• من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • تواصل معنا
  • دخول / تسجيل
  • اللغة
    • English
    • Chinese

لا توجد منتجات في سلة المشتريات.

منصة معنى الثقافية
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
هدهدة
No Result
عرض جميع النتائج
الثلاثاء, أغسطس 18, 2026
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
No Result
عرض جميع النتائج
منصة معنى الثقافية
هدهدة

التفكيكية: تحليل عابث أم مبتكر؟ | جيروم ليبر

بواسطة معنى
27 ديسمبر، 2025
من مقالات فرنسية
A A
التفكيكية: تحليل عابث أم مبتكر؟ | جيروم ليبر

ترجمة/ شيخة السميري

مراجعة/ محمد بن علي الزهراني.

هل التفكيكية، تحليل عابث أم مبتكر؟

قالباسكال: “من يستريح بلا سبب، سيتعب”، وللاحتفال بموسم الصيف وأنشطته المريحة، يسر منصة حياة الأفكار La vie des Idees أن تنشر مقالًا أصليًّا للفيلسوف جيروم ليبر حولالفك في ذكرىالفيلسوف الفرنسي جاك دريدا Jacques Derrida.

يأتي النص التالي بوصفه جزءًا من مساهمة في منتدى دولي أقيم تكريمًا لجاك دريدا، وقد قامت بتنظيمه كل من المكتبة الوطنية الجزائرية، وجامعة الجزائر، بدعم من المركز الثقافي الفرنسي في الجزائر، أقيم المنتدى في (٢٥ نوفمبر ٢٠٠٦م).

لنبدأ أولًا بقسط من الراحة: الاسترخاء، كما نفهمه، وكما يُكتب عادة. إن نقيض العمل النبيل ليس وقت الفراغ؛ إذ قد يكون وقتًا لتشكيل الذات التي تبلغ ذروتها في التفكير العميق، وبالتالي، تُكرّس الذات للبحث عن معنى الحقيقة والخير، لا داعي للقول، إن الاسترخاء لباس وجودي للبطالة؛ إذ يمتلك الاسترخاء بديلًا عندما يكون العمل سالبًا للطاقة التي يمكن تسخيرها للتسلية. يمكن أن يجد الوقت الضائع مكانه، الذي يقول به العمل عبر تعريفه بأنه كذلك، في برنامج المؤتمر، ولكن، وعلى الرغم من ذلك، فإننا نخاطر عبر استحضار هذا الاسترخاء؛ لأن من يعلن، بزلة لسان، اختتام الجلسة لحظة افتتاحها، لا يزال من الممكن أن يغفر له، ليس فقط لكلمته، بل أيضًا لرغبته.

ولكن أي شخص يقترح، في منتصف الجلسة، استرخاءً مرتجلًا، يرى تهديد باسكال يحوم فوقه: «من يسترخي بلا سبب، سيتعب»، ومع ذلك، فإننا لن نتحمل هذه المخاطرة لولا وجود شخص ما، أو تكريم شخص ما، دريدا في هذه الحالة؛ لأنه، وخلف المناقشات كلها حول الافتقار إلى جدية التفكيكية، قدم دريدا نفسه دائمًا بشكل واضح على أنه يسرق كلماته الخاصة، ويستولي عليها بشكل خاطئ لفترة طويلة جدًّا دائمًا، ويقترح دون ضمان فكرة تقع في أقصى الحدود، أو في حدود الخطر، جعلتنا كلماته الأخيرة التي خطها بيده نبتسم، بينما كانت كلماته التي يستهل بها مؤتمراته غالبًا تحمل نغمة الاعتذار:”المعذرة، نعم المعذرة” أو تلك التي كان يُلقيها في افتتاح ندوةٍ بقوله: “يكفينا أن نقول”، وكان القول عنده بداية للتفكير، والفكر بدوره فعل تفكيكٍ لما يُقال.1

أما عبارة “يكفي أن نقول، فهي في نطقها الفرنسي تشبه لفظ حرف “السي” باللغة الفرنسية وكأنها تلمح، بروح من الدعابة، إلى دعوة لفك القيود . وبشكل أعم، فهو يحاول فك العقدة، ليميز قدر الإمكان ما هو مختلط ومتشابك، إنها تنطوي على تحليل، ولذلك يبدو الفك أبعد ما يكون عن الاسترخاء، لأن التحليل لم يكن سوى عمل، ومع ذلك، عندما تفكر في الأمر، فإن التحليل يعد تحديدًا ضمن حدود الخطير في البحث عن الحقيقة. ينبغي على التحليل دائمًا أن يعد كل مشكلة كما لو كانت محلولة بالفعل، وكل كائن كما لو عُثر عليه بالفعل، وكل كلمة كما لو قيلت بالفعل؛ وعليه يصبح من الصعب للغاية التمييز بين التحليل التافه، الذي لا يجد إلا ما يفترضه، والتحليل الحقيقي، الذي يكتشف عناصر وتفاصيل جديدة. إن التحليل عمل تمييزي لا يتوقف أبدًا عن تبرير محتوى الاختلافات التي يكشفه عنها، إلى حد جعل إمكانية التحكم في الاختلاف تتأرجح، في هذا السياق، لا تعني تسميتها “فكًّا” (délacement) مجرّد الإيحاء بفكرة الراحة الكامنة في كلمة العمل، حتى وإن استلزم ذلك نقض كل عقدٍ مع العمل، بل، وربما أيضًا، تجاوز كل عقدٍ مع اللغة ذاتها، إذ إنّ كلمة délacement لم تُكتب يومًا بحرف الـ”سي” (C). وهذا ما يؤدي إلى ظهور اسم آخر للاختلاف، وهو، كما نعلم، غير مفهوم أيضًا كما هو مكتوب، ويحتفظ، أكثر مما يعبر عنه، بعدم السيطرة على الاختلاف، نحن لم نخترع هذا الاسم الآخر، لأن دريدا استخدمه أكثر من أي وقت مضى، أي مرة واحدة على الأقل؛ لذلك، نعتزم أن نسأل أنفسنا عما إذا كان لم يستخدمه مرة واحدة وإلى الأبد، إذا لم يكن الفك اسمًا آخر للتفكيك ككل، أي أيضًا للحرية المتخذة مع اللغة الممتزجة بها والمتحررة من نفسها.

