ترجمة: أمل الرشيدي
خلال رحلة حديثة إلى مقر الشركة، أصبحت الأسطح التي كنتُ لا أراها قبل جائحة كوفيد-19 واضحة لي أشد الوضوح الآن: حاجز الدخول عند الاستقبال، ومقابض الأبواب والحنفيات، وأزرار المصعد، وصواني الغداء، ولوحة المفاتيح، ومكتبي، ونظرًا لعدم إمكانية رؤية الفيروسات، كنت قلقًا بشأن ما لا أستطيع رؤيته، ومع ذلك، كنت واثقًا أن بروتوكولات السلامة قد اتبعها الناس بجدية بالغة، لأن عددًا كبيرًا من الأشخاص عملوا على جعل جميع هذه الأسطح لامعة ونظيفة.
هؤلاء العمال الأساسيون واصلوا أداء هذه الوظائف المهمة، والتي تكون في كثير من الأحيان محفوفة بالمخاطر طوال فترة الجائحة، حتى في الوقت الذي كان فيه “عمال المعرفة” يؤدون وظائفهم عمومًا من راحة منازلهم. هؤلاء العمال غير المرئيين يقومون بأعمال مهمة خلف الكواليس، وهي الأعمال التي يعدها الكثير منا -الذين عملوا عن بُعد طوال فترة الجائحة- أمرًا مسلمًا به في عوالمنا الاجتماعية السلسة نسبيًّا، إلى أن ينهار النظام. نتوقع أن تصل الطلبات التي اشتريناها عبر الإنترنت في الوقت المحدد، لأنها غالبًا ما تفعل ذلك، وعندما لا تصل، نشعر بالانزعاج، ونتساءل بقلق عن سبب تغير مسارات حافلات المدرسة فجأة، ونشعر بالضياع عندما تضعف إشارة الواي فاي لدينا.
تكشف العناصر المتأخرة في الطلب والرفوف غير المجهزة بالكامل عن تعقيد سلاسل التوريد العالمية، التي يديرها أشخاص حول العالم وتحافظ على حركة التجارة. بالنسبة للكثيرين منا في الشمال العالمي، الذين طالما افترضوا وفرة المنتجات وتوافرها الدائم، أجبرتنا هذه الاضطرابات على تبنّي منظور جديد، فلم نعد نرى السطح سلسًا وخاليًا من العوائق؛ فقد بدأت الشقوق في الظهور، لكن الاحتكاك قوة إبداعية، طاقة تفتح المجال أمام الابتكار والتغيير الإيجابي.
كشف ما كان غير مرئي
علمتنا السنوات الأخيرة أن ما هو مرئي ليس دائمًا انعكاسًا واقعيًّا للحقيقة أو الواقع، فمجرد أن يبدو شخص ما بصحة جيدة لا يعني بالضرورة أنه كذلك؛ فقد يكون مصابًا بفيروس كوفيد-19 دون أعراض، كما أن الأشخاص الذين يبدون سعداء قد يكونون في الواقع مرهقين ومحترقين نفسيًّا، وبالمثل، كانت عدم المساواة في الوصول إلى الرعاية الصحية خارج نطاق الاهتمام العام قبل الجائحة. ولكن إحصائيات معدلات الوفيات الناتجة عن الأمراض سلطت الضوء على الإخفاقات العميقة في أنظمتنا غير المرئية؛ السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية. وعندما يظهر غير المرئي إلى العلن، يصبح من الصعب تجاهل الطرق التي تم بها تطبيع عدم المساواة لصالح أولئك الذين تعظم فائدتهم من عدم المساواة.
رغم أننا نفترض غالبًا أن الجميع في القارب نفسه، فإن الواقع قد يكون مختلفًا؛ فقد تكون لدينا خيارات أكثر من الآخرين من حولنا، مثل: الأم العزباء التي يتعين عليها الذهاب إلى العمل بدوام كامل بينما تحاول إدارة التعليم عن بُعد لأطفالها الصغار، ومساعد الرعاية الصحية المنزلية الذي يهتم بمرضاه، بينما يعتني أيضًا بوالد مسن، وعامل المتجر الذي يعتمد على المواصلات العامة للتنقل اليومي، والعاملون في الصفوف الأمامية، الذين تعرضهم وظائفهم للخطر يوميًّا، ومع ذلك يجدون صعوبة في تغطية تكاليف معيشتهم الأساسية.
