ترجمة: بندر التليدي
شاع التداوي بالمؤثرات العقلية وكَثُر استعمالها لما قد تبرزه من حلول مبتكرة في زمنٍ زادت الأمراض فيه وتدهورت الصحة العقلية.
بقلم: أليسون ميستر، وكاجا أوبيغارد، وإيريك غروتفيلد، وسيريل بوكيه
إن الحديث عن المؤثرات العقلية يبعثُ على اختلاف الرأي والشعور بوصمة العار، ويثير مفاهيم مغلوطة وأحكامًا كثيرة أساسها غالبًا افتراضات غير مُحْكمة، أو نقلتها لنا أفلام غربية أو حكايات عن “مغامرات” مسلية أو مفزعة رسخت في وعينا المجتمعي وصارت جزءًا من أساطيرنا، وإذا ما أغفلنا ما نعرفه سلفًا، فلا بد أن نصرّح بأننا ولجنا لما يسميه الكثيرون بنهضة المؤثر العقلي، أي فكر علمي جديد باعثه الفهم والمعرفة، باستعمال المؤثرات العقلية في الطب النفسي والصحة العقلية والمعافاة، فما هي إذن هذه النهضة؟
بروز المؤثرات العقلية في مجالي العلوم والأعمال التجارية تارة أخرى
فلنُمهّد أولًا لهذا الموضوع ونُذكّر بأن الشعوب القديمة في أنحاء العالم جميعها تعاطوا المؤثرات العقلية منذ آلاف السنين، مع أن البحث العلمي الرصين لم يشتغل على هذا الموضوع إلا في القرنين التاسع عشر والعشرين. المؤثرات العقلية مواد لها تأثير نفسي على العمليات الإدراكية للدماغ، فتتسبب في تغير الإدراك وتشتته وتؤثر على تصورات متعاطيها وأفكاره وعواطفه.
في مطلع خمسينيات وستينيات القرن العشرين، تزايدت الأبحاث وأسهبت في دراسة استخدام المؤثرات العقلية في الصحة العقلية وعلاج الأمراض العقلية، غير أنّ حركة الثقافة المضادة، وارتفاع معدلات الاستخدام الترويحي السليم وغيره، بالإضافة إلى الاضطرابات السياسية، كلها أمور وصمت هذه العقاقير بالعار والعيب، نتج عنها تصنيف المؤثرات العقلية بمواد خاضعة للرقابة من الدرجة الأولى في عام 1970م، مما حال دون استمرارية إجراء البحوث السريرية.
تشمل مجموعة المؤثرات العقلية الواسعة فئات وأصنافًا مختلفة، بما في ذلك مخدر ثنائي إثييل أميد حمض الليسرجيك (ما يسمى بالأسيد)[2]، والسيلوسيبين (أو “الفطر السحري”)[3]، وثنائي مثيل التريبتامين (الذي يستخرج من نباتات مثل الآياهواسكا)[4]، ومخدرات أخرى مثل المسكالين (الموجود في فصيلة الصباريات مثل صبّار البيّوت وسان بيدرو)[5] والكيتامين[6]، ومخدر الميثيلين دايوكسي ميثامفتامين (أحد مكونات ما يعرف باسم النشوة)[7].
قد يكون لكل نوع تأثير مختلف على الدماغ، فيؤثر في العقل والإدراك والسلوك، ويختلف تأثير المؤثرات العقلية أيضًا بحسب الجرعة؛ فتناول جرعات كبيرة قد تسبب أعراضًا عاطفية شديدة بما في ذلك الهلوسة، وقد تستمر لساعات، وأما تناول الجرعات القليلة (تعرف بالجرعات الصغيرة Micro) فعادةً يتعاطى الأفراد كميات لا تؤثر على أعمالهم ومهامهم اليومية.