  1. تحليل التفكيكية

المفيد والتافه

“سأبدأ من حيث لم نبدأ أبدًا”، هكذا كتب دريدا، أو بالأحرى هو كونديلاك Condillac، الذي استشهد به دريدا في «علم آثار التافه L’Archéologie du frivole”. يواصل كونديلاك شرح خوفه من الشعور بالملل: “ألاحظ مطولًا أشياء يعد الجميع أن لا فائدة من قولها”، ولكنه عبر تحليله يتطلب الانطلاق مما هو معروف من خلال نشر سلسلة من الأطروحات المتطابقة، ومن المفارقة أن هذه هي الطريقة الوحيدة لعدم الانغماس في الكلمات كما لاحظ دريدا، وطالما أننا نفكر في المصطلحات، فإننا لا نقوم إلا بتفصيل معناها دون تقديمه، وننخرط في تحليل تافه للغة نفسها، ومن ناحية أخرى، عندما نحلل الأفكار، التي هي علامات كثيرة جدًّا على الأشياء، فإننا نحدد الخصائص البسيطة التي تأتي من الشيء والموجودة في الفكرة، ونقوم بربط المقترحات المتطابقة والمبتكرة معًا. إذا كانت الفلسفة تميل بطريقة «خلقية»، كما يعلق دريدا، نحو الرعونة، فإن تحليل الأفكار التي اقترحها لوك وكونديلاك يتحرك على الحافة التي تفصل بين التافهة والمفيدة، إنها في الواقع مجرد قمة، أو “بنية واهية”، لأن العلامة في حد ذاتها ستكون دائمًا في جانب الرعونة، دون الحاجة الأصلية إلى الارتباط بالأشياء التي تكشف في العلامات عدم وجود الشيء. هذا الاتجاه الذي تعطيه الحاجة للعلامة، يسميه كونديلاك الرغبة. لا يكون التحليل مفيدًا إلا بقدر ما يلخص هذا الارتفاع بدرجات من الحاجة المباشرة إلى الرغبة في المعرفة، وبالتالي فإن الاختلاف الإبداعي في الرغبة يقوض، أثناء ترسيخه، تسلسل الافتراضات المتطابقة، وهو أيضًا، كما يوضح دريدا، «على هذا الشرط وحده… يكون التفكيك ممكنًا»، وإذا ما تناولنا هذا الأمر، من خلال التحليل، فإن التفكيكية نفسها ستعرف كيف تراقب الرعونة التي “تهدد دائمًا عمل عملها”، أو ستعرف أن الرعونة تراقب دائمًا الفكر، الذي تكون مشكلته الرئيسة دائمًا هي الخروج منه؛ اتباع خيط الرغبة والمنفعة.

يمكن الاعتراض على أن الحاجة الأصلية إلى الارتباط بالأشياء تُبقي التفكير حبيس المجال السطحي، مقتصرًا على المنفعة على نحو يبعث على القلق؛ إذ تنقله من أداة إلى أخرى، ولا تتيح له سوى الترفيه بوصفه شكلًا من الراحة والفضول. ولا يستعيد الفكر جديته إلا عندما يتجه إلى الأصل الذي يستدعيه، أي إلى الأصل الحقيقي للأشياء، إلى ذاتها؛ فالتفكير، كما يقول هايدجر، هو الانشغال بالوجود عبر تموضع المرء بين الكائنات وفيما بينها.

غير أن إعادة قراءة نص مثل «أصل العمل الفني» تكشف هايدجر، بدوره، محاصرًا باهتمامه بالشيء من زاوية نفعه؛ إذ يظهر المنتج، أو الشيء المفيد، متداخلًا بين الشيء البسيط والعمل الفني. ومن هنا تتجه فكرة العمل، في مستواها الأول، نحو مجال المفيد، مستشهدة بمثال منتج بعينه: زوج من أحذية الفلاحين. ففي الاستعمال، أي حين تكون الأحذية في أقدام الفلاحة التي تمشي في الحقول، تتجلى فائدة المنتج على نحو مباشر، لكنها لا تُدرَك بوصفها كذلك؛ فمَن يمشي لا يفكّر فيها.

وعلى النقيض من ذلك، تكشف الأحذية القديمة غير المربوطة، التي رسمها فان جوخ مرارًا، طبيعة المفيد ذاتها من خلال تحرير المنتج من استعماله. وهكذا، فإن «عدم جدوى» العمل الفني هي ما يُظهر موثوقية المنتج واستعداده للاستخدام، والعلاقة التي يقيمها مع العالم. فإذا كان حذاء الفلاحة يدعم علاقتها بالأرض التي تخطو عليها، فإن لوحة فان جوخ تقدّم، في المقابل، مدخلًا إلى سؤال: ما المنتج حقًّا، وما زوج حذاء الفلاح في حقيقته؟

ولكن هل يمكننا حقًّا أن نفكر في العمل بوصفه حقيقة المفيد التي تنفتح على الشيء؟ ليس هناك ما هو أقل يقينًا؛ وحول هذه النقطة، دعونا نتبع قراءة دريدا لهذا النص في التعويضات؛ الحقيقة في الرسم: في اللحظة التي يُبرز فيها هايدجرعدم نفعية العمل الفني، عندما أشارإلى (لوحة حذاء فان غوخ المرسومة وهي مفكوكة الأربطة، والمصوَّرة على هذا النحو تحديدًا، وهنا يبدو وكأنه يفكّ العقدة التي تربط الفنّ بالمنفعة، غير أنّه يعيد إحكامها من جديد،، من ناحية، “تظهر حقيقة المفيد، أي كائن المنتج للمنتج، في حالة عدم الاستخدام، في التخفيف والتضييق”، لكن من ناحية أخرى، يكتب هايدجر نصًّا “مربوطًا” يمر داخل الشيء ثم خارجه، المنتج، والعمل، وأين الأحذية في حد ذاتها والأحذية المطلية، أحذية فان جوخ غير المربوطة والمرأة الفلاحة، والمرأة الفلاحية وحذائها وعالمها؛ هذا “الشد المتشابك للحذاء” رسمه فان جوخ نفسه في اللوحة التي تعد مصدرًا لهايدجر، ينحني أحد الأربطة في حلقة “جاهزة للخنق”.

يُعد التفكيك هنا نوعًا من التحليل، أو أسلوبًا خاصًّا من أساليبه. فهو يعمل على فكّ التباس نص ميتافيزيقي يحاول، عبثًا، أن يتحدّث عن الحقيقة بمعزلٍ عن فكرة النفع، ويحقق معه، وفي الوقت نفسه ضده، العودة إلى أصل الشيء الذي يكشف اقترانه بالحاجة البسيطة، ولو كانت تافهة مثل حاجة الحاجة؛ ارتداء الأحذية، وبهذا المعنى، فإن قراءة دريدا لكتاب أصل العمل الفني تختلف كثيرًا عن قراءة بلانشو، هذا الأخير يجعل العمل، عديم الفائدة في حد ذاته، الانفتاح على العدم والموت الذي يعمل ويمر عبر المنتج ويقدم المعنى النهائي للوجود، إن تجربة العمل إذن ليست سوى تجربة الكسل، ومن ناحية أخرى، فإن الانحلال الذي يقدمه لنا دريدا يحلل العمل ليجد فيه المنتج الذي ينبغي أن تتكشف صفاته في سلسلة من الافتراضات التي لا يمكن دحضها والتي تستنفد الإحساس بالحاجة والرغبة في المعرفة.

