانب في زمن المعرض الاستعماري، باريس، دار النشر قالمار Gallimard-CNHI، ٢٠٠٨، ص. ٢٠-٢٧.
[12] فيما يخص هذه النقطة، انظر كليفور روزبنرغ Clifford Rosenberg، المهاجرون الفرنسيون والشرطة في فترة ما بين الحربينLes immigrants et la police française dans l’entre-deux-guerres، عام ١٩٣١، الأجانب وقت المعرض الاستعماري les étrangers au temps de l’Exposition coloniale، المرجع السابق، ص. ٩٢-٩٧، وأيضًا ضبط الأمن في باريس: أصول مراقبة الهجرة الحديثة بين الحروب The Origins of Modern Immigration Control between the Wars، إيثاكا ولندن، مطبعة جامعة كورنيل ٢٠٠٦.
[13] ناني جيه. سنوب Nanette J. Snoep، «بقايا وآثار الوهم، المعرض الاستعماري الدولي في مدينة فانسن Vincennes عام ١٩٣١»،
معرض -١٩٣١ الأجانب في زمن المعرض الاستعماري -، المرجع السابق، ص. ١٦٦-١٧٣.
[14] صوفي كريب Sophie Krebs، “الفنانون الأجانب في بداية الثلاثينيات في ١٩٣١، الأجانب في زمن المعرض الاستعماري، المرجع السابق، ص. ١٣٤-١٣٩.
[15] لور بليفي Laure Blévis، هل كان هناك سكان أصليون في العاصمة؟ الفئات الاستعمارية والفئات الحضرية Des indigènes en métropole Catégories coloniales et catégories métropolitaines?، في ١٩٣١، الأجانب في زمن المعرض الاستعماري، المرجع السابق، ص. ٢٨-٣٥.
[16]باسكال أوري Pascal Ory، الوهم الجميل: الثقافة والسياسة تحت شعار الجبهة الشعبية La Belle Illusion. Culture et politique sous le signe du Front populaire ، ١٩٣٥م-١٩٣٨م باريس، دار النشر بالون Plon ، ١٩٩٤م، من ص. ٢٥٥ وما بعدها.
[17] فابريس فيرجيلي Fabrice Virgili، ودانييل فولدمان Danièle Voldman، الباريسيون تحت الاحتلال، معرض مثير للجدل Les Parisiens sous l’Occupation, une exposition controversée، في مجلة French Politics, Culture & Society (قيد النشر).
[18]صحيفة لأوفر L’Œuvre، ٢٣ أكتوبر و٩ ديسمبر ١٩٣١م، صحيفة لو بوبولير Le Populaire، ١٥ و١٧ مارس ١٩٣١م.
[19] باسكال أوري Pascal Ory، الوهم الجميل: الثقافة والسياسة تحت شعار الجبهة الشعبية La Belle Illusion. Culture et politique sous le signe du Front populaire ، ١٩٣٥-١٩٣٨ باريس، دار النشر بالون Plon، ١٩٩٤، من ص. ٢٥٥ وما يليها.
[20] ماريان أمار، Marianne Amar، «فرانسوا كولار والعامل المغربي في المناجم، مصيران متقاطعان، François Kollar et le mineur marocain, destins croisés »، في ١٩٣١، الأجانب في زمن المعرض الاستعماري، المرجع السابق، ص. ٧٤-٧٥.
[21] صحيفة لأوفر L’Œuvre، ٢٣ أكتوبر و٩ ديسمبر ١٩٣١، صحيفة لو بوبولير Le Populaire، ١٥ و١٧ مارس ١٩٣١.
[22] رالف شور Ralph Schor، الرأي العام والأجانب L’Opinion publique et les Étrangers، ١٩١٩-١٩٣٩، باريس، دار نشر جامعة السوربون Publications de la Sorbonne، ١٩٨٥، وكلير زالك Claire Zalc، كراهية الأجانب ومعاداة السامية في فرنسا خلال سنوات الثلاثينيات، Xénophobie et antisémitisme dans la France des années 30، في معرض ١٩٣١، الأجانب في زمن المعرض الاستعماري، المرجع السابق، ص. ١١٢-١١٨.
[23] سجل المحاضر اليومية لمركز شرطة بيل-إير Bel-Air (باريس، الدائرة الثانية عشرة) المخصص للمعرض الاستعماري، أرشيف محافظة شرطة باريس، (Archives de la Préfecture de police de Paris (APP، المرجع CB/45/14.
[24] نيكولا بانسل Nicolas Bancel، وباسكال بلانشار Pascal Blanchard، وفرانسيس دي لابار Francis Delabarre، صور الإمبراطورية ١٩٣٠-١٩٦٠، ثلاثون عامًا من الصور الرسمية عن أفريقيا الفرنسية Images d’Empire, 1930-1960. Trente ans de photographies officielles sur l’Afrique française، باريس، دار النشر لا دوكومنتاسيون فرنسيس La Documentation française، ١٩٩٧.
[25] انظر العدد الخاص “الخيال الاستعماري، صور المهاجر maginaire colonial, figures de l’immigré” من مجلةHommes et migrations، العدد ١٢٠٧، مايو- يونيو ١٩٩٧.
[26] حول هذا الموضوع، انظر: نيكولا ماريو، Nicolas Mariot، أحري بالمرء أن يكون متحمسًا للقتل؟Faut-il être motivé pour tuer ?، مجلة جينييس Genèses، العدد ٥٣، ديسمبر ٢٠٠٣، أو المقال الجماعي المنشور في مجلة لافي ديزدي La Vie des Idées، حول الحرب العالمية الأولى، «١٩١٤ – ١٩١٨: إعادة اكتشاف الجدل Retrouver la controverse».
[27] بونوا دي ليستوال، السكان الأصليون للمستعمرات في المعرض الاستعماريLes indigènes des colonies à l’Exposition coloniale، في ١٩٣١، الأجانب في زمن المعرض الاستعماري، المرجع السابق، ص. ٤١.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