[صار حديث الناس اليوم عن الجانب العلمي لاستخدام المؤثرات العقلية في الطب النفسي والصحة العقلية والعاطفية]
تجدد الاهتمام بالتجارب السريرية في مجال المؤثرات العقلية في العقد الماضي، وبدأت معاهد الأبحاث العالمية بتطبيع النقاش حول هذا الموضوع، والانخراط في بحوث من تخصصات متعددة قد تتمخض عنها نتائج حسنة (بما في ذلك مراكز الأبحاث في جامعة زيورخ وجامعة إمبريال كوليدج لندن ورابطة التخصصات المتعددة لدراسات المؤثرات العقلية وجامعة جونز هوبكنز وستانفورد، ومراكز أخرى). في حين اختارت بعض البلدان، كسويسرا، عينات محددة من المؤثرات العقلية -وفق معايير خاضعة للرقابة الشديدة- ووافقت على استخدامها في الرعاية النفسية والأبحاث منذ عقود، وفي الولايات المتحدة يتزايد الدعم لتأكيد موافقة إدارة الغذاء والدواء على استخدام بعض المواد المؤثرة عقليًّا في التداوي والعلاج.
عند الحديث عن الجانب التجاري، يُقدّر أن ينمو السوق العالمي للمؤثرات العقلية المصرّحة بمعدل سنوي إجمالي بنسبة 14.5%، ليصل إلى 6.3 مليار دولار أمريكي في عام 2026م، وهذا يجتذب اهتمام قادة الأعمال وقطاع الاستثمار، فمثلًا، استضاف المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2022م في دافوس بسويسرا، جمعًا من الباحثين والقادة في مجال الاستخدام الطبي للمؤثرات العقلية، لمناقشة إمكانية استخدام المؤثرات مستقبلًا في تحسين مجال الصحة العقلية وتطويره. تنتشر الجمعيات التجارية في أنحاء العالم جميعها لدعم الأبحاث والاستخدام القانوني للعقاقير المخدرة، وبجانب العديد من المشاريع الصغيرة، قامت شركات كبيرة مدرجة في البورصة مثل (أتاي لايف ساينسز) و(كومباس باثويز)[8] بجمع مئات الملايين من الدولارات لتمويل تلك المشاريع.
الدلائل العلمية على آثار المؤثرات العقلية
ما أسباب تزايد الأبحاث والسعي نحو الاستثمار في المؤثرات العقلية؟
لقد كشفت الأبحاث العلمية عن عدد لا يحصى من الطرق المحتملة التي يمكن أن تغير حياة الناس للأفضل.
السبب الأول: الصحة العقلية والمعافاة: بادئ ذي بدء، اختبر الباحثون المؤثرات العقلية سريريًّا وتجريبيًّا وتدارسوها وفق معايير الرقابة الطبية لعلاج ما شخّصوا من اضطرابات نفسية كثيرة، مثل الاكتئاب والقلق، وفقدان الشهية، واضطراب ما بعد الصدمة، وأنواع من الإدمان، والوسواس القهري، والصداع النصفي. في التجارب الأخيرة التي عملت عليها شركة (كومباس باثويز)، نتج عن تناول جرعة واحدة من السيلوسيبين، بالتزامن مع الدعم النفسي، تحسنٌ بارز في صحة المرضى الذين يعانون من الاكتئاب المقاوم للعلاج، وقد ثبت أن المؤثرات العقلية تعزز اليقظة الذهنية عند الأصحاء وتزيد من مشاعر التلاحم والتعاطف والتراحم والصحة العامة والروحية، وهو ما أسماه المؤلف مايكل بولان بـ ”تعزيز صحة وسعادة الأصحاء”.
السبب الثاني: مطالعة النفس ووصل الناس
ثبت أن للمؤثرات العقلية مقدرة كبيرة في تنظيم وتغيير الإدراك والسلوك الاجتماعي، ولذا فقد تؤثر على ما ندركه وعلى سلوكنا وتصرفاتنا تجاه الناس، ومن المنافع المذكورة لها زيادة التعاطف، وحسن التعامل والتخاطب، ووصل الناس والقرب منهم. تذكر الأبحاث أن المؤثرات العقلية قد تقدم لنا رؤى غاية في الأهمية، وتزيد من فهمنا لسلوك الفرد تجاه الآخرين، وتحسن من مشاعر الإنسان وعواطفه ومن سلوكه وتعامله مع الناس، وتساعد الإنسان في إدراك مشاعره الخفية والمضمرة، وتطوّر من علاقة الإنسان بنفسه وتقديره لها (بتحسين المقدرة على مطالعة النفس والرفق بها وصونها عن الفاحشة).