كل ما تبقى هو أن التحرر لا ينتهي أبدًا؛ فإذا استطاع أن يحرر الحذاء من تشابكه المتعدد، فلا يكون ذلك إلا «إلى حد معين»، في الواقع، ما هو مفكك يظل دائمًا مرتبطًا بطريقة ما، تمامًا كما تظل الأجزاء العمياء من الحذاء المفتوح مرتبطة بالأربطة المرتخية، وبالتالي فإن فك الارتباط لا يخلو من المخاطر، تلك التي نجريها في كل مرة نسحب فيها الدانتيل: “يمكنك فقط فك إحدى العقد عن طريق سحب الأخرى لإحكامها أكثر”، وبالتالي فإن التفكيك هو عمل تحليلي يقوم على فك الروابط (ana-luein) دون الوقوع في عقدها، وعلى الرغم من أن الرغبة التي تمزق التحليل من التافهة هي في الأصل مقيدة، ولكن دون حل بسيط، إلى الحاجة التي تربطه بالمفيد؛ التشابك الأصلي للرغبة الذي تستجيب له في النهاية جملة باسكالية تقريبًا: الذي ينفصل عن المكان، إنه يمزق…

من التحليل إلى التحليل النفسي

تتم إعادة تشكيل عقدة الرغبة الأصلية هذه في كل مرة، لدرجة أن حلها يمكن أن يساهم بشكل جيد في عالمية المنهج وكذلك في تفرد المصطلح، وبالتالي إعادة توحيد التفكيك ودريدا والتحليل النفسي وفرويد. بعد تأخير دام 37 عامًا، نشر دريدا كتابه الأول “التكوين في فلسفة هوسرل”، وهكذا يؤكد دريدا على “نوع من الخصوصية” التي من شأنها أن تعيده دائمًا إلى الضرورة نفسها: “ما هي الضرورة؟ إنها دائمًا تعقيد ناشئ عن الأصل، تلوث أولي للبسيط، فجوة افتتاحية لا يمكن لأي تحليل أن يقدمها”7، وفي الوقت نفسه تقريبًا، قبل دريدا، مع الاعتراف بتردده، افتتاح مؤتمر مع ميغيل جويستي مخصص لـ “الفكرة العامة للتحليل”، وقد بدا هذا التردّد واضحًا منذ البداية، في محاضرة ألقاها بعنوان “المقاومات”، حيث تجلّت ملامح هذا التردّد في كلماته الأولى حين قال: “هل ينبغي أن نقاوم؟ وهل نبدأ بالتحليل نفسه؟”، لقد استعاد دريدا هنا الفكرة التي وجدها لدى فرويد المبكّر، والتي تؤكد عن ضرورة فكرة المقاومة. التي تثبت نفسها كحقيقة وأمر واقع وقدر. يقول فرويد: «في أفضل الأحلام التي تم تحليلها، يجب علينا غالبًا أن نترك منطقة في الظل، لأننا نلاحظ هناك أثناء التفسير أن مجموعة متشابكة من أفكار الحلم لا تريد أن تنحل؛ هذه إذن هي سرة الحلم، المكان الذي يتواصل فيه مع المجهول، يبدو هنا أن لاوعي دريدا ولاوعي فرويد يتواصلان عن طريق التخاطر، أو بالأحرى، يلتقي لاوعي التفكيك مع لاوعي التحليل النفسي مدفوعين بضرورتهما الخاصة، فإن هذين النهجين يأخذان كلا الطرفين: الفلسفة والمعالجة السريرية. الخيط نفسه، والعقدة نفسها، والتشبث بلغة المقاومة نفسها، وهو ارتباط “شبه خاص”، كما يوضح دريدا.

واستمرارًا لهذا “التحليل الذاتي غير الشخصي”، يجد دريدا حلمًا عاملًا لفرويد، وهو الأول الذي أخضعه لتحليل ذاتي مفصل قبل نشره في تفسير الأحلام؛ يوبخ فرويد أحد مرضاه، إيرما، لأنه “لم يقبل حله بعد”9، قبل أن يرى بخوف في محاوره مجموعة من الأعراض العضوية التي ينسبها الحلم إلى حقنة ثلاثي ميثيل أمين التي أجراها مساعده السابق أوتو، يبدو التفسير سهلًا؛ يلوم فرويد نفسه لعدم قدرته على علاج إيرما من هستيرياها، ويبرئ نفسه بإلقاء اللوم أولًا على مقاومة مريضته، ثم حقنة أوتو، لكن هذا الحلم يخفي شبكة غريبة من البدائل؛ حيث تحل إيرما محل إحدى صديقاتها، وهي المفضلة لدى فرويد، بالإضافة إلى مريضة أخرى، هؤلاء النساء الثلاث يتقاسمن مقاومتهن للعلاج التحليلي، وبالتالي فإن هذه المقاومة هي الجوهر الحقيقي للتحليل، “المكان الذي يجب أن يتوقف فيه التحليل”، كما يقول دريدا، في هذا المكان، وبشكل أكثر دقة، فإن أشكال المقاومة المختلفة، سواء تلك الخاصة بالأنا أو الأنا العليا أو اللاوعي، “تصبح متشابكة ومفرطة التحديد”.

