ترجمة: أحلام الغامدي
ربما لا يكون العمر مجرد رقم على الورق؛ بل إن الشعور بالعمر قد يحمل أثرًا أكبر على مجريات حياتنا، خصوصًا في مسارنا المهني.
نومي ناجي ومايكل س. نورث
في عالم الأعمال المعاصر، يسود تنوع غير مسبوق؛ حيث تعمل خمسة أجيال جنبًا إلى جنب في بيئة اقتصادية متقلبة وسريعة التغير. لا شك أن هذا التنوع يولد التحديات؛ ومن أبرزها الفجوات الثقافية بين الأجيال، لكن هذه الاختلافات ليست وليدة العصر؛ فقد عبر أرسطو عن استيائه من الأجيال الشابة منذ قرون، واليوم تجد هذه الانتقادات صدًى لها في عبارات مثل “جيل الألفية”. السؤال المحوري هو: كيف يمكن للشركات تجاوز هذه التحديات لضمان نجاح جميع الموظفين في بيئة العمل المعاصرة؟
أبرز مشكلة تواجه الصور النمطية القائمة على العمر؛ هي تبسيطها المفرط وعدم دقة انعكاسها للتنوع العمري غير المسبوق في القوى العاملة حاليًّا، فمثل هذه الصور النمطية تستند إلى افتراض مبالغ فيه بموثوقية العمر الزمني[1] في تحديد السلوك والقدرات. صحيح أن العمر الزمني مفيد في تتبع مراحل النمو، فإن قدرته التنبؤية تتراجع بشكل ملحوظ مع تقدم العمر، فالتباين الفردي داخل كل فئة عمرية يفوق التباين بين الفئات العمرية، ويزداد هذا التباين كلما تقدمنا في العمر، وهذا هو ما يطلق عليه علماء الاجتماع “التباين العمري”.
عند الحديث عن التباين العمري في بيئة العمل، نجد أن العاملين الأكبر سنًّا يُعاملون غالبًا معاملة موحدة، سواء في السياسات أو الدراسات البحثية، ورغم عدم صحة هذا التعميم، فإن ما رسخه هو قانون التمييز العمري في التوظيف، وعلى الرغم من كون العاملين الأكبر سنًّا هم الفئة الأسرع نموًّا في القوى العاملة، فإن الأبحاث العلمية المتخصصة في هذا المجال لا تزال محدودة. هذا النقص في عدد الأبحاث يجعلنا نفقد فرصة فهم الفروق الفردية بين هؤلاء العاملين، مما يؤثر على صياغة سياسات عمل أكثر فاعلية، فبحلول عام 2024م، من المتوقع أن يشكل العاملون الذين يبلغون 65 عامًا فأكثر 13 مليون عامل في الولايات المتحدة، مقارنة بـ8.9 مليون في عام 2016م.
سلّطت أبحاثنا الأخيرة على تباين مهم وغالبًا ما يُغفل عنه، ومن خلال هذا البحث تمكنا من تطوير تصنيف جديد للموظفين في المراحل المتقدمة من حياتهم المهنية، فقد صنفنا العاملين الذين يبلغون من العمر 50 عامًا فأكثر إلى ثلاث فئات: الشباب والبالغين والمُسِنين، وذلك بناءً على سلوكهم وأدائهم، وليس أعمارهم الزمنية فقط. رغم تساوي أعمار أفراد هذه الفئات الثلاث (حوالي 55 عامًا)، فإننا لاحظنا اختلافات كبيرة بينهم في مجالات عدة؛ مثل الصحة والقدرة على العمل والأداء الوظيفي، وهذه الاختلافات لا يمكن تفسيرها إلا من خلال ما يشعر به المشاركون من عمر وليس أعمارهم الحقيقية؛ بعبارة أخرى، يبدو أن الشعور بالعمر يؤثر بشكل أكبر على نتائج الحياة المختلفة بما في ذلك الأداء الوظيفي، هذه الظاهرة المعروفة بالشيخوخة الذاتية، اسُتخدمت سابقًا في أبحاث الشيخوخة لتفسير اختلافات معدلات النجاة بعد العمليات الجراحية، وقد ثبت ارتباطها بشيخوخة الدماغ.
الشباب والبالغون والمُسِنّون
تظهر هذه الفئات العمرية اختلافات جوهرية في أدائهم الوظيفي؛ فعلى سبيل المثال، حقق المشاركون المصنفون ضمن فئة الشباب -أي الذين يشعرون بأن أعمارهم الذاتية[2] أصغر بعشر سنوات من أعمارهم الزمنية- نتائج أعلى بشكل ملحوظ في جوانب عدة؛ كالمشاركة الفعالة في العمل، والإنتاجية، وسلوك المواطنة الإيجابي كالإيثار وتولي المسؤوليات، وتشير هذه النتائج إلى أن هؤلاء الشباب قد يكونون أكثر ملاءمة لتولي مناصب قيادية، أو مهام تحفيزية؛ كالإرشاد والتدريب.