لقد دفعتنا القوى المزعزعة لهذا العصر إلى إعادة النظر في الأنظمة غير المرئية وتوزيع السلطة غير المتكافئ في مجالات مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والسياسات العامة، والمؤسسات المالية، والتكنولوجيا، وسوق العمل. والسعي إلى كشف ما هو غير مرئي، سواء في الأنظمة أو السياسات أو الممارسات، هو الخطوة الأولى نحو رؤية أوضح وفهم أعمق للواقع من حولنا.
القيادة بنيّة ووعي
ما يعنيه “رؤية ما تريد رؤيته” هي رؤية ما تؤمن به مسبقًا، فقد يكون هذا مفيدًا عند السعي إلى إجماع الآراء، لكنه ليس نهجًا مثاليًّا للتفكير الإبداعي. ولإحداث تغيير حقيقي، لا بد من وجود ضغوط تدفع نحو التغيير، وغالبًا ما يتطلب ذلك تحدي الوضع الراهن والخروج من إطار المنظور الثابت غير المعترف به.
أهمية التنوع في التفكير والابتكار
إحاطة نفسك بأشخاص لديهم التجارب والمعتقدات ووجهات النظر نفسها يمكن أن يحدّ من قدرتك على التفكير بطرق مختلفة. ففي الفرق المتجانسة فكريًّا، قد تؤدي الافتراضات المشتركة إلى حلول متشابهة لمجموعة من التحديات، وبينما قد تكون هذه الحلول مفيدة لأشخاص يشبهونك، فإنها قد تفشل في تلبية احتياجات الآخرين الذين يختلفون عنك. على سبيل المثال: لم يتم تحسين الكاميرات المبكرة للهواتف الذكية لالتقاط درجات البشرة الداكنة بوضوح. فتقنيات التعرّف إلى الوجه تتعرف إلى الوجوه البيضاء بدقة أعلى مقارنةً بوجوه الأشخاص ذوي البشرة الملونة. هذا النوع من التحيزات التكنولوجية يؤدي إلى رؤية بعض الأشخاص بوضوح، بينما يبقى آخرون غير مرئيين أو يُنظر إليهم بشكل غير منصف، وإن غياب هذا الاعتراف له آثار اجتماعية واقتصادية وسياسية واسعة النطاق، ما يؤكد أهمية التنوع والشمول في عمليات التصميم والابتكار. 1
القيادة بنيّة ووعي تعني تبنّي عقلية تساؤليه، ومراعاة الأفكار والأشخاص الذين نصغي إليهم، وكذلك أولئك الذين قد لا نمنحهم القدر الكافي من الاستماع. يدرك القادة الجيدون أن أكثر الفرق إبداعًا تتكوّن من أفراد ينتمون إلى خلفيات متنوعة. ولهذا يسعون إلى تنسيق وتهيئة فرص داخل الفريق للنقاش البنّاء والاستقصاء العميق القائم على الاحترام، وفي هذا المسار يفتحون الباب أمام إمكانات جديدة للتفكير والعمل بطرق مبتكرة.
القيادة من خلال الانفتاح والتفاعل المستمر تتطلب مبادرة والتزامًا مستمرًّا للانخراط في حوار حقيقي مع أشخاص لديهم تجارب مختلفة عن تجربتك الشخصية. ويمكن للقادة إحداث تغيير جوهري من خلال: احتضان نقاط الخلاف بدلًا من تجنبها، وتمثيل القيم الجديدة في سلوكهم اليومي، والاستماع بفضول حقيقي للآخرين دون أحكام مسبقة. في هذا السياق، يمكن أن يكون تبنّي عقلية عالم الأنثروبولوجيا مفيدًا من خلال الانفتاح على التنوع وتقدير الاختلافات، وطرح الأسئلة باحترام لفهم وجهات النظر الأخرى، والاستماع بانتباه وبنية التعلم، وتطوير وعي أعمق بالأنظمة الاجتماعية التي تؤثر على الأفراد والمجتمعات. هذا النهج يساعد القادة على بناء بيئات أكثر شمولًا وابتكارًا، حيث يتم تقدير كل الأصوات والخبرات.