ما وراء مبدأ اللذة سيكون النص الذي يحاول فيه فرويد حل هذه المقاومات كلها من خلال التخمين، وفقًا لقراءة دريدا له في البطاقة البريدية. يبدو للوهلة الأولى أن مبدأ اللذة ليس له ما هو أبعد من نفسه، لأن مبدأ الواقع لا يفرض سوى انعطاف حول تحقيق الرغبة، لكن الشك ينشأ مع اللعبة الصغيرة الشهيرة التي يمارسها حفيد فرويد، إرنست، الذي يرمي في غياب والدته بكرة من الخيط ثم يجمعها معًا. إن الابتعاد (ذهبت) يُحاكي هنا غياب أمه، بما يحمله من مشاعر الألم والانزعاج، بينما يُجسد الاقتراب (عادت) لحظة المتعة والارتياح. يبدو إذن أن مبدأ المتعة يواجه ميلًا أكثر بدائية يجعل خيط البكرة بمثابة شريط أو فخ، وهو ميل قهري نحو التكرار، وهنا كل شيء مجرد مسألة خيوط وروابط وعقد. يشرح فرويد أن شرط كل متعة هو ربط الطاقات الغريزية بهدف إطلاقها وعودة توازن النظام النفسي؛ ولذلك فإن مبدأ المتعة موجه بالكامل نحو التضييق النسبي، كما يقول دريدا، لهذه الدوافع، وكذلك نحو نتائجها النسبية، ومن ثم فإن التكرار لا يؤدي إلا إلى فك هذه الدوافع بشكل مفرط مما يعرض النظام بأكمله للخطر. وفي مقالته المذكورة بالفعل، تذكرنا “المقاومة” دريدا أنه في أحلك منطقة من اللاوعي، وهي المنطقة الأكثر انفصالًا، يؤكد اللاوعي قوته الخاصة في فك الارتباط، في هذه المرحلة، أعظم جهد تحليلي، وأعظم عمل، والذي يسميه فرويد العمل الذهني العميق Durcharbeitung، هو على وجه التحديد ما يتكون من التحليل وتكرار التجارب غير السارة نفسها ومواجهة افتقارها إلى الارتباط؛ باختصار، أسوأ مقاومة على الأريكة هي تلك المقاومة للفك. يتشابك التحليل النفسي مع عمل اللاوعي، الذي هنا “يقاوم التحليل في شكل عدم مقاومة”10، كذلك فإن التحليل والتحليل النفسي والتفكيك هو الذي يتشابك عميقًا في اللاوعي.

هل يمكن أن تكون هذه الكلمة التي استخدمها دريدا مرة واحدة فقط، هي الكلمة الصحيحة للتفكيك؟ ليس بالضبط، لأن أي تحليل يتعارض بالضبط مع استحالة الكلمة الصحيحة والمعنى الصحيح؛ لا يمكنه الوصول إلى البسيط، أو إلى الأصل، بل يتعثر بالضرورة على رسومات العقد أو آثار الأربطة، والوصلات غير القابلة للاختزال والتي تشير من مصطلح إلى آخر. دعنا نقول ببساطة أن هذه الكلمة يمكن أن تدخل في “التحليل الذاتي غير الشخصي” لدريدا، خاصة عندما يتحدث عن التفكيك من خلال مضاعفة المراجع: “إن ما نسميه التفكيك يخضع بلا شك لمتطلبات تحليلية، وفي الوقت نفسه نقدي وتحليلي. إنها دائمًا مسألة التراجع، وإزالة الرواسب، والتحلل، وتفكيك الرواسب، والتحف، والافتراضات، والمؤسسات11، الميزة الوحيدة لفك جميع مصطلحات هذه السلسلة من الدلالات ليست أنها غائبة، بل لأن لا يفصل هذه السلسلة من المعاني سوى القليل لتُسمّى بالكلمة المناسبة، غير أنّ الحقيقة هي أنّ ما ينقصها ليس سوى حرفٍ واحد، هو حرف (P)، الذي لو أُضيف، لتحوّلت كلمة “الفكّ” (délacement) إلى “التحوّل” (déplacement).

  • الفك والاسم الآخر للحرية

تتم كتابة التعطيل بـ a c، أو دون p، ولا شيء يسمح لنا أن نقرر ما الذي يهيمن هنا؛ مع أو دونه، لا شيء يسمح لنا بمعرفة ما إذا كانت هذه العلامة تفتقر إلى شيء ما أم لا، ولا شيء في دريدا يخبرنا بذلك، ومع ذلك، ما عليك سوى البحث عن تكرارات هذه الكلمة غير المحتملة على الإنترنت لتدرك أن زلة اللسان clavis تعمل بشكل رائع؛ سوف تكتشف حشدًا من الناس يشتكون من بدلاتهم غير القابلة للارتباط، دون أن يعرفوا حقًّا ما إذا كانوا يفتقرون بالفعل إلى أي شيء، إذا كانوا يستحقون التعويض، أو إذا خرجوا سالمين من زلة اللسان هذه… ومع ذلك، هل يمكن أن نعدها جديًّا، حرفًا، ص. من هو المفقود؟

شلل

نعم، إنها مسألة بالغة الأهمية، كما يتضح في «الرسالة المسروقة» لإدغار آلان بو، كما قرأها لاكان. فالرسالة هنا تُفهم بوصفها ما يتحرّك، أي دالًّا يفقد موضعه كلما انتقل من شخصية إلى أخرى؛ إذ تتخلّص منها الملكة أولًا، ثم يسرقها الوزير، ثم ينتزعها دوبين من الوزير، قبل أن يشتريها رئيس الشرطة من دوبين لإعادتها إلى الملكة.

ويحدّد لاكان ثلاثة أبعاد أساسية لهذا التداول. أولًا، يقدّم الخطاب تصورًا لماهية «الحرف» عمومًا، بوصفه دالًّا بسيطًا لا يحمل في ذاته معناه الخاص، أي مدلوله. ثانيًا، إن من يسرقون الحرف، أي الوزير ودوبين، يتركون في كل مرة حرفًا آخر مكانه، بحيث يُستبدل مصطلح بآخر. ثالثًا، إن مسار الحرف يجعله يعود، بالضرورة، إلى وجهته، التي تمثّل في الوقت نفسه أصله؛ فالانتقال من دالّ إلى آخر لا يعني سوى إعادة تثبيت المعنى لدى حامله الأخير، أي الملكة.

ووفقًا لدريدا، فإن هذه النتيجة النهائية ليست سوى افتراض مسبق هائل. إن حركة الحرف تدور حول المركز نفسه، والنقص نفسه أو الثقب نفسه، لأن غياب القضيب هو النقص المطلق الذي يجوف كل رغبة، وبالتالي المرجع النهائي لكل دال؛ يرتكز هذا الافتراض على مادية الدال، الذي حُكم عليه بأنه غير قابل للتجزئة: “اجعل الحرف قطعًا صغيرة، فيبقى هو الحرف الذي هو عليه”، يقول لاكان، وهكذا، يقول دريدا، يتم تقديم الرسالة على أنها “غير ملموسة وغير قابلة للتدمير من خلال تحويل مسار نظيف ودائري بشكل صحيح”، مما يؤدي إليها “من موطنه إلى موطنه”، إن عدم التجزئة يمنع التحليل والحركة، “إن هذا الحرف لا يفلت من التقسيم فحسب، بل يفلت من الحركة، ولا يغير الموقع”.