السبب الثالث: اللدونة العصبية وأثرها في استدامة التغيير
تشير المراجعات البحثية بأن المؤثرات العقلية قد تُسهم في تحسين وظائف الدماغ، ولذا تظهر نتائجها ويكون لها أثر باقٍ في أفعال الإنسان وسلوكه النفسي. أبرز صفاتٍ دُرِست كثيرًا وبُحِث أمر تغيرها مع مرور الوقت هي صفات ترتبط تحديدًا بالشخصية، وقبول التجربة، وحسن العشرة، وقلة الغضب والغيظ، كما اختبرت دراسات أخرى تأثيرات المؤثرات على السلوك، بما في ذلك تحسين المزاج، والصحة والرضا بما أوتي الإنسان، والقناعة بحال النفس والصبر على ذلك وحسن التعامل مع ما خلق الله من بشر وحجر، وكذلك فإن الفأل الحسن والفطنة مفتاحان أساسيان لبعث هذه التغيرات النفسية الحسنة، وسببين لديمومتها.
السبب الرابع: الابتكار والإبداع
فلنبدأ بالحديث عن الإبداع، فالمؤثرات العقلية قد تساعد الناس على تحصيل المرونة الإدراكية بتحفيز أو تثبيط شبكات الدماغ المهمة التي تتباين عادةً طرق عملها، فقد بيّنت دراسة أن تناول جرعات قليلة من مخدر (ثنائي إثييل أميد حمض الليسرجيك) يحفز التفكير الإبداعي؛ فقد زادت نسبة الابتداع والأصالة وحسن اشتغال المشاركين بما أشكل عليهم وتفوقهم العجيب على الأناس الذين تناولوا دواءً وهميًّا، وكذلك بَرَعَ المتطوعون الذين حضروا في جلسات تناول مخدر (الآياهواسكا) في هولندا في نسيان أنفسهم (أي تأمل العالم بعيون أناس آخرين)، مما يحفّز التفكير الإبداعي.
يصعب قياس مفهوم الإبداع، ويتعقّد قياسه في المختبرات، ولكن الدراسات المتراكمة توّثق بأن للمؤثرات العقلية تأثيرًا على قدرات المتعاطين في الإبداع وتتبع شواذّ الأفكار وغامضها.
تصرّح مجمل الأبحاث بأن معظم المؤثرات العقلية آمنة، ولا تؤثر على وظائف أعضاء الجسم، ما عدا شيئًا من السمّية وأعراضًا جانبية أقل ضررًا من مواد مخدرة أخرى، بما في ذلك الكحول. فلم تذكر الدراسات البحثية المقنّنة في الثلاثين عامًا الماضية أي آثار نفسية مستمرة على المشاركين في الدراسات بسبب المؤثرات العقلية، ولم تتأثر الوظائف العضوية، ولم يمرض أحد ممن شارك في أكثر من 2000 جلسة مقنّنة لتعاطي الجرعات.
غير أن المؤثرات العقلية هي مخدرات شديدة التأثير ولا ينبغي إساءة استخدامها أو استغلالها، كما يجب الحذر عند تعاطي جرعات كبيرة، فلا بد أن يتكفل المتخصصون ذوو الخبرة بهذا الأمر حفظًا لكرامة الإنسان وصحته، كما يجب التأكيد على الناس الذين يعانون من الفصام الوراثي أو غيره بتجنب تناول بعض المؤثرات العقلية، مثل مخدر (ثنائي مثيل التريبتامين) الذي قد يسبّب نوبات ذُهانِيّة، فيجب مراعاة السلامة النفسية والجسدية على حد سواء (باتباع عنصرين مهمين في نجاح العلاج النفسي للمدمنين، وهما حالة المريض الذهنية والعاطفية ومواصفات المحيط أو العيادة الذي تُعقد فيه الجلسة) ولا بد من التعاون مع ذوي الخبرة.