أظهر المسنون في المقابل أدنى مستويات الحافز والمشاركة في العمل، وأكبر حاجة إلى الدعم والتدخل؛ لذا يجب على الإدارة والموارد البشرية تحديد هؤلاء الموظفين وتقييم مهامهم وأعباء عملهم، وتسهيل حصولهم على برامج الصحة المهنية، ويمكن للمنظمات تكييف متطلبات الوظائف والموارد لتلائم قدرات المُسِنين؛ كتقليل الضغوط الزمنية أو زيادة الاستقلالية. يزدهر هؤلاء الموظفون في ظل جداول عمل مرنة أو فرص عمل مؤقتة، كوظيفة مرنة ما بعد التقاعد تسبق الانسحاب النهائي من سوق العمل.
يمتلك البالغون طاقة وإبداعًا كبيرين، لكنهم غالبًا ما يشعرون بأنهم غير مرئيين، وهم أقل انخراطًا من “الشباب”، وهم يشكلون 40% من القوى العاملة الأكبر سنًّا، مما يجعلهم قوة دافعة للتغيير. يمكن للمنظمات الاستفادة من هذه القوة، من خلال توفير بيئة عمل محفزة، وتبني سياسات مكافآت عادلة، وتعزيز الشعور بالتقدير والانتماء لدى البالغين.
نصائح للقادة
تسلط نتائج دراستنا الضوء على جوانب أساسية للقيادة التنظيمية، فعلى الرغم من التقدم في مجال التنوع والمساواة والإدماج، لا تزال هناك فرص لتعميق هذا النهج من خلال التركيز على التنوع العمري الذاتي. تشير أبحاثنا إلى أن إدراك الاختلافات العمرية الفردية ودورها في تحفيز الموظفين يمكن أن يسهم في تمكين أقسام الموارد البشرية من تقديم دعم أكثر فاعلية للقوى العاملة المتقدمة في السن، وتوفير مسارات مهنية مخصصة للموظفين في المراحل النهائية من حياتهم المهنية.
يشير العمر الذاتي المرتفع، الذي يتجلى في انخراط الموظفين بحماس وشغف، إلى قدرتهم على تحقيق شيخوخة ناجحة وتأقلم فعال، فمثل هؤلاء الموظفين، الذين يشبهون الشباب في حيويتهم، يبرزون في قيادتهم الفعالة؛ حيث يتسمون بأسلوب القيادة التحويلية[3] ويتبادلون المعرفة مع زملائهم، كما يسهمون في تعزيز أداء الفريق بفضل سلوكاتهم الإيجابية التي تدعم زملاءهم وتخدم المنظمة.
على الرغم من أهمية عدم التمييز العمري، فإن برامج الصحة المهنية يمكن أن تلعب دورًا حيويًّا في تعزيز إنتاجية وسعادة القوى العاملة متعددة الأجيال، يوفر مفهوم العمر الذاتي أداة جديدة لفهم الشيخوخة الناجحة والتدخلات المهنية في المراحل المتأخرة من الحياة المهنية. من الضروري أن تدرك المنظمات أن المخاطر الصحية والحوادث تختلف باختلاف الفئات العمرية، وأن هذا التنوع يجب أن يؤخذ في الحُسبان عند تصميم برامج الصحة المهنية. علاوة على ذلك، يجب على أصحاب العمل أن يكونوا على دراية بالتنوع في الأعمار الذاتية، حيث قد يحتاج بعض العمال الأكبر سنًّا إلى دعم إضافي، بينما قد يفضل آخرون مواصلة العمل بالوتيرة نفسها، أو حتى توسيع نطاق مهامهم.
يهدف برنامج الشيخوخة الصحية حيز التنفيذ (Healthy Aging in Action) الذي أطلقه مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأمريكي (CDC)، إلى تمكين كبار السن من التقدم في العمر بصحة جيدة. إن نشر هذا البرنامج وتشجيع تطبيقه يمثلان هدفًا استراتيجيًّا بالغ الأهمية في عالمنا المعاصر، ولا يقتصر هذا الأمر على القطاع الصحي فحسب؛ بل يتعداه ليشمل المسؤولية الإدارية. تستطيع الشركات الواعية أن تدرك أن العمر الزمني ليس مقياسًا دقيقًا للإنتاجية والتحفيز، وأن الخبرة والتجربة هما الثروة الحقيقية التي تسهم في النمو والتطور.
عن المؤلفين
نومي ناجي؛ أستاذة مساعدة في قسم القيادة والسياسة والتعلم مدى الحياة في جامعة جنوب فلوريدا.
مايكل إس. نورث (@michaelsnorth)؛ أستاذ مساعد في الإدارة والمنظمات في كلية ستيرن للأعمال في جامعة نيويورك.
[1] العمر الزمني: يشير إلى عدد السنوات التي عاشها الشخص. (المترجمة)
[2] العمر الذاتي: هو ببساطة العمر الذي تشعر به. إنه يختلف عن عمرك الزمني، وهو عدد السنوات الفعلية التي عشتها. (المترجمة)
[3] القيادة التحويلية: هي نهج قيادي يهدف إلى تحقيق تغييرات إيجابية من خلال إلهام وتحفيز الموظفين، وتطويرهم وتمكينهم من تحقيق أهداف مشتركة. (المترجمة)
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