يسمي دريدا الشلل بأنه خطر يفرضه التحليل على التوقف بشكل بسيط: «الشلل لا يعني أننا لم نعد قادرين على التحرك أو المشي، ولكن، في اليونانية من فضلك، أنه لم يعد هناك أي اتصال، وأن الاتصال كله قد انحل، (بمعنى آخر، تم تحليله بالطبع) وذلك بسبب ذلك، لأننا معفيون، متبرؤون من كل شيء، لم يعد هناك شيء يذهب، لم يعد هناك شيء يتماسك، لا شيء لم يعد يتقدم؛ يتطلب الأمر رابطًا وعقدة لاتخاذ خطوة، وبالتالي فإن الشلل هو خطوة بقدر ما هو خطأ: “لن يتم نصب الفخ للخطوة، بل سيتم الخلط بينه وبين بنية الخطوة نفسها، مع حقيقة الخطوة بوصفها لا حقيقة”14، وهذا الفخ الذي ينتظر لاكان والذي قبض على هايدجر، تركه للبحث عن الأصل الذي لا يصلح أكثر من زوج من الأحذية غير المربوطة، أو فرويد، الذي بالنسبة له “الخطوة وراء PP [مبدأ المتعة] سوف ظلت محظورة، تمامًا كما فعل لايبنتز في جداله مع لوك (وبالتالي غيابيًّا مع كوندياك)، يمنح دريدا لنفسه دائمًا الدور في قرنه في دعوتنا إلى مواصلة التحليل، لجعله يخطو خطوة أخرى، لأن البساطة التي تقوم عليها التوقفات وهمية، لأنها تظل تافهة طالما أنها لم تأخذ في الاعتبار التعقيد الحميم والمفرد للشهية أو الرغبة.

الرسالة المفقودة

وبعبارة أخرى، فإن التحليل يخاطر بالعبثية طالما أنه يتوقف على حرف مفقود، على ص بسيطة: ص. الشلل والتحليل النفسي والأبوة P، في البطاقة البريدية، قبل كل شيء، أفلاطون هو الذي ينسب إلى سقراط، فضيلة شل محاوريه بأسئلته، لكن على البطاقة البريدية التي وجدها دريدا في أكسفورد، يملي أفلاطون أفكاره على سقراط؛ أفلاطون يحل محل والده الروحي، ويصبح والد والده، ولم نعد نعرف من يشل من، ومن هو جد الفلسفة وأبوها؛ إن لعبة الاستبدال هذه هي فخ البنوة؛ أب الابن هو أيضًا ابن الأب. يوضح جلاس كيف يعمل هذا الفخ بين الله الأب والمسيح، في ضيق العائلة المقدسة، كلما ظهر الأب بغيابه15، كل ما هو مفقود هو إثبات لاكان؛ الأب الحقيقي معيب دائمًا؛ ولذلك يتماهى الطفل مع الأب الرمزي، أي الفراغ المرتبط باسم الأب. هذه المرجعية النقية تحل محل الأم وتحول هذا الموضوع الأول للرغبة إلى واجب الرغبة، وهكذا يصبح اسم الأب مبدأ كل قانون، وكل سلطة، وكل واجب: “هذا ما يجب أن تكون عليه”، كما يقول للابن، في Mal d’archive، هذه السيطرة المطلقة للأب تحفز الطلب المستحيل للحفاظ على الرسالة. يستخدم والد فرويد، جاكوب فرويد، جد التحليل النفسي، هذه القوة عندما يوصي ابنه سيغموند، في رسالة، بعدم كسر التحالف، لقد استخدمه فرويد بالقدر نفسه، عندما أخضع لعبة Fort-Da التي لعب فيها حفيده للتحليل والسيطرة على مبدأ المتعة (وبالتالي مبدأ PP)، ومن هنا جاءت ملاحظة دريدا: “من ناحية، لم يسلط أحد أفضل من فرويد الضوء على ما أسميناه المبدأ الأركونتي للأرشيف (…) الأصل الاسمي للقانون، والمؤسسة، والتوطين، والبنوة… لكن ومن ناحية أخرى، في الحياة كما في أعماله، وفي أطروحاته النظرية كما في إجبار إستراتيجيته المؤسسية، كرر فرويد المنطق الأبوي” [16].

بمجرد ربط رسالة العمل بسيرة المؤلف، الأب والابن، من قبل عدد كبير من الأبناء، تذكر رسالة يعقوب إلى ابنه سيغموند بحادثة أخرى؛ تلك الإهانة التي تعرض لها يعقوب نفسه، يوم مسيحي ألقى قبعة الفرو في الوحل. ستدفع هذه الحادثة فرويد إلى تصور التحليل النفسي بوصفه انتقامًا من روما المسيحية، على غرار ما وعد به هاميلكار ابنه هانيبال، ولكن أيضًا، وبالتالي، رحلات حب إلى إيطاليا17، ومع ذلك، يعترف دريدا أيضًا بوجود “مرض الوجهة” الحقيقي18، الذي يدفعه ليس فقط إلى كتابة الرسائل، بل أيضًا إلى السفر والتجول، وليس فقط نحو إيطاليا. إن دريدا يرسل حرفيًّا كما يفعل الآخرون في التحليل19، ودون أن يكون من الممكن فك هذه الكلمات. إن التفكيكية في حد ذاتها ليست سوى “تجربة سفر (…) للحروف واللغة في رحلة”، هذا الإكراه على السفر لا يزال يستجيب لمطالب الأب الذي كانت مهمته بيع النبيذ للتاشيت حول البيار، والذي كان بالتالي غائبًا دائمًا، دائمًا في حالة تنقل: “إن اسم السفر لم يكن يعني لي أي شيء من قبل جملتي التي استطعنا أن نلقيها، في المنزل، حول هذا الموضوع، حول موضوع هذه الحملات القسرية التي كان والدي، باختصار، الموضوع الوحيد والأول فيها. ص”، ولذلك فإن فقدان دريدا هو “رسالة ميتة” حقيقية، وهو الاسم الذي يطلق في الولايات المتحدة على الرسائل المفقودة والتي تم جمعها بالبريد، وهكذا نقرأ في البطاقة البريدية: “إن الأمر يحتاج إلى رابط وعقدة لاتخاذ خطوة (فارغة)، ولم أعد أعرف ماذا أفعل بـ “الرسالة الميتة” التي تحدثت معي عنها مرة أخرى”.