رؤية أوسع لعالم متغير كما كتبت عالمة الأنثروبولوجيا الثقافية جيليان تيت: “محاولة التنقل في عالم القرن الحادي والعشرين باستخدام الأدوات التي تم تطويرها في القرن العشرين، مثل النماذج الاقتصادية الصارمة، تشبه المشي في غابة مظلمة باستخدام بوصلة، ولكن مع النظر إلى مؤشرها فقط”. قد تكون البوصلة دقيقة من الناحية التقنية وتخبرك بالاتجاه الصحيح، ولكن إذا ركزت فقط على المؤشر، فقد تصطدم بشجرة، فالرؤية المحدودة قاتلة، وما نحتاجه هو رؤية أفقية شاملة تتيح لنا فهم المشهد الأوسع، بدلًا من التركيز على التفاصيل بمعزل عن السياق العام”.2
جزء من هذه الرؤية الأفقية الشاملة هو التقدير للسياق وفضول حقيقي للتعلم عن الضغوطات والممارسات الناتجة، المرئية وغير المرئية، التي تشكل كيفية تعامل الأفراد مع حياتهم اليومية. على سبيل المثال، الشركات التي وضعت سياسات تتعلق بترتيبات العمل المرنة تستجيب لما تعلمته عن السياقات الفريدة للآباء العاملين (وخاصة النساء) ومقدمي الرعاية الذين كانوا سيضطرون لترك وظائفهم. ويمكن أن تعزز السياسات الرسمية لعودة العمل التي تسمح بالعمل عن بعد، والتي تسمح كذلك بالعمل الهجين (أي حضوري، وعن بعد)، الرسالة القائلة: “مجرد أننا لا نراك هنا، لا يعني أنك غير مرئي”.
وبالمثل، فإن المنظمات التي تتخذ خطوات لمساعدة الموظفين الذين قد يعانون من مشكلات صحية نفسية، بعضها تفاقم بسبب العمل الزائد، وقلة التقدير، والضغط المتزايد في العامين الماضيين، تعترف بأنه حتى إذا لم تكن معاناة الشخص مرئية، فإن ذلك لا يجعلها أقل واقعية. وبالمثل، فإن قادة الشركات الذين قدموا التزامات ملموسة وقابلة للقياس لبناء قوة عمل أكثر تنوعًا وعدلًا، هم بطريقة ما يقولون: “أراكم، أنتم جزء من فريق العمل، وأنتم مهمون”.
لقد جعلت السنوات الماضية أكثر وضوحًا ما كان العديد منا يتجاهله في السابق. فالتجارب السلسة التي يتمتع بها الكثير منا تخفي مجموعة من الواقع الاجتماعي وطرق العمل، بينما تكون المحطة في صندوق الدفع في المتجر خالية من اللمس للعملاء، ولا يزال هناك عامل خلف الكواليس ينظفها يدويًّا. ففي مكان العمل اليوم، من الضروري أن نُدرك أن هناك دائمًا أكثر مما يظهر على السطح.
المراجع (2)
1 -«التحيّز المُرمَّز (Coded Bias)»، فيلم وثائقي من إخراج شاليني كانتايا، (نيويورك: شركة 7th Empire Media، 2020). يتناول الفيلم اكتشاف التحيّز العِرقي في خوارزميات التعرّف على الوجوه، ويستعرض أبحاث جوي بولامويني التي أجرتها خلال عملها في مختبر MIT للإعلام.
2- تِت، ج.، «الرؤية الأنثروبولوجية (Anthro-Vision): طريقة جديدة للرؤية في عالم الأعمال والحياة» (نيويورك: دار Avid Reader Press، 2021).
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