ختامًا، كيف يستفيد التجار ورواد الأعمال؟
لا تهدف هذه المقالة للتوصية باستخدام المؤثرات العقلية في مقر العمل، ولكنها تُخبر بما يحدث من تطورات متنامية لتجارة متضاربة موصومة بالعار والعيب، فنهضة المؤثرات العقلية وشيوعها له زخم بيّن وفرص مواتية، كما أنها تبعث آفاقًا للحوار وتجدد النقاش بين علوم الطبيعة والطب والإدارة.
يُنسب لألبرت أينشتاين قوله: لن تحل مشكلةً بمستوى الإدراك نفسه الذي سبّبها، ولذا لا بد من إيجاد حلول جديدة ومبتكرة مع تزايد مطّرد للمشكلات الصعبة وتدهور الصحة العقلية في كل مكان. تدعو المنظّمات الخبراء والقادة الواعين والحريصين على وصل الناس واللطف والتعاطف معهم، وأن ينظروا فيما إذا كان للمؤثرات العقلية نفعٌ حقيقي وفائدة متزايدة.
مواضيع ذات صلة:
الابتكار، مقر العمل وفرق العمل وثقافة العمل، التشتيت، الموازنة بين العمل والمعيشة.
تعريف بالكتّاب:
- أليسون ميستر (@alymeister): بروفيسورة متخصصة في الإدارة والسلوك التنظيمي بالمعهد الدولي لتطوير الإدارة بمدينة لوزان بسويسرا، أحد المفكرين المرشحين للتأثير في عام 2021م بحسب (رادار ثينكير 50)[9] وترأست اللجنة الاستشارية العلمية لمنظمة ( وَنْ مايند آت وورك).[10]
- كاجا أوبيغارد: متخصصة في علم النفس السريري ومستشارة ومدربة في مجال التأمل، اشتغلت بفحص وظائف العقل وفهمها بتجارب ودراسات مخبرية وجلسات تأملية وممارسة اليوغا.
- إيريك غروتفيلد: رائد أعمال متخصص في الاستثمار في المشاريع الاجتماعية والبيئية، كما أنه مدرب في مجال الإدارة، له مساعٍ حثيثة لدعم أبحاث المؤثرات العقلية، فقد تعاون وعمل في جامعة إمبريال كوليدج لندن ومعهد سينثيسيز وجامعة زيورخ وغيرها من المعاهد.[11]
- سيريل بوكيه: بروفسيور في مجال الابتكار والاستراتيجيات بالمعهد الدولي لتطوير الإدارة، ففيه اشتغل بمساعدة المنظمات في تنظيم خططها الابتكارية، تعاون مع مؤلف آخر في تأليف كتاب (التفكير البارع: الطريق غير المألوفة لتحقيق الأفكار الخارقة)، نشرته دار (ببليك آفيرس) عام 2021م.[12]
[1] يعبّر هذا المقال عن رأي المؤلف في وصف الموضوع وشرحه والتبرير له، كما أن أفكار المقال تنطبق على ثقافة ومجتمع مختلف عن ثقافتنا الإسلامية العربية، ولذا وجب التنويه (المترجم)
[2] LCD (“acid”).
[3] Psilocybin (“magic mushrooms”).
[4] DMT (such as ayahuasca).
[5] Mescaline (as Peyote and San Pedro).
[6] Ketamine.
[7] MDMA (as in Ecstasy).
[8] Atai Life Sciences and Compass Pathways.
[9] Thinkers50 Radar.
[10] One Mind at Work
[11] Synthesis Institute
[12] ALIEN Thinking: The Unconventional Path to Breakthrough Ideas (Public Affairs, 2021).
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