المبدأ البريدي ونشره

إن عدم معرفة ما يجب فعله بهذه “الرسالة الميتة” هو أن تجد نفسك في موقف ملكة إدغار بو التي تفاجأت بالوزير ورسالتها في يدها، ولم تتمكن من إخفائها وتركتها على الطاولة، إلا أن الحرف لم يعد يستطيع أن يبدأ رحلة دائرية هنا، وهذا قبل كل شيء لأنه قابل للقسمة، يقول دريدا: “إذا كان هناك، حسب الفرضية السخيفة، تفكيك واحد فقط، وأطروحة واحدة حول التفكيك، فإنها ستفترض قابلية القسمة”[21]، ومبدأ فك الارتباط هذا هو على الفور مبدأ إزاحة، وهو ما يسميه المبدأ البريدي؛ المبدأ الذي صاغه على النحو التالي: “قد لا يصل الحرف دائمًا إلى وجهته (…) وقد ينقطع بلا عودة”؛ أو مرة أخرى: “إن انقسام الحرف هو ما يضل دون ضمان رد الباقي من شيء”22، وهكذا، في أي تحليل، يبقى هناك أثر لحرف أو حرف يتتبع، عالقًا في تأثيرات المراوغة التي قد تؤدي إلى فقدانه، وبالتالي فإن الحرف الرئيس للبطاقة البريدية، ص، ينقسم على الفور إلى PP؛ نحن نؤمن أولًا بالإصرار على مبدأ البنوة، لكن النص يهدف تحديدًا إلى تحرير نفسه من الرباط الذي يشكل، كما يقول ج.ج. الترديد23 “فخ الأب”، هذا التأثير التحرري هو مباشرة تأثير المبدأ البريدي، الذي يتكاثر في حد ذاته في تكرار مجنون، غير مدفوع، وغير ذي صلة، في مبدأ المتعة والدافع الأساسي، مكتب البريد، والشرطة العامة، والبطاقة البريدية المصورة، وبيني بوست، وبنمان-بوستمان24، أما الحرف الوحيد الذي يؤخذ فيه الأب حرفيًّا فعليًّا، على شكل حرف ما بعد الباقي، في PR25، فهو مفقود… ص. يتجول ويضيع، وهذا ما يسمى، بالنسبة لدريدا، النشر. النقص الفردي للأب أو القضيب، والإخصاء الفردي، يفسح المجال لكمية لا حصر لها من التخفيضات، من الانقسامات المتقطعة التي تؤثر على الرسالة دون العودة إلى الأب26، وهذا لا يحدث دون عودة مؤكدة للأم، لدرجة أن قطع الحبل أو الرباط السري لا يترك ثقبًا، بل عقدة، السرة، التي ترمز بدقة بالنسبة لفرويد إلى المركز المعقود للأحلام كلها؛ لكن لدينا سرة واحدة فقط (لحسن الحظ!)، في حين أن التحليل يقسم العقد إلى عقد متعددة ويصل إلى “نشر العقد بشكل لا نهائي، لآلاف وآلاف العقد”27. تؤدي التخفيضات، عن طريق تقسيم الحرف، إلى ظهور عدد كبير من الطعوم من حرف إلى حرف، وهكذا فإن تطعيم الـ P على الأحذية غير المربوطة يجعلها أحذية في غير مكانها، غير متطابقة، دون زوج، ولا يمكن أن تكون مخصصة لامرأة فلاحية أو ترسل إليها، كما يقول هايدجر: بدلًا من افتراض “عدم قابلية التجزئة” من الإرسال28 فمن الأفضل بعد ذلك تطعيم الحذاء في صياغة المبدأ البريدي ذاته: «الحذاء لا يصل أبدًا إلى وجهته، وبما أن هذا ينتمي إلى بنيته، فيمكننا القول إنه لا نصل إلى هناك أبدًا… ليس أكثر من الحرف، الزوج غير قابل للتجزئة، إن هذا التطعيم لـ P في الانحلال هو بالقدر نفسه للإزاحة أو التحويل في التحليل النفسي، لأن فرويد يجعل الأخير الطريقة الوحيدة لمعالجة المقاومة التي تتجاوز الأمل الزائف في التغلب عليها، وهكذا فإن المقاومة “متحللة في قوتها”. نزحت من مكانها (…) تحولت، ترجمت، تجلّت”29، أليس لهذا السبب يطلق دريدا على نفسه لقب “صديق التحليل النفسي”؟ “الصديق يجب أن يتم تعديله دائمًا، وأن يتم تحريكه”.

الاسترخاء والراحة والمسؤولية والحرية

هل يعني ذلك أن التفكيك قادر على تحريرنا من الفِخاخ التي تُقيّدنا؟ يبدو أن هذا هو، بالفعل، المسار الذي يسلكه دريدا حين يقول: «إن ما مارسته تحت هذا الاسم بدا لي دائمًا مناسبًا، بل كأنه قد قُدِّر لي، وهذا هو بلا شك دافعي الرئيس لتحليل شروط الشمولية في جميع أشكالها، وهي لا تنحصر دائمًا في أسماء الأنظمة؛ وذلك بقصد التحرر منها قدر الإمكان. إذ لا يكفي فكّ العقدة عبر التحليل وحده -فهناك أكثر من عقدة واحدة، والبنية الملتوية للعقدة تظل دائمًا شديدة المقاومة- ولا يكفي أيضًا اقتلاع ما ليس موجودًا، في أعماقي، سوى بوصفه رغبةً مرعبة في ذلك الجذر والجذر المشترك».

ولا يقتصر هذا التحرر على مجرد الرغبة في التحليل، لأن «التطعيم» هنا يقوم بوظيفة رابط منطقي. وهكذا يرى هيغل أن «نشاط التقسيم» هو «القوة الخاصة وعمل الفهم، القوة الأكثر إدهاشًا والأعظم»، وذلك تحديدًا لأنه يمنح الحق في الاختلاف، ويحرر الفرد من الكليات الحية، لكنها شديدة الاندماج، مثل الأسرة أو المجتمع أو الدولة الأبوية. وهو ما أتاح تحليل الدولة الملكية إلى حالة طبيعية، وجعل القانون الطبيعي الحديث والثورة الفرنسية ممكنين.

غير أنه إذا ظلّ التحليل متمسكًا بما هو ميت، أي بالتجريد الخالص، فإنه لا بد أن يتحول إلى فعل فعلي، قادر على مواجهة الموت والتحرر من هذا السيد المطلق عبر الممارسة العملية. ولهذا السبب ينتقد كوجيف، في قراءته لهيغل، كسل أولئك الذين يكتفون بالكتابة حين يكون المطلوب هو الفعل والعمل.

في المقابل، يدافع بلانشو عن الكتّاب في مواجهة كوجيف، لأن الأدب يضعهم مباشرة أمام التهديد المميت المتمثل في العجز عن إنتاج عمل. ومن ثمّ، فإن تحلل العمل، وهذا «الكسل عبر الكتابة»، يُعدّ لدى بلانشو «العمل بامتياز». ويبدو لنا أن هذا الجدل يقع في صميم التفكيك ذاته: فإذا كان الكسل عملًا، فماذا عن التراخي؟ وبعبارة أخرى، هل الكتابة التي تقسّم الرسالة فعلًا تحرريّة حقًّا؟

كل ما قلناه حتى الآن لا يحسم هذا النقاش أكثر من العقدة بين التافهة والمفيدة؛ بل تجددها، تهدف “الحقيقة كلها في الرسم” على وجه التحديد إلى تقويض فكرة “الانفصال التام” الذي من شأنه أن يفصل بين الفن والعمل، من خلال جعل العمل هو الذي يكشف حقيقة المنتج من خلال عدم جدواه، إن غياب الانكسار المحض يحيي الإكراه التحليلي عند دريدا، المماثل لذلك عند فرويد، الذي بالنسبة له يصبح التحليل، هذا العمل ضد المقاومة، أصعب عمل، Durcharbeitung، عندما يواجه هذه القوة الأخرى للفك والتي هي إكراه التكرار، والذي يظهر مرة أخرى فيما يتعلق بدافع الدمار والموت، وهكذا فإن لعبة إرنست المتكررة تدحض “الفصل بين اللعب والعمل”33، يمكننا إذن، خوفًا من الملل، دون التمسك باستحالة اتخاذ القرار، إذا لم ينفتح مخرج على وجه التحديد في الخوف من الملل الذي يسكن التحليل، تحليل كونديلاك، وفرويد، واستشهاد دريدا، فرويد: «لم يسبق لي في أي عمل أن شعرت بهذه القوة مثل هذه المرة (…) بتعبئة عمل الطابع وحبر الطابعة من أجل أن أقول أشياءً لا أقولها بالمعنى الدقيق للكلمة”[34]، يبرر فرويد عمله، في هذه الحالة “السخط في الحضارة”، من خلال تذكر اكتشافه لدافع الموت، الذي يمكن أن يدمر الكتابة، وينتهك الأرشيف، ويمحو آثاره؛ لذلك يتم اختراع الكتابة من خلال مواجهة الموت ومحو الحرف، بالقدر نفسه. وأكثر من الفن، الذي يخفي فقط دافع الموت، وبالتالي فهو مجرد “اسم مستعار في الرسم”، لا يوجد شيء تافه في هذا الأمر، فهو مفيد تمامًا.

ومن ثم يتنافس التفكيك في المنفعة مع التحليل النفسي، نرى هذا في استئناف دريدا للدراسة الفرويدية المتعلقة بنظرية جنسن للغراديفا؛ يقمع عالم الآثار الشاب نوربرت هانولد حاجته إلى الحب من خلال استبدال جاره، الذي أبدى عاطفة تجاهه منذ الطفولة، بالنقش البارز القديم لفتاة صغيرة تمشي، وبالتالي فإن العمل يخدم القمع حتى رحلة مفاجئة إلى بومبي تجعل نوربرت يعيد اكتشاف المرأة الحية (زوي) تحت شبح غراديفا. يُظهر دريدا أن نوربرت يحرر نفسه من القمع في هذه الرحلة، وذلك على وجه التحديد لأن البحث عن بصمة، عن الأرشيف المختفي لحركة ما، يحطم التثبيت النهائي للتمثيل: “إن إمكانية أثر الأرشفة، هذه الإمكانية البسيطة، لا يمكن إلا أن تقسيم التفرد”35، لكن الشيء المهم هنا هو الارتباط الضمني بين التمرين وملحق نص دريدا36، ويقتبس الكتاب رسالة من فرويد إلى فليس: “لقد قمت للتو بتزيين مكتبي بقوالب من التماثيل الفلورنسية؛ لقد كان استرخاءً كبيرًا بالنسبة لي، أخطط لأن أصبح ثريًّا لتكرار هذه الرحلة وأحلم بعقد مؤتمر على الأراضي الإيطالية! (نابولي، بومبي)”. يبدأ التذييل على النحو التالي: “بالصدفة، كتبت هذه الكلمات الأخيرة على ضفاف فيزوف، بالقرب من بومبي”؛ لذلك يحقق دريدا دون أن يقول ذلك حلم العمل (المؤتمر!) الذي كان لدى فرويد، فيحل محله، وينتقل نوربرت مكانهما، ويعمل لديهما بالكتابة من نابولي.

ومن ثم يتم التأكيد على أن ما يجعل عمل التحليل مفيدًا ومحررًا في الوقت نفسه هو دائمًا حركة، ونقل، ورحلة: “إن عمل الحلم المقدس يتسارع عندما أسافر وأغير الأماكن مثل السرير”37، إن “أنا أسافر” هذا هو كوجيتو التفكيك؛ فهو لا يضمن في اللاتينية الوحدة الإمبراطورية للذات، ولكن من خلال تكثيف فرانغليه، يرمي هذه الذات على طرق النشر، إنه يزيح التفكيك ويحرره لتعبير آخر، “أبي المسكين”، الذي استخدمه والد دريدا بالفعل للحديث عن بلده، لأن هذه P وPP من التفكيك ألقيت على نفسه “الطرق المتعرجة” وتخدم الرئيس نفسه38. انتقامًا من هانيبال للتفكيك، ينخرط “السفر” في الحرب ضد التعصب الديني أو القمع الاقتصادي؛ إنه يستجيب لوصية الأب الذي لم يهن في السبت، بل في الحياة اليومية لأيام العمل، وهكذا فإن هذا الصراع يفلت فورًا من جذوره المجتمعية، كما يتضح من الانقسام المباشر لتعاطف دريدا الموجه إلى تيه اليهود بقدر ما هو موجه إلى المكانة الأدنى للعرب في الجزائر المستعمرة: “معاناتي السياسية الأولى ارتبطت بالمعاناة الظالمة”، “الشقيان: العربي والمسافر يا أبي”39؛ لذلك فإن السفر هو كلمة أخرى للاسترخاء، وهو ما يقرر العمل في حالة عدم اليقين ويؤجل باستمرار لحظة الاسترخاء، بالنسبة لدريدا، ترتبط رحلة الاسترخاء بذاكرة “عائلات ثرية تذهب إلى فرنسا لقضاء العطلات أو العلاج”، في حين أن والده، “المسافر عن طريق التجارة، لم يأخذ إجازة قط (…) النتيجة والقاعدة: لا تربط السفر أبدًا بالترفيه أو الكسل أو حتى بالسياحة النشطة”، “لزيارة”40.

وبالتالي فإن التفكيك هو عمل التحليل والإزاحة هذا، وهو أيضًا عمل حداد على المفقود، والتمسك بالموت من أجل التحرر منه: «إذا قلت إنني أكتب لمتلقين أموات (…) فهذا ليس لعبًا»41، وهكذا، لم يتوقف دريدا أبدًا عن الانتقال من “العمل العظيم” للحداد إلى “الأمانة الصغيرة” للكتابة، مفككًا في أركان العالم الأربعة العقد التي توحد بنية الأسرة ومبدأها الأركوني، “الملكية الأبوية” وسلطة القانون وعقوبة الإعدام، لقد واصل بلا كلل التحليل الذي حرر نفسه من الرسالة، وفك اللغة (42)، وفك هذا الفخ الذي شكلته العقدة الرهيبة بين العائلة والجذور القومية، بين الوطن الأم والأب السيادي، بين اللغة والأرض؛ لأن أصل هذه الجذور لا يمكن إنكارها، لأنها كذلك “اليهودي الفرنسي المغاربي”، واصل دريدا أيضًا اختراع اللغة وتقسيمها إليها وإيصالها إلى تعدد اللغات، ومن هنا كان هذا الطعم الجميل كالجذور، حنينًا43.

فقط، بالنسبة له، لا تزال الحرية كلمة معقدة للغاية وصارمة للغاية: كم من اللغات غير مرتبطة باسم الحرية! «ومع ذلك، سأدافع عن الحرية بوصفها فائضًا في التعقيد… سأناضل من أجل الحريات، لكنني لن أتحدث بهدوء عن الحرية»44. مع ثقته في J.-L. نانسي على رد الاعتبار لهذه الكلمة (في تجربة الحرية) نفسها تفضل كلمة المسؤولية؛ المسؤولية هي هذا الإفراط في التعقيد؛ العقدة ضد الفك الكامل للتكرار والموت، فهو لا يقع على عاتق موضوع التحليل، بل على أي تفرد يقاوم التحليل والحساب والتحليل الذاتي، بالطبع، ليست المسؤولية هي الحل النهائي؛ ففيها “يوجد رباط الالتزام”(45)، وخيط البنوة أيضًا، كما يشير دريدا في كتابه ليفيناس، وبالتالي فإن الاستمرار في التحليل يعني اختراع كلمات جديدة مرارًا وتكرارًا.

“ما الذي سأتمكّن من اختراعه أيضًا؟”، يقول دريدا في مستهل أحد مؤتمراته، كما لو أن صوتًا آخر يتحدّث فيه، يرهقه ويوبّخه على طيشه. غير أن ما أُعلن على هذا النحو لم يكن سوى إعادة صياغة شديدة الخطورة لمفهوم ars inveniendi، أي فنّ الاختراع، الذي كان، لدى لايبنتز، الاسم الآخر للتحليل.

فمن خلال اختراع لغة، أو خاصية، منح لايبنتز نفسه، مرة واحدة وإلى الأبد، إمكانية التكرار. أما التفكيك، فمن خلال ترقيعه باللغة الطبيعية، فإنه يمنح ذاته إمكانية الانتشار والتجوّل. وإذا استحضرنا أنه يواصل، بذلك، عمل الإزاحة والفك الذي أنجزه نوربرت هانولد في غراديفا التي حُلِم بها، فإننا نكتشف، على نحو مفاجئ، أن فنّ الاختراع ليس سوى فنّ الحب أيضًا.

——————-

تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.

الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.

ShareTweetSendShareSend
المقال السابق

لماذا لم نعد نحتاج إلى أسئلة/إجابات كبرى؟ | بدر مصطفى

المقال التالي

هيكلة المجتمعات الحديثة | سيرج باوغام

لو كان رجلًا!| بدر مصطفى

لو كان رجلًا!| بدر مصطفى

7 أغسطس، 2026

«لو كان الفقر رجلًا لقتلته»— مقولة مأثورة لو كان الفقر رجلًا لكنا واجهناه، وربما قضينا عليه، بوصفه العدو الأكبر. لكن...

مقاربة سيميائية تأويلية لإعادة بناء الأهل والمكان والقيمة في لامية العرب |حاكمة السعدي

مقاربة سيميائية تأويلية لإعادة بناء الأهل والمكان والقيمة في لامية العرب |حاكمة السعدي

1 أغسطس، 2026

ليس الشعر كله وصفًا للموجودات؛ فمنه ما يسبغ عليها صورًا كما يراها، ومنه ما ينقض حدودها ويعيد رسمها، وإن «لامية...

ما الذي يجعل المواطن يبدو مواطنًا؟ كرة القدم وإسبانيا وسياسة النسب | إحساين إلحيان ترجمة: نيهاد القزوي

ما الذي يجعل المواطن يبدو مواطنًا؟ كرة القدم وإسبانيا وسياسة النسب | إحساين إلحيان ترجمة: نيهاد القزوي

27 يوليو، 2026

تروي كل أمة سرديتها الخاصة عن الانتماء؛ فمنها من يرويها عبر الدساتير، ومنها من يصوغها باللغة، بينما تستمد أمم أخرى...

جماليات اللاتطابق..لماذا يجب أن نرتاب في الأشياء التي تبدو كاملة؟ | بدر مصطفى

جماليات اللاتطابق..لماذا يجب أن نرتاب في الأشياء التي تبدو كاملة؟ | بدر مصطفى

24 يوليو، 2026

ثمة أشياء تجذبنا لأنها لم تُحكم إغلاقها على صورة واحدة. نعود إليها أكثر من مرة. لا تستنفد نفسها في النظرة...

عن منصة معنى

«معنى»، مؤسسة ثقافية تقدّمية ودار نشر تهتم بالفلسفة والمعرفة والفنون، عبر مجموعة متنوعة من المواد المقروءة والمسموعة والمرئية. انطلقت في 20 مارس 2019، بهدف إثراء المحتوى العربي، ورفع ذائقة ووعي المتلقّي المحلي والدولي، عبر الإنتاج الأصيل للمنصة والترجمة ونقل المعارف.

روابط سريعة

  • أرشيف معنى
  • مكتبة معنى
  • تطبيق معنى
  • الأفلام

التصنيفات

Articles & Essays MIT SMR SJPS أوراق ودراسات إعلانات معنى إيون الحياة الطيبة الفلسفة الآن الفيلسوف الجديد المتن الفلسفي المتن الفلسفي بودكاست ذا أتلانتيك سايكي سيكولوجي توداي غير مصنف مراجعات مقابلات وحوارات مقالات مقالات فرنسية مقالات من الصين نيويورك تايمز
  • الرئيسية
  • من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • السلة
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الخصوصية
  • تواصل معنا
  • English
  • Chinese

© 2026 منصة معنى الثقافية

مرحبا بك!

قم بتسجيل الدخول إلى حسابك

هل نسيت كلمة المرور؟ تسجيل

قم بإنشاء حساب جديد!

املأ النموذج أدناه للتسجيل

جميع الحقول مطلوبة. تسجيل الدخول

طلب إعادة تعيين كلمة المرور

يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني لإعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك.

تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
لست عضو الآن ؟ سجل الآن
استخدام Google
استخدام Apple
Or Use Social
إعادة تعيين كلمة المرور
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
تسجيل
هل أنت مستخدم مسجل بالفعل؟ تسجيل الدخول الآن
No Result
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
  • دخول / تسجيل

© 2026 منصة معنى الثقافية

-
00:00
00:00

قائمة التشغيل

Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00